نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ} (113)

ولما كثرت في هذه السورة الأوامر بالبراءة من أحياء المشركين وجاء الأمر أيضاً بالبراءة من أموات المنافقين بالنهي عن الدعاء لهم ، جاءت هذه الآية مشيرة إلى البراءة من كل مشرك فوقع التصريح بعدها بما أشارت إليه ، وذلك أنه لما ثبت بهذه الآية في تقديم الجار أن المبايعة وقعت على تخصيص الجنة بالمؤمنين وأنه تعالى أوفى من عاهد ، ثبت أنه لا يجوز أن يدخل غيرهم الجنة وأن غيرهم أصحاب النار ، لأنه قد علم أن الآخرة داران : جنة ونار ، ولما ثبت هذا كله علم قطعاً علم النتيجة من المقدمات الصحيحة أنه { ما كان } أي في نفس الأمر { للنبي } أي الذي لا ينطق إلا بما عنده فيه بيان من الله { والذين آمنوا } أي أقروا بأنهم صدقوا بدعوته فلا يفعلون{[37267]} إلا ما عندهم منه علم { أن يستغفروا } أي يطلبوا المغفرة ويدعوا بها { للمشركين } أي الراسخين في الإشراك في عبادة ربهم { ولو كانوا } أي المشركين { أولي قربى } أي للذين{[37268]} آمنوا { من بعد ما تبين لهم } أي بموتهم على الشرك وإنزال{[37269]} هذه الآية للختم بالتخصيص بالجنة { أنهم أصحاب الجحيم* } أي لا أهلية لهم للجنة .

فإن الاستغفار معناه محو الذنوب حتى ينجو صاحبها من النار ويدخل الجنة وما ينبغي لهم أن يكون لهم إليهم التفات فإن ذلك ربما جر إلى ملاينة تفتر عن القتال الواقع عليه المبايعة{[37270]} ، فما ينبغي إلا محض المقاطعة والمخاشنة والمنازعة . وتقييد النهي بالتبين{[37271]} يدل على جواز الدعاء للحي فإن القصد بالاستغفار الإقبال به إلى الإيمان الموجب للغفران .


[37267]:في ظ: فلا يفعلوا.
[37268]:من ظ، وفي الأصل: الذين.
[37269]:في ظ: أنزل.
[37270]:في ظ: المبالغة.
[37271]:في ظ: بالتبين.