روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (29)

{ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال } أي تنكحونهم { وَتَقْطَعُونَ السبيل } أي وتقطعون الطريق بسبب تكليف الغرباء والمارة تلك الفعلة القبيحة وإتيانهم كرهاً أو وتقطعون سبيل النسل بالإعراض عن الحرث وإتيان ما ليس بحرث ، وقيل : تقطعون الطريق بالقتل وأخذ المال ، وقيل : تقطعونه بقبح الأحدوثة { وَتَأْتُونَ } أي تفعلون { فِى نَادِيكُمُ } أي في مجلسكم الذي تجتمعون فيه ، وهو اسم جنس إذ أنديتهم في مجالسهم كثيرة ، ولا يسمى نادياً إلا إذا كان فيه أهله فإذا قاموا عنه لم يطلق عليه ناد { المنكر } أخرج أحمد . والترمذي وحسنه ، والحاكم وصححه . والطبراني . والبيهقي في الشعب . وغيرهم عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت : «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى { وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ المنكر } فقال : كانوا يجلسون بالطريق فيخذفون أبناء السبيل ويسخرون منهم ، وعن مجاهد . ومنصور والقاسم بن محمد . وقتادة . وابن زيد . هو إتيان الرجال في مجالسهم يرى بعضهم بعضاً ، وعن مجاهد أيضاً هو لعب الحمام وتطريف الأصابع بالحناء والصفير والخذف ونبذ الحياء في جميع أمورهم ، وعن ابن عباس هو تضارطهم وتصافعهم فيها ، وفي رواية أخرى عنه هو الخذف بالحصى والرمي بالبنادق والفرقعة ومضغ العلك والسواك بين الناس وحل الإزار والسباب والفحش في المزاح ولم يأت في قصة لوط عليه السلام أنه دعا قومه إلى عبادة الله تعالى كما جاء في قصة إبراهيم وكذا في قصة شعيب الآتية لأن لوطاً كان من قوم إبراهيم وفي زمانه وقد سبقه إلى الدعاء لعبادة الله تعالى وتوحيده واشتهر أمره عند الخلق فذكر لوط عليه السلام ما اختص به من المنع من الفاحشة وغيرها ، وأما إبراهيم وشعيب عليهما السلام فجاءا بعد انقراض من كان يعبد الله عز وجل ويدعو إليه سبحانه فلذلك دعا كل منهما قومه إلى عبادته تعالى كذا في «البحر » .

{ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } أي فيما تعدنا من نزول العذاب على ما في «الكشف » وغيره ، وهذا ظاهر في أنه عليه السلام كان أوعدهم بالعذاب ، وقيل : أي دعوى استحقاقنا العذاب على ما نحن عليه المفهومة من التوبيخ المعلوم من الاستفهام الإنكاري ، وقيل : أي في دعوى استقباح ذلك الناطق بها كلامك . وهذا الجواب صدر عنهم في المرة الأولى من مرات مواعظ لوط عليه السلام ، وما في سورة الأعراف المذكورة في قوله تعالى : { وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ } [ الأعراف : 82 ] الآية وما في سورة النمل المذكور في قوله تعالى : { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءالَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ } [ النمل : 56 ] الآية فقد صدر عنهم بعد هذه المرة فلا منافاة بين الحصر هنا والحصر هناك ، قاله أبو حيان وتبعه أبو السعود .

وتعقب بأن هذا التعيين يحتاج إلى توقيف . وأجيب بأن مضموني الجوابين يشعران بالتقدم والتأخر ، وذلك أن { ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } من باب التكذيب والسخرية وهو أوفق بأوائل المواعظ والتوبيخات و { أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ } [ الأعراف : 82 ] ونحوه من باب التعذيب والانتقام ، وهو أنسب بأن يكون بعد تكرر الوعظ والتوبيخ الموجب لضجرهم ومزيد تألمهم مع قدرتهم على التشفي ، وهذا القدر يكفي لدعوى التقدم والتأخر ، وقيل في دفع المنافاة بين الحصرين : إن ما هنا جواب قومه عليه السلام له إذ نصحهم ، وما هناك جواب بعضهم لبعض إذ تشاوروا في أمره ، وقيل : إن أحد الجوابين صدر عن كبار قومه وأمرائهم والآخر صدر عن غيرهم ، وظاهر صنيع بعض الأجلة يقتضي اختيار أن يكون كل من الحصرين بالإضافة إلى الجواب الذي يرجوه عليه السلام في متابعته فتأمل .

ومن باب الإشارة : { وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ المنكر } [ العنكبوت : 9 2 ] سئل الجنيد قدس سره عن هذه الآية فقال : كل شيء يجتمع الناس عليه إلا الذكر فهو منكر

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (29)

شرح الكلمات :

{ وتقطعون السبيل } : أي باعتدائكم على المارة في سبيل فامتنع الناس من المرور خوفاً منكم .

{ وتأتون في ناديكم المنكر } : أي مجالس أحاديثكم تأتون المنكر كالصراط وحل الإِزار والفاحشة أي اللواط .

{ فما كان جواب قومه } : أي إلا قولهم إئتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين .

المعنى :

قوله تعالى : { أئنكم لتأتون الرجال } أي في أدبارهم { وتقطعون السبيل } وذلك أنهم كانوا يعتدون على المارة بعمل الفاحشة معهم قسراً وبسلب أموالهم وبذلك امتنع الناس من المرور فانقطعت السبيل ، كما أنهم بإتيانهم الذكران عطلوا السبيل بقطع سبيل الولادة ، وزاد لوط في تأنيبهم والإِنكار عليهم والتوبيخ لها فقال { وتأتون في ناديكم المنكر } والنادي محل اجتماعهم وتحدثهم وإتيان المنكر فيه كان بارتكاب الفاحشة مع بعضهم بعضاً ، وبالتضارط فيه ، وحل الإِزار ، والقذف بالحصى وما غلى ذلك مما يؤثر عنهم من سوء وقبح . قال تعالى : { فما كان جواب قومه } بعد أن أنبهم ووبخهم ناهيا لهم عن مثل هذه الفواحش { إلا أن قالوا إئتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } أي ما كان جوابهم إلا المطالبة بعذاب الله ، وهذه طريقة الغلاة المفسدين والظلمة المتكبرين ، إذا أعيتهم الحجج لجأوا إلى القوة يستعملونها أو يطالبون بها .

الهداية :

من الهداية :

- قبح الفاحشة وحرمتها وأسوأها فاحشة اللواط .

- وجوب إقامة الحد على اللوطيّ الفاعل والمفعول لأن الله تعالى سماها فاحشة وسمى الزنا فاحشة ووضع حداً للزنى فاللوطية تقاس عليه ، وقد صرحت السنة بذلك فلا حاجة إلى القياس .

- التحذير من العبث والباطل قولاً أو عملاً وخاصة في الأندية والمجتمعات .