{ مَا كَانَ } أي ما صح في حكم الله عز وجل وحكمته وما استقام { لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ } بالله تعالى على الوجه المأمور به { أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } به سبحانه { وَلَوْ كَانُواْ } أي المشركون { أُوْلِى قربى } أي ذوي قرابة لهم ، وجواب { لَوْ } محذوف لدلالة ما قبله عليه ، والجملة معطوفة على جملة أخرى قبلها محذوفة خذفاً مطرداً أي لو لم يكونوا أولى قربى ولو كانوا كذلك { مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ } أي للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين { أَنَّهُمْ } أي المشركين { أصحاب الجحيم } بأن ماتوا على الكفر أو نزل الوحي بأنهم مطبوع على قلوبهم لا يؤمنون أصلاً ، وفيه دليل على صحة الاستغفار لأحيائهم الذين لا قطع بالطبع على قلوبهم ، والمراد منه في حقهم طلب توفيقهم للإيمان ، وقيل : إنه يستلزم ذلك بطريق الاقتضاء فلا يقال : إنه لا فائدة في طلب المغفرة للكافر ، والآية على الصحيح نزلت في أبي طالب . فقد أخرج أحمد ، وابن أبي شيبة . والبخاري . ومسلم . والنسائي . وابن جرير . وابن المنذر . والبيهقي في الدلائل . وآخرون عن المسيب بن حزن قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل . وعبد الله بن أبي أمية فقال النبي عليه الصلاة والسلام : أي عم قل : لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله فقال : أبو جهل : وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه وأبو جهل . وعبد الله بن أبي أمية فقال النبي عليه الصلاة والسلام : أي عم قل : لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله فقال : أبو جهل : وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه وأبو جهل . وعبد الله يعاودانه بتلك المقالة فقال أبو طالب آخر ما كلمهم : هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول : لا إله إلا الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزلت { مَا كَانَ لِلنَّبِىّ } الآية .
واستبعد ذلك الحسين بن الفضل بأن موت أبي طالب قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين وهذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة . قال الواحدي : وهذا الاستبعاد مستبعد فأي بأس أن يقال : كان عليه الصلاة والسلام يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول الآية فإن التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة ، وذكر نحواً من هذا صاحب التقريب ، وعليه لا يراد بقوله : فنزلت في الخبر أن النزول كان عقيب القول بل يراد أن ذلك سبب النزول ، فالفاء فيه للسببية لا للتعقيب .
واعتمد على هذا التوجيه كثير من جلة العلماء بل يراد أن ذلك سبب النزول ، فالفار فيه للسببية لا للتعقيب . واعتمد على هذا التوجيه كثير من جلة العلماء وهو توجيه وجيه ، خلا أنه يعكر عليه ما أخرجه ابن سعد . وابن عساكر عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب فبكى فقال : «إذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه ففعلت وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له أياماً ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه الآية { مَا كَانَ لِلنَّبِىّ } الخ » فإنه ظاهر في أن النزول قبل الهجرة لأن عدم الخروج من البيت فيه مغيا به ، اللهم إلا أن يقال بضعف الحديث لكن لم نر من تعرض له ، والأولى في الجواب عن أصل الاستبعاد أن يقال : إن كون هذه السورة من أواخر ما نزل باعتبار الغالب كما تقدم فلا ينافي نزول شيء منها في المدينة . والآية على هذا دليل على أن أبا طالب مات كافراً وهو المعروف من مذهب أهل السنة والجماعة .
وروى ابن إسحق في سيرته عن العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من خبر طويل " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب في مرض موته وقد طمع فيه : أي عم فانت فقلها يعني لا إله إلا الله أستحل بها لك الشفاعة يوم القيامة وحرض عليه عليه الصلاة والسلام بذلك فقال : والله يا ابن أخي لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعاً من الموت لقلتها ولا أقولها إلا لأسرك بها فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بأذنه فقال : يا ابن أخي لقد قال أخى الكلمة التي أمرته أن يقولها فقال له صلى الله عليه وسلم : لم أسمع " واحتج بهذا ونحوه من أبياته المتضمنة للإقرار بحقية ما جاء به صلى الله عليه وسلم وشدة حنوه عليه ونصرته له صلى الله عليه وسلم الشيعة الذاهبون إلى موته مؤمناً وقالوا : إنه المروى عن أهل البيت وأهل البيت أدرى . وأنت تعلم قوة دليل الجماعة فالاعتماد على ما روي عن العباس دونه مما تضحك منه الثكلى ، والأبيات على انقطاع أسانيدها ليس فيها النطق بالشهادتين وهو مدار فلك الإيمان ، وشدة الحنو والنصرة مما لا ينكره أحد إلا أنها بمعزل عما نحن فيه ، وأخبار الشيعة عن أهل البيت أو هن من بيت العنكبوت وإنه لأوهن البيوت .
نعم لا ينبغي للمؤمن الخوض فيه كالخوض في سائر كفار قريش من أبي جهل . وأضرا به فإن له مزية عليهم بما كان يصنعه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من محاسن الأفعال ، وقد روى نفع ذلك له في الآخرة أفلا ينفعه في الدنيا في الكف عنه وعدم معاملته معاملة غيره من الكفار . فعن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقد ذكر عنده عمه : «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار » وجاء في رواية أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن عمك أيا طالب كان يحوطك وينصرك فهل ينفعه ذلك ؟ فقال : نعم وجدته في غمرات النار فأخرجته إلى ضحضاح من نار . وسبه عندي مذموم جداً لا سيما إذا كان فيه إيذاء لبعض العلويين إذ قد ورد «لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه » .
وزعم بعضهم أن الآية . نزلت في غير ذلك . فقد أخرج البيهقي في الدلائل . وغيره عن ابن سمعود قال : «خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً إلى المقابر فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً ثم بكى فبكينا لبكائه ثم قام فصلى ركعتين فقام إليه عمر فدعاه ثم دعانا فقال : إليه عمر فدعاه ثم دعانا فقال : ما أبكاكم ؟ قلنا : بكينا لبكائك قال : إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي وأنزل على { مَا كَانَ لِلنَّبِىّ } الخ فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة فذاك الذي أبكاني » ولا يخفى أن الصحيح في سبب النزول هو الأول . نعم خبر الاستئذان في الاستغفار لأمه عليه الصلاة والسلام وعدم الاذن جاء في رواية صحيحة لكن ليس فيها أن ذلك سبب النزول . فقد أخرج مسلم . وأحمد . وأبو داود . وابن ماجه . والنسائي عن أبي هريرة قال : " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال عليه الصلاة والسلام : استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فانها تذكركم الموت " واستدل بعضهم بهذا الخبر ونحوه على أن أمه عليه الصلاة والسلام ممن لا يستغفر له ، وفي ذلك نزاع شهير بين العلماء ، ولعل النوبة تفضي إلى تحقيق الحق فيه إن شاء الله تعالى .
هذا ومن باب الإشارة :{ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قربى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم } [ 113 ] أي ما صح منهم ذلك ولا استقام فإن الوقوف عند القدر من شأن الكاملين .
ومن هنا قيل : لا تؤثر همة العارف بعد كمال عرفانه أي إذا تيقن وقوع كل شيء بقدره تعالى الموافق للحكمة البالغة وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولم يتهم الله سبحانه في شيء من الفعل والترك سكن تحت كهف الأقدار وسلم لمدعي الإرادة وأنصت لمنادي الحكمة وترك مراده لمراد الحبيب بل لا يريد إلا ما يريده ، وهو الذي يقتضيه مقام العبودية المحضة الذي هو أعلى المقامات ودون ذلك مقام الإدلال ، ولقد كان حضرة مولانا القطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره في هذا المقام وله كلمات تشعر بذلك لكن لم يتوف قدس سره حتى انتقل منه إلى مقام العبودية المحضة كما نقل مولانا عبد الوهاب الشعراني في «الدرر واليواقيت » ، وقد ذكر أن هذا المقام كان مقام تلميذه حضرة مولانا أبي السعود الشبلي قدس سره
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: ما كان ينبغي للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا به "أن يستغفروا"، يقول: أن يدعوا بالمغفرة للمشركين، ولو كان المشركون الذين يستغفرون لهم "أولي قربى": ذوي قرابة لهم. "مِن بَعْدِ ما تَبَيّنَ لَهُمْ أنّهُمْ أصحَابُ الجَحِيمِ "يقول: من بعد ما ماتوا على شركهم بالله وعبادة الأوثان تبين لهم أنهم من أهل النار لأن الله قد قضى أن لا يغفر لمشرك، فلا ينبغي لهم أن يسألوا ربهم أن يفعل ما قد علموا أنه لا يفعله.
فإن قالوا: فإن إبراهيم قد استغفر لأبيه وهو مشرك، فلم يكن استغفار إبراهيم لأبيه إلا لموعدة وعدها إياه "فَلمّا تَبَيّنَ لَهُ" وعلم أنه لله عدوّ خلاه وتركه وترك الاستغفار له، وآثر الله وأمره عليه، فتبرأ منه حين تبين له أمره.
واختلف أهل التأويل في السبب الذي نزلت هذه الآية فيه؛
فقال بعضهم: نزلت في شأن أبي طالب عمّ النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر له بعد موته، فنهاه الله عن ذلك... عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عَمّ قُلْ لا إلَهَ إلاّ اللّهُ كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللّهِ» قال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَاللّهِ لأَسْتَغْفِرَنّ لَكَ ما لَمْ أُنْهِ عَنْكَ» فأنْزَلَ اللّهُ: "ما كَانَ للنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكِينَ" وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله: "إنّكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ..."...
عن مجاهد: "ما كَانَ للنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكِينَ" قال: يقول المؤمنون ألا نستغفر لآبائنا وقد استغفر إبراهيم لأبيه كافرا، فأنزل الله: "وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْرَاهيمَ لأَبِيهِ إلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إيّاهُ"...
وقال آخرون: بل نزلت في سبب أمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه أراد أن يستغفر لها فمُنِع من ذلك...
ثنا أبو أحمد، قال: حدثنا قيس، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى رسما قال: وأكثر ظني أنه قال قبرا فجلس إليه، فجعل يخاطب، ثم قام مستعبرا، فقلت: يا رسول الله، إنا رأينا ما صنعت قال: «إنّي اسْتَأْذَنْتُ ربّي فِي زِيارَةِ قَبْرِ أُمّي فَأَذِنَ لي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي الاسْتِغْفارِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لي» فما رُؤي باكيا أكثر من يومئذ...
وقال آخرون: بل نزلت من أجل أن قوما من أهل الإيمان كانوا يستغفرون لموتاهم من المشركين، فنهوا عن ذلك...
واختلف أهل العربية في معنى قوله: "ما كَانَ للنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكِينَ"؛ فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: ما كان لهم الاستغفار، وكذلك معنى قوله: "وَمَا كان لِنَفْس أن تُؤمِن": وما كان لنفس الإيمان "إلاّ بإذْنِ اللّهِ". وقال بعض نحويي الكوفة: معناه: ما كان ينبغي لهم أن يستغفروا لهم. قال: وكذلك إذا جاءت «أن» مع «كان»، فكلها بتأويل ينبغي، "ما كان لنبيّ أنْ يَغُلّ": ما كان ينبغي له: ليس هذا من أخلاقه، قال: فلذلك إذا دخلت «أن» تدل على الاستقبال، لأن «ينبغي» تطلب الاستقبال.
وأما قوله: "وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْرَاهيمَ لأَبِيهِ إلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إيّاهُ" فإن أهل العلم اختلفوا في السبب الذي أنزل فيه؛
فقال بعضهم: أنزل من أجل أن النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يستغفرون لموتاهم المشركين ظَنّا منهم أن إبراهيم خليل الرحمن، قد فعل ذلك حين أنزل الله قوله خبرا عن إبراهيم، قال: "سَلامٌ عَلَيْكَ سأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبّي أنه كان بي حَفِيّا"...
وقيل: "وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْرَاهيمَ لأَبِيهِ إلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ"، ومعناه: إلا من بعد موعدة، كما يقال: ما كان هذا الأمر إلا عن سبب كذا، بمعنى: من بعد ذلك السبب أو من أجله، فكذلك قوله: "إلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ": من أجل موعدة وبعدها.
وقد تأول قوم قول الله: "ما كَانَ للنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى"، أن النهي من الله عن الاستغفار للمشركين بعد مماتهم، لقوله: "مِنْ بَعْدِ ما تَبَيّنَ لَهُمْ أنّهُمْ أصحَابُ الجَحِيمِ" وقالوا: ذلك لا يتبينه أحد إلا بأن يموت على كفره، وأما وهو حيّ فلا سبيل إلى علم ذلك، فللمؤمنين أن يستغفروا لهم...
وتأوّل آخرون الاستغفار في هذا الموضع بمعنى الصلاة...
وتأوّله آخرون بمعنى الاستغفار الذي هو دعاء...
وقد دللنا على أن معنى الاستغفار: مسألة العبد ربه غفر الذنوب، وإذ كان ذلك كذلك، وكانت مسألة العبد ربه ذلك قد تكون في الصلاة وفي غير الصلاة، لم يكن أحد القولين اللذين ذكرنا فاسدا، لأن الله عمّ بالنهي عن الاستغفار للمشرك بعدما تبين له أنه من أصحاب الجحيم، ولم يخصص من ذلك حالاً أباح فيها الاستغفار له.
وأما قوله: "مِنْ بَعْدِ ما تَبَيّنَ لَهُمْ أنّهُمْ أصحَابُ الجَحِيمِ" فإن معناه: ما قد بينت من أنه من بعد ما يعلمون بموته كافرا أنه من أهل النار. وقيل: "أصْحَابُ الجَحِيمِ" لأنهم سكانها وأهلها الكائنون فيها، كما يقال لسكان الدار: هؤلاء أصحاب هذه الدار، بمعنى سكانها...
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "فَلَمّا تَبَيّنَ لَه أنّهُ عَدُوّ لِلّهِ تَبَرّأَ مِنْهُ" قال بعضم: معناه: فلما تبين له بموته مشركا بالله تبرأ منه وترك الاستغفار له... وقال آخرون: معناه تبين له في الآخرة... وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول الله، وهو خبره عن إبراهيم، أنه لما تبين له أن أباه لله عدو تبرأ منه، وذلك حال علمه ويقينه أنه لله عدوّ وهو به مشرك، وهو حال موته على شركه.
"إنّ إبْرَاهِيمَ لأَوّاهٌ حَلِيمٌ": اختلف أهل التأويل في «الأوّاه»؛
وقال آخرون: هي كلمة بالحبشية معناها: المؤمن...
وقال آخرون: هو المسبّح الكثير الذكر لله...
وقال آخرون: هو الذي يكثر تلاوة القرآن...
وقال آخرون: هو المتضرّع الخاشع...
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب... أنه الدّعّاء.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله ذكر ذلك ووصف به إبراهيم خليله صلوات الله عليه بعد وصفه إياه بالدعاء والاستغفار لأبيه، فقال: "وَما كانَ اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أنّهُ عَدْوّ للّهِ تَبَرأَ مِنْهُ" وترك الدعاء والاستغفار له، ثم قال: إن إبراهيم لدّعاء لربه شاكٍ له حليم عمن سبه وناله بالمكروه، وذلك أنه صلوات الله عليه وعد أباه بالاستغفار له، ودعاء الله له بالمغفرة عند وعيد أبيه إياه، وتهدده له بالشتم بعد ما ردّ عليه نصيحته في الله، وقوله: "أرَاغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمّنَكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّا" فقال له صلوات الله عليه: "سَلامٌ عَلَيْكَ سأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبي إنّهُ كانَ بِي حَفِيّا وأعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ وأدْعُو رَبّي عَسَى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبّي شَقِيّا" فوفى لأبيه بالاستغفار له حتى تبين له أنه عدوّ لله، فوصفه الله بأنه دَعَّاء لربه حليم عمن سفه عليه، وأصله من التأوّه وهو: التضرّع والمسألة بالحزن والإشفاق، كما روى عبد الله بن شدّاد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكما روى عقبة بن عامر الخبر الذي:
حدثنيه يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: ثني الحرث بن يزيد، عن عليّ بن رباح، عن عقبة بن عامر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يقال له ذو البجادين: إنه أوّاه وذلك أنه رجل كان يكثر ذكر الله بالقرآن والدعاء ويرفع صوته.
ولذلك قيل للمتوجع من ألم أو مرض: لم تتأوّه؟...
ولأن معنى ذلك: توجع وتحزن وتضرّع، اختلف أهل التأويل فيه الاختلاف الذي ذكرت، فقال ما قال: معناه الرحمة، إن ذلك كان من إبراهيم على وجه الرقة على أبيه والرحمة له ولغيره من الناس.
وقال آخرون: إنما كان ذلك منه لصحة يقينه وحسن معرفته بعظمة الله وتواضعه له.
وقال آخرون: كان لصحة إيمانه بربه.
وقال آخرون: كان ذلك منه عند تلاوته تنزيل الله الذي أنزل عليه.
وقال آخرون: كان ذلك منه عند ذكر ربه.
وكلّ ذلك عائد إلى ما قلت، وتقارب معنى بعض ذلك من بعض لأن الحزين المتضرّع إلى ربه الخاشع له بقلبه، ينوبه ذلك عند مسألته ربه ودعائه إياه في حاجاته، وتعتوره هذه الخلال التي وجه المفسرون إليها تأويل قول الله: "إنّ إبْرَاهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ".
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أصلُ الدين التَبَرِّي من الأعداء، والتولِّي للأولياء، والوليُّ لا قريبَ له ولا حميم، ولا نسيبَ له ولا صَديق؛ إنْ وَالَى فبأمر، وإنْ عادى فَلِزَجْر...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وقوله تعالى {ما كان للنبي...}، يقتضي التأنيب ومنع الاستغفار للمشركين مع اليأس عن إيمانهم إما بموافاتهم على الكفر وموتهم، ومنه قول عمر بن الخطاب في العاصي بن وائل: لا جزاه الله خيراً، وإما بنص من الله تعالى على أحد كأبي لهب وغيره، فيمتنع الاستغفار له وهو حي...
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي سَبَبِ نُزُولِهَا:
الْأُولَى: ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (لَمَّا حَضَرَ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ فَقَالَ: يَا عَمِّ؛ قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَك بِهَا عِنْدَ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ: أَنَا عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَك مَا لَمْ أُنْهَ عَنْك. فَنَزَلَتْ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا...} وَنَزَلَتْ: {إنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت}.
الثَّانِي: رُوِيَ عَنْ عمرو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -قَالَ: {اسْتَغْفَرَ إبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ، وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَلَا أَزَالُ أَسْتَغْفِرُ لِأَبِي طَالِبٍ حَتَّى يَنْهَانِي عَنْهُ رَبِّي. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: لَنَسْتَغْفِرَنَّ لِآبَائِنَا كَمَا اسْتَغْفَرَ النَّبِيُّ لِعَمِّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا...} إلَى: {تَبَرَّأَ مِنْهُ}.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مَنَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ من طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ لِلْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَدَّرَ أَلَّا تَكُونَ؛ وَأَخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ، وَسُؤَالِ مَا قَدَّرَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ، وَأَخْبَرَ عَنْهُ هُنَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ (قَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -حِينَ كَسَرُوا ربَاعِيَّتَهُ، وَشَجُّوا وَجْهَهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ). فَسَأَلَ الْمَغْفِرَةَ لَهُمْ.
قُلْنَا: عَنْهُ أَرْبَعَةُ أَجْوِبَةٍ:
الْأَوَّلُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّهْيِ، وَجَاءَ النَّهْيُ بَعْدَهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سُؤَالًا فِي إسْقَاطِ حَقِّهِ عِنْدَهُمْ، لَا لِسُؤَالِ إسْقَاطِ حُقُوقِ اللَّهِ، وَلِلْمَرْءِ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهُ عِنْدَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَطْلُبَ الْمَغْفِرَةَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ، مَرْجُوٌّ إيمَانُهُمْ، يُمْكِنُ تَأَلُّفُهُمْ بِالْقَوْلِ الْجَمِيلِ، وَتَرْغِيبُهُمْ فِي الدِّينِ بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ. فَأَمَّا مَنْ مَاتَ فَقَدْ انْقَطَعَ مِنْهُ الرَّجَاءُ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَطْلُبَ لَهُمْ الْمَغْفِرَةَ فِي الدُّنْيَا بِرَفْعِ الْعُقُوبَةِ عَنْهُمْ حَتَّى إلَى الْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى}:
بَيَانٌ أَنَّ الْقَرَابَةَ الْمُوجِبَةَ لِلشَّفَقَةِ جِبِلَّةً، وَلِلصِّلَةِ مُرُوءَةً تَمْنَعُ من سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ من أَهْلِ النَّارِ...
اعلم أنه تعالى لما بين من أول هذه السورة إلى هذا الموضع وجوب إظهار البراءة عن الكفار والمنافقين من جميع الوجوه بين في هذه الآية أنه تجب البراءة عن أمواتهم، وإن كانوا في غاية القرب من الإنسان كالأب والأم، كما أوجبت البراءة عن أحيائهم، والمقصود منه بيان وجوب مقاطعتهم على أقصى الغايات والمنع من مواصلتهم بسبب من الأسباب...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
تقدم في الآية الثمانين من هذه السورة أن الله تعالى لا يغفر للمنافقين لأنهم كفروا بالله ورسوله، فاستغفار الرسول لهم وعدمه سيان. وتقدم في سورة النساء {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء:38 و 116]، وقد شرع الله للمؤمنين في أوائل سورة الممتحنة التأسي بإبراهيم عليه السلام والذين آمنوا معه في البراءة من قومهم المشركين ومن معبوداتهم، واستثنى من هذه الأسوة استغفار إبراهيم صلى الله عليه وسلم لأبيه، فقال: {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك من الله من شيء} [الممتحنة: 4]، وقد تبين هنا حكم الاستغفار لمن ذكر، وقَفَّى عليه بقاعدة التشريع العامة التي يُبنَى عليها الجزاء، فقال عزّ وجلّ:
{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} هذا نفي بمعنى النهي، فهو أبلغ من النهي المجرد، وهذا التعبير فيه يسمى نفي الشأن، وهو أبلغ من نفي الشيء نفسه، لأنه نفي معلل بالسبب المقتضي له. والمعنى: ما كان من شأن النبي ولا مما يصح أن يصدر عنه من حيث هو نبي، ولا من شأن المؤمنين ولا مما يجوز أن يقع منهم من حيث هم مؤمنون، أن يدعوا الله طالبين منه المغفرة للمشركين.
{ولو كانوا أولي قربى} لهم في الأصل حق البر وصلة الرحم وكانت عاطفة القرابة تقتضي الغيرة عليهم وحب المغفرة لهم، "ولو "هذه تفيد الغاية، المعطوف عليه يحذف حذفا مطردا للعلم به، والمراد أنه ليس مما تبيحه النبوة ولا الإيمان، ولا مما يصح وقعه من أهلهما الاستغفار للمشركين في حال من الأحوال، حتى لو كانوا أولي قربى، فإن لم يكونوا كذلك فعدم جوازه أولى.
ثم قيد الحكم بقوله تعالى: {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} أي من بعد ما ظهر لهم بالدليل أنهم من أهل النار الخالدين فيها بأن ماتوا على شركهم وكفرهم ولو بحسب الظاهر، كاستصحاب حالة الكفر إلى الموت، أو نزل وحي يسجل عليهم ذلك، كإخباره تعالى عن أناس من الجاحدين المعاندين من أصحاب النار خالدين فيها، أو أنهم طبع قلوبهم وختم عليها. وقوله لرسوله صلى الله عليه وسلم {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6]، ومثله في المنافقين {سواء عليهم أستغفرت لهم} [المنافقون:6] الخ.
وقد ورد في الصحيحين وغيرهما أن هذه الآية نزلت في أبي طالب، إذ دعاه صلى الله عليه وسلم عند ما حضره الموت إلى قول (لا إله إلا الله) فامتنع، وأبو طالب مات بمكة قبل الهجرة، فهل نزلت الآية عقب موته ثم ألحقت بهذه السورة المدنية لمناسبتها لأحكامها، أم نزلت مع غيرها من براءة مبينة لحكم استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم له؟ وروي من طرق أنها نزلت حين زار صلى الله عليه وسلم قبر أمه واستغفر لها، والله أعلم، والآية نص في تحريم الدعاء لمن مات على كفره بالمغفرة والرحمة، وكذا وصفه بذلك، كقولهم: المغفور له، المرحوم فلان، كما يفعله بعض المسلمين الجغرافيين الآن، لعدم تحققهم بمقتضى الإيمان، وتقيدهم بأحكام الإسلام...
وفيها دلالة على تأخير نزول الآية عن وفاة أبي طالب. ويؤيده أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد بعد أن شج وجهه: "رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
لكن يحتمل في هذا أن يكون الاستغفار خاصا بالأحياء وليس البحث فيه، ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر وإن كان سببها تقدم، ويكون لنزولها سببان: متقدم وهو أمر أبي طالب، ومتأخر وهو أمر آمنة...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
والمؤمنون الذين اشترى اللّه منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، أمة وحدهم، العقيدة في اللّه بينهم هي وشيجة الارتباط والتجمع الوحيدة. وهذه السورة التي تقرر العلاقات الأخيرة بين الجماعة المسلمة ومن عداها، تحسم في شأن العلاقات التي لا تقوم على هذه الوشيجة. وبخاصة بعد ذلك التخلخل الذي أنشأه التوسع الأفقي الشديد في المجتمع المسلم عقب فتح مكة، ودخول أفواج كثيرة في الإسلام لم يتم انطباعها بطابعه؛ وما تزال علاقات القربى عميقة الجذور في حياتها. والآيات التالية تقطع ما بين المؤمنين الذين باعوا تلك البيعة وبين من لم يدخلوا معهم فيها -ولو كانوا أولي قربى- بعد ما اختلفت الوجهتان واختلفت العاقبتان في الدنيا والآخرة... إن العقيدة هي العروة الكبرى التي تلتقي فيها سائر الأواصر البشرية والعلاقات الإنسانية. فإذا انبتَّت وشيجة العقيدة انبتَّت الأواصر الأخرى من جذورها، فلا لقاء بعد ذلك في نسب، ولا لقاء بعد ذلك في صهر، ولا لقاء بعد ذلك في قوم. ولا لقاء بعد ذلك في أرض.. إما إيمان باللّه فالوشيجة الكبرى موصولة، والوشائج الأخرى كلها تنبع منها وتلتقي بها، أو لا إيمان فلا صلة إذن يمكن أن تقوم بين إنسان وإنسان...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
استئناف نسخ به التخيير الواقع في قوله تعالى: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} [التوبة: 80] فإن في ذلك تسوية بين أن يستغفر النبي صلى الله عليه وسلم لهم وبين أن لا يستغفر في انتفاء أهم الغرضين من الاستغفار، وهو حصول الغفران، فبقي للتخيير غَرض آخر وهو حُسن القَول لمن يرى النبي صلى الله عليه وسلم أنهُ أهل للملاطفة لذاته أو لبعض أهله، مثل قصة عبد الله بنِ عبد الله بنِ أبَي، فأراد الله نسخ ذلك بعد أن دَرَّج في تلقية على عادة التشريع في غالب الأحوال. ولعل الغرض الذي لأجله أبقي التخيير في الاستغفار لهم قد ضعف ما فيه من المصلحة ورجح ما فيه من المفسدة بانقراضِ من هم أهل لحسن القول وغلبةِ الدهماء من المنافقين الذين يحسبون أن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم يَغفر لهم ذنوبهم فيصبحوا فرحين بأنهم ربحوا الصفقتين وأرضوا الفريقين، فنهَى اللّهُ النبي صلى الله عليه وسلم ولعل المسلمين لما سمعوا تخيير النبي في الاستغفار للمشركين ذهبوا يستغفرون لأهليهم وأصحابهم من المشركين طمعاً في إيصال النفع إليهم في الآخرة فأصبح ذلك ذريعة إلى اعتقاد مساواة المشركين للمؤمنين في المغفرة فينتفي التفاضل الباعث على الرغبة في الإيمان، فنهى الله النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معاً عن الاستغفار للمشركين بعد أن رخصه للنبيء صلى الله عليه وسلم خاصة في قوله: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} [التوبة: 80]...
وجاءت صيغة النهي بطريق نفي الكون مع لام الجحود مبالغة في التنزه عن هذا الاستغفار، كما تقدم عند قوله تعالى: {قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} في آخر سورة العقود (116). ويدخل في المشركين المنافقون الذين علم النبي نفاقهم والذين علم المسلمون نفاقهم بتحقق الصفات التي أعلنت عليهم في هذه السورة وغيرها. وزيادة {ولو كانوا أولي قربى} للمبالغة في استقصاء أقرب الأحوال إلى المعذرة، كما هو مفاد (لو) الوصلية، أي فَأوْلى إن لم يكونوا أولي قربى. وهذه المبالغة لقطع المعذرة عن المخالف، وتمهيد لتعليم من اغتر بما حكاه القرآن من استغفار إبراهيم لأبيه في نحو قوله تعالى: {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} [الشعراء: 86]. ولذلك عقَّبه بقوله: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} [التوبة: 114].