ثم إنه تعالى بعد أن بين التوحيد وأخبر أنه المتفرد بالخلق والأمر أمر عبادة أن يدعوه مخلصين متذللين فقال عز من قائل : { ادعوا رَبَّكُمْ } الذي عرفتم شؤونه الجليلة ، والمراد من الدعاء كما قال غير واحد السؤال والطلب وهو مخ العبادة لأن الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب وأنه عاجز عن تحصيله وعرف أن ربه تبارك وتعالى يسمع الدعاء ويعلم الحاجة وهو قادر على إيصالها إليه . ولا شك أن معرفة العبد نفسه بالعجز والنقص ومعرفته ربه بالقدرة والكمال من أعظم العبادات . وقيل : المراد منه هنا العبادة لأنه عطف عليه { وادعوه خَوْفًا وَطَمَعًا } [ الأعراف : 56 ] والمعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه وفيه نظر ، أما أولاً فلأن المغايرة تكفي باعتبار المتعلقات كما تقول ضربت زيداً وضربت عمراً . وأما ثانياً فلأنها لا تستدعي حمل الدعاء هنا على العبادة بل حمله على ذلك إما هناك أو هنا ، وأما ثالثاً فلأنه خلاف التفسير المأثور كما ستعلمه إن شاء الله تعالى : { تَضَرُّعًا } أي ذوي تضرع أو متضرعين فنصبه على الحال من الفاعل بتقدير أو تأويل ، وجوز نصبه على المصدرية وكذا الكلام فيما بعد . وهو من الضراعة وهي الذل والاستكانة يقال ضرع فلان لفلان إذا ذل له واستكان ، وقال الزجاج التضرع التملق وهو قريب مما قالوا أي ادعوه تذللا ، وقيل : التضرع مقابل الخفية واختاره أبو مسلم أي ادعوه علانية .
{ وَخُفْيَةً } أي سراً . أخرج ابن المبارك وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن قال : لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم وذلك أنه تعالى يقول : { ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } وأنه سبحانه ذكر عبداً صالحاً فرضي له فعله فقال تعالى : { إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً } [ مريم : 3 ] وفي رواية عنه أنه قال : " بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفاً " . وجاء من حديث أبي موسى الأشعري أنه صلى الله عليه وسلم قال لقوم يجهرون : " أيها الناس إربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً بصيراً وهو معكم وهو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته " والمعنى ارفقوا بأنفسكم واقصروا من الصياح في الدعاء . ومن هنا قال جمع بكراهة رفع الصوت به . وفي «الانتصاف » «حسبك في تعين الإسرار فيه اقترانه في الآية بالتضرع فالإخلال به كالإخلال بالضراعة إلى الله تعالى ( في الدعاء ) وإن دعاء لا تضرع فيه ولا خشوع لقليل الجدوى فكذلك دعاء لا خفية فيه ولا وقار يصحبه ، وترى كثيراً من أهل زمانك يعتمدون الصراخ في الدعاء خصوصاً في الجوامع حتى يعظم اللغط ويشتد وتستك المسامع وتستد ولا يدرون أنهم جمعوا بين بدعتين رفع الصوت في الدعاء وكون ذلك في المسجد2 .
وروى ابن جرير عن ابن جريج أن رفع الصوت بالدعاء من الاعتداء المشار إليه بقوله سبحانه : { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين } وأخرج ابن أبي حاتم مثله عن زيد بن أسلم . وذهب بعضهم إلى أنه مما لا بأس به ، ودعاء المعتدين الذي لا يحبه الله تعالى هو طلب ما لا يليق بالداعي كرتبة الأنبياء عليهم السلام والصعود إلى السماء . وإن منه ما ذهب جمع إلى أنه كفر كطلب دخول إبليس وأبي جهل وأضرابهما الجنة وطلب نزول الوحي والتنبي ونحو ذلك من المستحيلات لما فيه من طلب إكذاب الله تعالى نفسه . وأخرج أحمد في «مسنده » وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول اللهم إني أسالك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ثم قرأ { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين } " وفصل آخرون فقالوا : الإخفاء أفضل عند خوف الرياء والإظهار أفضل عند عدم خوفه ، وأولى منه القول بتقديم الإخفاء على الجهر فيما إذا خيف الرياء أو كان في الجهر تشويش على نحو مصل أو نائم أو قارىء أو مشتغل بعلم شرعي ، وبتقديم الجهر على الإخفاء فيما إذا خلا عن ذلك وكان فيه قصد تعليم جاهل أو نحو إزالة وحشة عن مستوحش أو طرد نحو نعاس أو كسل عن الداعي نفسه أو إدخال سرور على قلب مؤمن أو تنفير مبتدع عن بدعة أو نحو ذلك ، ومنه الجهر بالترضي عن الصحابة والدعاء لإمام المسلمين في الخطبة . وقد سن الشافعية الجهر بآمين بعد الفاتحة وهو دعاء ويجهر بها الإمام والمأموم عندهم .
وفرق بعضهم بين رفع الصوت جداً كما يفعله المؤذنون في الدعاء بالفرج على المآذن وبين رفعه بحيث يسمعه من عنده فقال : لا بأس في الثاني غالباً ولا كذلك الأول . والظاهر أن المراد بالمعتدين المجاوزون ما أمروا به في كل شيء ويدخل فيهم المعتدون في الدعاء دخولاً أولياً . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أن المعنى في الآية أدعوا ربكم في كل حاجاتكم من أمر الدنيا والآخرة ولا تعتدوا فتدعوا على مؤمن ومؤمنة بشر كالخزي واللعن . وقد اختلف العلماء في كفر من دعا على آخر بسلب الإيمان أو الموت كافراً وهو من أعظم أنواع الاعتداء والمفتى به عدم الكفر .
وذكروا للدعاء آداباً كثيرة ، منها الكون على طهارة واستقبال القبلة وتخلية القلب من الشواغل وافتتاحه واختتامه بالتصلية على النبي صلى الله عليه وسلم ورفع اليدين نحو السماء وإشراك المؤمنين فيه وتحري ساعات الإجابة ، ومنها يوم الجمعة عند كثير ساعة الخطبة ويدعو فيها بقلبه كما نص عليه أفضل متأخرى مصره الفاضل الطحطاوي في «حواشيه على الدر المختار » فيما نقله عنه أفقه المعاصرين ابن عابدين الدمشقي ووقت نزول الغيث والإفطار وثلث الليل الأخير وبعد ختم القرآن وغير ذلك مما هو مبسوط في محله .
ومن باب الإشارة :{ ادعوا ربكم } أي اعبدوه { تضرعاً وخفية } إشارة إلى طريق الجلوة والخلوة أو ادعوه بالجوارح والقلب أو بأداء حق العبودية ومطالب حق الربوبية { إنه لا يحب المعتدين } [ الأعراف : 55 ] المتجاوزين عما أمروا به بترك الامتثال أو الذين يطلبون منه سواه
قوله تعالى : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين 55 ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين } .
يأمر الله في هذه الآية عباده المؤمنين بالدعاء إليه . والدعاء ضرب عظيم من ضروب العبادات . بل إنه عبادة رهيفة كريمة مميزة يتقرب بها المؤمن الداعي من ربه درجات . والحرص على الدعاء بغير كلل ولا ملل ولا قنوط دليل الإخلاص المستكين وهو يكشف أيضا عن استقرار الإيمان الوطيد في قلب المؤمن الداعي . فلا جرم أن يكون الدعاء علاقة يقين وتصديق كاملين لدى المؤمن . وهو كذلك ظاهرة أساسية ومفضلة من ظواهر العبادات على اختلاف أنواعها وضروبها . بل إن شعيرة الدعاء تأتي في طليعة العبادات جميعا إن لم تكن هي نتيجة أصيلة كبرى تؤول إليها العبادات برمتها . فما يزال المؤمن يصلي ويصوم ويتصدق ويتنسك ويتطهر ويكثر من الطاعات حتى تتعاظم صلته الروحية بخالقه العظيم ؛ لعبر عن حقيقة ذلك ومداه بالدعاء الصادق المخلص . وليس أدل على هذه الحقيقة من الحديث : ( الدعاء مخ العبادة ) {[1430]} .
وكذلك ما رواه كثير من أصحاب السنن والمسانيد عن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدعاء هو العبادة ) وذلك تعظيم للدعاء بما يجعله في ذروة المراتب من الطاعات التي يتقرب بها المرء من الله . إلى غير ذلك من الأحاديث المبينة لقدر الدعاء العظيم . هذه الشعيرة القلبية الخفية التي تشير إلى إخلاص المسلم العابد وهو يتذلل خاشعا لله بالمناجاة والرجاء . على أن الدعاء الصحيح المطلوب ما كان مضبوطا بضوابطه مما في الكتاب أو السنة لكي يكون دعاء سليما متقبلا . وهو ما تبينه الآية هنا { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } تضرعا وخفية منصوبان على الحال ؛ أي متضرعين بالدعاء مخفين له . وقيل : صفة لمصدر محذوف تقديره : ادعوه دعاء تضرع ودعاء خفية .
والتضرع ، من الضراعة وهي الخضوع والذلة والاستكانة والخشوع . تضرع إلى الله ؛ أي ابتهل{[1431]} . والخفية ، خلاف العلانية وهي السر ؛ لن الإسرار في الدعاء أقطع للرياء وأبعد عن الإخلال بالإخلاص . باعد الله بيننا وبين الرياء كما باعد بين المشرق والمغرب .
وعلى هذا يحاذر المؤمن كل شائبة تشوب الإخلاص في الدعاء إذا ابتغى لدعائه الاستجابة والتقبل . ومن الشوائب التي ينخرم بها الإخلاص في الدعاء المجاهرة الصارخة في الدعاء أو الصياح الرفيع المستهجن الذي يذهب ببركة العبادة ويبدد منها النقاء وحلاوة التذلل إلى الله . وإنما يدعو المؤمن ربه إسرارا وهمسا بينه وبين ربه حتى لا يدري أحد أو يسمع ما يقول . قال الحسن البصري في ذلك : أدركنا أقواما ما كان على الأرض عمل يقدرون أن يكون سرا فيكون جهرا أبدا . ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوت ، وإن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم{[1432]} .
واختلفوا في رفع اليدين في الدعاء ؛ فقد كرهه طائفة من العلماء منهم : جبير بن مطعم وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومسروق وعطاء وطاووس ومجاهد . وأجز رفعه آخرون من الصحابة والتابعين . واستدلوا لجواز الرفع بما رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا ثم رفع يديه ورأيت بياض إبطيه . ومثل ذلك عن أنس . وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال : لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا ، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة مادا يديه ، فجعل يهتف بربه . . وذكر الحديث . وفي رواية عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه .
أما مدى رفع اليدين في الدعاء فهو أن يرفعهما القانت حتى تصيرا بمحاذاة صدره . وهو قول الحنفية والحنبلية . وهو ما روي عن عمر وابن عباس وابن مسعود . وفي رواية عن أنس قال فيها : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه ) {[1433]} .
قوله : { إنه لا يحب المعتدين } الاعتداء يراد به مجاوزة الحد . وفي الحديث ما أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( سيكون قوم يعتدون في الدعاء ) والاعتداء في الدعاء يكون على وجوه منها : الجهر الكثير والصياح ، وهو ما بيناه في الفقرة السابقة . ومنها ان دعاءه أن يكون له منزلة نبي أو يدعو في محال مما لا يحصل إلا بمعجزة ، كما لو دعا ربه أن يصعد إلى السماء أو ينقلب له الحجر ذهبا وذلك ضرب من الشطط والعبث غير المعقول ولا المقبول في الدعاء .
وللدعاء آداب كثيره منها ان يكون الداعي على طهارة وأن يكون مستقبلا القبلة وأن يكون قلبه خاليا من شواغل الدنيا وأن يفتتح الدعاء ويختتمه بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يرفع يديه نحو السماء . وأن يتحرى ساعات يستجاب فيها الدعاء منها يوم الجمعة ووقت نزول المطر وعند الإفطار .