{ انْفِرُواْ } تجريد للأمر بالنفور بعد التوبيخ على تركه والإنكار على المساهلة فيه ، وقوله سبحانه : { خِفَافًا وَثِقَالاً } حالان من ضمير المخاطبين أيعلى كل حال من يسر أو عسر حاصلين بأي سبب كان من الصحة والمرض أو الغنى والفقر أو قلة العيال وكثرتهم أو الكبر والحداثة أو السمن والهزال أو غير ذلك مما ينتظم في مساعدة الأسباب وعدمها بعد الامكان والقدرة في الجملة . أخرج ابن أبي حاتم . وأبو الشيخ عن أبي يزيد المديني قال : كان أبو أيوب الأنصاري . والمقداد بن الأسود يقولان : أمرنا أن ننفر على كل حال ويتأولان الآية . وأخرجا عن مجاهد قال : قالوا إن فينا الثقيل وذا الحاجة . والصنعة ، والشغل . والمنتشر به أمره فأنزل الله تعالى : { انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً } وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا خفافاً وثقالاً وعلى ما كان منهم ، فما روي في تفسيرهما من قولهم : خفافاً من السلاح وثقالا منه أو ركباناً ومشاة أو شباناً وشيوخاً أو أصحاء ومراضا إلى غير ذلك ليس تخصيصاً للأمرين المتقابلين بالإرادة من غير مقارنة للباقي . وعن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أعلى أن أنفر ؟ قال : نعم . حتى نزل : { لَّيْسَ عَلَى الاعمى حَرَجٌ } [ النور : 61 ] وأخرج ابن أبي حاتم . وغيره عن السدى قال : لما نزلت هذه الآية اشتد على الناس شأنها فنسخها الله تعالى فقال : { لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى } [ التوبة : 91 ] الآية . وقيل : إنها منسوخة بقوله تعالى : { وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } [ التوبة : 122 ] وهو خلاف الظاهر ، ويفهم من بعض الروايات أن لا نسخ فقد أخرج ابن جرير . والطبراني . والحاكم وصححه عن أبي راشد قال : رأيت المقداد فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص يريد الغزو فقلت : لقد أعذر الله تعالى إليك قال : أبت علينا سورة البحوث يعني هذه الآية منها .
{ وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ الله } أي بما أمكن لكم منهما كليهما أو أحدهما والجهاد بالمال انفاقه على السلاح وتزويد الغزاة ونحو ذلك { ذلكم } أي ما ذكر من النفير والجهاد ، وما فيه من معنى البعد لما مر غير مرة { خَيْرٌ } عظيم في نفسه { لَكُمْ } في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما ، ويجوز أن يكون المراد خير لكم مما يبتغي بتركه من الراحة . والدعة . وسعة العيش . والتمتع بالأموال والأولد . { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي إن كنتم تعلمون الخير علمتم أنه خير أو إن كنتم تعلمون أنه خير إذ لا احتمال لغير الصدق في أخباره تعالى فبادروا إليه ، فجواب إن مقدر . وعلم اما متعدية لواحد بمعنى عرف تقليلاً للتقدير أو متعدية لاثنين على بابها هذا .
( ومن باب الإشارة ) :{ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً } أي انفروا إلى طاعة مولاكم خفافاً بالأرواح ثقالاً بالقلوب ، أو خفافاً بالقلوب وثقالاً بالأجسام بأن يطيعوه بالأعمال القلبية والقالبية ، أو خفافاً بأنوار المودة وثقالاً بأمانات المعرفة ، أو خفافاً بالبسط وثقالاً بالقبض ، وقيل : خفافاً بالطاعة وثقالاً عن المخالفة . وقيل غير ذلك { وجاهدوا بأموالكم } بأن تنفقوها للفقراء { وأَنفُسَكُمْ } بأن تجودوا بها لله تعالى { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ } في الدارين { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ التوبة : 41 ] ذلك والله تعالى الموفق للرشاد .
{ خفافاً وثقالاً } : الخفاف جمع خفيف : وهو الشاب القوي البدن ذا الجدة من زاد ومركوب . والثقال جمع ثقيل : وهو الشيخ الكبير والمريض والفقير الذي لا جدة عنده .
{ ذلكم } : أي الجهاد بالمال والنفس خير من التثاقل إلى الأرض وترك الجهاد حالاً ومآلاً .
{ انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم } أعداء الله الكافرين به وبرسوله حتى يدخلوا في الإِسلام أو يعطوا الجزية ويقبلوا أحكام الإِسلام { ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } أي نفوركم للجهاد وقتالكم الكافرين إلى الانتهاء بهم إلى الغايتين خير لكم من الخلود إلى الأرض والرضا بالحياة الدنيا وهي متاع قليل ، إن كنتم تعلمون ذلك .
- إذا أعلن الإِمام التعبئة العامة يحرم التخلف عن الجهاد ولا يقعد أحد ، إلا بإذن لأجل علة قامت به فاستأذن فأذن له .
- الجهاد كما يكون بالنفس يكون بالمال وهو خيرٌ من تركه حالاً ومآلاً .
وبعد هذا التذكير للمؤمنين بما كان منه - سبحانه - من تأييد لرسوله عند هجرته ، أمرهم - جل شأنه - بالنفير في كل حال فقال : { انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ الله ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } .
قال الفخر الرازى ما ملخصه : اعلم أنه - تعالى - لما توعد من لا ينفر مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وضرب له من الأمثال ما وصفنا ، ابتعه بهذا الأمر الجازم فقال : { انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً } .
والمراد : انفروا سواء أكنتم على الصفة التي يخف عليكم الجهاد فيها ، أو على الصفة التي يثقل . وهذا الوصف يدخل تحته أقسام كثيرة .
منها : { خِفَافاً } في النفور لنشاطكم له ، و { وَثِقَالاً } عنه لمشقته عليكم .
ومنها : { خِفَافاً } لقلة عيالكم ، و { وَثِقَالاً } لكثرتها .
ومنها : { خِفَافاً } من السلاح ، و { وَثِقَالاً } منه .
والصحيح ما ذكرنا ، إذ الكل داخل فيه ، لأن الوصف المذكور وصف كلى يدخل فيه كل هذه الجزئيات .
والمعنى : { انفروا } - أيها المؤمنون - { خِفَافاً وَثِقَالاً } أى : في حال سهولة النفر عليكم ، وفى حال صعوبته ومشقته .
{ وَجَاهِدُواْ } أعداءكم ببذل أموالكم . وببذل أنفسكم { فِي سَبِيلِ الله } أى : في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - .
فمن استطاع منكم الجهاد بالمال والنفس وجب عليه الجهاد بها . ومن قدر على أحدهما دون الآخر ، وجب عليه ما كان في قدرته منهما .
قال القرطبى روى أبو داود عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " .
وهذا وصف لأكمل ما يكون الجهاد وأنفعه عند الله - تعالى - فقد حض - سبحانه - على كمال الأوصاف .
وقدم الأموال في الذكر ، إذ هي أول مصرف وقت التجهيز ، فرتب الأمر كما هو في نفسه .
واسم الإِشارة في قوله : { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } يعود إلى المذكور من الأمرين السابقين وهما : النفور والجهاد .
أى : ذلكم الذي أمرتم به من النفور والجهاد في سبيل الله ، خير لكم في دنياكم وفى آخرتكم من التثاقل عنهما ، إن كنتم من أهلا لعلم بحقيقة ما بين لكم خالقكم ومربيكم على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - .
ولقد أدرك المؤمنون الصادقون هذا الخير فامتثلوا أمر ربهم ، ونفروا للجهاد في سبيله خفاقاً وثقالاً ، بدون تباطؤ أو تقاعس .
وقد ساق المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآية كثيراً من الأمثة التي تدل على محبة السلف الصالح للجهاد في سبيل الله ، ومن ذلك .
ما جاء عن أنس أن أبا طلحة قرأ سورة براءة ، فأتى على هذه الآية : { انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً } فقال : أى بنى ، جهزونى جهزونى . فقال بنوه . يرحمك الله ! ! لقد غزوت مع النبى - صلى الله عليه وسلم - تحتى مات ، ومع أبى بكر حتى مات . ومع عمر حتى مات . فنحن نغزو عنك . فقال : لا ، جهزونى . فغزا في البحر فمات في البحر ، فلما يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فدفنوه فيها ، ولم يتغير - رضى الله عنه .
وقال الزهرى : خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له : إنك عليل : فقال : استنفر الله الخفيف والثقيل ، فإن لتم يمكنى الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع .
وأخرج ابن جرير عن حيان بن زيد الشرعبى قال : نفرنا مع صفوان بن عمرو : وكان والياً على حمص ، فلقيت شيخاً كبيراً هرما ، لى راحلته فيمن نفر ، فأقبلت عليه فقلت : يا عماه لقد أعذر الله إليك .
قال : فرفع حاجبيه فقال . يا ابن أخى ، استنفرنا الله خفافا وثقالا ، من يحبه الله يتليه ، ثم يعيده فيبقيه ، وإنما يبتلى الله من عباده من شكر وصبر وذكر ، لوم يعبد إلا الله .
وعن أبى راشد الحبرانى قال . وافيت المقداد بن الأسود ، فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالساً على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص ، وهو يريد الغزو - وقد تقدمت به السن - فقلت : له لقد أعذر الله إليك .
فقال : أبت علينا سورة البعوث ذلك . يعنى هذه الآية : { انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً } .
هذا ، ومن العلماء من يرى أن هذه الآية تجعل الجهاد على الجميع حتى المريض والزمن والفقير . . وليس الأمر كذلك ، فما معنى هذا الأمر ؟
قلت . من العلماء من حمله على الوجوب ثم إنه نسخ بقوله - تعالى - { لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى } ومنهم من حمل هذا الأمر الندب .
والصحيح أنها منسوخة ، لأن الجهاد من فروض الكفاية ، ويدل عليه أن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك ، وأن النبى - صلى الله عليه وسلم - خلف في المدينة في تلك الغزوة النساء وبعض الرجال ، فدل ذلك على أن الجهد من فروض الكفايات ، وأنه ليس على الأعيان .
ويرى بعض العلماء أن الاية ليست منسوخة ، فقد قال الإِمام القرطبى - ما ملخصه - واختلف في هذه الآية ، فقيل إنها منسوخة بقوله - تعالى - { لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى }
روى ابن عباس عن أبى طلحة في قوله - تعالى - { انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً } قال : شباناً وكهولا . ما سمع الله عذر أحد . فخرج إلى الشام فجاهد حتى مات .
ثم قال - بعد أن ساق نماذج متعددة لمن خرجوا للجهاد خفافاً وثقالا - فلهذا وما كان مثله مما روى عن الصحابة والتابعين قلنا . إن النسخ لا يصح .
فقد تكون هناك حالة يجب فيها نفير الكل ، وذلك إذا تعين الجهاد لغلبة العدو على قطر من الأقطار الإِسلامية ، أو بحلوله في العقر . ففى هذه الحالة يجب على جميع أهل الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافاً وثقالاً ؛ شباباً وشيوخاً ، كل على قدر طافته . ولا يتخلف أنحد يقدر على الخروج .
فإن عجز أهل تلك البلدة عن صد عدوهم ؛ كان على من قاربهم أن يخرجوا معهم لصد العدو ، وكذلك الشأن بالنسبة لكل من علم بضعفهم عن عدوهم فالمسلمون كلهم يد على من سواهم .
حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها ، سقط الفرض على الآخرين .
ثم قال - رحمه الله - ومن الجهاد أيضاً ما هو نافلة ، وهو إخراج الإِمام طائفة . . لإِظهار القوة ، وإعزاز دين الله .
ثم قال : وقال ابن العربى ، ولقد نزل بنا العدو - قصمه الله . سنة سبع وعشرين وخمسمائة : فجاس ديارنا ، وأسر خيرتنا ، وتوسط بلادنا . . فقلت للوالى والمولى عليه : عدو الله قد حصل في الشرك والشبكة ، فلتكن عندكم بركة ، ولتظهر منكم إلى نصرة الدين المعينة عليكم حركة ، فليخرج إليه جميع الناس . . فيحاط به فيهلك .
فغلبت الذنوب ، ورجفت القلوب بالمعاصى ، وصار كل أحد من الناس ثعلباً يأوى إلى وجاره ، وإن رأى المكيدة بجاره .
فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
والذى نراه . أن ما ذهب إليه الإِمام القرطبى ، من أن الآية الكريمة ليست منسوخة ، أولى بالاتباع .
لأن الجهاد قد يكون فرض كفاية في بعض الحالات ، وقد يكون فرض عين في حالات أخرى والآية الكريمة التي معنا تدعو المؤمنين إلى النفي العام في تلك الحالات الأخرى التي يكون الجهد فيها فرض عين وبذلك يمكن الجمع بين الآيات التي تدعو إلى النفير العام . والآيات التي تعفى بعض الن عاسن مشاقه ومتاعبه .
ومن كل ما تقدم يتبين لنا أن هذه الآيات الأربع قد عاتبت المؤمنين الذين تخلفوا عن الجهاد في غزوة تبوك عتاباً شديداً ؛ وأنذرتهم بالعذاب الأليم إن لم ينفروا . . وذكرتهم بما كان من نصر الله لنبيه حين أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين . . وأمرتهم بالنفور إلى الجهاد خفافاً وثقالا . وبمجاهدة المشركين بأموالهم وأنفهسم ، فذلك هو الخير لهم في عاجلتهم وآجلتهم .