فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ} (113)

{ ما كان } أي لا يصح ولا ينبغي ولا يجوز { للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } لما بين الله سبحانه في أول السورة وما بعده أن البراءة من المشركين والمنافقين واجبة ، بين سبحانه هنا ما يزيد ذلك تأكيدا وصرح بأن ذلك متحتم { ولو كانوا أولي قربى } فإن القرابة في مثل هذا الحكم لا تأثير لها .

وقد ذكر أهل التفسير أن { ما كان } في القرآن يأتي على وجهين ( الأول ) على النفي نحو ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ، والآخر على النهي نحو ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله .

{ من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } هذه الجملة تتضمن التعليل للنهي عن الاستغفار ، والمعنى أن هذا التبين موجب لقطع الموالاة لمن كان هكذا ، وعدم الاعتداء بالقرابة لأنهم ماتوا على الشرك ، وقد قال سبحانه { إن الله لا يغفر أن يشرك به } فطلب المغفرة لهم في حكم المخالفة لوعد الله ووعيده .

عن عليّ قال : أخبرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بموت أبي طالب فبكى فقال : اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه ، ففعلت وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستغفر له أياما ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه { ما كان للنبي } الآية .

وقد روي في سبب نزول الآية استغفار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي طالب من طرق كثيرة وأصله في الصحيحين ، وما فيهما مقدم على ما لم يكن فيهما على فرض أنه صحيح فكيف وهو ضعيف غالبه ، وقيل إن أريد بطلب المغفرة للكافر هدايته للإسلام قبل الموت جاز الاستغفار له ، وإن أريد به أن يغفر ذنبه مع بقائه على الكفر لم يجز فمفهوم هذه الآية فيه تفصيل .

وهذه الآية متضمنة لقطع الموالاة للكافر وتحريم الاستغفار لهم والدعاء بما لا يجوز لمن كان كافرا ، ولا ينافي هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيح أنه قال يوم أحد حين كسر المشركون رباعيته وشجوا وجهه ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) لأنه يمكن أنه يكون ذلك قبل أن يبلغه تحريم الاستغفار لهم .

وعلى فرض أنه قد كان بلغه كما يفيده سبب النزول فإنه قبل يوم أحد بمدة طويلة فصدور هذا الاستغفار منه لقومه إنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء كما في صحيح مسلم عن عبد الله قال : كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه ويمسح الدم عن وجهه ويقول : ( رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) {[923]} .


[923]:- مسلم 1792- 1633.