روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ} (46)

{ وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب } من اليهود والنصارى ، وقيل : من نصارى نجران { إِلاَّ بالتي هي أَحْسَنُ } أي بالخصلة التي هي أحسن كمقابلة الخشونة باللين ، والغضب بالكظم ، والمشاغبة بالنصح ، والسورة بالإناة كما قال سبحانه : { ادفع بالتي هي أَحْسَنُ } [ المؤمنون : 6 9 ] { إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } بالإفراد في الاعتداء والعناد ، ولم يقبلوا النصح ، ولم ينفع فيهم الرفق فاستعملوا معهم الغلظة .

وأخرج ابن جرير عن مجاهد أن الذين ظلموا هم الذين أثبتوا الولد والشريك أو قالوا يد الله تعالى مغلولة ، أو الله سبحانه فقير ، أو آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الغلظة التي نفهم الآية الاذن بها لا تصل إلى القتال لأولئك الظالمين من أهل الكتاب على أي وجه من الوجوه المذكورة كان ظلمهم لأن ظاهر كون السورة مكية أن هذه الآية مكية ، والقتال في المشهور لم يشرع بمكة وليست الغلظة محصورة فيه كما لا يخفى ، وقيل : المعنى ولا تجادلوا الداخلين في الذمة المؤدين للجزية إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمة ومنعوا الجزية فإن أولئك مجادلتهم بالسيف .

وأخرج ابن جرير . وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ما يقرب منه ، وتعقب بأن السورة مكية والحرب والجزية مما شرع بالمدينة ، وكون الآية بياناً لحكم آت بعد بعيد وأيضاً لا قرينة على التخصيص .

وقيل : يجوز أن يكون القائل بذلك ذاهباً إلى أن الآية مدنية ومكبة السورة باعتبار أغلب آياتها ؛ أو ممن يقول : بأن الحرب شرع بمكة في آخر الأمر ، والسورة آخر ما نزل بها إلا أنه لم يقع وعدم الوقوع لا يدل على عدم المشروعية .

وعن ابن زيد أن المراد بأهل الكتاب مؤمنو أهل الكتاب وبالتي هي أحسن موافقتهم فيما حدثوا به من أخبار أوائلهم وبالذين ظلموا من بقي منهم على كفره وهو كما ترى ، واختلف في نسخ الآية . فأخرج أبو داود في ناسخه . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة أنه قال : نهى في هذه الآية عن مجادلة أهل الكتاب ، ثم نسخ ذلك فقال سبحانه : { قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الاخر } [ التوبة : 9 2 ] الآية ولا مجادلة أشد من السيف ، وقال في مجمع البيان : الصحيح أنها غير منسوخة لأن المراد بالجدال المناظرة وذلك على الوجه الأحسن هو الواجب الذي لا يجوز غيره .

وقال بعض الأجلة : إن المجادلة بالحسنى في أوائل الدعوة لأنها تتقدم القتال فلا يلزم النسخ ولا عدم القتال بالكلية ، وأما كون النهي يدل على عموم الأزمان فيلزم النسخ فلا يتم ما ذكر فيدفعه أن من يقاتل كمانع الجزية داخل في المستثنى فلا نسخ وإنما هو تخصيص بمتصل ، وكون ذلك يقتضي مشروعية القتال بمكة ليس بصحيح لأنه مسكوت عنه فتأمل .

/ وقرأ ابن عباس { إِلاَّ بالتي } الخ ، على أن { إِلا } حرف تنبيه واستفتاح ، والتقدير ألا جادلوهم بالتي هي أحسن { وَقُولُواْ ءامَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا } من القرءان { وَ } الذي { الذي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ } أي وبالذي أنزل إليكم من التوراة والإنجيل ، وهذا القول نوع من المجادلة بالتي هي أحسن ، وعن سفيان بن حسين أنه قال : هذه مجادلتهم بالتي هي أحسن .

وأخرج البخاري . والنسائي . وغيرهما عن أبي هريرة قال : كان أهل الكتاب يقرؤون الكتاب بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا ءامنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم » الآية ، والتصديق والتكذيب ليسا نقيضين فيجوز ارتفاعهما .

{ وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ } لا شريك له في الألوهية { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } أي مطيعون خاصة كما يؤذن بذلك تقديم { لَهُ } ، وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله تعالى .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ} (46)

قوله تعالى :{ ولا تجادلوا أهل الكتاب } لا تخاصموهم ، { إلا بالتي هي أحسن } أي : بالقرآن والدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه ، وأراد من قبل الجزية منهم ، { إلا الذين ظلموا منهم } أي : أبوا أن يعطوا الجزية ونصبوا الحرب ، فجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ، ومجاز الآية : إلا الذين ظلموكم ، لأن جميعهم ظالم بالكفر . وقال سعيد بن جبير : هم أهل الحرب ومن لا عهد له . قال قتادة ومقاتل : صارت منسوخة بقوله : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله } { وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم } يريد إذا أخبركم واحد منهم من قبل الجزية بشيء مما في كتبهم فلا تجادلوهم عليه ، ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم . { وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون }

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا محمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، أنبأنا محمد بن إسماعيل ، أنبأنا محمد بن يسار ، أنبأنا عثمان بن عمر ، أنبأنا علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : { كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم " .

أخبرناا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري ، أنبأنا عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز ، أنبأنا محمد بن زكريا العذافري ، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم الدبري ، أنبأنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر بن الزهري ، أنبأنا ابن أبي نملة الأنصاري أن أباه أبا نملة الأنصاري أخبره : " أنه بينا هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء رجل من اليهود ومر بجنازة ، فقال : يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أعلم ، فقال اليهودي : إنها تتكلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله ، فإن كان باطلاً لم تصدقوه وإن كان حقاً لم تكذبوه " .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ} (46)

قوله تعالى : { وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 46 ) وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ } تجادلوا : من الجدل ، والجدال بمعنى الخصومة{[3573]} وهذا أمر من الله لعباده المؤمنين بمجادلة أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى { بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } أي باللين والملاطفة وبالجميل من القول . وهو الدعاء إلى دين الإسلام بإظهار آياته وحججه والتنبيه على جماله وكماله وصلوحه للبشرية . وهذه هي سبيل المسلمين وطريقتهم في دعوة الناس إلى دين الله ؛ وذلك بحسن الحديث وجميل الخطاب ، وبالمودة والرفق ، في غير ما غلطة ولا فظاظة ولا مخاشنة .

هذا سبيل المسلمين ؛ إذ يدعون الناس إلى منهج الإسلام يدعونهم بالحجة الظاهرة والمنطق والود ويظهرون لهم حقيقة الإسلام وما بني عليه من سماحة العقيدة وإشراقها وموافقتها للفطرة الإنسانية ، وما تضمنه من قواعد وأركان تتفق وطبيعة الإنسان وتنسجم مع مكوناته النفسية والروحية والعقلية والبدنية ، وتدعو في جملتها إلى الرحمة والخير والعدل والمساواة بين بني البشر .

قوله : { إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } المراد بالذين ظلموا : الذين نصبوا للمسلمين الحرب وجاهروا بالعداوة والتصدي لمنهج الله بالعدوان والمكايدة ، وأبوا إلا أن يتمالئوا على الإسلام بالتشويه والتشكيك والتنفير والافتراء ، وعلى المسلمين بالعدوان ليقتلوهم أو يستذلوهم ويضعفوهم . وهؤلاء ظالمون معتدون ، فما ينبغي للمسلمين أن يعاملوه بالحسنى ، أو يركنوا إلى مجادلتهم بالرفق ؛ إذ لا يجدي معهم غير سبيل القوة والتخويف دفعا لأذاهم وشرورهم عن الإسلام والمسلمين .

قوله : { وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ } يأمر الله المؤمنين –إذ حدثهم أهل الكتاب عما حوته كتبهم مما يمكن أن يكونوا فيه صادقين أو يكونوا فيه كاذبين- أن يقولوا لهم : { آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } أي صدقنا بما أنزل إلينا وأنزل إليكم في التوراة والإنجيل ، ومعبودنا ومعبودكم واحد لا شريك له ، ونحن له مستسلمون مذعنون بالطاعة والخضوع .

وبذلك إذا أُخبر المسلمون بما لا علم لهم به من التوراة والإنجيل مما لا يحتمل الحق والصدق أو التحريف والباطل فإنهم لا يبادرون إلى تصديقه أو تكذيبه ؛ لأنه قد يكون حقا وقد يكون باطلا ، بل إنهم يعلنون عن إيمانهم بهما إيمانا مجملا معلقا على شرط وهو كونه منزل من عند الله ، غير مبدَّل ولا محرَّف . وفي هذا روى البخاري عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال : كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا : { آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } .


[3573]:مختار الصحاح ص 96، وأساس البلاغة ص 85.