{ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ } هو وكان رأيه فيه أهون شراً من رأى غيره وهو القائل : { فَلَنْ أَبْرَحَ الارض } [ يوسف : 80 ] الخ قاله السدى .
وقال قتادة ، وابن إسحق : هو روبيل ، وعن مجاهد أنه شمعون ، وقيل : دان ، وقال بعضهم : إن أحد هذين هو القائل : { اقتلوا يُوسُفَ } الخ ، وأما القائل : { لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ } [ يوسف : 9 ] فغيره ، ولعل الأصح أنه يهوذا .
قيل : وإنما لم يذكر أحد منهم باسمه ستراً على المسيءوكل منهم لم يخل عن الإساءة وإن تفاوتت مراتبها ، والقول بأنه على هذا لا ينبغي لأحد أن يعين أحداً منهم باسمه تأسياً بالكتاب ليس بشيء لأن ذلك مقام تفسير وهو فيه أمر مطلوب ، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن سائلاً سأل اتفقوا على ما عرض عليهم من خصلتي الصنيع أم خالفهم في ذلك أحد ؟ فقيل : قال قائل منهم : { لاَ تَقْتُلُواْ } الخ ، والاتيان بيوسف دون ضميره لاستجلاب شفقتهم عليه واستعظام قتله وهو هو مانه يروى أنه قال لهم : القتل عظيم ولم يصرح بنهيهم عن الخصلة الأخرى ، وأحاله على أولوية ما عرضه عليهم بقوله : { وَأَلْقُوهُ في * غَيَابَةِ الجب } أي في قعره وغوره سمي به لغيبته عن عين الناظر ، ومنه قيل للقبر : غيابة ، قال المنخل السعدي :
إذا أنا يوماً غيبتني ( غيابتي ) *** فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
وقال الهروي : الغيابة في الجب شبه كهف . أو طاق في البئر فوق الماء يغيب ما فيه عن العيون ، والجب الركية التي لم تطو فإذا طويت فهي بئر قال الأعمش :
لئن كنت في جب ثمانين قامة *** ورقيت أسباب السماء بسلم
ويجمع على جبب . وجباب . وأجباب ، وسمي جباً لأنه جب من الأرض أي قطع ، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى الكلام فيتأنيثه وتذكيره .
وقرى نافع في غيابات في الموضعين كأن لتلك الجب غيابات ، ففيه إشارة إلى سعتها ، أو أراد بالجب الجنس أي في بعض غيابات الجب ، وقرأ ابن هرمز غيابات بتشديد الياء التحتية وهو صيغة مبالغة ، ووزنه على ما نقل صاحب اللوامح يجوز أن يكون فعالات كحمامات ، ويجوز أن يكون فيعالات كشيطانات في جمع شيطانة ، وقرأ الحسن غيبة بفتحات على أنه في الأصل مصدر كالغلبة ، ويحتمل أن يكون جمع غائب كصانع وصنعة ، وفي حرف أبيّ رضي الله تعالى عنه غيبة بسكون الياء التحتية على أنه مصدر أريد به الغائب .
{ يَلْتَقِطْهُ } أي يأخذه على وجه الصيانة عن الضياع والتلف فان الالتقاط أخذ شيء مشرف على الضياع كذا قيل ، وفي مجمع البيان هو أن يجد الشيء ويأخذه من غير أن يحسبه ، ومنه قوله :
{ بَعْضُ السيارة } أي بعض جماعة تسير في الأرض وأل في السيارة كما في الجب وما فيهما ، وفي البعض من الابهام لتحقيق ما يتوخاه من ترويج كلامه بموافقته لغرضهم الذي هو تنائى يوسف عليه السلام عنهم بحيث لا يدري أثره ولا يروى خبره ، وقرأ الحسن تلتقطه على التأنيث باعتبار المعنى كما في قوله :
إذا بعض السنين ( تعرفتنا ) *** كفى الأيتام فقد أبى اليتيم
وجاء قطعت بعض أصابعه وجعلوا هذا من باب اكتساب المضاف من المضاف إليه التأنيث كقوله :
كما شرقت صدر القناة من الدم *** { إِن كُنتُمْ فاعلين } أي إن كنتم عازمين مصرين على أن تفعلوا به ما يفرق بينه وبين أبيه أو إن كنتم فاعلين بمشورتي ورأيي فألقوه الخ ، ولم يبت القول لهم بل عرض عليهم ذلك تأليفاً لقلوبهم وتوجيهاً لهم إلى رأيه وحذراً من سوء ظنهم به ؛ ولما كان هذا مظنة لسؤال سائل يقول : فما فعلوا بعد ذلك هل قبلوا رأيه أم لا ؟ فأجيب على سبيل الاستئناف على وجه أدرج في تضاعيفه قبولهم له بما شيجيى إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه : { وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب } [ يوسف : 15 ]
{ 10 } { قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ }
أي : { قَالَ قَائِلٌ ْ } من إخوة يوسف الذين أرادوا قتله أو تبعيده : { لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ْ } فإن قتله أعظم إثما وأشنع ، والمقصود يحصل بتبعيده عن أبيه من غير قتل ، ولكن توصلوا إلى تبعيده بأن تلقوه { فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ ْ } وتتوعدوه على أنه لا يخبر بشأنكم ، بل على أنه عبد مملوك آبق منكم ، لأجل أن { يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ ْ } الذين يريدون مكانا بعيدا ، فيحتفظون فيه .
وهذا القائل أحسنهم رأيا في يوسف ، وأبرهم وأتقاهم في هذه القضية ، فإن بعض الشر أهون من بعض ، والضرر الخفيف يدفع به الضرر الثقيل ، . فلما اتفقوا على هذا الرأي .
{ قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف } وهو يهوذا ، وقال قتادة روبيل ، وكان ابن خالة يوسف ، وكان أكبرهم سنا وأحسنهم رأيا فيه . والأول أصح أنه يهوذا ، نهاهم عن قتله ، وقال : القتل كبيرة عظيمة . { وألقوه في غيابة الجب } ، قرأ أبو جعفر ، ونافع : غيابات الجب على الجمع في الحرفين ، وقرأ الباقون غيابة الجب على الواحد : أي : في أسفل الجب وظلمته . والغيابة : كل موضع ستر عنك الشيء وغيبه . والجب : البئر غير المطوية لأنه جب ، أي : قطع ولم يطو . { يلتقطه } : يأخذه ، والالتقاط : أخذ الشيء من حيث لا يحتسبه ، { بعض السيارة } ، أي : بعض المسافرين ، فيذهب به إلى ناحية أخرى ، فتستريحوا منه ، { إن كنتم فاعلين } ، أي : إن عزمتم على فعلكم ، وهم كانوا يومئذ بالغين ، ولم يكونوا أنبياء بعد . وقيل : لم يكونوا بالغين ، وليس بصحيح ، بدليل أنهم قالوا : { وتكونوا من بعده قوما صالحين } . { قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا } والصغير لا ذنب له . وقال محمد بن إسحاق : اشتمل فعلهم على جرائم من : قطع الرحم ، وعقوق الوالدين ، وقلة الرأفة بالصغير ، الذي لا ذنب له ، والغدر بالأمانة ، وترك العهد ، والكذب مع أبيهم . وعفا الله عنهم ذلك كله حتى لا ييأس أحد من رحمة الله . وقال بعض أهل العلم : إنهم عزموا على قتله وعصمهم الله رحمة بهم ، ولو فعلوا لهلكوا أجمعين ، وكل ذلك كان قبل أن أنبأهم الله تعالى . وسئل أبو عمروا بن العلاء : كيف قالوا { يرتع ويلعب } وهم أنبياء ؟ قال : كان ذلك قبل أن نبأهم الله تعالى ، فلما أجمعوا على التفريق بينه وبين والده بضرب من الحيل .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.