{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى } شروع في تفصيل ما أجمل في قوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ } [ إبراهيم : 4 ] الآية { بئاياتنا } أي ملتبساً بها وهي كما أخرج ابن جرير . وغيره عن مجاهد . وعطاء . وعبيد بن عمير الآيات التسع التي أجراها الله تعالى على يده عليه السلام ، وقيل : يجوز أن يراد بها آيات التوراة { أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ } بمعنى أي أخرج فإن تفسيرية لأن في الإرسال معنى القول دون حروفه أو بأن أخرج فهي مصدرية حذف قبلها حرف الجر لأن أرسل يتعدى بالباء ، والجار يطرد حذفه قبل أن وأن ، واتصال المصدرية بالأمر أمر مر تحقيقه .
وزعم بعضهم أن { ءانٍ } هنا زائدة ولا يخفى ضعفه ، والمراد من قومه عليه السلام كما هو الظاهر بنو إسرائيل ومن إخراجهم إخراجهم بعد مهلك فرعون { مِنَ الظلمات } من الكفر والجهالات التي كانوا فيها وأدت بهم إلى أن يقولوا : { قَالُواْ ياموسى اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } [ الأعراف : 138 ] { إِلَى النور } إلى الإيمان بالله تعالى وتوحيده وسائر ما أمروا به ، وقيل : أخرجهم من ظلمات النقص إلى نور الكماب { وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله } أي بنعمائه وبلائه كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، واختاره الطبري لأنه الأنسب بالمقام والأوفق بما سيأتي إن شاء الله تعالى من الكلام ، والعطف على { أَخْرَجَ } وجوز أن تكون الجملة مستأنفة ، والالتفات من التكلم إلى الغيبة بإضافة الأيام إلى الاسم الجليل للإيذان بفخامة شأنها والإشعار على ما قيل بعدم اختصاص ما فيها من المعاملة بالمخاطب وقومه كما يوهمه الإضافة إلى ضمير المتكلم ، وحاصل المعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد . وعن ابن عباس أيضاً . والربيع . ومقاتل . وابن زيد المراد بأيام الله وقائعه سبحانه ونقماته في الأمم الخالية ، ومن ذلك أيام العرب لحروبها وملاحمها كيوم ذي قار . ويوم الفجار . ويوم قضة . وغيرها ، واستظهره الزمخشري للغلبة العرفية وأن العرب استعملته للوقائع ، وأنشد الطبرسي لذلك قول عمرو بن كلثوم :
وأيام لنا غرر طوال . . . عصينا الملك فيها إن ندينا
وأنشده الشهاب للمعنى السابق ، وأنشد لهذا قوله :
وأيامنا مشهورة في عدونا . . . وأخرج النسائي . وعبد الله بن حمد في «زوائد المسند » . والبيهقي في شعب الإيمان . وغيرهم عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الأيام في الآية بنعم الله تعالى وآلائه ، وروى ذلك ابن المنذر عن ابن عباس . ومجاهد ، وجعل أبو حيان من ذلك بيت عمرو ، واوظهر فيه ما ذكره الطبرسي .
وأنت تعلم أنه إن صح الحديث فعليه الفتوى ، لكن ذكر شيخ الإسلام في ترجيح التفسير المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أولاً على ما روي ثانياً بأنه يرد الثاني ما تصدى له عليه السلام بصدد الامتثال من التذكير بكل من السراء والضراء مما جرى عليهم وعلى غيرهم حسبما يتلى بعد ، وهو يبعد صحة الحديث ، والقول بأن النقم بالنسبة إلى قوم نعم بالنسبة إلى آخرين كما قيل :
مصائب قوم عند قوم فوائد . . . مما لا ينبغي أن يلتفت إليه عاقل في هذا المقام . نعم إن قوله تعالى : { اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } [ إبراهيم : 6 ] ظاهر في تفسير الأيام بالنعم وما يستدعي غير ذلك ستسمع فيه أقوالاً لا يستدعيه على بعضها .
وزعم بعضهم أن المراد من قومه عليه السلام القبط { وَرَسُولِهِ والنور } الكفر والإيمان لا غير ، وقيل : قومه عليه السلام القبط . وبنو إسرائيل وكان عليه السلام مبعوثاً إليهم جميعاً إلا أنه بعث إلى القبط بالاعتراف بوحدانية الله تعالى وأن لا يشركوا به سبحانه شيئاً ، وإلى بني إسرائيل بذلك وبالتكليف بفروع الشريعة .
وقيل : هم بنو إسرائيل فقط إلا أن المراد من { الظلمات والنور } إن كانوا كلهم مؤمنين ظلمات ذل العبودية ونور عزة الدين وظهور أمر الله تعالى ، ونحن نقول : نسأل الله تعالى أن يخرجنا وأهل هذه الأقوال من ظلمات الجهل إلى نور العلم { إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي ذي التذكير بأيام الله تعالى أو في الأيام { لاَيَاتٍ } عظيمة أو كثيرة دالة على وحدانية الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته ، وهي على الأول الأيام ، ومعنى كون التذكير ظرفاً لها كونه مناطاً لظهورها ، وعلى الثاني كذلك أيضاً إلا أن كلمة { فِى } تجريدية أو هي عليه كل واحدة من النعماء والبلاء ، والمشار إليه المجموع المشتمل عليها من حيث هو مجموع ، وجوز أن يراد بالأيام فيما سبق أنفسها المنطوية على النعم والنقم ، فإذا كانت الإشارة إليها وحملت الآيات على النعماء والبلاء فأمر الظرفية ظاهر { لّكُلّ صَبَّارٍ } كثير الصبر على بلائه تعالى { شَكُورٍ } كثير الشكر لنعمائه عز وجل .
وقيل : المراد لكل مؤمن ، فعلى الأول الوصفان عبارتان لمعنيين ، وعلى هذا عبارة عن معنى واحد على طريق الكناية كحي مستوي القامة بادي البشرة في الكناية عن الإنسان ، والتعبير عن المؤمن بذلك للإشعار بأن الصبر والشكر عنوان المؤمن الدال على ما في باطنه . والمراد على ما قيل لكل من يليق بكمال الصبر والشكر أو الإيمان ويصير أمره إلى ذلك لا لمن اتصف به بالفعل لأن الكلام تعليل للأمر بالتذكير المذكور السابق على التذكير المؤدي إلى تلك المرتبة ، فإن من تذكر ما فاض أو نزل عليه أو على ما قبله من النعمة والنقمة وتنبه لعاقبة الصبر والشكر أو الإيمان لا يكاد يفارق ذلك وتخصيص الآيات بالصبار الشكور لأنه المنتفع بها لا لأنها خافية عن غيره فإن التبيين حاصل بالنسبة إلى الكل ، وتقديم الصبر على الشكر لما أن الصبر مفتاح الفرج المقتضى للشكر ، وقيل : لأنه من قبيل التروك يقال : صبرت الدابة إذا حبستها بلا علف والشكر ليس كذلك فإنه كما قال الراغب تصور النعمة وإظهارها ، قيل : وهو مقلوب الكشر أي الكشف ، وقيل : أصله من عين شكرى أي ممتلئة فالشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه ، وهو على ثلاثة أضرب : شكر القلب .
وشكر اللسان . وشكر الجوارح ، وذكر أن توفية شكر الله تعالى صعبة ، ولذلك لم يثن سبحانه بالشكر على أحد من أوليائه إلا على اثنين نوح( {[479]} ) وإبراهيم( {[480]} ) عليهما السلام ، وقد يكون انقسام الشكر على النعمة وعدم انقسام الصبر على النقمة وجهاً للتقديم والتأخير ، وقيل : ذلك لتقدم متعلق الصبر أعني البلاء على متعلق الشكر أعني النعماء .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظلمات إِلَى النور وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله } وهي أيام وصاله سبحانه حين كشف لعباده سجف الربوبية في حضرة قدسية وأدناهم إلى جنابه ومن عليهم بلذيذ من خطابه :
سقياً لهم ولطيبها . . . ولحسنها وبهائها
أيام لم يلج النوى . . . بين العصا ولحائها
وكانت بالعراق لنا ليال . . . سلبناهن من ريب الزمان
جعلناهن تاريخ الليالي . . . وعنوان المسرة والأماني
وأمره عليه السلام بتذكير ذلك لبثور غرامهم ويأخذ بهم نحو الحبيب هيامهم فقد قيل :
تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى . . . يتوق ومن يعلق به الحب يصبه
وجوز أن يراد بأيام الله تعالى أيام تجليه جل جلاله بصفة الجلال وتذكيرهم بذلك ليخافوا فيمتثلوا
{ إِنَّ فِى ذلك لآيات لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } [ إبراهيم : 5 ] أي لكل مؤمن بالإيمان الغيبي إذ الصبر والشكر على ما قيل مقامان للسالك قبل الوصول
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ولقد أرسلنا موسى بآياتنا}، اليد والعصا... {أن أخرج قومك}، يعني أن ادع قومك بني إسرائيل، {من الظلمات إلى النور}، يعني من الشرك إلى الإيمان، {وذكرهم بأيام الله}، يقول: عظهم وخوفهم بمثل عذاب الأيام الخالية، فيحذروا فيؤمنوا، {إن في ذلك} يقول: إن في هلاك الأمم الخالية، {لآيات}، يعني لعبرة {لكل صبار شكور}، يعني المؤمن صبور على أمر الله عز وجل عند البلاء الشديد، شكور لله تعالى في نعمه...
{وذكرهم بأيام الله} قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: يريد بلاءه الحسن وأياديه عندهم...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا موسى بأدلتنا وحججنا من قبلك يا محمد، كما أرسلناك إلى قومك بمثلها من الأدلة والحجج... عن مجاهد،:"أرْسَلْنا مُوسَى بآياتِنا" قال: التسع البينات...
وقوله: "أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظّلُماتِ إلى النّورِ "كما أنزلنا إليك يا محمد هذا الكتاب، لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذْنِ رَبّهِمْ، ويعني بقوله: "أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظّلُماتِ إلى النّورِ": أي ادعهم من الضلالة إلى الهُدى، ومن الكفر إلى الإيمان... وقوله: "وَذَكّرْهُمْ بأيّامِ اللّهِ" يقول عزّ وجلّ: وعظهم بما سلف من نعمي عليهم في الأيام التي خلت، فاجتزئ بذكر الأيام من ذكر النعم التي عناها، لأنها أيام كانت معلومة عندهم، أنعم الله عليهم فيها نعما جليلة، أنقذهم فيها من آل فرعون بعد ما كانوا فيما كانوا من العذاب المهين، وغرق عدوّهم فرعون وقومه، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم. وكان بعض أهل العربية يقول: معناه: خوّفهم بما نزل بعاد وثمود وأشباههم من العذاب، وبالعفو عن الآخرين. قال: وهو في المعنى كقولك: خذهم بالشدّة واللين...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
"إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور"... أخبر أن في ذلك دلالات لكل من صبر على بلاء الله وشكره على نعمه...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أَخْرجْ قومَك بدعوتك من ظلمات شكهم إلى نور اليقين، ومنْ إشكالِ الجهل إلى رَوْحِ العِلْم، وذَكِّرْهُم بأيام الله؛ ما سلف لهم من وقت الميثاق، وما رفع عنهم من البلاء في سابق أحوالهم. ويقال ذكِّرْهُم بأيام الله وهي ما سبق لأرواحهم من الصفوة وتعريف التوحيد قبل حلولها في الأشباح...
{إِنَّ في ذَلِكَ لآيات لِكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{أَنْ أَخْرِجْ} بمعنى أي أخرج؛ لأنّ الإرسال فيه معنى القول، كأنه قيل: أرسلناه وقلنا له أخرج...
{لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} يصبر على بلاء الله ويشكر نعماءه، فإذا سمع بما أنزل الله من البلاء على الأمم، أو أفاض عليهم من النعم، تنبه على ما يجب عليه من الصبر والشكر واعتبر وقيل: أراد لكل مؤمن، لأنّ الشكر والصبر من سجاياهم، تنبيهاً عليهم.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{لكل صبار شكور} إنما أراد لكل مؤمن ناظر لنفسه، فأخذ من صفات المؤمن صفتين تجمع أكثر الخصال وتعم أجمل الأفعال...
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْوَعْظِ، الْمُرَقِّقِ لِلْقُلُوبِ، الْمُقَوِّي لِلْيَقِينِ...
اعلم أنه تعالى لما بين أنه إنما أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وذكر كمال إنعامه عليه وعلى قومه في ذلك الإرسال وفي تلك البعثة، أتبع ذلك بشرح بعثة سائر الأنبياء إلى أقوامهم وكيفية معاملة أقوامهم معهم تصبيرا للرسول عليه السلام على أذى قومه وإرشادا له إلى كيفية مكالمتهم ومعاملتهم فذكر تعالى على العادة المألوفة قصص بعض الأنبياء عليهم السلام فبدأ بذكر قصة موسى عليه السلام... {وذكرهم بأيام الله} فاعلم أنه تعالى... يعبر بالأيام عن الوقائع العظيمة التي وقعت فيها...
{إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} والمعنى أن... الحال إما أن يكون حال محنة وبلية أو حال منحة وعطية فإن كان الأول، كان المؤمن صبارا، وإن كان الثاني كان شكورا. وهذا تنبيه على أن المؤمن يجب أن لا يخلو زمانه عن أحد هذين الأمرين فإن جرى الوقت على ما يلائم طبعه ويوافق إرادته كان مشغولا بالشكر، وإن جرى بما لا يلائم طبعه كان مشغولا بالصبر...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما ذكر سبحانه الرسل بما ذكره، توقع السامع تفصيل شيء من أخبارهم، فابتدأ بذكر من كتابه أجل كتاب بعد القرآن هدى للناس دليلاً على أنه يفعل ما يشاء من الإضلال والهداية، وتسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتثبيتاً وتصبيراً على أذى قومه، وإرشاداً إلى ما فيه الصلاح في مكالمتهم، فقال مصدراً بحرف التوقع: {ولقد أرسلنا} أي بعظمتنا {موسى بآياتنا} أي البينات؛ ثم فسر الإرسال بقوله: {أن أخرج قومك} أي الذين فيهم قوة على مغالبة الأمور {من الظلمات} أي أنواع الجهل {إلى النور} بتلك الآيات {وذكرهم} أي تذكيراً عظيماً {بأيام الله} أي الذي له الجلال والإكرام من وقائعه في الأمم السالفة وغير ذلك من المنح لأوليائه والمحن لأعدائه كما أرسلناك لذلك {إن في ذلك} أي التذكير العظيم {لآيات} على وحدانية الله وعظمته {لكل صبار} أي بليغ الصبر على بلاء الله.. {شكور} أي عظيم الشكر لنعمائه، فإن أيامه عند أوليائه لا تخلو من نعمة أو نقمة، وفي صيغة المبالغة إشارة إلى أن عادته تعالى جرت بأنه إنما ينصر أولياءه بعد طول الامتحان بعظيم البلاء ليتبين الصادق من الكاذب...
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :
لما بيّن أن المقصود من بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور أراد أن يبين أن الغرض من إرسال الأنبياء لم يكن إلاّ ذلك، وخصّ موسى بالذكر لأن أمته أكثر الأمم المتقدّمة على هذه الأمة المحمدية...
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :
وتقديم الصبر على الشكر لما أن الصبر مفتاح الفرج المقتضى للشكر...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
يستدل بأيامه على كمال قدرته وعميم إحسانه، وتمام عدله وحكمته، ولهذا امتثل موسى عليه السلام أمر ربه، فذكرهم نعم الله فقال: {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
... ففي هذه الأيام ما هو بؤسى فهو آية للصبر، وفيها ما هو نعمى فهو آية للشكر. والصبار الشكور هو الذي يدرك هذه الآيات، ويدرك ما وراءها، ويجد فيها عبرة له وعظة؛ كما يجد فيها تسرية وتذكيرا...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
لما كانت الآيات السابقة مسوقة للرد على من أنكروا أن القرآن منزل من الله أعقب الرد بالتمثيل بالنظير وهو إرسال موسى عليه السلام إلى قومه بمثل ما أرسل به محمد صلى الله عليه وسلم وبمثل الغاية التي أرسل لها محمد صلى الله عليه وسلم ليخرج قومه من الظلمات إلى النور. وتأكيد الإخبار عن إرسال موسى عليه السلام بلام القسم وحرف التحقيق لتنزيل المنكرين رسالة محمد صلى الله عليه وسلم منزلة من ينكر رسالة موسى عليه السلام لأن حالهم في التكذيب برسالة محمد صلى الله عليه وسلم يقتضي ذلك التنزيل، لأن ما جاز على المِثل يجوز على المماثل، على أن منهم من قال: {ما أنزلَ الله على بشر من شيء. والباء في {بآياتنا} للمصاحبة، أي إرسالاً مصاحباً للآيات الدالة على صدقه في رسالته، كما أرسل محمد صلى الله عليه وسلم مصاحباً لآية القرآن الدال على أنه من عند الله، فقد تمّ التنظير وانتهض الدليل على المنكرين...
والتذكير: إزالة نسيان شيء. ويستعمل في تعليم مجهول كانَ شأنُه أن يُعلم. ولما ضمن التذكير معنى الإنذار والوعظ عُدّي بالباء، أي ذكرهم تذكير عظة بأيام الله...
فالمراد بِ {أيام الله} هنا الأيام التي أنجى الله فيها بني إسرائيل من أعدائهم ونصرهم وسخر لهم أسباب الفوز والنصر وأغدق عليهم النعم في زمن موسى عليه السلام، فإن ذلك كله مما أمر موسى عليه السلام بأن يذكرهمُوه، وكله يصح أن يكون تفسيراً لمضمون الإرسال، لأن إرسال موسى عليه السلام ممتدّ زمنه، وكلما أوحى الله إليه بتذكيرٍ في مدة حياته فهو من مضمون الإرسال الذي جاء به فهو مشمول لتفسير الإرسال...
والتذكير بأيام الله يشتمل على آيات قدرة الله وعزته وتأييد مَن أطاعه، وكل ذلك آيات كائنة في الإخراج والتذكير على اختلاف أحواله...
ولكون الآيات مختلفة، بعضها آيات موعظة وزجر وبعضها آيات منة وترغيب، جُعلت متعلقة ب {كل صبار شكور} إذ الصبر مناسب للزجر لأن التخويف يبعث النفس على تحمل معاكسة هواها خيفة الوقوع في سوء العاقبة، والإنعام يبعث النفس على الشكر، فكان ذكر الصفتين توزيعاً لما أجمله ذكر أيام الله من أيام بؤس وأيام نعيم...
التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :
المتبادر أن الآيات جاءت بمثابة تعقيب على موقف الكفار العرب والحملة عليهم مما هو متسق مع أسلوب سياق القصص القرآنية. فكفار العرب انحرفوا عن الطريق الحق فأرسل الله رسولا منهم يخاطبهم بلغتهم ليهديهم – على ما جرت عليه سنته – ومن ذلك رسالة موسى إلى قومه. ويلفت النظر على التشابه في الخطاب، حيث احتوى مطلع السورة أن الله أنزل الكتاب على النبي ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وأن هذا كان شأن موسى أيضا. ولقد كان العرب يعرفون رسالة موسى وقصصه في قومه وفي فرعون فجاء التذكير محكما ملزما. وقد تكون حكمة التنزيل استهدفت في حكاية الخطاب الذي وجهه موسى عليه السلام لقومه تنبيه السامعين من قوم النبي وجعلهم يأخذون منها عظة وعبرة، فإن شكروا زادهم الله نعمة، وإن كفروا فإن الله غني عنهم وعن غيرهم. وإن صح استلهامنا هذا ففيه ما يدعم ما قررناه قبل من انطواء الآية السابقة على تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتطمينه...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
لم تكن مسألة إخراج الناس من الظلمات إلى النور شأناً خاصاً بهذا القرآن أو بهذا الرسول، ولكنه هدف الرسالات كلها، والرسل كلهم، فهذا نبيّ الله موسى جاء إلى قومه ليخرجهم من الظلمات إلى النور استجابةً لنداء الله الذي كلّفه بحمل الرسالة إلى قومه ابتداءً، ثمّ إلى الناس جميعاً...
{وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} بما توحيه نسبة الأيام إلى الله من كونها أزمنة تتميّز بنعمه أو بلائه كمظهر من مظاهر قدرته وسطوته ورحمته وعذابه في تاريخ الأزمنة السابقة، وحركة المستقبل في الأزمنة اللاحقة. وهدف التذكير هنا، حثهم على التفكير بالارتباط بالله من أقرب طريق، بنشدان رضاه ورحمته، والخوف من سخطه وعقابه، والالتزام بالخط الذي يريدهم أن يسيروا عليه، وبذلك يكون هدف الذكرى إطلاق وعيٍ، بعلاقته بالله واتصال حياته به في جانب العافية والبلاء، ليخطط وينفذ من هذا الموقع...