روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ} (36)

{ فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا } أي حملهما على الزلة بسببها ، وتحقيقه أصدر زلتهما عنها وعن هذه مثلها في قوله تعالى : { وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأبيه إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ } [ التوبه : 4 11 ] والضمير على هذا للشجرة ، وقيل : أزلهما أن أذهبهما ، ويعضده قراءة حمزة فأزالهما وهما متقاربان في المعنى غير أن أزلّ يقتضي عثرة مع الزوال والضمير حينئذ للجنة وعوده إلى الشجرة بتجوز ، أو تقدير مضاف أي محلها أو إلى الطاعة المفهومة من الكلام بعيد ، وإزلاله عليه اللعنة إياهما عليهما السلام كان بكذبه عليهما ومقاسمته على ما قص الله تعالى في كتابه ، وفي كيفية توسله إلى ذلك أقوال ، فقيل : دخل الجنة ابتلاء لآدم وحواء ، وقيل : قام عند الباب فناداهما ، وأفسد حالهما ، وقيل : تمثل بصورة دابة فدخل ولم يعرفه الخزنة ، وقيل : أرسل بعض أتباعه إليهما . وقيل : بينما هما يتفرجان في الجنة إذ راعهما طاووس تجلى لهما على سور الجنة فدنت حواء منه وتبعها آدم فوسوس لهما من وراء الجدار ، وقيل : توسل بحية تسورت الجنة ومشهور حكاية الحية وهذان الأخيران يشير أولهما : عند ساداتنا الصوفية إلى توسله من قبل الشهوة خارج الجنة ، وثانيهما : إلى توسله بالغضب ، وتسور جدار الجنة عندهم إشارة إلى أن الغضب أقرب إلى الأفق الروحاني والحيز القلبي من الشهوة ، وقيل : توسله إلى ما توسل إليه إذ ذاك مثل توسله اليوم إلى إذلال من شاء الله تعالى وإضلاله ، ولا نعرف من ذلك إلا الهواجس والخواطر التي تفضي إلى ما تفضي ، ولا جزم عند كثير من دخول الشيطان في القلب بل لا يعقلونه ، ولهذا قالوا : خبر «إن الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم » محمول على الكناية عن مزيد سلطانه عليهم وانقيادهم له ، وكأني بك تختار هذا القول ، وقال أبو منصور : ليس لنا البحث عن كيفية ذلك ، ولا نقطع القول بلا دليل ، وهذا من الإنصاف بمكان ، وقرأ ابن مسعود/ رضي الله تعالى عنه { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان عَنْهَا } والضمير في هذه القراءة للشجرة لا غير ، وعوده إلى الجنة بتضمين الأذهاب ونحو بعيد { فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } أي من النعيم والكرامة أو من الجنة . والأول : جار على تقدير رجوع ضمير { عَنْهَا } إلى الشجرة أو الجنة والثاني : مخصوص بالتقدير الأول لئلا يسقط الكلام . وقيل : أخرجهما من لباسهما الذي { كَانَا فِيهِ } لأنهما لما أكلاَ تهافت عنهما ، وفي الكلام من التفخيم ما لا يخفى { وَقُلْنَا اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } الهبوط النزول ، وعين المضارع تكسر وتضم ، وقال المفضل : هو الخروج من البلد ، والدخول فيها من الأضداد ويقال في انحطاط المنزلة والبعض في الأصل مصدر بمعنى القطع ويطلق على الجزء ، وهو ككل ملازم للإضافة لفظاً أو نية ولا تدخل عليه اللام ، ويعود عليه الضمير مفرداً ومجموعاً إذا أريد به جمع والعدو من العداوة مجاوزة الحد أو التباعد أو الظلم ، ويطلق على الواحد المذكر ومن عداه بلفظ واحد ، وقد يقال : أعداء وعدوة والخطاب لآدم وحواء ، لقوله تعالى : { قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً } [ طه : 123 ] والقصة واحدة ، وجمع الضمير لتنزيلهما منزلة البشر كلهم ، ولما كان في الأمر بالهبوط انحطاط رتبة المأمور لم يفتتحه بالنداء كما افتتح الأمر بالسكنى واختار الفراء أن المخاطب هما وذريتهما وفيه خطاب المعدوم ، والمأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وكثير من السلف أنه هما وإبليس واعترض بخروجه قبلهما ، وأجيب بأن الإخبار عما قال لهم مفرقاً على أنه لا مانع من المعية وقيل : هم والحية ، واعترض بعدم تكليفها ، وأجيب بأن الأمر تكويني ، والجملة الاسمية منصوبة المحل على الحال المقدرة ، والحكم باعتبار الذرية وإذا دخل إبليس والحية كان الأمر أظهر ، ولا يرد أنه كيف يقيد الأمر بالتعادي وهو منهي عنه لأنا نقول : بصرف توجه النظر عن القيد كون العداوة طبيعية والأمور الطبيعية غير مكلف بها وإن كلف فبالنظر إلى أسبابها ، وإذا جعل الأمر تكوينياً زال الإشكال إلا أن فيه بعداً وبعضهم يجعل الجملة مستأنفة على تقدير السؤال فراراً عن هذا السؤال مع ما في الاكتفاء بالضمير دون الواو في الجملة الاسمية الحالية من المقال ، حتى ذهب الفراء إلى شذوذه ، وإن كان التحقيق ما ذكره بعض المحققين أن الجملة الحالية لا تخلو من أن تكون من سبب ذي الحال أو أجنبية فإن كانت من سببه لزمها العائد والواو كجاء زيد ، وأبوه منطلق إلا ما شذ من نحو كلمته فوه إلى في وإن أجنبية لزمتها الواو نائبة عن العائد ، وقد يجمع بينهما كقدم بشر وعمرو قادم إليه وقد جاءت بلا ولا كقوله :

ثم انتصبنا جبال الصغد معرضة *** عن اليسار وعن أيماننا جدد

وقد تكون صفة ذي الحال ك { تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ } [ البقرة : 38 ] وهذه يجوز فيها الوجهان باطراد ، وما نحن فيه من هذا القبيل فتدبر .

وإفراد العدو إما للنظر إلى لفظ البعض ، وإما لأن وزانه وزان المصدر كالقبول ، وبه تعلق ما قبله واللام كما في «البحر » مقوية ، وقرأ أبو حيوة { اهبطوا } بضم الباء وهو لغة فيه ، وبهذا الأمر نسخ الأمر والنهي السابقان .

{ وَلَكُمْ في الأرض مُسْتَقَرٌّ ومتاع إلى حِينٍ } أراد بالأرض محل الاهباط ، وليس المراد شخصه الذي هو لآدم عليه السلام موضع بجبل سرنديب ولحواء موضع بجدة ، ولإبليس موضع بالأبلة ، ولصاحبته موضع بنصيبين أو أصبهان أو سجستان والمستقر اسم مكان أو مصدر ميمي ، ويحتمل على بعد كونه اسم مفعول بمعنى ما استقر ملككم عليه وتصرفكم فيه وأبعد منه احتمال كونه اسم زمان ، / وهو مبتدأ خبره { لَكُمْ } وفيه متعلق بما تعلق به والمتاع البلغة ، مأخوذ من متع النهار إذا ارتفع ويطلق على الانتفاع الممتد وقته ولا يختص بالحقير والحين مقدار من الزمان قصيراً أو طويلاً والمراد هنا إلى وقت الموت وهو القيامة الصغرى وقيل : إلى يوم القيامة الكبرى ، وعليه تجعل السكنى في القبر تمتعاً في الأرض ، أو يجعل الخطاب شاملاً لإبليس ويراد الكل المجموعي والجار متعلق بمتاع ، قيل : أو به ، وبمستقر على التنازع أو بمقدار صفة لمتاع وهذه الجملة كالتي قبلها استئنافاً وحالية .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ} (36)

قوله تعالى : { فأزلهما الشيطان } . استزل آدم وحواء أي دعاهما إلى الزلة ، وقرأ حمزة : فأزالهما ، أي نحاهما الشيطان ، فيعال من شطن ، أي : بعد ، سمي به لبعده عن الخير وعن الرحمة .

قوله تعالى : { عنها } . عن الجنة .

قوله تعالى : { فأخرجهما مما كانا فيه } . من النعيم ، وذلك أن إبليس أراد أن يدخل ليوسوس إلى آدم وحواء فمنعته الخزنة فأتى الحية وكانت صديقةً لإبليس وكانت من أحسن الدواب ، لها أربع قوائم كقوائم البعير ، وكانت من خزان الجنة . فسألها إبليس أن تدخله في فمها فأدخلته ومرت به على الخزانة وهم لا يعلمون فأدخلته الجنة .

وقال الحسن : إنما رآهما على باب الجنة لأنهما كانا يخرجان منها ، وقد كان آدم حين دخل الجنة ورأى ما فيها من النعيم قال : لو أن خلداً ، فاغتنم ذلك منه الشيطان فأتاه من قبل الخلد فلما دخل الجنة وقف بين يدي آدم وحواء وهما لا يعلمان أنه إبليس فبكى وناح نياحة أحزنتهما ، وهو أول من ناح فقالا له : ما يبكيك ؟ قال : أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة . فوقع ذلك في أنفسهما فاغتما ومضى إبليس ثم أتاهما بعد ذلك وقال : يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ؟ فأبى أن يقبل منه ، وقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين ، فاغترا وما ظنا أن أحداً يحلف بالله كاذباً ، فبادرت حواء إلى أكل الشجرة ثم ناولت آدم حتى أكلها . وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن حواء سقته الخمر حتى إذا سكر قادته إليها فأكل . قال إبراهيم بن أدهم : أورثتنا تلك الأكلة حزناً طويلاً .

قال ابن عباس و قتادة : قال الله عز وجل لآدم : ألم يكن فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن الشجرة ؟ قال : بلى يا رب وعزتك ، ولكن ما ظننت أن أحداً يحلف بك كاذباً ، قال : فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ، ثم لا تنال العيش إلا نكداً فاهبط من الجنة ، وكانا يأكلان فيها رغداً فعلم صنعة الحديد ، وأمر بالحرث فحرث فيها وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصد ، ثم داسه ثم ذراه ثم طحنه ، ثم عجنه ، ثم خبزه ثم أكله ، فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء .

قال سعيد بن جبير : عن ابن عباس : إن آدم لما أكل من الشجرة التي نهى عنها قال الله عز وجل : يا آدم ما حملك على ما صنعت ؟ قال يا رب زينته لي حواء قال : فإني أعقبتها أن لا تحمل إلا كرهاً ولا تضع إلا كرهاً ودميتها في الشهر مرتين ، فرنت حواء عند ذلك فقيل : عليك الرنة وعلى بناتك ، فلما أكلا منها فتتت عنهما ثيابهما وبدت سوآتهما وأخرجا من الجنة ، فذلك قوله تعالى :

{ وقلنا اهبطوا } . أي انزلوه إلى الأرض يعني ، آدم وحواء وإبليس والحية ، فهبط آدم بسرنديب من أرض الهند على جبل يقال له نود ، وحواء بجدة ، وإبليس بالآيله ، والحية بأصفهان .

قوله تعالى : { بعضكم لبعض عدو } . أراد العداوة التي بين ذرية آدم والحية وبين المؤمنين من ذرية آدم وبين إبليس ، قال الله تعالى : ( إن الشيطان لكما عدو مبين ) .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو الحسن بن بشران ، أنا إسماعيل ابن محمد الصفار ، أنا أحمد بن محمد بن الصفار ، حدثنا منصور الرمادي ، أنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لا أعلمه إلا رفع الحديث ، أنه كان يأمر بقتل الحيات ، وقال : من تركهن خشية أو مخافة ثائر فليس منا ، وزاد موسى بن مسلم عن عكرمة في الحديث : ما سالمناهن منذ حاربناهن ، وروي أنه نهى عن ذوات البيوت ، وروى أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أن بالمدينة جناً قد أسلموا فإن رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان " .

قوله تعالى : { ولكم في الأرض مستقر } . موضع قرار .

قوله تعالى : { ومتاع } . بلغة ومستمتع .

قوله تعالى : { إلى حين } . إلى انقضاء آجالكم .