روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ} (251)

{ فَهَزَمُوهُم } أي كسروهم وغلبوهم ، والفاء فيه فصيحة أي استجاب الله تعالى دعاءهم فصبروا وثبتوا ونصروا فهزموهم { بِإِذُنِ الله } أي بإرادته انهزامهم ويؤول إلى نصره وتأييده ، والباء إما للاستعانة والسببية وإما للمصاحبة { وَقَتَلَ دَاوُودُ } هو ابن إيشا { جَالُوتَ } أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال : لما برز طالوت لجالوت قال جالوت : أبرزوا إليّ من يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم ، فأتى بداود إلى طالوت فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته وأن يحكمه في ماله فألبسه طالوت سلاحاً فكره داود أن يقاتله بسلاح وقال : إن الله تعالى إن لم ينصرني عليه لم يغن السلاح شيئاً فخرج إليه بالمقلاع ومخلاة فيها أحجار ثم برز له فقال له جالوت : أنت تقاتلني ؟ قال داود : نعم قال : ويلك ما خرجت إلا كما تخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة لأبددن لحمك ولأطعمنه اليوم للطير والسباع فقال له داود : بل أنت عدو الله تعالى شر من الكلب فأخذ داود حجراً فرماه بالمقلاع فأصابت بين عينيه حتى قعدت في دماغه فصرخ جالوت وانهزم من معه واحتز رأسه .

{ آتاه الله الملك } في بني إسرائيل بعد ما قتل جالوت وهلك طالوت ، وذلك أن طالوت كما روي في بعض الأخبار لما رجع وفي الشرط فأنكح داود ابنته وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود وأحبوه ، فلما رأى ذلك طالوت وجد في نفسه وحسده فأراد قتله فعلم به داود فسجى له زق خمر في مضجعه فدخل طالوت إلى منام داود وقد هرب داود فضرب الزق ضربة فخرقه فسال الخمر منه فقال : يرحم الله تعالى داود ما كان أكثر شربه للخمر ، ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه وعن يمينه وعن شماله سهمين ، فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها فقال : يرحم الله تعالى داود هو خير مني ظفرت به فقتلته وظفر بي فكف عني ثم إنه ركب يوماً فوجده يمشي في البرية وطالوت على فرس فقال : اليوم أقتل داود وكان داود إذا فزع لا يدرك فركض على أثره طالوت ففزع داود فاشتد فدخل غاراً وأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فضربت عليه بيتاً فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت قال : لو كان دخل ههنا لخرق بيت العنكبوت فرجع ، وجعل العلماء والعباد يطعنون عليه بما فعل مع داود وجعل هو يقتل العلماء وسائر من ينهاه عن قتل داود حتى قتل كثيراً من الناس ، ثم إنه ندم بعد ذلك وخلى الملك وكان له عشرة بنين فأخذهم وخرج يقاتل في سبيل الله تعالى كفارة لما فعل حتى قتل هو وبنوه في سبيل الله تعالى فاجتمعت بنو إسرائيل على داود وملكوه أمرهم فهذا إيتاء الملك { والحكمة } المراد بها النبوة ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد قبله بل كانت النبوة في سبط ، والملك في سبط ، وهذا بعد موت ذلك النبي وكان موته قبل طالوت ، وذكر الحكمة بعد الملك لأنها كانت بعده وقوعاً أو للترقي من ذكر الأدنى إلى ذكر الأعلى { وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } كصنعة اللبوس ومنطق الطير وكلام الدواب ، والضمير المستتر راجع إلى الله تعالى ، وعوده إلى داود كما قال السمين ضعيف لأن معظم ما علمه تعالى له مما لا يكاد يخطر ببال ، ولا يقع في أمنية بشر ليتمكن من طلبه ومشيئته .

{ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم } وهم أهل الشرور في الدنيا أو في الدين أو في مجموعهما { بِبَعْضِ } آخر منهم يردهم عما هم عليه بما قدره الله تعالى من القتل كما في القصة المحكية أو غيره ، / وقرأ نافع هنا وفي الحج دفاع على أن صيغة المغالبة للمبالغة { لَفَسَدَتِ الأرض } وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يصلح الأرض ويعمرها ، وقيل : هو كناية عن فساد أهلها وعموم الشر فيهم ؛ وفي هذا تنبيه على فضيلة الملك وأنه لولاه ما استتب أمر العالم ، ولهذا قيل : الدين والملك توأمان ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الآخر لأن الدين أس والملك حارس وما لا أس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع . { ولكن الله ذُو فَضْلٍ } لا يقدر قدره { عَلَى العالمين } كافة وهذا إشارة إلى قياس استثنائي مؤلف من وضع نقيض المقدم منتج لنقيض التالي خلا أنه قد وضع موضعه ما يستتبعه ويستوجبه أعني كونه تعالى ذا فضل على العالمين إيذاناً بأنه تعالى يتفضل في ذلك الدفع من غير أن يجب عليه ذلك وأن فضله تعالى غير منحصر فيه بل هو فرد من أفراد فضله العظيم كأنه قيل : ولكنه تعالى يدفع فساد بعضهم ببعض فلا تفسد الأرض وينتظم به مصالح العالم وينصلح أحوال الأمم ، قاله مولانا مفتي الديار الرومية قدس سره .

واعترض بأنه مخالف لقول المنطقيين : إن المتصلة ينتج استثناء عين مقدمها عين تاليها لاستلزام وجود الملزوم وجود اللازم واستثناء نقيض تاليها نقيض المقدم لاستلزام عدم اللازم عدم الملزوم ولا ينعكس فلا ينتج استثناء عين التالي عين المقدم ولا نقيض المقدم نقيض التالي لجواز أن يكون التالي أعم من المقدم ، فلا يلزم من وجود اللازم وجود الملزوم ولا من عدم الملزوم عدم اللازم ، وأجيب بأن ذلك إنما هو باعتبار الهيئة ، وقد يستلزمه بواسطة خصوصية مادة المساواة ، وقد صرح ابن سينا في «الفصول » بأن الملازمة إذا كانت من الطرفين كما بين العلة والمعلول ينتج استثناء كل من المقدم والتالي عين الآخر ونقيضه نقيض الآخر ، وفي تعليل القوم أيضاً إشارة إليه حيث قالوا : لجواز أن يكون اللازم أعم وكأن في عبارة المولى إشارة إلى أن الملازمة في الشرطية من الطرفين حيث قال : منتج ولم يقل ينتج اه .

وأجاب بعضهم بأن قولهم ذلك ليس على سبيل الاطراد بل إذا كان نقيض المقدم أعم من نقيض التالي ، وأما إذا كان نقيضه بعكس هذا كما في هذه الآية الكريمة وأمثالها فإنه ينتج التالي ، وذلك أن الدفع المذكور لما كان ملزوماً لعدم فساد الأرض كانت الملازمة ثابتة بينهما ؛ لأن وجود الملزوم يستلزم وجود اللازم كما بين في موضعه وادعاء أن الملازمة من الطرفين هنا كما زعمه المجيب الأول ليس بشيء بل اللازم ههنا أعم من الملزوم كما لا يخفى على ذي روية ، وكون عبارة المولى مشيرة إلى أن الملازمة من الطرفين في حيز المنع وما ذكره لا يدل عليه كما لا يخفى فافهم وتدبر فإن نظر المولى دقيق .

( ومن باب الإشارة ) :{ فَهَزَمُوهُم } وكسروهم { فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ الله وَقَتَلَ } القلب { جَالُوتَ } النفس ، ووصلوا كلهم إلى مقام التمكين فلا يخشون الرجعة والردة ، وكان قد رماه بحجر التسليم في مقلاع الرضا بيد ترك الالتفات إلى السوي فأصاب ذلك دماغ هواه فخر صريعاً فآتى الله تعالى داود ملك الخلافة وحكمة الإلهامات { وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } من صنعة لبوس الحروب ، ومنطق طيور الواردات وتسبيح جبال الأبدان ، { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم } كأرباب الطلب { بِبَعْضِ } كالمشايخ الواصلين { لَفَسَدَتِ } أرض استعداداتهم المخلوقة في أحسن تقويم عند استيلاء جالوت النفس ،

{ ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين } ، [ البقرة : 1 25 ] ومن فضله تحريك سلسلة طلب الطالبين وإلهام أسرارهم إرادة المشايخ الكاملين وتوفيقهم للتمسك بذيل تربيتهم والتشبث بأهداب سيرتهم فسبحانه من جواد لا يبخل ومتفضل على من سأل ومن لم يسأل .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ} (251)

قوله تعالى : { فهزموهم بإذن الله } . أي بعلم الله تعالى .

قوله تعالى : { وقتل داود جالوت } . وصفة قتله : قال أهل التفسير : عبر النهر مع طالوت فيمن عبر إيشا أبو داود في ثلاثة عشر ابناً له ، وكان أصغرهم وكان يرمي بالقذافة ، فقال لأبيه يوماً : يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئاً إلا صرعته فقال : أبشر يا بني ، فإن الله جعل رزقك في قذافتك ، ثم أتاه مرة أخرى فقال : يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسداً رابضاً ، فركبته فأخذت بأذنيه فلم يهجني ، فقال : أبشر يا بني فإن هذا خير يريده الله بك ، ثم أتاه يوماً آخر فقال : يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال فأسبح فما يبقى جبل إلا سبح معي ، فقال : أبشر يا بني فإن هذا خير أعطاكه الله تعالى ، فأرسل جالوت إلى طالوت أن أبرز إلي أو أبرز إلي من يقاتلني ، فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم ، فشق ذلك على طالوت فنادى في عسكره ، من قتل جالوت زوجته ابنتي ، وناصفته ملكي ، فهاب الناس جالوت فلم يجبه أحد فسأل طالوت نبيهم أن يدعو الله تعالى فدعا الله في ذلك ، فأتى بقرن فيه دهن القدس ، وتنور من حديد فقيل : إن صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يوضع هذا القرن على رأسه ، فيغلي الدهن حتى يدهن منه رأسه ولا يسيل على وجهه ويكون على رأسه كهيئة الإكليل ، ويدخل في هذا التنور فيملؤه ولا يتقلقل فيه ، فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم ، فلم يوافقه منهم أحد فأوحى الله إلى نبيهم أن في ولد إيشا من يقتل الله به جالوت ، فدعا طالوت إيشا فقال : اعرض علي بنيك فأخرج له اثني عشر رجلاً أمثال السواري ، فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئاً ، فقال لإيشا : هل بقي لك ولد غيرهم ؟ فقال لا ، فقال النبي : يا رب إنه زعم أن لا ولد له غيرهم ، فقال كذب ، فقال النبي : إن ربي كذبك فقال : صدق الله يا نبي الله ، إن لي ابناً صغيراً يقال له داود استحييت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته ، فخلفته في الغنم يرعاها وهو في شعب كذا وكذا ، وكان داود رجلاً قصيراً مسقاماً مصفاراً أزرق أمعر ، فدعاه طالوت ، ويقال : بل خرج طالوت إليه فوجد الوادي قد سال بينه وبين الزريبة التي كان يريح إليها ، فوجده يحمل شاتين يجيز بهما السيل ، ولا يخوض بهما الماء ، فلما رآه قال : هذا هو لا شك فيه ، هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم ، فدعاه ووضع القرن على رأسه ، ففاض فقال طالوت : هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ابنتي ، وأجري خاتمك في ملكي ؟ قال : نعم قال : وهل أنست من نفسك شيئاً تتقوى به على قتله ؟ قال : نعم ، أنا أرعى الغنم ، فيجئ الأسد أو النمر أو الذئب فيأخذ شاة ، فأقوم إليه فأفتح لحييه عنها وأخرجها من قفاه ، فأخذ طالوت داود ورده إلى عسكره ، فمر داود عليه السلام في طريقه بحجر فناده الحجر يا داود ، احملني فإني حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا وكذا ، ، فحمله في مخلاته ، ثم مر بحجر آخر فقال : احملني فإني حجر موسى الذي تقتل بي ملك كذا وكذا ، فحمله في مخلاته ، ثم مر بحجر آخر فقال : احملني فإني حجرك الذي تقتل بي جالوت فوضعه في مخلاته ، فلما تصافوا للقتال ، وبرز جالوت وسأل المبارزة انتدب له داود فأعطاه طالوت فرساً ودرعاً وسلاحاً ، فلبس السلاح وركب الفرس وسار قريباً ، ثم انصرف إلى الملك فقال : من حوله جبن الغلام فجاء فوقف على الملك فقال : ما شأنك ؟ فقال : إن الله إن لم ينصرني لم يغن عني هذا السلاح شيئاً ، فدعني أقاتل جالوت كما أريد ، قال : فافعل ما شئت ، قال : نعم ، فأخذ داود مخلاته فتقلدها وأخذ المقلاع ومضى نحو جالوت ، وكان جالوت من أشد الرجال وأقواهم ، وكان يهزم الجيوش وحده ، وكان له بيضة فيها ثلاثمائة رطل حديد ، فلما نظر إلى داود ألقى الله في قلبه الرعب فقال له : أنت تبرز إلي ؟ قال : نعم . وكان جالوت على فرس أبلق وعليه السلاح التام ، قال : فأتيني بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب ؟ قال : داود عليه السلام نعم ، أنت شر من الكلب ، قال جالوت : لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع الأرض وطير السماء . فقال داود : أو يقسم الله لحمك ، فقال داود : باسم إله إبراهيم وأخرج حجراً ووضعه في مقلاعه ، ثم أخرج الآخر وقال : باسم إله إسحاق ووضعه في مقلاعه ، ثم أخرج الثالث وقال : باسم إله يعقوب ووضعه في مقلاعه فصارت كلها حجراً واحداً ، ودور داود عليه السلام المقلاع ، ورمى به فسخر الله له الريح حتى أصاب الحجر أنف البيضة ، فخالط دماغه وخرج من قفاه وقتل من ورائه ثلاثين رجلاً ، وهزم الله تعالى الجيش ، وخر جالوت قتيلاً ، فأخذه يجره حتى ألقاه بين يدي طالوت ، ففرح المسلمون فرحاً شديداً ، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين والناس يذكرون داود ، فجاء داود طالوت وقال : أنجز لي ما وعدتني ، فقال : تريد ابنة الملك بغير صداق ؟ فقال داود : ما شرطت على صداقاً ، وليس لي شيء فقال : لا أكلفك إلا ما تطيق أنت رجل جريء ، وفي حيالنا أعداء لنا غلف ، فإذا قتلت منهم مائتي رجل وجئتني بغلفهم زوجتك ابنتي فأتاهم فجعل كلما قتل واحداً منهم نظم غلفته في خيط ، حتى نظم مائتي غلفة ، فجاء بها إلى طالوت فألقى إليه وقال : ادفع إلي امرأتي فزوجه ابنته ، وأجرى خاتمه في ملكه ، فمال الناس إلى داود وأحبوه ، وأكثروا ذكره ، فحسده طالوت وأراد قتله ، فأخبر بذلك ابنة طالوت رجل يقال له ذو العينين ، فقالت ابنة طالوت لداود : إنك مقتول في هذه الليلة قال : ومن يقتلني ؟ قالت : أبي قال : وهل أجرمت جرماً ؟ قالت : حدثني من لا يكذب ولا عليك أن تغيب الليلة حتى ننظر مصداق ذلك ، فقال : لئن كان أراد الله ذلك لا أستطيع خروجاً ، ولكن ائتيني بزق خمر ، فأتت به فوضعه في مضجعه على السرير وسجاه ودخل تحت السرير ، فدخل طالوت نصف الليل فقال لها : أين بعلك ؟ فقالت : هو نائم على السرير فضربه بالسيف ضربة فسال الخمر فلما وجد ريح الخمر قال : يرحم الله داود ما كان أكثر شربه للخمر ، وخرج . فلما أصبح علم أنه لم يفعل شيئاً فقال : إن رجلاً طلبت منه ما طلبت لخليق أن لا يدعني حتى يدرك مني ثأره ، فاشتد حجابه وحراسه وأغلق دونه أبوابه ، ثم إن داود أتاه ليلة وقد هدأت العيون فأعمى الله سبحانه الحجبة وفتح له الأبواب ، فدخل عليه وهو نائم على فراشه ، فوضع سهماً عند رأسه وسهماً عند رجليه سهماً عن يمينه وسهماً عن شماله ثم خرج ، فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها فقال : يرحم الله تعالى داود هو خير مني ظفرت به فقصدت قتله ، وظفر بي فكف عني ولو شاء لوضع هذا السهم في حلقي وما أنا بالذي آمنه ، فلما كانت القابلة أتاه ثانياً وأعمى الله الحجاب فدخل عليه وهو نائم فأخذ إبريق طالوت الذي يتوضأ منه وكوزه الذي كان يشرب منه وقطع شعرات من لحيته ، وشيئاً من هدب ثيابه ، ثم خرج وهرب وتوارى ، فلما أصبح طالوت ورأى ذلك سلط على داود العيون ، وطلبه أشد الطلب فلم يقدر عليه ، ثم إن طالوت ركب يوماً فوجد داود يمشي في البرية فقال : اليوم أقتله فركض على أثره ، واشتد داود وكان إذا فزع لم يدرك ، فدخل غاراً فأوحى الله تعالى إلى العنكبوت ، فنسج عليه بيتاً فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت قال : لو كان دخل هاهنا لخرق بناء العنكبوت فتركه ومضى ، فانطلق داود وأتى الجبل مع المتعبدين ، فتعبد فيه فطعن العلماء والعباد على طالوت في شأن داود فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن قتل داود إلا قتله ، وأغرى بقتل العلماء فلم يكن يقدر على عالم في بني إسرائيل يطيق قتله إلا قتله ، حتى أتي بامرأة تعلم اسم الله الأعظم ، فأمر خبازه بقتلها فرحمها الخباز وقال : لعنا نحتاج إلى عالم فتركها ، فوقع في قلب طالوت التوبة وندم على ما فعل ، وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس . وكان كل ليلة يخرج إلى القبور فيبكي وينادي : أنشد الله عبداً يعلم أن لي توبة إلا أخبرني بها ، فلما أكثر عليهم ناداه مناد من القبور يا طالوت ، أما ترضى أن قتلتنا حتى تؤذينا أمواتاً ؟ فازداد بكاء وحزناً فرحمه الخباز فقال : مالك أيها الملك ؟ قال : هل تعلم لي في الأرض عالماً أسأله هل لي من توبة ؟ فقال الخباز : إنما مثلك مثل ملك نزل قرية عشاء فصاح الديك فتطير منه فقال : لا تتركوا في القرية ديكاً إلا ذبحتموه ، فلما أراد أن ينام قال لأصحابه : إذا صاح الديك فأيقظونا حتى ندلج فقالوا له : وهل تركت ديكاً نسمع صوته ؟ ولكن هل تركت عالماً في الأرض ؟ فازداد حزناً وبكاء ، فلما رأى الخباز ذلك قال له : أرأيتك إن دللتك على عالم لعلك أن تقتله ؟ قال : لا فتوثق عليه الخباز فأخبره أن المرأة العالمة عنده ، قال : انطلق بي إليها أسألها هل لي من توبة ؟ وكانت من أهل بيت يعلم الاسم الأعظم فإذا فنيت رجالهم علمت نساؤهم ، فلما بلغ طالوت الباب قال الخباز : إنها إذا رأتك فزعت ، ولكن ائت خلفي ، ثم دخلا عليها فقال لها : ألست أعظم الناس منة عليك ؟ أنجيتك من القتل ، وآويتك ، قالت : بلى ، قال : فإن لي إليك حاجة ، هذا طالوت يسأل ، هل له من توبة ؟ فخلفه خلفه ثم دخله عليها فقال لها : ألست أعظم الناس منةً عليك أنجيتك من القتل وآويتك ، قالت : بلى ، فإن لي إليك حاجة هذا طالوت يسأل هل لي من توبة ؟ فغشي عليها من الفرق فقال لها : إنه لا يريد قتلك ولكن يسألك هل له من توبة ؟ قالت : لا والله لا أعلم لطالوت توبة ، ولكن هل أعلم مكان قبر نبي . فانطلق بهما إلى قبر أشمويل فصلت ودعت ثم نادت : يا صاحب القبر فخرج أشمويل من القبر ينفض رأسه من التراب فلما نظر إليهم ثلاثتهم قال : ما لكم ؟ أقامت القيامة ؟ قالت : لا ولكن طالوت يسألك هل له من توبة ؟ قال أشمويل : يا طالوت ما فعلت بعدي ؟ قال : لم أدع من الشر إلا أتيته وجئت لطلب التوبة ، قال له : كم لك عيال ؟ يعني كم لك من الولد ؟ قال : عشرة رجال ، قال : ما أعلم لك من توبة إلا أن تتخلى من ملكك ، وتخرج أنت وولدك في سبيل الله ، ثم تقدم ولدك حتى يقتلوا بين يديك ، ثم تقاتل أنت حتى آخرهم ، ثم رجع أشمويل إلى القبر وخر ميتاً ، ورجع طالوت أحزن ما كان رهبة أن لا يتابعه ولده ، وقد بكى حتى سقطت أشفار عينيه ونحل جسمه ، فدخل عليه أولاده فقال لهم : أرأيتم لو دفعت إلى النار هل كنتم تفدونني ؟ قالوا : نعم نفديك بما قدرنا عليه قال : فإنها النار إن لم تفعلوا ما أقول لكم قالوا : فاعرض علينا ؟ فذكر لهم القصة ، قالوا : وإنك لمقتول ؟ قال : نعم ، قالوا : فلا خير لنا في الحياة بعدك ، قد طابت أنفسنا بالذي سألت ، فتجهز بماله وولده فتقدم ولده وكانوا عشرة فقاتلوا بين يديه حتى قتلوا ، ثم شد هو بعدهم للقتال حتى قتل ، فجاء قاتله إلى داود ليبشره وقال : قتلت عدوك فقال داود : ما أنت بالذي تحيا بعده ، فضرب عنقه ، وكان ملك طالوت إلى أن قتل أربعين سنة وأتى بنو إسرائيل إلى داود وأعطوه خزائن طالوت وملكوه على أنفسهم . قال الكلبي والضحاك : ملك داود بعد قتل طالوت سبع سنين ولم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود فذلك

قوله تعالى : { وآتاه الله الملك والحكمة } . يعني : النبوة ، جمع الله لداود بين الملك والنبوة ولم يكن كذلك من قبل ، بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط ، وقيل الملك والحكمة هو العلم مع العمل .

قوله تعالى : { وعلمه مما يشاء } . قال الكلبي وغيره : يعني صنعة الدروع ، وكان يصنعها ويبيعها ، وكان لا يأكل إلا من عمل يده ، وقيل منطق الطير ، وكلام الجعل والنمل والذر والخنفساء وحمار قبان ، وما أشبهها مما لا صوت لها ، وقيل هو الزبور ، وقيل هو الصوت الطيب ، والألحان فلم يعط الله أحداً من خلقه مثل صوته ، وكان إذا قرأ الزبور تدنو الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها ، وتظله الطير مصيخة له ، ويركل الماء الجاري ، ويسكن الريح . وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : هو أن الله تعالى أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة ، ورأسها عند صومعته ، قوتها قوة الحديد ، ولونها لون النار وحلقها مستديرة مفصلة بالجواهر ، مدسرة بقضبان اللؤلؤ الرطب ، فلا يحدث في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة ، فعلم داود ذلك الحدث ، ولا يمسها ذو عاهة إلا برئ ، وكانوا لا يتحاكمون إلا إليها بعد داود عليه السلام إلى أن رفعت ، فمن تعدى على صاحبه وأنكر له حقاً أتى السلسلة ، فمن كان صادقاً مد يده إلى السلسلة فتناولها ، ومن كان كاذباً لم ينلها فكانت كذلك إلى أن ظهر بهم المكر والخديعة ، فبلغنا أن بعض ملوكها أودع رجلاً جوهرة ثمينة فلما استردها أنكرها ، فتحاكما إلى السلسلة ، فعمد الذي عنده الجوهرة إلى عكازه فنقرها ، وضمنها الجوهرة واعتمد عليها حتى حضر السلسلة ، فقال صاحب الجوهرة : رد علي الوديعة فقال صاحبه : ما أعرف لك عندي من وديعة فإن كنت صادقاً فتناول السلسلة ، فتناولها بيده فقيل للمنكر : قم أنت فتناولها فقال لصاحب الجوهرة : خذ عكازتي هذه فاحفظها حتى أتناول السلسلة ، فأخذها الملك عنده ، ثم قام المنكر نحو السلسلة فأخذها ، فقال الرجل : اللهم إن كنت تعلم أن هذه الوديعة التي يدعيها علي قد وصلت إليه فقرب مني السلسلة ، فمد يده فتناولها فتعجب القوم وشكوا فيها ، فأصبحوا وقد رفع الله السلسلة .

قوله تعالى : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } . قرأ أهل المدينة ويعقوب ( دفاع الله ) بالألف هاهنا وفي سورة الحج ، وقرأ الآخرون بغير الألف لأن الله تعالى لا يغالبه أحد وهو الدافع وحده ، ومن قرأ بالألف قال : قد يكون الدفاع من واحد مثل قول العرب : " أحسن الله عنك الدفاع " ، قال ابن عباس ومجاهد : ولولا دفع الله بجنود المسلمين لغلب المشركون على الأرض ، فقتلوا المؤمنين ، وخربوا المساجد والبلاد ، وقال سائر المفسرين : لولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار لهلكت الأرض بمن فيها ، ولكن الله يدفع بالمؤمن عن الكافر ، بالصالح عن الفاجر .

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أنا أبو عبد الله ابن فنجويه ، أنا أبو بكر بن خرجة ، أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، أنا أبو حميد الحمصي ، أنا يحيى بن سعيد العطار ، أنا حفص بن سليمان ، عن محمد بن سوقة ، عن وبرة بن عبد الرحمن عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله عز وجل ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء " . ثم قرأ ابن عمر رضي الله عنهما : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ) .