روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ أُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (26)

{ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } أي العمل بأن فعلوا المأمور به واجتنبوا المنهي عنه ، وفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الإحسان بقوله عليه الصلاة والسلام : " أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " { الحسنى } أي المنزلة الحسنى وهي الجنة { وَزِيَادَةٌ } وهي النظر إلى وجه ربهم الكريم جل جلاله وهو التفسير المأثور عن أبي بكر . وعلي كرم الله تعالى وجهه . وابن عباس . وحذيفة . وابن مسعود . وأبي موسى الأشعري . وخلق آخرين ، وروى مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق شتى ، وقد أخرج الطيالسي . وأحمد . ومسلم . والترمذي . وابن ماجه . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . وابن خزيمة . وابن حبان . وأبو الشيخ . والدارقطني في الرؤية . وابن مردويه . والبيهقي في الأسماء والصفات عن صهيب «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية للذين أحسنوا الخ فقال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة أن لكم عند الله تعالى موعداً يريد أن ينجزكموه فيقولون : وما هو ؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار ؟ قال : فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه سبحانه فوالله ما أعطاهم الله تعالى شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم » فحكاية هذا التفسير بقيل : كما فعل البيضاوي عفا الله تعالى عنه مما لا ينبغي ، وقول الزمخشري عامله الله تعالى بعدله : إن الحديث مرقوع بالقاف أي مفترى لا يصدر إلا عن رقيع فإنه متفق على صحته وقد أخرجه حفاظ ليس فيهم ما يقال .

نعم جاء في تفسير ذلك غير ما ذكر لكن ليس في هذه الدرجة من الصحة ولا رفع فيه صريحاً ، فقد أخرج ابن جرير . عن مجاهد قال : الزيادة المغفرة والرضوان ، وأخرج عن الحسن أنها تضعيف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وأخرج عن ابن زيد أنها أن لا يحاسبهم على ما أعطاهم في الدنيا ، وأخرج عن الحكم بن عتيبة عن علي كرم الله تعالى وجهه أنها غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب . وتعقبه ابن الجوزي بأنه لا يصح ، وقيل : الزيادة أن تمر السحابة بهم فتقول : ما تريدون أنا أمطركم فلا يريدون شيئاً إلا أمطرتهم .

وجمع بعضهم بين الروايات بأنه لا مانع من أن يمن الله تعالى عليهم بكل ما ذكر ويصدق عليه أنه زيادة على ما من به عليهم من الجنة ، وأيد ذلك بما أخرجه سعيد بن منصور . وابن المنذر . والبيهقي . عن سفيان أنه قال : ليس في تفسيرالقرآن اختلاف إنما هو كلام جامع يراد به هذا وهذا ، والذي حمل الزمخشري على عدم الاعتماد على الروايات الناطقة بحمل الزيادة على رؤية الله تعالى زعمه الفاسد كأصحابه أن الله تعالى لا يرى وقد علمت منشأ ذلك الزعم وقد رده أهل السنة بوجوه { وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ } أي لا يغشاها غبرة ما فيها سواد ولا أثر هوان ما وكسوف بال ، والمعنى لا يعرض عليهم ما يعرض لأهل النار أو لا يعرض لهم ما يوجب ذلك من الحزن وسوء الحال ، والكلام على الأول حقيقة وعلى الثاني كناية لأن عدم غشيان ذلك لازم لعدم غشيان ما يوجبهما فذكر اللازم لينتقل منه إلى الملزوم ، ورجح هذا بأنه أمدح ، والمقصود بيان خلوص نعيمهم من شوائب المكاره إثر بيان ما من سبحانه به عليهم من النعيم ، وقيل : إن ذكر ذلك لتذكيرهم بما ينقذهم منه فإنهم إذا ذكروا ذلك زاد ابتهاجهم ومسرتهم كما أن أهل النار فإن الإنسان متى علم أن عدوه في الهوان وسوء الحال ازداد سروراً ، وقد شاهدنا من يكتفي بمضرة عدوه عن حصول المنفعة له بل من يسره ضرر عدوه وإن تضرر هو ، وتقديم المفعول على الفاعل للاهتمام ببيان أن المصون من الرهق أشرف أعضائهم وللتشويق إلى المؤخر ولأن في الفاعل ضرب تفصيل { أولئك } أي المذكورون باعتبار اتصافهم بما تقدم { أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون } دائمون بلا زوال ويلزم ذلك عدم زوال نعيمها .

ومن باب الإشارة :{ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } وهم خواص الخواص { الحسنى } وهي رؤية الله تعالى { وَزِيَادَةٌ } وهي دوام الرؤية ، أو للذين جاؤوا بما يحسن به حالهم من خير قلبي أو قالبي ، المثوبة الحسنة من الكمال الذي يفاض عليهم وزيادة في استعداد قبول الخير إلى ما كانوا عليه قبل ، وقد يقال : الحسنى ما يقتضيه قرب النوافل والزيادة ما يقتضيه قرب الفرائض { وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ } أي لا يصيبهم غبار الخجالة ولا ذلك الفرقة { أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة } التي تقتضيها أفعالهم { هُمْ فِيهَا خالدون } [ يونس : 26 ]

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ أُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (26)

قوله تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ، أي : للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى ، وهي الجنة ، وزيادة : وهي النظر إلى وجه الله ، هذا قول جماعة من الصحابة ، منهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وحذيفة ، وأبو موسى ، وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم ، وهو قول الحسين ، وعكرمة ، وعطاء ، ومقاتل ، والضحاك ، والسدي . أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو العباس محمد بن يعقوب إملاء ، حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق الصنعائي ، حدثنا الأسود بن عامر ، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت - يعني البناني - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن صهيب رضي الله عنه قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ، قال : " إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد : يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه ، قالوا : ما هذا الموعود ؟ ألم يثقل موازيننا ، ويبيض وجوهنا ، ويدخلنا الجنة ، ويجرنا من النار ؟ قال : فيرفع الحجاب فينظرون إلى وجه الله عز وجل . قال : فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إليه " . وروي عن ابن عباس : أن الحسنى هي : أن الحسنة بمثلها والزيادة هي التضعيف عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف . وقال مجاهد : الحسنى : حسنة مثل حسنة ، والزيادة المغفرة والرضوان . { ولا يرهق } ، لا يغشى { وجوههم قتر } ، غبار ، جمع قترة . قال ابن عباس وقتادة : سواد الوجه ، { ولا ذلة } ، هوان . قال قتادة : كآبة . قال ابن أبي ليلى : هذا بعد نظرهم إلى ربهم . { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } .