روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ} (107)

{ خالدين فِيهَا } خلا أنه إن أريد حدوث كونهم في النار فالحال مقدرة { مَا دَامَتِ * السموات والارض } أي مدة دوامهما ، وهذا عبارة عن التأييد ونفي الانقطاع على منهاج قول العرب : لا أفعل كذا ما لاح كوكب . وما أضاء الفجر . وما اختلف الليل والنهار . وما بل بحر صوفة . وما تغنت حمامة إلى غير ذلك من كلمات التأبيد عندهم لا تعليق قرارهم فيها بدوام هذه السموات والأرض ، فإن النصوص القاطعة دالة على تأبيد قرارهم فيها وانقطاع دوامهما ، وروي هذا عن ابن جرير ، وجوز أن يحمل ذلك على التعليق والمراد بالسموات والأرض سموات الآخرة وأرضها ، وهي دائمة للأبد ، قال الزمخشري : والدليل على أن لها سموات وأرضاً قوله سبحانه : { يَوْمَ تُبَدَّلُ الارض غَيْرَ الارض } [ إبراهيم : 48 ] وقوله سبحانه : { وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الارض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء } [ الزمر : 74 ] ولأنه لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم إما سماء يخلقها الله تعالى أو يظلهم العرش ، وكل ما أظلك فهو سماء انتهى .

قال القاضي : وفيه نظر لأنه تشبيه بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده ودوامه ومن عرفه فإنما عرفه بما يدل على دوام الثواب والعقاب فلا يجدي له التشبيه ، وأجاب عنه صاحب الكشف بأنه إذا أريد ما يظلهم وما يقلهم فهو ظاهر السقوط لأن هذا القدر معلوم الوجود لكل عاقل واما الدوام فليس مستفاداً من دليل دوام الثواب والعقاب بل مما يدل على دوام الجنة والنار سواء عرف أنهما دار الثواب والعقاب وأن أهلهما السعداء والأشقياء من الناس أولاً على أنه ليس من تشبيه ما يعرف بما لا يعرف بل العكس انتهى ، وتعقبه الجلبي بأن قوله : لكل عاقل غير صحيح فانه لا يعترف بذلك إلا المؤمنون بالآخرة ، وقوله الدوام مستفاد مما يدل على دوام الجنة والنار لا يدفع ما ذكره القاضي لأنه يريد أن المشبه به ليس أعرف من المشبه لا عند المتدين لأنه يعرف كليهما من قبل الأنبياء عليهما السلام وليس فيه ما يوجب أعرفية دوام سموات الآخرة وأرضها وليس مراده أن دوامهما مستفاد من خصوص الدليل الدال على الثواب والعقاب بعينه فإنه لا يهمه ليمنع ولا عند غير المتدين فانه لا يعترف به ولا بها ولا يعرفه ، وقوله : على أنه ليس من تشبيه الخ مبني على أنه تشبيه تلك الدار بهذه الذار وليس بذلك ، وإنما المراد التشبيه الضمني لدوامهم بدوامهما انتهى ، وفيه بحث .

والحق أن صحة إرادة ذلك مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان ، وفي الاختبار عن ابن عباس . والحسن . والسدى . وغيرهم ما يقتضيه ، ومن تأمل منصفاً بعد تسليم أن هناك تشبيهاً يظهر له أن المشبه به أعرف من المشبه وأقرب إلى الذهن ، واتحاد طريق العلم بهما لا يضر في ذلك شيئاً بداهة أن ثبوت الحيز أعرف وأقرب إلى الذهن من ثبوت ما تحيز فيه وإن وردا من طرق السمع كما لا يخفى على أن اشتراط كون المشبه به أعرف في كل تشبيه غير مسلم عند الناظر في المعاني ، نعم المتبادر من السموات والأرض هذه الأجرام المعهودة عندنا ، فالأولى أن تبقى على ظاهرها ويجعل الكلام خارجاً مخرج ما اعتادته العرب في محاوراتهم عند إرادة التبعيد والتأبيد ، وهو أكثر من أن يحصى ، ولعل هذا أولى أيضاً مما في تفسير ابن كثير من حمل السموات والأرض على الجنس الشامل لما في الدنيا والآخرة أي المظل والمقل في كل دار ، وفي الدرر أنه يمكن أن يكون المراد أنهم خالدون بمقدار مدة بقاء السموات والأرض التي يعلم انقطاعها ثم يزيدهم سبحانه على ذدلك ويخلدهم ويؤبد مقامهم ، ولعله أراد مدة بقائهما منذ خلقهما الله تعالى إلى أن يبدلهما لا مدة بقائهما بعد دخولهم النار يوم القيامة لأنهما يبدلان قبل دخولهم .

والآية على هذا من قبيل قوله سبحانه : { لابثين فِيهَا أَحْقَاباً } [ النبأ : 23 ] { إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } قيل : هو استثناء من الضمير المستكن في { خالدين } وتكون { مَا } واقعة على نوع من يعقل كما في قوله سبحانه : { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء } [ النساء : 3 ] أو واقعة على من يعقل على مذهب من يرى وقوعها عليه مطلقاً .

والمراد بمن شاء فساق الموحدين فإنهم يخرجون منها كما نطقت به الأخبار ، وذلك كاف في صحة الاستثناء لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض وهم المراد بالاستثناء الثاني فانهم مفارقون عن الجنة أيام عذابهم ، والتأبيد من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداء كما ينتقض باعتبار الانتهاء ، ألا ترى أنك إذا قلت : مكثت يوم الخميس في البستان إلا ثلاث ساعات جاز أن يكون ذلك الزمان الواقع فيه عدم المكث من أوله ومن آخره ، وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم ، ولا يقال : فعلى هذا لا يكون قوله سبحانه : { فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ } [ هود : 105 ] تقسيماً صحيحاً لأن من شرطه أن تكون صفة كل قم منفية عن قسيمه لأن ذلك الشرط حيث الانفصال حقيقي أو مانع من الجمع ، وههنا المراد أن أهل الموقف لا يخرجون من القسمين وأن حالهم لا تخلو عن السعادة والشقاوة ، وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص واحد باعتبارين انتهى ، وهو ما ذكره الإمام وآثره القاضي ، واعترض بأنه لا دلالة في اللفظ على المبدأ المعين ولو سلم فالاستثناء يقتضي إخراجاً عن حكم الخلود وهو لا محالة بعد الدخول ، فكيف ينتقض بما سبق عليه ؟ كيف وقد سبق قوله تعالى : { فِى الجنة } ؟ ثم قيل : فإن قلت : زمان تفرقهم عن الموقف هو الابتداء وهو رخر يوم يأتي قلت : إن ادعى أن الابتداء من ابتداء ذلك الزمان جاز أن يسلم دلالة اللفظ عليه ولا ينفع لأن الكل في الدارين غير خالدين على هذا التقدير ، وأما جعل ابتداء المدة من انتهائه فلا ، وبأن تقابل الحكمين يدل على تقابل القسمين بمعنى منع الجمع مطلقاً ؛ وأجيب بعد غمض العين عما في ذلك من الخروج عن آداب المناظرة بأن مبدأ زمان خلود أهل الجنة من زمان دخول أهل النار في النار ، ويدل على ذلك اتحاد معيار الخلودين ، وهو { مَا دَامَتِ * السموات والارض } فإنه يدل على زمان خلودهما ولا اتحاد مع الاختلاف في المبدأ ، والاستثناء عن حكم الخلود من مبدأ معين يكون بالإخراج عن حكم الدخول الذي يتضمنه الخلود فيها لا محالة .

وخلاصة المعنى على هذا أن الشعداء كلهم خالدون في الجنة من زمان دخول أهل النار في النار إلا العصاة منهم الذين أراد الله سبحانه دخولهم في النار مدة معينة علمها عنده جل وعلا ، وما ذكر من حديث تقابل الحكمين إن أريد تقابلهما بمعنى منع الجمع فلا تقابل فيهما بهذا المعنى لاجتماعهما في العصاة ، وإن أريد مطلقاً فلا دلالة على تقابل القسمين بذلك المعنى انتهى .

ولا يخفى على المنصف ما في ذلك القول من التكلف ومخالفة الظاهر والانتصار له بما ذكر لا يجديه نفعاً ، وقيل : هو استثناء من الضمير المتقدم إلا أن الحكم الخلود في عذاب النار ، وكذا يقال فيما بعد : إن الحكم فيه الخلود في نعيم الجنة وأهل النار ينقلون منها إلى الزمهرير وغيره من العذاب أحياناً وكذلك أهل الجنة ينعمون بما هو أعلى منها كالاتصال بجناب القدس والفوز برضوان الله تعالى الذي هو أكبر وما يتفضل به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو سبحانه وتعالى ، وإلى هذا ذهب الزمخشري سالاً سيف البغي والاعتزال ، وقد رده العلامة الطيبي وأطال الكلام في ذلك .

وقال «صاحب الكشف » : إن ذلك في أهل النار ظاهر لأنهم ينقلون من حر النار إلى برد الزمهرير ، والرد بأن النار عبارة عن دار العقاب غير وارد لأنا لا ننكر استعمال النار فيها تغليباً أما دعوى الغلبة حتى يهجر الأصل فكلا ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { نَاراً تلظى } [ الليل : 14 ] { نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة } [ التحريم : 6 ] وكم . وكم ، وأما رضوان الله تعالى عن أهل الجنة وهم فيها فيأبى الاستثناء كيف وقوله سبحانه : { خالدين فِيهَا } لا يدل بظاهره على أنهم منعمون بها فضلاً عن انفرادها بتنعمهم إلا أن يخصص بجنة الثواب لا محض التفضل ، وكفاه بطلاناً التخيص من غير دليل ، واعترض بأن لك أن تقول : هجر الأصل في الآيتين اللتين ذكرتا علم من الوصف ، وفي هذه الآية ذكرها في مقابلة الجنة يعضد أن المراد بها دار العقاب مطلقاً .

وقيل : إن الاستثناء مفرغ من أعم الأوقات و { مَا } على أصلها لما لا يعقل وهو الزمان والحكم الكون في النار ، والمعنى أما الذين شقوا ففي النار في كل زمان بعد إتيان ذلك اليوم إلا زماناً شاء الله تعالى فيه عدم كونهم فيها وهو زمان موقف الحساب ، واعترض بأن عصاة المؤمنين الداخلين النار إما سعداء فيلزم أن يخلدوا في الجنة فيما سوى الزمان المستثنى وليس كذلك . أو أشقياء فيلزم أن يخلدوا في النار وهو خلاف مذهب أهل السنة ، وأيضاً تأخره عن الحال ولا مدخل لها في الاستثناء لا يفصح ، والإبهام بقوله سبحانه : { إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } والتفخيم الذي يعطيه لا يبقى له رونق ، وأجيب بأنه قد يقال : إن القائل بذلك يخص الأشقياء بالكفار والسعداء بالأتقياء ويكون العصاة مسكوتاً عنهم هنا فلا يرد عليه شيء إن كان سنياً وإن كان معتزلياً فقد وافق سنن طبعه ، ويجاب عما بعد بالمنع ، وقيل : أمر الاستثناء ما علمت إلا أن المستثنى مدة لبثهم في الدنيا أو البرزخ ويقطع النظر عن { يَوْمَ يَأْتِى } [ هود : 105 ] والمعنى أنهم في النار جميع أزمان وجودهم إلا زماناً شاء الله تعالى لبثهم في الدنيا أو البرزخ ، والمراد مع زمان الموقف إذ ليسوا في زمانه أيضاً في النار إلا أن يراد بالنار العذاب فلا يحتاج للمعية لكن يرد أنهم معذبون في البرزخ أيضاً إلا أن يقال : لا يعتد بذلك لأنه عذاب غير تام لعدم تمام حياتهم فيه ، وأورد عليه ما أورد على ما قبله ، وأجيب بأنه إنما يرد لو كان المستثنى في الاستثناء الثاني هو ذلك الزمان المستثنى في الاستثناء الأول وهو غير مسلم فليكن المستثنى منه زمان لبثهم في النار مع ذلك الزمان المستثنى في الآية الأولى فإن المستثنى ليس فيه ما يدل على تعيين زمان حتى لا يمكن الزيادة عليه وهو كما ترى .

وقيل : هو استثناء من قوله سبحانه : { لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } [ هود : 106 ] ورد بأن المقابل لا يجري فيه هذا ويبقى الاشكال ، وأجيب بأن المراد ذكر ما تحتمله الآية والإطراد ليس بلازم ، وتعقب بأنه ليس المراد إلا بيان ضعف هذا الوجه وكفى بعدم الإطراد ضعفاً ، وقيل : { إِلا } بمعنى سوى كقولك : لك عليّ ألفان إلا الألف التي كانت يعني سواها ، ونقل ذلك عن الزجاج . والفراء . والسجاوندي ، والمعنى سوى ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها على مدة بقاء السموات والأرض ، والاستثناء في ذلك منقطع ، ويحتمل أن يريدوا أن { إِلا } بمعنى غير صفة لما قبلها والمعنى يخلدون فيها مقدار مدة السموات والأرض سوى ما شاء الله تعالى مما لا يتناهى ، وضعف هذا القيل بأنه يلزم حمل السموات والأرض على هذين الجسمين المعروفين من غير نظر إلى معنى التأييد وهو فاسد ، وقيل : { إِلا } بمعنى الواو أي وما شاء ربك زائداً على ذلك ، واستشهد على مجيئها بمعنى الواو بقوله : وكل أخر مفارقه أخوه *** لعمر أبيك ( إلا ) الفرقدان وفيه أن هذا قول مردود عند النحاة ، وقال العلامة الطيبي : الحق الذي لا محيد عنه أن يحمل { مَا } على من لإرادة الوصفية وهي المرحومية ، و { خالدين } حال مقدرة من ضمير الاستقرار أن في النار ، والمعنى وأما الذين شقوا ففي النار مقدرين الخلود إلا المرحوم الذي شاء الله تعالى أن لا يستقر مخلداً فيفيد أن لا يستقر فيها مطلقاً أو يستقر غير مخلد ، وأحوال العصاة على هذا النهج كما علم من النصوص ، وفي ذلك إيذان بأن إخراجهم بمحض رحمة الله تعالى فينطبق عليه قوله سبحانه : { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } وتعقب بأنه لا يجري في المبال إلا بتأويل الإمام وقد مر ما فيه ، أو بجعله من أصل الحكم ويقتضي أن لا يدخلوا أصلاً ، وإذا أول بمقدرين فلو جعل استثناء من مقدرين لم يتجه ، ومن قوله تعالى : { فِى النار } فلا يكون لهم دخول أصلاً ، ودلالة { مَا } لإبامه إما على التفخيم أو التحقير ولا يطابق المقام ، وقيل : وقيل ، والأوجه أن يقال : إن الاستثناء في الموضعين مبني على الفرض والتقدير فمعنى إلا ما شاء إن شاء لو فرض أن الله تعالى شاء إخراجهم من النار أو الجنة في زمان لكان مستثنى من مدة خلودهم لكن ذلك لا يقع لدلالة القواطع على عدم وقوعه ، وهذا كما قال الطيبي من أسلوب { حتى يَلِجَ الجمل في سَمّ الخياط } [ الأعراف : 40 ] { وَلاَ * يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الاولى } [ الدخان : 56 ] وذكر أنه وقف على نص من قبل الزجاج يوافق ذلك .

وفي المعالم عن الفراء أيضاً ما يوافقه حيث نقل عنه أنه قال : هذا استثناء استثناه سبحانه ولا يفعله كقولك : والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وعزيمتك أن تضربه ، وحذو القذة بالقذة ما نقله قبل عن بعضهم أن المعنى لو شاء لأخرجهم لكنه لا يشاء لأنه سبحانه حكم لهم بالخلود .

وفي البحر عن ابن عطية نقلاً عن بعض ما هو بمعناه أيضاً حيث قال : وأما قوله تعالى : { إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } فقيل فيه : إنه على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام فهو على نحو قوله جل وعلا : { لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاء الله ءامِنِينَ } [ الفتح : 27 ] استثناء في واجب ، وهذا الاستثناء في حكم الشرط كأنه قيل : إن شارء ربك فليس يحتاج أن يوصف بمتصل ولا منقطع ، وممن ذهب إلى ذلك أيضاً الفاضل ميرزاجان الشيرازي في تعليقاته على تفسير القاضي ونص على أنه من قبيل التعليق بالمحال حتى يثبت محالية المعلق ويكون كدعوى الشيء مع بينة ، وهو أحد الأوجه التي ذكرها السيد المرتضى في درره ، وتفسير الاستثناء الأول بالشرط أخرجه ابن مردويه عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر ذلك الجلال السيوطي في الدر المنثور ، ولعل النكتة في هذا الاستثناء على ما قيل : إرشاد العبد إلى تفويض الأمور إليه جل شأنه وإعلامهم بأنها منوطة بمشيئته جل وعلا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لاحق لأحد عليه ولا يجب عليه شيء كما قال تبارك وتعالى : { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } .

وذكر بعض الأفاضل أن فائدته دفع توهم كون الخلود أمراً واجباً عليه تعالى لا يمكن له سبحانه نقضه كما ذهب إليه المعتزلة حيث أخبر به جل وعلا مؤكداً ، والمراد بالذين شقوا على هذا الوجه الكفار فقط فانهم الأحقاء بهذا الاسم على الحقيقة وبالذين سعدوا المؤمنون كافة مطيعهم وعاصيهم فيكون التقسيم في قوله سبحانه : { فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ } [ هود : 105 ] للانفصال الحقيقي ولا ينافيه قوله تعالى : { فَفِى الجنة } [ هود : 108 ] لأنه يصدق بالدخول في الجملة .

وفي الكشف بعد نقل أن الاستثناء من باب { حتى يَلِجَ الجمل } [ الأعراف : 40 ] فإن قلت : فقد حصل مغزي الزمخشري من خلود الفساق ، قلت : لا كذلك لأنهم داخلون في السعداء ، والآية تقتضي خلود السعيد وذلك بعد دخوله فيها لا محالة ، ولا تنفي كينونته في النار قبل دخوله في الجنة فإن اللفظ لا يقتضي أن يدخلوا أعني السعداء كلهم في الجنة معا كيف والقاطع يدل على دخولهم أولا فأولا عى حسب مراتبهم انتهى فتأمل ، فإن الآية من المعضلات .

وإنما لم يضمر في { إِنَّ رَبَّكَ } الخ كما هو الظاهر لتربية المهابة وزيادة التقرير ، واللام في { لَّمّاً } قيل : للتقوية أي فعال ما يريده سبحانه لا يتعاصى عليه شيء بوجه من الوجوه .

( ومن باب الإشارة ) :{ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } [ هود : 107 ] لا حجر عليه سبحانه

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ} (107)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{خالدين فيها}، لا يموتون، {ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك}، يقول: كما تدوم السماوات والأرض لأهل الدنيا، ولا يخرجون منها، فكذلك يدوم الأشقياء في النار، ثم قال: {إلا ما شاء ربك}، فاستثنى الموحدين الذين يخرجون من النار لا يخلدون... {إن ربك فعال لما يريد}...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله: {خالِدِينَ فِيها ما دَامَتِ السّمَوَاتُ والأرْضُ إلاّ ما شاءَ رَبّكَ إنّ رَبّكَ فَعّالٌ لِمَا يرِيدُ}، يعني تعالى ذكره بقوله: {خالِدِينَ فِيها}، لابثين فيها، ويعني بقوله: {ما دَامَتِ السّماوَاتُ والأرْضُ}: أبدا؛ وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدا، قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض، بمعنى: إنه دائم أبدا، وكذلك يقولون: هو باق ما اختلف الليل والنهار، وما سمر لنا سمير، وما لألأت العفر بأذنابها، يعنون بذلك كله: أبدا. فخاطبهم جلّ ثناؤه بما يتعارفون به بينهم، فقال: {خالِدِينَ فِيها ما دَامَتِ السمَواتُ والأرْضُ}، والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدا...

ثم قال: {إلاّ ما شاءَ رَبّكَ}.

واختلف أهل العلم والتأويل في معنى ذلك؛

فقال بعضهم: هذا استثناء استثناه الله في أهل التوحيد أنه يخرجهم من النار إذا شاء، بعد أن أدخلهم النار...

وقال آخرون: الاستثناء في هذه الآية في أهل التوحيد، إلا أنهم قالوا: معنى قوله: {إلاّ ما شاءَ رَبّكَ}، إلا أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار، ووجهوا الاستثناء إلى أنه من قوله: {فأمّا الّذِينَ شَقُوا فَفِي النارِ... إلاّ ما شاءَ رَبّكَ}، لا من الخلود...

وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكل من دخلها...

وقال آخرون: أخبرنا الله بمشيئته لأهل الجنة، فعرفنا معنى ثنياه بقوله: {عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}، أنها في الزيادة على مقدار مدة السماوات والأرض، قال: ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار، وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة، وجائز أن تكون في النقصان...

وأولى هذه الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب... أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر أنه يدخلهم النار، خالدين فيها أبدا إلا ما شاء من تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم، فيدخلهم الجنة، كما قد بيّنا في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك، لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل الشرك به الخلود في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغير جائز أن يكون استثناء في أهل الشرك، وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يدخل قوما من أهل الإيمان به بذنوب أصابوها النار، ثم يخرجهم منها، فيدخلهم الجنة، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء أهل التوحيد قبل دخولها مع صحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا، وأنا إن جعلناه استثناء في ذلك كنا قد دخلنا في قول من يقول: لا يدخل الجنة فاسق ولا النار مؤمن، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم وما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا فسد هذان الوجهان، فلا قول قال به القدوة من أهل العلم إلا الثالث. ولأهل العربية في ذلك مذهب غير ذلك سنذكره بعد، ونبينه إن شاء الله تعالى.

وقوله: {إنّ رَبّكَ فَعّالٌ لِمَا يُرِيدُ}، يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد لا يمنعه مانع من فعل ما أراد فعله بمن عصاه وخالف أمره من الانتقام منه، ولكنه يفعل ما يشاء، فيمضي فعله فيهم وفيمن شاء من خلقه فعله وقضاءه.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{مَا دَامَتِ السماوات والأرض} فيه وجهان، أحدهما: أن تراد سموات الآخرة وأرضها وهي دائمة مخلوقة للأبد. والدليل على أن لها سموات وأرضاً قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض} [إبراهيم: 48] وقوله: {وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء} [الزمر: 74] ولأنه لا بدّ لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم: إمّا سماء يخلقها الله، أو يظلهم العرش، وكل ما أظلك فهو سماء. والثاني أن يكون عبارة عن التأبيد ونفي الانقطاع. كقول العرب: ما دام تعار، وما أقام ثبير، وما لاح كوكب، وغير ذلك من كلمات التأبيد...

روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :

ولعل النكتة في هذا الاستثناء على ما قيل: إرشاد العبد إلى تفويض الأمور إليه جل شأنه وإعلامهم بأنها منوطة بمشيئته جل وعلا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا حق لأحد عليه ولا يجب عليه شيء كما قال تبارك وتعالى: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ}. وذكر بعض الأفاضل أن فائدته دفع توهم كون الخلود أمراً واجباً عليه تعالى لا يمكن له سبحانه نقضه...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض} أي ماكثين فيها مكث بقاء وخلود لا يبرحونها مدة دوام السماوات التي تظلهم والأرض التي تقلهم، وهذا معنى قوله في آيات أخرى {خالدين فيها أبدا} [النساء: 57]، فإن العرب تستعمل هذا التعبير بمعنى الدوام، وغلط من قالوا: المراد مدة دوامهما في الدنيا، فإن هذه الأرض تبدل وتزول بقيام الساعة، وسماء كل من أهل النار وأهل الجنة ما هو فوقهم، وأرضهم ما هم مستقرون عليه وهو تحتهم، قال ابن عباس: لكل جنة أرض وسماء، وروي مثله عن السدي والحسن.

{إلا ما شاء ربك} أي إن هذا الخلود الدائم هو المعد لهم في الآخرة المناسب لصفة أنفسهم الجهول الظالمة التي أحاطت بها ظلمة خطيئاتها وفساد أخلاقها -كما فصلناه مرارا -إلا ما شاء ربك من تغيير في هذا النظام في طور آخر، فهو إنما وضع بمشيئته، وسيبقى في قبضة مشيئته، وقد عهد مثل هذا الاستثناء في سياق الأحكام القطعية للدلالة على تقييد تأبيدها بمشيئته تعالى فقط، لا لإفادة عدم عمومها، كقوله تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} [الأعراف: 188]، أي لا أملك شيئا من ذلك قدرتي وإرادتي إلا ما شاء الله أن يملكنيه منه بتسخير أسبابه وتوفيقه، ومثله في [10: 49] مع تقديم الضر. وقوله: {سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله} [الأعلى: 6، 7} على أن الاستثناء لتأكيد النفي، أي إنه تعالى ضمن لنبيه حفظ هذا القرآن الذي يقرئه إياه بقدرته وعصمه أن لا ينسى منه شيئا بمقتضى الضعف البشري، فهو لا يقع إلا أن يكون بمشيئة الله، فهو وحده هو القادر عليه.

{إن ربك فعال لما يريد} فهو إن شاء غير ذلك فعله، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وإنما تتعلق مشيئته بما سبق به علمه واقتضته حكمته، وما كان كذلك لم يكن إخلافا لشيء من وعده، ولا من وعيده، كخلود أهل النار فيها، فإن هذا الوعيد مقيد بمشيئته، وهي تجري بمقتضى علمه وحكمته، ولهذا قال في مثل هذا الاستثناء من سورة الأنعام: {قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: 128] وقد فصلنا في تفسير تلك الآية ما قاله العلماء من المفسرين وغيرهم من الخلاف في أبدية النار وعذابها، ووعدنا بالعودة إليه في تفسير هذه الآية، وسنجعله في الخلاصة الإجمالية للسورة لتبقى سلسلة التفسير هنا متصلة.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هؤلاء وأولئك خالدون حيث هم (ما دامت السماوات والأرض). وهو تعبير يلقي في الذهن صفة الدوام والاستمرار. وللتعبير ظلال. وظل هذا التعبير هنا هو المقصود. وقد علق السياق هذا الاستمرار بمشيئة الله في كلتا الحالتين. وكل قرار وكل سنة معلقة بمشيئة الله في النهاية. فمشيئة الله هي التي اقتضت السنة وليست مقيدة بها ولا محصورة فيها. إنما هي طليقة تبدل هذه السنة حين يشاء الله:...

.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْض} فلا مجال للتخلص من العذاب في أيّ وقت، بل يمتد بهم ذلك بامتداد السماوات والأرض، {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ} لأن الأشياء كلها تخضع لمشيئته، فلا حتميّة لشيء في الدنيا أو في عالم الخلود إلا من خلال إرادته التي تعطي الأشياء وجودها، وتمنح الموجودات استمرارها، فمشيئة الله تحكم كل شيء في البداية، والاستمرار، والنهاية... ولعل هذا هو الملحوظ في هذا الاستثناء، لتأكيد الإرادة الإلهية التي إذا حكمت على الأشقياء بالخلود في العذاب، فإنه من الممكن أن ترفع ذلك عنهم في المستقبل، لأنّ هذا الحكم مربوط بالمشيئة الإلهية، التي قد تعلق حكم خلودهم في النار أو تمد بذاك الحكم إلى الأبد، {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} فهو المهيمن على كل شيء، فكل شيء خاضع لإرادته...