بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي - السمرقندي  
{فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ} (36)

{ فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا } ، قرأ حمزة ( فأزالهما ) بالألف ، وقرأ غيره ( فأزلهما ) بغير ألف . وأصله في اللغة : من أزلّ يزل ، ومعناه فأغراهما الشيطان واستزلَّهما . وأما من قرأ ( فأزالهما ) بالألف ، فأصله من أزال يزيل إذا أزال الشيء عن موضعه .

قوله تعالى : { فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } ، أي مما كانا فيه من النعم . وروي عن سعيد بن جبير أنه قال : مكث آدم في الجنة كما بين الظهر والعصر ، من أيام الآخرة ، لأن كل يوم من أيام الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا .

وروي عن ابن عباس أنه قال : لما رأى إبليس آدم في النعمة حسده ، واحتال لإخراجه منها ، فعرض نفسه على كل دابة من دواب الجنة أن يدخل في صورتها فأبت عليه ، حتى أتى الحية وكانت أعظم وأحسن دابة في الجنة خلقاً وكانت لها أربعة قوائم ، فلم يزل يستدرجها حتى أطاعته ، فدخل ما بين لحييها وأقام في رأسها ، ثم أتى باب الجنة وناداهما وقال : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ، يعني أن هذه الشجرة شجرة الخلد ، فمن أكل منها يبقى في الجنة أبداً .

ويقال : إن حواء قالت لآدم : تعال حتى نأكل من هذه الشجرة فقال آدم : قد نهانا ربنا عن أكل هذه الشجرة فأخذت حواء بيده حتى جاءت به إلى الشجرة ، وكان يحب حواء فكره أن يخالفها لحبه إياها وكان آدم يقول لها : لا تفعلي فإني أخاف العقوبة . وكانت حواء تقول : إن رحمة الله واسعة فأخذت من ثمرها وأكلت . ثم قالت لآدم : هل أصابني شيء بأكلها ؟ وإنما لم يصبها شيء بأكلها لأنها كانت تابعة ، وآدم متبوعاً فما دام المتبوع على الصلاح يتجاوز عن التابع ، فإذا فسد المتبوع فسد التابع ثم أخذت ثمرة أخرى ودفعتها إلى آدم . فلما أكل آدم لم تصل إلى جوفه حتى أخذتهما الرعدة ، وسقط عنهما ما كان عليهما من الحلي والحلل وغيرهما وعريا عن الثياب ، حتى بدت عوراتهما فاستحيا وهربا . قال الله تعالى : يا آدم أمني تهرب ؟ قال : لا ولكن حياء من ذنبي . فأخذا من أوراق التين ، وألصقا على عوراتهما . ثم أمرهما الله تعالى بأن يهبطا منها إلى الأرض ، فوقع آدم بأرض الهند ، وحواء بجدة . وروي عن ابن عباس أنه قال : إنما سمي الإنسان إنساناً ، لأن الله عهد إليه فنسي أي ترك .

وقوله تعالى : { وَقُلْنَا اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } أي آدم وحواء وإبليس والحية ، فبقي بين إبليس وبين أولاد آدم العداوة إلى يوم القيامة . وكذلك بين الحية وبين أولاد آدم عداوة إلى يوم القيامة . ثم قال : { وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ } ، أي موضع القرار { ومتاع إلى حِينٍ } ، أي الحياة والعيش إلى الموت .