روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَسۡتَحِبُّونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ} (3)

{ الذين يَسْتَحِبُّونَ الحياة الدنيا عَلَى الاخرة } أي يختارونها عليها فإن المختار للشيء يطلب من نفسه أن يكون أحب إليه من غيره ، فالسين للطلب ، والمحبة مجاز مرسل عن الاختيار والإيثار بعلاقة اللزوم في الجملة فلا يضر وجود أحدهما بدون الآخر كاختيار المريض الدواء المر لنفعه وترك ما يحبه ويشتهيه من الأطعمة اللذيذة لضرره ، ولاعتبار التجوز عدى الفعل بعلى ويجوز أن يكون استفعل بمعنى أفعل كاستجاب بمعنى أجاب والفعل مضمن معنى الاختيار والتعدية بعلى لذلك { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } يعوقون الناس ويمنعونهم عن دين الله تعالى والإيمان به وهو الصراط الذي بين شأنه ، والاقتصار على الإضافة إلى الاسم الجليل المنطوي على كل وصف جميل لزوم الاختصار .

وقرأ الحسن { يَصِدُّونَ } من أصد المنقول من صده صدود إذا تنكب وحاد وهو ليس بفصيح بالنسبة إلى القراءة الأخرى لأن في صده مندوحة عن تكلف النقل ولا محذور في كون القراءة المتواترة أفصح من غيرها ، ومن مجيء أصد قوله :

أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم . . . صدود السواقي عن أنوف الحوائم

ونظير هذا وقفه وأوقفه { وَيَبْغُونَهَا } أي يبغون لها فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير أي يطلبون لها { عِوَجَا } أي زيغاً واعوجاجاً وهي أبعد شيء عن ذلك أي يقولون لمن يريدون صده وإضلاله عن السبيل هي سبيل ناكبة وزائغة غير مستقيمة ، وقيل : المعنى يطلبون أن يروا فيها ما يكون عوجاً قادحاً فيها كقول من لم يصل إلى العنقود وليسوا بواجدين ذلك ، وكلا المعنيين أنسب مما قيل : إن المعنى يبغون أهلها أن يعوجوا بالردة . ومحل موصول هذه الصلات الجر على أنه بدل كما قيل من { الكافرين } [ إبراهيم : 2 ] فيعتبر كل وصف من أوصافهم بما يناسبه من المعاني المعتبرة في الصراط ، فالكفر المنبىء عن الستر بإزاء كونه نوراً ، واستحباب الحياة الدنيا الفانية المفصحة عن وخامة العاقبة بمقابلة كون مسلوكه محمود العاقبة ، والصد عنه بإزاء كونه سالكه عزيزاً .

وقال الحوفي . وأبو البقاء : إنه صفة { الكافرين } ورد ذلك أبو حيان بأن فيه الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو { مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } [ إبراهيم : 2 ] سواء كان في موضع الصفة لويل أو متعلقاً بمحذوف ، ونظير ذلك على الوصفية قولك : الدار لزيد الحسنة القرشي وهو لا يجوز لأنك قد فصلت بين زيد وصفته بأجنبي عنهما ، والتركيب الصحيح فيه أن يقال : الدار الحسنة لزيد القرشي أو الدار لزيد القرشي الحسنة ، وقيل إذا جعل { مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } [ إبراهيم : 2 ] خبر مبتدأ محذوف والجملة اعتراضية لا يضر الفصل بها وهو كما ترى ، وجوز أن يكون محله النصب على الذم أو الرفع عليه بأن يقدر أنه كان نعتاً فقطع أي هم الذين ، وجوز أن لا يقدر ذلك ويجعل مبتدأ خبره قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ فِى ضلال } أي بعد عن الحق { بَعِيدٍ } وهو على غير هذا الوجه استئناف في موضع التعليل ، وفيه تأكيد لما أشعر به بناء الحكم على الموصول ، والمراد أنهم قد ضلوا عن الحق ووقعوا عنه بمراحل .

وفي الآية من المبالغة في ضلالهم ما لا يخفى حيث أسند فيها إلى المصدر ما هو لصاحبه مجازاً كجد جده إلا أن الفرق بين ما نحن فيه وذاك أن المسند إليه في الأول مصدر غير المسند وفي ذاك مصدره وليس بينهما بعد .

ويجوز أن يقال : إنه أسند فيها ما للشخص إلى سبب إتصافه بما وصف به بناء على أن البعد في الحقيقة صفة له باعتبار بعد مكانه عن مقصده وسبب بعده ضلاله لأنه لو لم يضل لم يبعد عنه ، فيكون كقولك : قتل فلاناً عصيانه ، والإسناد مجازي وفيه المبالغة المذكورة أيضاً ، وفي «الكشاف » هو من الإسناد المجازي والبعد في الحقيقة للضال فوصف به فعله ، ويجوز أن يراد في ضلال ذي بعد أو فيه بعد لأن الضال قد يضل عن الطريق مكاناً قريباً وبعيداً ، وكتب عليه في «الكشف » أن الإسناد المجازي على جعل البعد لصاحب الضلال لأنه الذي يتباعد عن طريق الضلال فوصف ضلاله بوصفه مبالغة وليس المراد إبعادهم في الضلال وتعمقهم فيه .

وأما قوله : فيجوز أن يراد في ضلال ذي بعد فعلى هذا البعد صفة للضلال حقيقة بمعنى بعد غوره وأنه هاوية لا نهاية لها ، وقوله : أو فيه بعد على جعل الضلال مستقراً للبعد بمنزلة مكان بعيد عن الجادة وهو معنى بعده في نفسه عن الحق لتضادهما ، وإليه الإشارة بقوله : لأن الضال قد يضل مكاناً بعيداً وقريباً ، والغرض بيان غاية التضاد وأنه بعد لا يوازن وزانه ، وعلى جميع التقادير البعد مستفاد من البعد المسافي إلى تفاوت ما بين الحق والباطل أو ما بين أهلهما وجاز أن يكون قوله : ذي بعد أو فيه بعد وجهاً واحداً إشارة إلى الملابسة بين الضلال والبعد لا بواسطة صاحب الضلال لكن الأول أولى تكثيراً للفائدة ، ثم قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ فِى ضلال } دون أن يقول سبحانه : أولئك ضالون ضلالاً بعيداً للدلالة على تمكنهم فيه تمكن المظروف في الظرف وتصوير اشتمال الضلال عليهم اشتمال المحيط على المحاط وليكون كناية بالغة في إثبات الوصف أعني الضلال على الأوجه فافهم .

( ومن باب الإشارة ) :{ الذين يَسْتَحِبُّونَ الحياة الدنيا } الحسية والصورية { على الاخرة } العقلية والمعنوية { وَيَصُدُّونَ } المريدين { عَن سَبِيلِ الله } طريقه الموصل إليه سبحانه : { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } [ إبراهيم : 3 ] انحرافاً مع استقامتها

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَسۡتَحِبُّونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ} (3)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم أخبر عنهم، فقال تعالى: {الذين يستحبون الحياة الدنيا} الفانية، {على الآخرة} الباقية، {ويصدون عن سبيل الله}، يعني عن دين الإسلام، {ويبغونها عوجا}، يعني سبيل الله عوجا، يقول: ويريدون بملة الإسلام زيغا، وهو الميل، {أولئك في ضلال بعيد}، يعني في خسران طويل، وذلك أن رؤوس كفار مكة كانوا ينهون الناس عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وعن اتباع دينه...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني جلّ ثناؤه بقوله:"الّذِينَ يَسْتَحِبّونَ الحَياةَ الدّنْيا على الآخرَةِ"، الذين يختارون الحياة الدنيا ومتاعها ومعاصيَ الله فيها على طاعة الله وما يقربهم إلى رضاه من الأعمال النافعة في الآخرة. "وَيَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ "يقول: ويمنعون من أراد الإيمان بالله واتباع رسوله على ما جاء به من عند الله من الإيمان به واتباعه. "وَيَبْغُونَها عِوَجا "يقول: ويلتمسون سبيل الله، وهي دينه الذي ابتعث به رسوله "عوجا": تحريفا وتبديلاً بالكذب والزور... يقول الله عزّ ذكره: "أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ" يعني: هؤلاء الكافرين الذي يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، يقول: هم في ذهاب عن الحقّ بعيد، وأخذ على غير هدى، وجَوْر عن قصد السبيل...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة} وصف أولئك الذين ذكر أن فيهم الويل؛ من هم؟ فقال: {الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة} أي آثروا، واختاروا الحياة الدنيا على الآخرة، أي رضوا بها، واطمأنوا بها... اختاروا الحياة الدنيا للدنيا، لم يختاروا للآخرة، فالدنيا أنشئت لا للدنيا، ولكن إنما أنشئت للآخرة؛ فمن اختارها لها، لا يسلك بها إلى الآخرة، ضلّ، وزاغ عن الحق. وقوله تعالى:.. {الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة} حتى يلهوا عن الآخرة، ويسهوا فيها، ويغفلوا... {ويبغونها عوجا} أي طعنا وعيبا فيه. دل هذا على أن الآية في الرؤساء منهم والقادة الذين كانوا يصدون الناس عن سبيل الله، ويبغون في دين الله الطعن والعيب، فما وجدوا إلى ذلك سبيلا قط. {وأولئك في ضلال بعيد} الضلال يحتمل وجوها: يحتمل الضلال:الهلاك، أي هلكوا هلاكا، لا نجاة فيه قط، ويحتمل الحيرة والتيه؛ أي تحيروا فيه وتاهوا، حتى لا يهتدوا. ويحتمل الضلال البطلان، أي في بطلان بعيد حتى لا يصلحوا أبدا. وهو في قوم، علم الله أنهم لا يهتدون أبدا، ويختمون على الضلال...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

"الذين" في موضع جر، لأنه نعت للكافرين، وتقديره وويل للكافرين الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، والاستحباب: طلب محبة الشيء بالتعرض لها، والمحبة إرادة منافع المحبوب. وقد تكون المحبة ميل الطباع. والحياة الدنيا هو المقام في هذه الدنيا العاجلة على الكون في الآخرة. ذمهم الله بذلك، لأن الدنيا دار انتقال، والآخرة دار مقام.

" ويصدون عن سبيل الله "أي يعرضون بنفوسهم عن اتباع الطريق المؤدي إلى معرفة الله، ويجوز أن يريد أنهم يمنعون غيرهم من اتباع سبيل الله تعالى... والسبيل: الطريق... و" يبغونها عوجا "أي ويطلبون الطريق عوجا أي عدولا عن استقامته. والعوج: خلاف الميل إلى الاستقامة...

وقوله: "أولئك في ضلال بعيد" إخبار منه تعالى أن هؤلاء الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، ويصدون عن سبيل الله، في عدول عن الحق، بعيدون عن الاستقامة.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

ثم ذكر ذميمَ أخلاقِهم، فقال: هُمُ الذين يُؤْثِرُونَ اليسيرَ مِنْ حُطَامِ الدنيا على الخطير من نِعَم الآخرة، وذلك من شدة جُحْدِهم، ويبغون للدِّين عِوَجاً بكثرة جَمْعِهم...

جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :

563- وصف الكفار بذلك، فمفهومه أن المؤمن هو الذي يتصف بنقيضه وهو أن يستحب الآخرة على الحياة الدنيا. [الإحياء: 4/233]...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

...والاستحباب: الإيثار والاختيار، وهو استفعال من المحبة؛ لأنّ المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحبّ إِليه وأفضل عندها من الآخر... {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا}: ويطلبون لسبيل الله زيغاً واعوجاجاً، وأن يدلوا الناس على أنها سبيل ناكبة عن الحق غير مستوية...

{فِي ضلال بَعِيدٍ} أي ضلوا عن طريق الحق، ووقفوا دونه بمراحل.

فإن قلت: فما معنى وصف الضلال بالبعد. قلت: هو من الإسناد المجازي، والبعد في الحقيقة للضالّ؛ لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله، كما تقول: جدّ جدّه، ويجوز أن يراد: في ضلال ذي بعد، أو فيه بعد: لأنّ الضالّ قد يضلّ عن الطريق مكاناً قريباً وبعيداً.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

الاستحباب طلب محبة الشيء، وأقول إن الإنسان قد يحب الشيء ولكنه لا يحب كونه محبا لذلك الشيء، مثل من يميل طبعه إلى الفسق والفجور، ولكنه يكره كونه محبا لهما، أما إذا أحب الشيء وطلب كونه محبا له، وأحب تلك المحبة فهذا هو نهاية المحبة فقوله: {الذين يستحبون الحياة الدنيا} يدل على كونهم في نهاية المحبة للحياة الدنيوية، ولا يكون الإنسان كذلك إلا إذا كان غافلا عن الحياة الأخروية، وعن معايب هذه الحياة العاجلة، ومن كان كذلك كان في نهاية الصفات المذمومة، وذلك لأن هذه الحياة موصوفة بأنواع كثيرة من العيوب:

فأحدها: أن بسبب هذه الحياة انفتحت أبواب الآلام والأسقام والغموم والهموم والمخاوف والأحزان.

وثانيها: أن هذه اللذات في الحقيقة لا حاصل لها إلا دفع الآلام، بخلاف اللذات الروحانية فإنها في أنفسها لذات وسعادات.

وثالثها: أن سعادات هذه الحياة منغصة بسبب الانقطاع والانقراض والانقضاء.

ورابعها: أنها حقيرة قليلة... قال: {يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة} لأن فيه إضمارا، والتقدير: يستحبون الحياة الدنيا ويؤثرونها على الآخرة، فجمع تعالى بين هذين الوصفين ليتبين بذلك أن الاستحباب للدنيا وحده لا يكون مذموما إلا بعد أن يضاف إليه إيثارها على الآخرة، فأما من أحبها ليصل بها إلى منافع النفس وإلى خيرات الآخرة فإن ذلك لا يكون مذموما حتى إذا آثرها على آخرته بأن اختار منها ما يضره في آخرته فهذه المحبة هي المحبة المذمومة...

واعلم أن من كان موصوفا باستحباب الدنيا فهو ضال، ومن منع الغير من الوصول إلى سبيل الله ودينه فهو مضل، فالمرتبة الأولى إشارة إلى كونهم ضالين، وهذه المرتبة الثانية وهي كونهم صادين عن سبيل الله إشارة إلى كونهم مضلين...

أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :

{أولئك في ضلال بعيد} أي ضلوا عن الحق ووقعوا عنه بمراحل، والبعد في الحقيقة للضال فوصف به فعله للمبالغة، أو للأمر الذي به الضلال فوصف به لملابسته...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

ثم وصفهم بأنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، أي: يقدمونها ويُؤثرونها عليها، ويعملون للدنيا ونَسُوا الآخرة، وتركوها وراء ظهورهم، {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} وهي اتباع الرسل {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} أي: ويحبون أن تكون سبيل الله عوجًا مائلة عائلة وهي مستقيمة في نفسها، لا يضرها من خالفها ولا من خذلها، فهم في ابتغائهم ذلك في جهل وضلال بعيد من الحق، لا يرجى لهم -والحالة هذه- صلاح...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما أشار إلى ما للكافرين، وصفهم بما عاقهم عن قبول الخير وتركهم في أودية الشر فقال: {الذين يستحبون} أي يطلبون أن يحبوا أو يوجدون المحبة بغاية الرغبة متابعة للهوى {الحياة الدنيا} وهي النشأة الأولى التي هي دار الارتحال، مؤثرين لها {على الآخرة} أي النشأة الأخرى التي هي دار المقام، وذلك بأن يتابعوا أنفسهم على حبها حتى يكونوا كأنهم طالبون لذلك.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

فاستحباب الحياة الدنيا على الآخرة يصطدم بتكاليف الإيمان؛ ويتعارض مع الاستقامة على الصراط. وليس الأمر كذلك حين تستحب الآخرة، لأنه عندئذ تصلح الدنيا، ويصبح المتاع بها معتدلا، ويراعى فيه وجه الله. فلا يقع التعارض بين استحباب الآخرة ومتاع هذه الحياة. إن الذين يوجهون قلوبهم للآخرة، لا يخسرون متاع الحياة الدنيا -كما يقوم في الأخيلة المنحرفة. فصلاح الآخرة في الإسلام يقتضي صلاح هذه الدنيا. والإيمان بالله يقتضي حسن الخلافة في الأرض. وحسن الخلافة في الأرض هو استعمارها والتمتع بطيباتها. إنه لا تعطيل للحياة في الإسلام انتظارا للآخرة، ولكن تعمير للحياة بالحق والعدل والاستقامة ابتغاء رضوان الله، وتمهيدا للآخرة.. هذا هو الإسلام. فأما الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، فلا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم من الاستئثار بخيرات الأرض، ومن الكسب الحرام، ومن استغلال الناس وغشهم واستعبادهم.. لا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم هذه في نور الإيمان بالله، وفي ظل الاستقامة على هداه. ومن ثم يصدون عن سبيل الله. يصدون أنفسهم ويصدون الناس، ويبغونها عوجا لا استقامة فيها ولا عدالة. وحين يفلحون في صد أنفسهم وصد غيرهم عن سبيل الله، وحين يتخلصون من استقامة سبيله وعدالتها، فعندئذ فقط يملكون أن يظلموا وأن يطغوا وأن يغشوا وأن يخدعوا وأن يغروا الناس بالفساد، فيتم لهم الحصول على ما يبغونه من الاستئثار بخيرات الأرض، والكسب الحرام، والمتاع المرذول، والكبرياء في الأرض، وتعبيد الناس بلا مقاومة ولا استنكار. إن منهج الإيمان ضمانة للحياة وضمانة للأحياء من أثرة الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، واستئثارهم بخيرات هذه الحياة...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

{يستحبون} بمعنى يحبون، فالسين والتاء للتأكيد مثل استقدم واستأخر...

والصدّ عن سبيل الله: منع الداخلين في الإسلام من الدخول فيه...

أو يصدّون أنفسهم عن سبيل الله لأنهم عطلوا مواهبهم ومداركهم من تدبر آيات القرآن، فكأنهم صدّوها عن السير في سبيل الله ويبغون السبيل العَوجاء،... {في ضلال بعيد}... أي ضلال قوي يعسر إقلاع صاحبه عنه. ففيه استبعاد لاهتداء أمثالهم...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وحين تُدقّق في الآية الكريمة تجد أنها لا تمنعك من حبّ الدنيا، لكنها تتحدث أن تستحبّها على الآخرة، فهذا هو الأمر المذموم؛ أما إذا أحببت الدنيا لأنها تُعينك على تكاليف دينك وجعلتها مزرعة للآخرة، فهذا أمر مطلوب، لأنك تفعل فيها ما يجعلك تسعد في آخرتك، فهذا طَلَب للدنيا من أجل الآخرة...

أي: أن أصحاب المرتبة الأولى في الضلال هم من استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة، والذين توغّلوا في الضلال أكثر فهم الذين يصدون عن سبيل الله، أما الذين توغّلوا أكثر فأكثر فهم الذين يُشوّهون في منهج الله لتنفير الناس منه، أو ليحقق لهم نزواتهم، وهكذا ساروا إلى أبعد منطقة في الضلال...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّه}، بوقوفهم ضد الدعاة إليه ومنعهم الناس من الاستماع إليهم، ومن الانسجام مع طروحاتهم، وتعاونهم مع قوى الكفر والشر والضلال لتأكيد مناهجهم، في الفكر والعمل، ولإبعاد الناس عن سبيل الله الذي هو الإسلام كله، وزجّهم في سبيل الشيطان الذي هو الكفر كله، والانحراف كله...