روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ} (49)

{ وَإِذْ نجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب } وهو على الشائع عطف على { نِعْمَتِيَ } [ البقرة : 7 4 ] بتقدير : اذكروا/ كيلا يلزم الفصل بين المعطوفين بأجنبي ، وهو اتقوا وقد تقدم قبل ما ينفعك هنا ، وقرئ ( أنجيناكم ) ، و( أنجيتكم ) ونسبت الأول للنخعي .

والآل قيل : بمعنى الأهل وإن ألفه بدل عن هاء ، وإن تصغيره أهيل ، وبعضهم ذهب إلى أن ألفه بدل من همزة ساكنة وتلك الهمزة بدل من هاء ، وقيل : ليس بمعنى الأهل لأن الأهل القرابة والآل من يؤول إليك في قرابة أو رأي أو مذهب ، فألفه بدل من واو ، ولذلك قال يونس في تصغيره : أويل ، ونقله الكسائي نصاً عن العرب ، وروي عن أبي عمر غلام ثعلب : إن الأهل القرابة كان لها تابع أولا ، والآل القرابة بتابعها فهو أخص من الأهل ، وقد خصوه أيضاً بالإضافة إلى أولي الخطر فلا يضاف إلى غير العقلاء ولا إلى من لا خطر له منهم ، فلا يقال آل الكوفة ، ولا آل الحجام وزاد بعضهم اشتراط التذكير فلا يقال آل فاطمة ، ولعل كل ذلك أكثري وإلا فقد ورد على خلاف ذلك كآل أعوج اسم فرس ، وآل المدينة ، وآل نعم ، وآل الصليب ، وآلك ويستعمل غير مضاف كهُم خير آل ويجمع كأهل فيقال آلون : وفرعون لقب لمن ملك العمالقة ككسرى لملك الفرس ، وقيصر لملك الروم ، وخاقان لملك الترك ، وتبع لملك اليمن ، والنجاشي لملك الحبشة وقال السهيلي : هو اسم لكل من ملك القبط ومصر ، وهو غير منصرف للعلمية والعجمة ، وقد اشتق منه باعتبار ما يلزمه فقيل : تفر عن الرجل إذا تجبر وعتا ، واسم فرعون هذا الوليد بن مصعب قاله ابن إسحاق ، وأكثر المفسرين وقيل : أبوه مصعب بن ريان حكاه ابن جرير ، قيل : قنطوس حكاه مقاتل ، وذكر وهب بن منبه أن أهل الكتابين قالوا : إن اسمه قابوس ، وكنيته أبو مرة وكان من القبط ، وقيل : من بني عمليق أو عملاق بن لاوز بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام ، وهم أمم تفرقوا في البلاد ، وروي أنه من أهل اصطخر ورد إلى مصر فصار بها ملكاً ، وقيل : كان عطاراً بأصفهان ركبته الديون فدخل مصر وآل أمره إلى ما آل وحكاية البطيخ شهيرة وقد نقلها مولانا مفتي الديار الرومية في «تفسيره » ، والصحيح أنه غير فرعون يوسف عليه السلام ، وكان اسمه على المشهور الريان بن الوليد ، وقد آمن بيوسف ومات في حياته وهو من أجداد فرعون المذكور على قول ، ويؤيد الغيرية أن بين دخول يوسف ودخول موسى عليهما السلام أكثر من أربعمائة سنة ، والمراد ب ( آل فرعون ) هنا أهل مصر أو أهل بيته خاصة أو أتباعه على دينه ، وب ( أنجيناكم ) أنجينا آباءكم ، وكذا نظائره فلا حجة فيها لتناسخي ، وهذا في كلام العرب شائع كقوله حسان :

ونحن قتلناكم ببدر فأصبحت *** عساكركم في الهالكين ( تجول )

و ( يسومونكم ) من السوم ، وأصله الذهاب للطلب ، ويستعمل للذهاب وحده تارة ، ومنه السائمة ، وللطلب أخرى ، ومنه السوم في البيع ، ويقال : سامه كلفه العمل الشاق ، والسوء مصدر ساء يسوء ، ويراد به السيئ ، ويستعمل في كل ما يقبح كأعوذ بالله تعالى من سوء الخلق و( سوء العذاب ) أفظعه وأشده بالنسبة إلى سائره ، وهو منصوب على المفعولية ليسومونكم بإسقاط حرف الجر أو بدونه ، والجملة يحتمل أن تكون مستأنفة ، وهي حكاية حال ماضية ، ويحتمل أن تكون في موضع الحال من ضمير { نجيناكم } أو { مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ } ، وهو الأقرب ، والمعنى يولونكم أو يكلفونكم الأعمال الشاقة ، والأمور الفظيعة أو يرسلونكم إليها ويصرفونكم فيها أو يبغونكم سوء العذاب المفسر بما بعده ، وقد حكي أن فرعون جعل بني إسرائيل خدماً وخولاً ، وصنفهم في الأعمال فصنف يبنون ، وصنف يحرثون ، وصنف يخدمون ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليه الجزية يؤديها كل يوم ، ومن غربت عليه الشمس قبل أن يؤديها غلت يده إلى عنقه شهراً ، وجعل النساء يغزلن الكتان ، وينسجن .

{ يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } جملة حالية أو استئنافية كأنه قيل : ما الذي ساموهم إياه ، فقال : / { يُذَبّحُونَ } الخ ، ويجوز أن تخرج على إبدال الفعل من الفعل كما في قوله تعالى : { يَلْقَ أَثَاماً يضاعف لَهُ العذاب } [ الفرقان : 68 ، 69 ] ، وقيل : بالعطف وحذف حرفه لآية إبراهيم ، والمحققون على الفرق ، وحملوا { سُوء العذاب } فيها على التكاليف الشاقة غير الذبح ، وعطف للتغاير ، واعتبر هناك لا هنا على رأيهم لسبق { وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله } [ إبراهيم : 5 ] ، وهو يقتضي التعداد ، وليس هنا ما يقتضيه ، والأبناء الأطفال الذكور ، وقيل : إنهم الرجال هذا وسموا أبناء باعتبار ما كانوا قبل ، وفي بعض الأخبار أنه قتل أربعين ألف صبي ، وحكي أنه كان يقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج والتجمع لإفساد أمره ، والمشهور حمل الأبناء على الأول ، وهو المناسب المتبادر ، وفي سبب ذلك أقوال وحكايات مختلفة ومعظمها يدل على أن فرعون خاف من ذهاب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل ففعل ما فعل { وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً } [ الأحزاب : 8 3 ] وقرأ الزهري وابن محيصن : { يُذَبّحُونَ } مخففاً ، وعبد الله : { يَقْتُلُونَ } مشدداً { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ } عطف على { يُذَبّحُونَ } أي يستبقون بناتكم ويتركونهن حيات ، وقيل : يفتشون في حيائهن ينظرون هل بهن حمل والحياء الفرج لأنه يستحى من كشفه ، والنساء جمع المرأة ، وفي «البحر » إنه جمع تكسير لنسوة على وزن فعلة جمع قلة ، وزعم ابن السراج أنه اسم جمع ، وعلى القولين لم يلفظ له بواحد من لفظه ، وهي في الأصل البالغات دون الصغائر ، فهي على الوجه الأول مجاز باعتبار الأول للإشارة إلى أن استبقاءهم كان لأجل أن يصرن نساءً لخدمتهم ، وعلى الثاني فيه تغليب البالغات على الصغائر ، وعلى الثالث حقيقة ، وقدم الذبح لأنه أصعب الأمور وأشقها عند الناس وإن كان ذلك الاستحياء أعظم من القتل لدى الغيور .

{ وَفِي ذلكم بَلاء مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ } إشارة إلى التذبيح والاستحياء ، أو إلى الإنجاء ، وجمع الضمير للمخاطبين ، ويجوز أن يشار بذلكم إلى الجملة وأصل البلاء الاختبار ، وإذا نسب إليه تعالى يراد منه ما يجري مجراه مع العباد على المشهور ، وهو تارة يكون بالمسار ليشكروا ، وتارة بالمضار ليصبروا ، وتارة بهما ليرغبوا ويرهبوا فإن حملت الإشارة على المعنى الأول : فالمراد بالبلاء المحنة ، وإن على الثاني : فالمراد به النعمة ، وإن على الثالث : فالمراد به القدر المشترك كالامتحان الشائع بينهما ، ويرجح الأول : التبادر ، والثاني : أنه في معرض الامتنان ، والثالث : لطف جمع الترغيب والترهيب ؛ ومعنى { مّن رَّبّكُمْ } من جهته تعالى إما بتسليطهم عليكم أو ببعث موسى عليه السلام وتوفيقه لتخليصكم أو بهما جميعاً ، و( عظيم ) صفة ( بلاء ) وتنكيرهما للتفخيم ، والعظم بالنسبة للمخاطب ، والسامع لا بالنسبة إليه تعالى لأنه العظيم الذي لا يستعظم شيئاً .

ومن باب الإشارة والتأويل : وإذ نجيناكم من قوى فرعون النفس الأمارة المحجوبة بأنانيتها ، والنظر إلى نفسها المستعلية على إهلاك الوجود ، ومصر مدينة البدن المستعبدة ، وهي وقواها من الوهم ، والخيال ، والغضب ، والشهوة القوى الروحانية التي هي أبناء صفوة الله تعالى يعقوب الروح ، والقوى الطبيعية البدنية من الحواس الظاهرة والقوى النباتية أولئك يكلفونكم المتاعب الصعبة ، والأعمال الشاقة من جمع المال ، والحرص وترتيب الأقوات والملابس وغير ذلك ، ويستعبدونكم بالتفكر فيها والاهتمام بها لتحصل لكم لذة هي في الحقيقة عذاب وذلة لأنها تمنعكم عن مشاهدة الأنوار ، والتمتع بدار القرار { يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } التي هي القوى الروحانية من القوى النظرية التي هي العين اليمنى للقلب ، والعملية التي هي العين اليسرى له ، والفهم الذي هو سمعه ، والسر الذي هو قلبه { وَيَسْتَحْيُونَ } [ البقرة : 49 ] قواكم الطبيعية ليستخدموها ويمنعوها عن أفعالها اللائقة بها . وفي ذلك الإنجاء نعمة عظيمة من ربّكم المرقي لكم من مقام إلى مقام ومشهد إلى مشهد حتى تصلوا إليه وتحطوا رحالكم بين يديه ، أو في مجموع ذلك امتحان لكم وظهور آثار الأسماء/ المختلفة عليكم فاشكروا واصبروا فالكل منه وكل ما فعل المحبوب محبوب .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ} (49)

قوله تعالى : { وإذ نجيناكم } يعني : أسلافكم وأجدادكم فاعتدها منةً عليهم لأنهم نجوا بنجاتهم .

قوله تعالى : { من آل فرعون } . أتباعه وأهل دينه ، وفرعون هو الوليد مصعب بن الريان ، وكان من القبط العماليق وعمر أكثر من أربعمائة سنة .

قوله تعالى : { يسومونكم } . يكلفونكم ويذيقونكم .

قوله تعالى : { سوء العذاب } . أشد العذاب وأسوأه ، وقيل : يصرفونكم في العذاب مرة هكذا ، ومرة هكذا كالإبل السائمة في البرية ، وذلك أن فرعون جعل بني إسرائيل خدماً وخولاً وصنفهم في الأعمال فصنف يبنون ، وصنف يحرثون ويزرعون ، وصنف يخدمونه ، ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليه الجزية . وقال وهب : كانوا أصنافاً في أعمال فرعون ، فذوو القوة ينحتون السواري من الجبال حتى قرحت أعناقهم وأيديهم ودبرت ظهورهم من قطعها ونقلها ، وطائفة ينقلون الحجارة ، وطائفة يبنون له القصور ، وطائفة منهم يضربون اللبن ويطبخون الآجر ، وطائفة نجارون وحدادون ، والضعفة منهم يضرب عليهم الخراج ضريبة يؤدونها كل يوم ، فمن غربت عليه الشمس قبل أن يؤدي ضريبته غلت يمينه إلى عنقه شهراً ، والنساء يغزلن الكتان وينسجن ، وقيل : تفسيره قوله ( يسومونكم سوء العذاب ) . ما بعده وهو :

قوله تعالى : { يذبحون أبناءكم } . فهو مذكور على وجه البدل من قوله يسومونكم سوء العذاب .

قوله تعالى : { ويستحيون نساءكم } . يتركونهن أحياء ، وذلك أن فرعون رأى في منامه كأن ناراً أقبلت من بيت المقدس وأحاطت بمصر ، وأحرقت كل قبطي فيها ، ولم تتعرض لبني إسرائيل ، فهاله ذلك وسأل الكهنة عن رؤياه فقالوا : يولد ولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك ، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل وجمع القوابل فقال لهن : لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتل ، ولا جارية إلا تركت ، ووكل بالقوابل ، فكن يفعلن ذلك حتى قيل : إنه قتل في طلب موسى عليه السلام اثنى عشر ألف صبي . وقال وهب : بلغني أنه ذبح في طلب موسى عليه السلام تسعين ألف وليد . قالوا : وأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل فدخل رؤوس القبط على فرعون وقالوا : إن الموت قد وقع في بني إسرائيل فتذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة ، فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها ، وولد موسى في السنة التي يذبحون فيها .

قوله تعالى : { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } . قيل : البلاء المحنة ، أي في سومهم إياكم سوء العذاب محنة عظيمة ، وقيل : البلاء النعمة . أي في إنجائي إياكم منهم نعمة عظيمة ، فالبلاء يكون بمعنى النعمة وبمعنى الشدة ، فالله تعالى قد يختبر على النعمة بالشكر ، وعلى الشدة بالصبر وقال : الله تعالى : ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ} (49)

قوله تعالى : ( وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ( ذلك تذكير لبني إسرائيل بنعمته عليهم ، وهي نعمة تضاف إلى جملة النعم التي كتبها الله لهم ، وهي هنا تنجيههم بإذن الله من آل فرعون ، والنجاة أو النجاء بمعنى الفوز والخلاص من الضيق والكرب وآل فرعون هم أهله وأتباعه والذين على ملته وهواه ، والكلمة آل أصلها أهل – كما قال بعض أهل البيان – ثم أبدلت الهاء ألفا فصارت آل ، أما فرعون فإنه على الراجح اسم لكل ملك من الملوك الذين تعاقبوا على حكم القبط في مصر .

وقيل : إن الكلمة تعني العاتي ذا الدهاء والمكر ، وقيل : معناه : بالقبطية التمساح واسم فرعون لا ينصرف للتعريف والعجمة . {[63]}

وقوله : ( يسومونكم سوء العذاب ( أي يذيقونكم أشد أنواع العذاب كأن يتخذوكم لهم عبيدا فتظلوا عندهم موضع حقار وزراية ، وكاف المخاطب في محل نصب مفعول به للفعل يسوم ، و ( سوء ( مفعول به ثان منصوب و ( العذاب ( مضاف إليه ، وقوله : ( يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ( من الذبح وهو في اللغة الشق ، والذبح معناه إحداث الشق في الحلقوم لقطعه أو فتقه ، وجملة يذبحون قيل أنها بدل من جملة يسومون في قوله : ( يسومونكم ( وقيل : هي تفسير لقوله يسومونكم ، أي أن تذبيح الأبناء واستحياء النساء جاء توضيحا لسموهم سوء العذاب وهذا هو الراجح والله أعلم .

ولقد كان فرعون حاكما عاتيا متجبرا قضى على بني إسرائيل بالقهر والتقتيل في غير عطف أو رحمة ، ويبدو للباحث المتدبر أن هذا المخلوق ما كان سوي النفس ولا مستقيم الطبع والشخصية ، فقد كانت تؤرقه ظواهر الشذوذ والمرض النفسي حتى راغ في قسوة محمومة وفي طبع غليظ متحجر يأمر جنوده وأتباعه بقتل الأطفال المواليد من بني إسرائيل واستبقاء البنات منهم على قيد الحياة ، وتلك غاية في الظلم وهو يمارس أسوأ أساليب القهر والعنف لمجرد وهم كان يراود تصوره وخياله ، فقد ذكر له أن زوال ملكه وسقوط عرضه سيكون على يد واحد من بني إسرائيل كما قيل ، ونحن لا نعبأ كثيرا بالسبب الذي أودى بهذا الطاغية الى هذا المستوى الإجرامي الذي يثير في النفس كآبة واشمئزازا . لا نعبأ بالسبب الذي كان وراء هذه الممارسة الغليظة فسواء كان ذلك إيهاما ركب رأس فرعون بأن فرعون أحد اليهود سوف يقضي عليه ، أو أن ذلك كان تعبيرا عن نفسية شاذة ملتوية تستطيب عذابات المظلومين وتستمرىء أن ترى الدم المسفوح بقطر بغزارة من جلود المظلومين والمعذبين .

لا يهمنا السبب كثيرا ما دامت النتيجة البشعة قد حلت بأولئك المقهورين ظلما وعدوانا ، لا يهمنا ذلك بقدر ما نلاحظه من خلال الدراسة ، والبحث أن طبيعة يهود يهود قد سميت بعد هذه الهزات والمصائب الالتواء والشذوذ حتى باتت غير سوية بل باتت غاية من انحراف الطبع وشذوذ النفس ، إن التجارب والدراسات كلها تشير إلى طبيعة اليهود الشاذة التي آلت إلى أن تمارس كل ضروب الأذى والتخريب وكل ألوان الإفساد والشر والتدمير ، تجتاح أوساط البشرية كافة ، فتذيقها الويل والثبور وعظائم الأمور ، والكلام في ذلك طويل لأن حلقات البلاء والتآمر والكيد من اليهود للبشرية تحتاج مجالا غير هذا المجال ، وذلك لفداحتها وتعدد مآسيها وأرزائها ، وهو كذلك مرير ، لأنه ينطوي على أحداث مذهلة مريعة منيت بها البشرية والمجتمعات عبر السنين الطوال وهي تعاني الأهوال والشدائد مثل الحروب الطاحنة المدمرة التي تتمخض عن الملايين من الضحايا والمعذبين ، ثم الكيد للبشرية لضربها في أعز ما تملك وهي القيم والعقائد ، ومكارم الأخلاق ، وكذلك الأزمات النفسية والاقتصادية والاجتماعية التي يصطنعها رجالات دهاقنة من اليهود تحت شعار مزيف من العلم ، ومن جملة هؤلاء فرويد في إفساد النفس وتمييعها لتظل فائرة مشبوبة خلف غريزة الجنس ، ثم ماركس وهو الذي في عناد وتوقح عن صفقة آراء غريبة ، لا تلبث أن تتداعى أمام المنطق السليم والمناقشة الموضوعية الحرة .

قوله : ( وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم ( اسم الإشارة وميم الجمع ( ذلكم ( تعني : فعلهم ذلك بكم ، أي أن فعل فرعون وجنوده بكم وما أنزلوه بكم من ألوان العذاب لهو بلاء ، أي امتحان واختيار عظيم ، لما في ذلك من بالغ القسوة وشديد الامتهان .


[63]:البيان للأنباري جـ 1 ص 81.