{ وَهُوَ الذى خَلَقَ * السموات والارض } أي هذين الأمرين العظيمين . ولعله أريد بخلقهما خلق ما فيهما أيضاً ، وعدم التصريح بذلك لظهور اشتمالهما على جميع العلويات والسفليات . وقوله سبحانه : { بالحق } متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل { خُلِقَ } أي قائماً بالحق ، ومعنى الآية حينئذ كما قيل كقوله تعالى : { وَمَا خَلَقْنَا السماء والارض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا } [ ص : 27 ] وجوز أن يكون حالاً من المفعول أي متلبسة بالحق ، وأن يكون صفة لمصدر الفعل المؤكد أي خلقاً متلبساً بالحق .
{ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحق } تذييل لما تقدم ؛ والواو للاستئناف . واليوم بمعنى الحين متعلق بمحذوف وقع خبراً مقدماً و { قَوْلُهُ } مبتدأ و { الحق } صفته ، والمراد بالقول المعنى المصدري أي القضاء الصواب الجاري على وفق الحكمة فلذا صح الإخبار عنه بظرف الزمان أي وقضاؤه سبحانه المعروف بالحقية كائن حين يقول سبحانه لشيء من الأشياء كن فيكون ذلك الشيء وتقديم الخبر للاهتمام بعموم الوقت كما قيل ، ونفى السعد كونه للحصر لعدم مناسبته وجعل التقديم لكونه الاستعمال الشائع . وتعقب بأن المعروف الشائع تقديم الخبر الظرفي إذا كان المبتدأ نكرة غير موصوفة أو نكرة موصوفة أما إذا كان معرفة فلم يقله أحد . وقيل : إن { قَوْلُهُ الحق } مبتدأ وخبر و { يَوْمٍ } ظرف لمضمون الجملة والواو بحسب المعنى داخلة عليها والتقديم للاعتناء به من حيث إنه مدار الحقية ، وترك ذكر المقول له للثقة بغاية ظهوره . والمراد بالقول كلمة { كُنَّ } تحقيقاً أو تمثيلاً . والمعنى وأمره سبحانه المتعلق بكل شيء يريد خلقه من الأشياء حين تعلقه به لا قبله ولا بعده من أفراد الأحيان الحق أي المشهود له بالحقية ، وقيل : إن الواو للعطف و { يَوْمٍ } إما معطوف على { السموات } فهو مفعول لخلق مثله ، والمراد به يوم الحشر أي وهو الذي أوجد السموات والأرض وما فيهما وأوجد يوم الحشر والمعاد ، وإما على الهاء في { *اتقوه } [ الأنعام : 72 ] فهو مفعول به مثله أيضاً ، والكلام على حذف مضاف أي اتقوا الله تعالى واتقوا هول ذلك اليوم وعقابه فزعه . وإما متعلق بمحذوف دل عليه { ءادَمَ بالحق } أي يقوم بالحق يوم الخ ، وهو إعراب متكلف كما قال أبو حيان . وقيل : إنه معطوف على { بالحق } وهو ظرف لخلق أي خلق السموات والأرض بعظمها حين قال كن فكان . والتعبير بصيغة الماضي احضار للأمر البديع . وفيه أنه يتوقف على صحة عطف الظرف على الحال بناء على أن الحال ظرف في المعنى وهو تكلف . و { قَوْلُهُ الحق } مبتدأ وخبر أو فاعل يكون على معنى وحين يقول لقوله الحق أي لقضائه كن فيكون . والمراد به حين يكون الأشياء ويحدثها أو حين يقوم القيامة فيكون التكوين إحياء الأموات للحشر وقيل غير ذلك فتدبر .
{ وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور } أي استقر الملك له في ذلك اليوم صورة ومعنى بانقطاع العلائق المجازية الكائنة في الدنيا المصححة للمالكية في الجملة فلا يدعيه غيره بوجه . والصور قرن ينفخ فيه كما ثبت في الأحاديث والله تعالى أعلم بحقيقته . وقد فصلت أحواله في «كتب السنة » . وصاحبه إسرافيل عليه السلام على المشهور . وأخرج البزار والحاكم عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً أن ملكين موكلين بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان . وقرأ قتادة «في الصور » جمع صورة والمراد بها الأبدان التي تقوم بعد نفخ الروح فيها لرب العالمين .
{ عالم الغيب والشهادة } أي كل غيب وشهادة { وَهُوَ الحكيم } في كل ما يفعله { الخبير } بجميع الأمور الخفية والجلية . والجملة تذييل لما تقدم وفيه لف ونشر مرتب هذا .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَهُوَ الذى خَلَقَ السموات } أي سموات الأرواح { والأرض } أي أرض الجسم { بالحق } أي قائماً بالعدل الذي هو مقتضى ذاته { وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ } وهو وقت تعلق إرادته سبحانه القديمة بالظهور في التعينات { قَوْلُهُ الحق } لاقتضائه ما اقتضاه على أحسن نظام وليس في الإمكان أبدع مما كان { وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور } وهو وقت إفاضة الأرواح على صور المكنونات التي هي ميتة بأنفسها بل لا وجود لها ولا حياة . { عالم الغيب } أي حقائق عالم الأرواح ويقال له الملكوت { والشهادة } أي صور عالم الأشباح ويقال له الملك { وَهُوَ الحكيم } الذي أفاض على القوابل حسب القابليات { الخبير } [ الأنعام : 73 ] بأحوالها ومقدار قابلياتها لا حكيم غيره ولا خبير سواه .
قوله تعالى : { وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق } ، قيل : الباء بمعنى اللام ، أي : إظهاراً للحق ، لأنه جعل صنعه دليلاً على وحدانيته .
قوله تعالى : { ويوم يقول كن فيكون } ، قيل هو راجع إلى خلق السموات والأرض ، والخلق بمعنى : القضاء والتقدير ، أي : كل شيء قضاه وقدره قال له : { كن فيكون } . وقيل : يرجع إلى القيامة ، يدل على سرعة أمر البعث والساعة ، كأنه قال : ويوم يقول للخلق : موتوا فيموتون ، وقوموا فيقومون .
قوله تعالى : { قوله الحق } ، أي : الصدق الواقع لا محالة ، يريد أن ما وعده حق كائن . قوله تعالى : { وله الملك يوم ينفخ في الصور } ، يعني : ملك الملوك يومئذ زائل ، كقوله : { مالك يوم الدين } ، وكما قال : { والأمر يومئذ لله } ، والأمر لله في كل وقت ، ولكن لا أمر في ذلك اليوم لأحد مع أمر الله ، والصور : قرن ينفخ فيه ، قال مجاهد : كهيئة البوق ، وقيل : هو بلغة أهل اليمن ، وقال أبو عبيدة : الصور هو الصور ، وهو جمع الصورة ، وهو قول الحسن ، والأول أصح . والدليل عليه ما أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أنا أبو طاهر المحاربي ، أنا محمد بن يعقوب الكسائي ، أنا أبو عبد الله بن محمود ، أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، أنا عبد الله بن المبارك ، عن سليمان التيمي ، عن أسلم ، عن بشر بن شغاف ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما الصور ؟ قال : قرن ينفخ فيه .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا عبد الله بن محمد بن عبد الله الصفار ، أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرقي ، أنا أبو حذيفة ، أنا سفيان ، عن الأعمش ، عن عطية بن سعد العوفي . عن أبي سعيد الخدري ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه ، وأصغى سمعه ، وحنى جبهته ، ينتظر متى يؤمر ؟ فقالوا : يا رسول الله ، وما تأمرنا ؟ قال : قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) .
وقال أبو العلاء ، عن عطية ، متى يؤمر بالنفخ فينفخ ؟
قوله تعالى : { عالم الغيب والشهادة } ، يعني يعلم ما غاب عن العباد وما يشاهدونه ، لا يغيب عن علمه شيء .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.