روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ} (87)

{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب } شروع في بيان بعض آخر من جناياتهم ، وتصديره بالجملة القسمية لإظهار كمال الاعتناء به ، والإيتاء الإعطاء ، و( الكتاب ) التوراة في قول الجمهور وهو مفعول ثان لآتينا وعند السهيلي مفعول أول ، والمراد بإتيانها له إنزالها عليه . وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن التوراة نزلت جملة واحدة فأمر الله تعالى موسى عليه السلام بحملها فلم يطق ، فبعث بكل حرف منها ملكاً فلم يطيقوا حملها ، فخففها الله تعالى لموسى عليه السلام فحملها ، وقيل : يحتمل أن يكون آتينا الخ أفهمناه ما انطوى عليه من الحدود والأحكام والأنباء والقصص وغير ذلك مما فيه ، والكلام على حذف مضاف أي علم الكتاب أو فهمه وليس بالظاهر

{ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل } يقال قفاه إذا اتبعه وقفاه به إذا أتبعه إياه من القفا وأصل هذه الياء واو لأنها متى وقعت رابعة أبدلت كما تقول عريت من العرو أي أرسلناهم على أثره كقوله تعالى : { ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى } [ المؤمنون : 44 ] وكانوا إلى زمن عيسى عليه السلام أربعة آلاف ، وقيل : سبعين ألفاً وكلهم على شريعته عليه السلام منهم يوشع وشمويل وشمعون . وداود وسليمان وشعياء وارمياء وعزيز وحزقيل والياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم عليهم الصلاة والسلام ، وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر بالرسل بتسكين السين ، وهو لغة أهل الحجاز والتحريك لغة تميم

{ وَءاتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات } أي الحجج الواضحة الدالة على نبوته فتشمل كل معجزة أوتيها عليه السلام وهو الظاهر ، وقيل : الإنجيل ، وعيسى أصله بالعبرانية أيشوع بهمزة ممالة بين بين ، أو مكسورة ومعناه السيد وقيل : المبارك فعرب ، والنسبة إليه عيسي وعيسوي وجمعه عيسون بفتح السين وقد تضم وأفرده عن الرسل عليه السلام لتميزه عنهم لكونه من أولي العزم وصاحب كتاب ، وقيل : لأنه ليس متبعاً لشريعة موسى عليه السلام حيث نسخ كثيراً من شريعته ، وأضافه إلى أمه رداً على اليهود إذ زعموا أن له أباً ، ومريم بالعبرية الخادم وسميت أم عيسى به لأن أمها نذرتها لخدمة بيت المقدس ، وقيل : العابدة ، وبالعربية من النساء من تحب محادثة الرجال فهي كالزير من الرجال ، وهو الذي يحب محادثة النساء ، قيل : ولا يناسب مريم أن يكون عربياً لأنها كانت برية عن محبة محادثة الرجال اللهم إلا أن يقال سميت بذلك تمليحاً كما يسمى الأسود كافوراً ، وقال بعض المحققين : لا مانع من تسميتها بذلك بناء على أن شأن من تخدم من النساء ذلك ، وفي «القاموس » هي التي تحب محادثة الرجال ولا تفجر وعليه لا بأس بالتسمية كما ذكره المولى عصام والأولى عندي أن التسمية وقعت بالعبري لا بالعربي بل يكاد يتعين ذلك كما لا يخفى على المنصف ؛ وعن الأزهري : المريم المرأة التي لا تحب مجالسة الرجال وكأنه قيل لها ذلك تشبيهاً لها بمريم البتول ووزنه عربياً مفعلاً لا فعيلاً( {[178]} )/ لأنه لم يثبت في الأبينة على المشهور ، وأثبته الصاغاني في «الذيل » ، وقال : إنه مما فات سيبويه ، ومنه عثير للغبار ، وضهيد بالمهملة والمعجمة للصلب واسم موضع ، ومدين على القول بأصالة ميمه ، وضهيا بالقصر وهي المرأة التي لا تحيض أو لا ثدي لها من المضاهاة كأنها أطلق عليها ذلك بمشابهتها الرجل ؛ وابن جني يقول : إن ضهيد وعثير مصنوعان فلا دلالة فيهما على إثبات فعيل ، وذكر الساليكوتي أن عثير بمعنى الغبار بكسر العين وإذا كان مفعلاً فهو أيضاً على خلاف القياس إذ القياس إعلاله بنقل حركة الياء إلى الراء وقبلها ألفاً نحو مباع لكنه شذ كما شذ مدين ، ومزيد ، وإذا كان من رام يريم إذا فارق وبرح فالقياس كسر يائه أيضاً .

{ وأيدناه بِرُوحِ القدس } أي قويناه بجبريل عليه السلام وإطلاق روح القدس عليه شائع فقد قال سبحانه :

{ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس } [ النحل : 102 ] وقال صلى الله عليه وسلم لحسان رضي الله تعالى عنه : " اهجهم وروح القدس معك " ومرة قال له : «وجبريل معك » وقال حسان :

وجبريل وروح القدس فينا *** ( وروح القدس ) ليس له كفاء

و ( القدس ) الطهارة والبركة ، أو التقديس ومعناه التطهير . والإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة للمبالغة في الاختصاص ، وهي معنوية بمعنى اللام فإذا أضيف العلم كذلك يكون مؤلا بواحد من المسمين به . وقال مجاهد والربيع : ( القدس ) من أسماء الله تعالى كالقدوس وزعم بعضهم أن إطلاق الروح على جبريل مجاز ؛ لأنه الريح المتردد في مخارق الإنسان ومعلوم أن جبريل ليس كذلك لكنه أطلق عليه سبيل التشبيه من حيث إن الروح سبب الحياة الجسمانية ، وجبريل سبب الحياة المعنوية بالعلوم ، وكأن هذا الزعم نشأ من كثافة روح الزاعم وعدم تغذيها بشيء من العلوم ، وخص عيسى عليه السلام بذكر التأييد بروح القدس لأنه تعالى خصه به من وقت صباه إلى حال كبره ، كما قال تعالى : { إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القدس تُكَلّمُ الناس في المهد وَكَهْلاً } [ المائدة : 0 11 ] ولأنه حفظه حتى لم يدن منه الشيطان ، ولأنه بالغ اثنا عشر ألف يهودي لقتله ، فدخل عيسى بيتاً فرفعه عليه السلام مكاناً علياً . وقيل : الروح هنا اسم الله تعالى الأعظم الذي كان يحيي به الموتى وروي ذلك كالأول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقال ابن زيد : الإنجيل كما جاء في شأن القرآن قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } [ الشورى : 52 ] وذلك لأنه سبب للحياة الأبدية والتحلي بالعلوم والمعارف التي هي حياة القلوب وانتظام المعاش الذي هو سبب الحياة الدنيوية ، وقيل : روح عيسى عليه السلام نفسه ، ووصفها به لطهارته عن مس الشيطان ، أو لكرامته عليه تعالى ولذلك أضافها إلى نفسه أو لأنه لم يضمه الأصلاب ولا أرحام الطوامث ، بل حصل من نفخ جبريل عليه السلام في درع أمه فدخلت النفخة في جوفها . وقرأ ابن كثير ( القدس ) بسكون الدال حيث وقع ، وأبو حيوة ( القدوس ) بواو .

{ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم استكبرتم } مسبب عن قوله تعالى : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا } بحيث لا يتم الكلام السابق بدونه كالشرط بدون الجزاء ، وقد أدخلت الهمزة بين السبب والمسبب للتوبيخ على تعقيبهم ذلك بهذا ، والتعجيب من شأنهم على معنى ) ولقد آتينا موسى الكتاب وأنعمنا عليكم بكذا وكذا لتشكروا بالتلقي بالقبول فعكستم بأن كذبتم ويحتمل أن يكون ابتداء كلام والفاء للعطف على مقدر كأنه قيل : أفعلتم ما فعلتم فكلما جاءكم ثم المقدر يجوز أن يكون عبارة عما وقع بعد الفاء فيكون العطف للتفسير ، وأن يكون غيره مثل ( أَكْفَرْتُمْ النعمة واتبعتم الهوى ) فيكون لحقيقة التعقيب ، وضعف هذا الاحتمال بما ذكره الرضي/ أنه لو كان كذلك لجاز وقوع الهمزة في الكلام قبل أن يتقدمه ما كان معطوفاً عليه ولم تجئ إلا مبنية على كلام متقدم ، وفي كون الهمزة الداخلة على جملة معطوفة بالواو ، أو الفاء ، أو ثم في محلها الأصلي ، أو مقدمة من تأخير حيث إن محلها بعد العاطف خلاف مشهور بين أهل العربية ، وبعض المحققين يحملها في بعض المواضع على هذا وفي البعض على ذلك بحسب مقتضى المقام ومساق الكلام والقلب يميل إليه قيل : ولا يلزم بطلان صدارة الهمزة إذ لم يتقدمها شيء من الكلام الذي دخلت هي عليه ، وتعلق معناها بمضمونه غاية الأمر أنها توسطت بين كلامين لإفادة إنكار جمع الثاني مع الأول ، أو لوقوعه بعده متراخياً أو غير متراخ ، وهذا مراد من قال : إنها مقحمة مزيدة لتقرير معنى الإنكار أو التقرير ، أي مقحمة على المعطوف مزيدة بعد اعتبار عطفه ، ولم يرد أنها صلة و( تهوى ) من هوي بالكسر إذا أحب ، ومصدره هوى بالقصر ، وأما هوى بالفتح فبمعنى سقط ، ومصدره هوى بالضم وأصله فعول فأعل . وقال المرزوقي : هوى انقض انقضاض النجم والطائر ، والأصمعي يقول : هوت العقاب إذا انقضت لغير الصيد ، وأهوت إذا انقضت للصيد ، وحكى بعضهم أنه يقال : هوى يهوي هوياً بفتح الهاء إذا كان القصد من أعلى إلى أسفل ، وهوى يهوي هوياً بالضم إذا كان من أسفل إلى أعلى وما ذكرناه أولا هو المشهور والهوى يكون في الحق وغيره ، وإذا أضيف إلى النفس فالمراد به الثاني في الأكثر ، ومنه هذه الآية .

وعبر عن المحبة بذلك للإيذان بأن مدار الرد والقبول عندهم هو المخالفة لأهواء أنفسهم والموافقة لها لا شيء آخر ، ومتعلق ( استكبرتم ) محذوف أي عن الإيمان بما جاء به مثلاً ، واستفعل هنا بمعنى تفعل .

{ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } الظاهر أنه عطف على { استكبرتم } والفاء للسببية إن كان التكذيب والقتل مرتبين على الاستكبار ، وللتفصيل إن كانا نوعين منه ، وجوز الراغب أن يكون عطفاً على { وأيدناه } ويكون { أَفَكُلَّمَا } مع ما بعده فصلا بينهما على سبيل الإنكار ، وقدم { فَرِيقاً } في الموضعين للاهتمام وتشويق السامع إلى ما فعلوا بهم لا للقصر ، وثمّ محذوف أي : فريقاً منهم ، وبدأ بالتكذيب لأنه أول ما يفعلونه من الشر ولأنه المشترك بين المكذب والمقتول ، ونسب القتل إليهم مع أن القاتل آباؤهم لرضاهم به ولحوق مذمته بهم ، وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية واستحضاراً لصورتها لفظاعتها واستعظامها ، أو مشاكلة للأفعال المضارعة الواقعة في الفواصل فيما قبل ، أو للدلالة على أنكم الآن فيه فإنكم حول قتل محمد صلى الله عليه وسلم ، ولولا أني أعصمه لقتلتموه ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة ، فالمضارع للحال ولا ينافيه قتل البعض . والمراد من القتل مباشرة الأسباب الموجبة لزوال الحياة سواء ترتب عليه أولا ، وقيل : لا حاجة إلى التعميم لأنه صلى الله عليه وسلم قتل حقيقة بالسم الذي ناولوه على ما وقع في الصحيح بلفظ «وهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم » وفيه أنه لم يتحقق منهم القتل زمان نزول الآية بل مباشرة الأسباب فلا بد من التعميم .


[178]:_ قوله: لا فعيلا كذا بخطه اهـ مصححه.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ} (87)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ولقد آتينا موسى الكتاب}...: أعطينا موسى التوراة.

{وقفينا من بعده}...: وأتبعنا من بعد موسى.

{بالرسل} إلى قومهم.

{وآتينا عيسى ابن مريم البينات}...: وأعطينا عيسى ابن مريم العجائب التي كان يصنعها من خلق الطير، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله

{وأيدناه بروح القدس}...: وقوينا عيسى بجبريل عليهما السلام...

{أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم}، يعني: اليهود

{استكبرتم}، يعني: تكبرتم عن الإيمان برسولي، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم.

{ففريقا كذبتم}: طائفة من الأنبياء كذبتم بهم، منهم عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم.

{وفريقا تقتلون}: وطائفة قتلتموهم، منهم زكريا، ويحيى، والأنبياء أيضا، فعرفوا أن الذي قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم حق فسكتوا...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{آتَيْنَا مُوسَى الكِتابَ}: أنزلناه إليه. وقد بينا أن معنى الإيتاء: الإعطاء، والكتاب الذي آتاه الله موسى عليه السلام هو التوراة.

وأما قوله: {وَقَفّيْنا} فإنه يعني: وأرْدَفْنا، وأتبعنا بعضهم خلف بعض، كما يقفو الرجل الرجل إذا سار في أثره من ورائه. وأصله من القَفَا، يقال منه: قفوت فلانا: إذا صرت خلف قفاه، كما يقال دَبَرْته: إذا صرت في دبره. ويعني بقوله: {مِنْ بَعْدِهِ}: من بعد موسى. ويعني بالرّسُلِ الأنبياء، وهم جمع رسول، يقال: هو رسول وهم رسل، كما يقال: هو صبور وهم قوم صُبُر، وهو رجل شكور وهم قوم شُكُر.

وإنما يعني جل ثناؤه بقوله: {وَقَفّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بالرّسُلِ} أي: أتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد وشريعة واحدة، لأن كل من بعثه الله نبيّا بعد موسى صلى الله عليه وسلم إلى زمان عيسى ابن مريم، فإنما بعثه يأمر بني إسرائيل بإقامة التوراة والعمل بما فيها والدعاء إلى ما فيها، فلذلك قيل:"وَقَفّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بالرّسُلِ" يعني على منهاجه وشريعته، والعمل بما كان يعمل به.

{وآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيّنَاتِ}: أعطينا عيسى بن مريم. ويعني بالبينات التي آتاه الله إياها ما أظهر على يديه من الحجج والدلالة على نبوّته؛ من إحياء الموتى وإبراء الأكْمةِ ونحو ذلك من الآيات التي أبانت منزلته من الله، ودلت على صدقه وصحة نبوّته...

{وأيّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ}.

{وأيّدْناهُ}: قوّيناه فأعنّاه... ثم اختلف في تأويل قوله: "بِرُوحِ القُدُسِ".

فقال بعضهم: روح القدس الذي أخبر الله تعالى ذكره أنه أيد عيسى به هو جبريل عليه السلام. وقال ابن حميد: حدثنا سلمة عن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرا من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الروح قال: «أَنْشُدُكُمْ بِاللّهِ وَبأيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ هَلْ تَعْلَمُونَ أنّهُ جِبْرِيلُ، وَهُوَ يأتيني؟» قالوا: نعم.

وقال آخرون: الروح الذي أيد الله به عيسى هو الإنجيل.

وقال آخرون: هو الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى.

وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع جبريل لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر في قوله: {إذْ قَالَ اللّهُ يا عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إذْ أيّدْتُكَ بِرُوحِ القُدْسِ تُكَلّمُ النّاسَ فِي المَهْدِ وكَهْلاً، وإذْ عَلّمْتُكَ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَالتّوْرَاةَ وَالإنجِيلَ}. فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإنجيل لكان قوله: «إذ أيدتك بروح القدس وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل» تكرير قول لا معنى له. وذلك أنه على تأويل قول من قال: معنى: "إذْ أيّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ "إنما هو: إذْ أيدتك بالإنجيل، وإذْ علمتك الإنجيل وهو لا يكون به مؤيدا إلا وهو معلمه. فذلك تكرير كلام واحد من غير زيادة معنى في أحدهما على الاَخر، وذلك خُلْفٌ من الكلام، والله تعالى ذكره يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة.

وإذا كان ذلك كذلك فبيّنٌ فساد قول من زعم أن الروح في هذا موضع الإنجيل، وإن كان جميع كتب الله التي أوحاها إلى رسله روحا منه لأنها تحيا بها القلوب الميتة، وتنتعش بها النفوس الموليّة، وتهتدي بها الأحلام الضالة. وإنما سمى الله تعالى جبريل روحا وأضافه إلى القدس لأنه كان بتكوين الله له روحا من عنده من غير ولادة والد ولده، فسماه بذلك روحا، وأضافه إلى القدس، والقدس: هو الطهر كما سمي عيسى ابن مريم روحا لله من أجل تكوينه له روحا من عنده من غير ولادة والد ولده. وقد بينا فيما مضى من كتابنا هذا أن معنى التقديس: التطهير، والقدس: الطهر من ذلك.

وقد اختلف أهل التأويل في معناه في هذا الموضع نحو اختلافهم في الموضع الذي ذكرناه... عن السدي، قال: القدس: البركة... حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال: القدس: هو الربّ تعالى ذكره... قال ابن زيد: {وأيّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ} قال: الله القدس، وأيّد عيسى بروحه. قال: نَعْتُ الله القدس. وقرأ قول الله جل ثناؤه: {هُوَ اللّهُ الّذِي لا إلَهَ إِلاّ هُوَ المَلِكُ القُدّوسُ} قال: القدس والقُدّوس واحد.

{أفَكُلّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَرَيِقا كَذّبْتُمْ وَفَرِيقا تَقْتُلُونَ}.

يعني جل ثناؤه بقوله: {أفَكُلّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوَى أنْفُسَكُمْ} اليهود من بني إسرائيل.

يقول الله جل ثناؤه لهم: يا معشر يهود بني إسرائيل، لقد آتينا موسى التوراة، وتابعنا من بعده بالرسل إليكم، وآتينا عيسى ابن مريم البينات والحجج إذ بعثناه إليكم، وقوّيناه بروح القدس. وأنتم كلما جاءكم رسول من رسلي بغير الذي تهواه نفوسكم استكبرتم عليهم تجبرا وبغْيا استكبارَ إمامكم إبليس فكذبتم بعضا منهم، وقتلتم بعضا، فهذا فعلكم أبدا برسلي. وقوله: أفَكُلّما إن كان خرج مخرج التقرير في الخطاب فهو بمعنى الخبر.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

الإشارة: أوصلنا لهم الخطاب، وأردفنا رسولاً بعد رسول، والجميع دَعَوْا إلى واحد. ولكنهم أصغَوْا إلى دعاء الداعين بسمع الهوى، فما استلذته النفوس قَبلُوه، وما استثقلته أهواؤهم جحدوه، فإذا كان الهوى صفتهم ثم عبدوه، صارت للمعبود صفات العابد، فلا جَرَمَ الويل لهم ثم الويل!...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... والمعنى: ولقد آتينا يابني إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم

{أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ} منهم بالحق {استكبرتم} عن الإيمان به، فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجيب من شأنهم.

ويجوز أن يريد: ولقد آتيناهم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم. ثم وبخهم على ذلك..

فإن قلت: هلا قيل وفريقاً قتلتم؟ قلت: هو على وجهين: أن تراد الحال الماضية، لأنّ الأمر فظيع، فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب، وأن يراد: وفريقاً تقتلونهم بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أني أعصمه منكم.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وفي {تهوى}، والهوى أكثر ما يستعمل فيما ليس بحق، وهذه الآية من ذلك، لأنهم إنما كانوا يهوون الشهوات، وقد يستعمل في الحق.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{وآتينا عيسى ابن مريم البينات}، السبب في أن الله تعالى أجمل ذكر الرسل ثم فصل ذكر عيسى، لأن من قبله من الرسل جاءوا بشريعة موسى فكانوا متبعين له، وليس كذلك عيسى، لأن شرعه نسخ أكثر شرع موسى عليه السلام...

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

{وآتينا عيسى ابن مريم}: أضاف عيسى إلى أمه رداً على اليهود فيما أضافوه إليه.

تفسير ابن عرفة 803 هـ :

قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب...} إن قلت: الخطاب لليهود وهم معترفون بنبوة موسى عليه السلام فما فائدة القَسم على ذلك؟ قلنا: فائدته التنبيه على مساواة غيره من الرسل الآتين بعده له في النبوة، وأن نبوتهم حق كما هي نبوة موسى عندهم حق. وهذه معجزة للنَّبي صلى الله عليه وسلّم، لأنّ القاعدة أن من ادّعى أمرا محالا لم يسمع منه، وإن ادعى أمرا ممكنا سمع منه وطلب بالدّليل على صحّته.

والدليل قسمان: جدلي برهاني للخواص، ودليل للعوام، فبين لهم أولا أنه ادّعى أمرا ممكنا، واستدلّ عليه لهم بدليل برهاني خاص بالخواص، ثم استدلّ لهم الآن بالدليل الّذي يفهمه العوام، وهو أنّه إنّما ادّعى أمرا تكرر أمثاله قبله فلم يأتكم بأمر غريب لم يسبق له، بل أتى بأمر تكرر لنظائره وجرت العادة به فهو ممكن عقلا، واقع أمثاله بالمشاهدة، فحقكم أن تنظروا في معجزته فتؤمنوا به.

فإن قلت: ما أفاد « مِن بَعْدِهِ» مع أنّ القبلية تفيد معنى البعدية؟ قلت: لإفادة أول أزمنة البعدية إشارة إلى أنّ موسى عليه السلام من حين أرسله لم تزل شريعته باقية معمولا بها حتى أرسل رسولا آخرا فكان مقرر لها كيوشع بن نون أو ناسخا كعيسى. وعين موسى وعيسى دون غيرهما إما لأن المخاطبين بهذه الآية اليهود والنصارى، أو لأن المتبعين لشريعة موسى وعيسى باقون قيام الساعة، ولم يبق أحد ممن تشرع بشريعة غيرهما من الأنبياء.

فإن قلت: لِم خصّص عيسى بذكر الآيات البينات؟ قلنا لوجهين:

إما لأنه بَشّر بنبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أَحْمَدُ} واستظهر على صحة قوله بمعجزات واضحات،

وإمّا لأنّ الخطاب لليهود وهم كافرون بعيسى، فمعناه أرسلنا من بعده موسى رسلا، منهم عيسى ورسالته، قام الدليل على صحتها، وأنها نسخت شريعة نبيكم موسى عليه الصلاة والسلام فكذلك هذه الرسالة.

{أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تهوى أَنفُسُكُمُ...}... قال ابن عرفة: هذا نهي عليهم، ومبالغة في ذمّهم، لأن ما لا تهواه النفس أعمّ مما تكرهه النّفس، والمعنى أنهم مهما أتاهم رسول من عند الله تعالى بأمر لا يحبونه سواء أكانوا يكرهونه أم لا، فإنّهم يستكبرون ويكفرون به ونظيره قوله تعالى في سورة العقود: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الظالمون} ولم يقل: ومن حكم بغير ما أنزل الله، فيتناول من ترك الحكم ولم يحكم بشيء، لأن الفصل بين المسلمين بالحق واجب...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

عهد في سيرة البشر أن الأمة توعظ وتنذر، فتتعظ وتتدبر، فإذا طال عليها الأمد بعد النذير تقسو القلوب، ويذهب أثر الموعظة من الصدور، وتفسق عن أمر ربها، وتنسى ما لم تعمل به مما أنذرت به، أو تحرفه عن موضعه بضروب التأويل، وزخرف القال والقيل، ولقد يكون للمتأخر منها بعض العذر لجهله بما فعل المتقدم وأخذه ما يؤثر عنه بالتسليم لكمال الثقة وحسن الظن.

[وقد] بين الله تعالى هذه السنة الاجتماعية في سورة الحديد بقوله {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} ولهذا كان تعالى يرسل الرسل بعضهم في إثر بعض حتى لا يطول أمد الإنذار على الناس فيفسقوا ويضلوا. ولا يعرف التاريخ شعبا جاءت فيه الرسل تترى كشعب إسرائيل، لذلك كانوا بمعزل عن صحة العذر بطول الأمد على الإنذار. وفي ناحية ما يرجى قبوله من التعلل والاعتذار، لهذا قال تعالى بعد كل ما تقدم

{ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل} فلم يمر زمن بين موسى وعيسى آخر أنبيائهم إلا وكان فيه نبي مرسل أو أنبياء متعددون يأمرون وينهون كأنه يقول اعلموا يا بني إسرائيل أنه إن كان لطول الأمد على النبوة وبعد العهد بالرسل يد في تغيير الأوضاع ونسيان الشرائع، وكان في ذلك وجه لاعتذار بعض المتأخرين، فإن ذلك لا يتناولكم، فإن الرسل قد جاءتكم تترى ثم كان من أمركم معهم ما كان...

[و إنما] ذكر رسل بني إسرائيل بالإجمال لبيان ما ذكر، ثم خص بالذكر المسيح عليه السلام فقال {وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس}.

فأما البينات فهي ما يتبين به الحق من الحجج القيمة والآيات الباهرة. وقال الأستاذ الإمام: المراد بها ما دعا إليه من أحكام التوراة. وأما روح القدس فهو روح الوحي الذي يؤيد الله تعالى به أنبياءه في عقولهم ومعارفهم؛ وهو هو المراد بقوله تعالى {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} الآية. ويطلق عليه روح القدس لأن التعليم الذي يكون به مقدس أو لأنه يقدس النفوس كما يطلق عليه "الروح الأمين "لأن النبي الموحى إليه يكون على بينة من ربه فيه يأمن معها التلبيس فيما يلقى إليه، قال تعالى في القرآن {نزل 26: 193، 194 به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين}...

وفي هذه الآية حجتان للنبي صلى الله عليه وسلم – حجة على بني إسرائيل وحجة على الذين يعجبون لعدم إيمانهم به وإجابتهم دعوته، وبيان أن المجاحدة والمعاندة من شأنهم ومما عرف من شنشنتهم، وناسب بعد هذا أن يذكر ما كانوا يعتذرون به عن الإيمان به، والاعتداء بكتابه، بعد تقرير الدعوة، وإقامة الحجة، فقال

{وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون}...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ثم يمضي السياق يواجه بني إسرائيل بمواقفهم تجاه النبوات وتجاه الأنبياء... أنبيائهم هم، وما كان من سوء صنيعهم معهم كلما جاءوهم بالحق، الذي لا يخضع للأهواء لقد كانت حجة بني إسرائيل في إعراضهم عن الإسلام، وإبائهم الدخول فيه، أن عندهم الكفاية من تعاليم أنبيائهم، وأنهم ماضون على شريعتهم ووصاياهم...

فهنا يفضحهم القرآن ويكشف عن حقيقة موقفهم من أنبيائهم وشرائعهم ووصاياهم. ويثبت أنهم هم هم كلما واجهوا الحق، الذي لا يخضع لأهوائهم. وفيما تقدم واجههم بالكثير من مواقفهم مع نبيهم موسى -عليه السلام- وقد آتاه الله الكتاب. ويزيد هنا أن رسلهم توالت تترى، يقفو بعضهم بعضا؛ وكان آخرهم عيسى بن مريم. وقد آتاه الله المعجزات البينات، وأيده بروح القدس جبريل -عليه السلام- فكيف كان استقبالهم لذلك الحشد من الرسل ولآخرهم عيسى عليه السلام؟ كان هذا الذي يستنكره عليهم؛ والذي لا يملكون هم إنكاره، وكتبهم ذاتها تقرره وتشهد به:

(أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم: ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون!)!...

ومحاولة إخضاع الهداة والشرائع للهوى الطارئ والنزوة المتقلبة. ظاهرة تبدو كلما فسدت الفطرة، وانطمست فيها عدالة المنطق الإنساني ذاته. المنطق الذي يقتضي أن ترجع الشريعة إلى مصدر ثابت -غير المصدر الإنساني المتقلب- مصدر لا يميل مع الهوى، ولا تغلبه النزوة. وأن يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت الذي لا يتأرجح مع الرضى والغضب، والصحة والمرض، والنزوة والهوى، لا أن يخضعوا الميزان ذاته للنزوة والهوى!

ولقد قص الله على المسلمين من أنباء بني إسرائيل في هذا ما يحذرهم من الوقوع في مثله، حتى لا تسلب منهم الخلافة في الأرض والأمانة التي ناطها بهم الله، فلما وقعوا في مثل ما وقع فيه بنو إسرائيل، وطرحوا منهج الله وشريعته، وحكموا أهواءهم وشهواتهم، وقتلوا فريقا من الهداة وكذبوا فريقا. ضربهم الله بما ضرب به بني إسرائيل من قبل، من الفرقة والضعف، والذلة والهوان، والشقاء والتعاسة.. إلا أن يستجيبوا لله ورسله، وإلا أن يخضعوا أهواءهم لشريعته وكتابه، وإلا أن يفوا بعهد الله معهم ومع أسلافهم، وإلا أن يأخذوه بقوة، ويذكروا ما فيه لعلهم يهتدون...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

انتقال من الإنحاء على بني إسرائيل في فعالهم مع الرسول موسى عليه السلام بما قابلوه به من العصيان والتبرم والتعلل في قبول الشريعة وبما خالفوا من أحكام التوراة بعد موته إلى قرب مجيء الإسلام، إلى الإنحاء عليهم بسوء مقابلتهم للرسل الذين أتوا بعد موسى مثل يوشع وإلياس وأرمياء وداوود مؤيدين لشريعته ومفسرين وباعثين للأمة على تجديد العمل بالشريعة مع تعدد هؤلاء الرسل واختلاف مشاربهم في الدعوة لذلك المقصد من لين وشدة، ومن رغبة ورهبة، ثم جاء عيسى مؤيداً وناسخاً ومبشراً فكانت مقابلتهم لأولئك كلهم بالإعراض والاستكبار وسوء الصنيع وتلك أمارة على أنهم إنما يعرضون عن الحق لأجل مخالفة الحق أهواءَهم وإلا فكيف لم يجدوا في خلال هاته العصور ومن بين تلك المشارب ما يوافق الحق ويتمحض للنصح.

وإن قوماً هذا دأبهم يرثه الخلف عن السلف لجديرون بزيادة التوبيخ ليكون هذا حجة عليهم في أن تكذيبهم للدعوة المحمدية مكابرة وحسد حتى تنقطع حجتهم إذ لو كانت معاندتهم للإسلام هي أُولى فعلاتهم لأوهموا الناس أنهم ما أعرضوا إلا لِمَا تبين لهم من بطلان فكان هذا مرتبطاً بقوله: {وآمنوا بما أنزلت مصدقاً} [البقرة: 40] ومقدمة للإنحاء عليهم في مقابلتهم للدعوة المحمدية الآتي ذكرها في قوله تعالى: {وقالوا قلوبنا غُلف} [البقرة: 87]...

والاستكبار: الاتصاف بالكبر وهو هنا الترفع عن اتباع الرسل وإعجاب المتكبرين بأنفسهم واعتقاد أنهم أعلى من أن يطيعوا الرسل ويكونوا أتباعاً لهم، فالسين والتاء في {استكبرتكم} للمبالغة كما تقدم في قوله تعالى: {إلا إبليس أبى واستكبر} [البقرة: 34]

وقوله: {ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون} مسبب عن الاستكبار فالفاء للسببية فإنهم لما استكبروا بلغ بهم العصيان إلى حد أن كذبوا فريقاً أي صرحوا بتكذيبهم أو عاملوهم معاملة الكاذب وقتلوا فريقاً وهذا كقوله تعالى عن أهل مدين: {قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك} [هود: 9].

وتقديم المفعول هنا لما فيه من الدلالة على التفصيل فناسب أن يقدم ليدل على ذلك كما في قوله تعالى: {فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة} [الأعراف: 30]. وهذا استعمال عربي كثير في لفظ فريق وما في معناه نحو طائفة إذا وقع معمولاً لفعل في مقام التقسيم نحو {يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} [آل عمران: 159].

والتفصيل راجع إلى ما في قوله: {رسول} من الإجمال لأن (كلما جاءكم رسول) أفاد عموم الرسول وشمل هذا موسى عليه السلام فإنهم وإن لم يكذبوه بصريح اللفظ لكنهم عاملوه معاملة المكذبين به إذ شكوا غير مرة فيما يخبرهم عن الله تعالى وأساءوا الظن به مراراً في أوامره الاجتهادية وحملوه على قصد التغرير بهم والسعي لإهلاكهم كما قالوا حين بلغوا البحر الأحمر وحين أَمرهم بالحضور لسماع كلام الله تعالى، وحين أمرهم بدخول أريحا، وغير ذلك، وأما بقية الرسل فكذبوهم بصريح القول مثل عيسى وقتلوا بعض الرسل مثل أشعياء وزَكرياء ويحيى ابنه وأرمياء...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

ذكر الله تعالى المواثيق التي أخذها على بني إسرائيل، وكيف نقضوا ميثاقا بعد ميثاق حتى ما يتعلق بسلامة جماعتهم، وحمايتهم لأنفسهم. بعد ذلك، ذكر استقبالهم للرسل، وكتبهم فقال تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل}، الكتاب الذي أنزله الله على موسى هو التوراة، وليس هو الذي يطلقون عليه اسم التوراة، أولا: لأنه يشتمل على أخبار الأنبياء من بعده داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء الذين جاءوا من بعده، فلا يمكن بالبداهة أن يكون قد نزل على موسى ما جاء بعده من أخبار نبيين جاءوا من بعده بمئات السنين، وثانيا: لأنهم حرفوا وغيروا وبدلوا ونسوا حظا كثيرا مما نقل إليهم، ولا يزالون يحرفون، ويغيرون ويبدلون، ويعبثون.

وإن الكتاب الذي نزل على موسى هي الأسفار الخمسة، وقد حرفوها وغيروا وبدعوا، ولا يزالون يفعلون. أتى الله تعالى موسى عليه السلام الكتاب الصادق، الذي هو حجة عليهم، وليس ما بأيديهم حجة لهم لأنهم كتبوه بأيديهم ليشتروا به ثمنا قليلا {فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79)}...

وفي هذا المقام لا بد من ذكر أمرين:

أولهما – أن اليهود كفروا بهذه الآيات البينات، ولم يذعنوا للحق وحاولوا قتل المسيح عليه السلام، وأرادوا أن يكون في عداد النبيين الذين قتلوهم، ولكن الله تعالى حماه منهم، وادعى النصارى الذين جاءوا بعد المسيح عليه السلام أنهم قتلوه لأوهام توهموها، وأكاذيب اخترعها بولس الذي كان له عدوا مبينا.

الأمر الثاني – وهو لماذا كانت هذه البينات الخارقة للعادة للمسيح من بين سائر النبيين؟ وإن كان لمحمد صلى الله عليه وسلم ما هو أجل وأعظم، وجاء مثلها على يديه، ولكنه لم يتحد بها، بل تحدى بالقرآن العظيم الخليقة كلها في كل أجيالها، ولا يزال يتحدى العصور إلى اليوم.

كانت معجزات عيسى أو بيناته كما عبر القرآن الكريم من هذا النوع؛ لأن اليهود ما كانوا يؤمنون إلا بالمادة ولا يعترفون بالروح في كتابهم، ولا في أنفسهم، ولا في دراساتهم الدينية في العصر الذي بعث الله تعالى عيسى عليه السلام فيه ولا العصر الذي قارنه وسبقه، فكان لا بد من أمر روحي يقرع حسهم وحالهم المادي فكان خلق عيسى عليه السلام، وكان أمرا خارقا للعادة مبطلا سلطان المادة، وكانت المعجزات كلها من الناحية الروحية فهو يخبرهم بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم، وهو يبرئ الأكمه والأبرص وهو ينفخ في الطين فيكون طيرا، وهو يحيي الموتى، وهو يخرج الموتى من قبورهم بإذن الله تعالى، والله تعالى ينزل المائدة فيأكلون منها، كما كان ينزل المن والسلوى على بني إسرائيل عند خروجهم من مصر، وهم يعيشون في سيناء.

هذا بالنسبة لبني لإسرائيل خاصة، أما بالنسبة للعقل البشري عامة الذي عاصر المسيح عليه السلام، وكان في القرون التي قبلها، فهو أنه عصر الفلسفة الأيونية التي تولدت منها الفلسفة اليونانية، وقد كان هذا العصر تسوده فلسفة الأسباب والمسببات فلكل شيء سبب عادي، وكل سبب هو سبب لشيء وأتبع سببا، فالوجود كله يؤثر بعضه في بعض، فالولد يكون من أب وأم، يكون من أصلاب الآباء وبطون الأمهات، والأبرص والأكمه لا يشفيان، ولا يمكن أن يعود الميت حيا، ولا أن يخرج الأموات من قبورهم، وهكذا فكان لا بد من قوارع تبين أن الأسباب والمسببات من الله، الله تعالى أبدعها بديع السموات والأرض، وهو يغيرها، وهو الفعال لما يريد. لقد تطاولوا حتى قالوا: إن الوجود منشأ من موجده بنظام الأسباب والمسببات، فهو وجد منه وجود المعلول من علته، فهو ليس مختارا حتى في وجوده، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، فهو القادر المختار المريد العليم السميع البصير، ليس كمثله شيء وهو فعال لما يريد. كانت معجزات عيسى عليه السلام قاطعة في إبطال الأسباب العادية والمسببات ولوازمها، فتعالى الله، وتقدست ذاته وتنزهت صفاته...

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

ومما يستلفت النظر في هذا المقام ورود اسم (عيسى المسيح) إلى جانب اسم (موسى الكليم) لأول مرة في سورة البقرة، وفي ذلك تقرير لتسلسل الرسالات المنزلة من عند الله وتماسك حلقاتها، وتأكيد لترابطها وتكاملها، وإقامة للحجة على بني إسرائيل الذين أنكروا رسالة جميع الرسل بعد موسى، منذ عيسى بن مريم إلى محمد بن عبد الله...