روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ} (210)

{ هَلْ يَنظُرُونَ } استفهام في معنى النفي ، والضمير للموصول السابق إن أريد به المنافقون أو أهل الكتاب ، أو إلى { مَن يُعْجِبُكَ } [ البقرة : 204 ] إن أريد به مؤمنو أهل الكتاب أو المسلمون . { إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله } بالمعنى اللائق به جل شأنه منزهاً عن مشابهة المحدثات والتقيد بصفات الممكنات . { فِي ظُلَلٍ } جمع ظلة كقلة وكقلل وهي ما أظلك ، وقرئ ( ظلال ) كقلال { مّنَ الغمام } أي السحاب أو الأبيض منه . { والملئكة } يأتون ، وقرئ { والملئكة } بالجر عطف على ( ظلل ) أو ( الغمام ) والمراد : مع الملائكة أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «يجمع الله تعالى الأوّلين والآخرين لميقات يوْم معلوم قياماً شاخصة أبصارهم إلى السماء ينظرون فصل القضاء وينزل الله تعالى في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي » ؛ وأخرج ابن جرير وغيره عن عبد الله بن عمر في هذه الآية قال : يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب منها النور والظلمة والماء فيصوت الماء في تلك العظمة صوتاً تنخلع له القلوب ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن من الغمام ظللاً يأتي الله تعالى فيها محفوفات بالملائكة ، وقرأ أبيّ { إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله والملئكة فِي ظُلَلٍ } ومن الناس من قدر في أمثال هذه المتشابهات محذوفاً فقال : في الآية الإسناد مجازي ، والمراد يأتيهم أمر الله تعالى وبأسه أو حقيقي ، والمفعول محذوف أي يأتيهم الله تعالى ببأسه ، وحذف المأتي به للدلالة عليه بقوله سبحانه : { أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ البقرة : 209 ] فإن العزة والحكمة تدل على الانتقام بحق ، وهو البأس والعذاب ، وذكر الملائكة لأنهم الواسطة في إتيان أمره أو الآتون على الحقيقة ، ويكون ذكر الله تعالى حينئذٍ تمهيداً لذكرهم كما في قوله سبحانه : { يخادعون الله والذين ءامَنُوا } [ البقرة : 9 ] على وجه وخص الغمام بمحلية العذاب لأنه مظنة الرحمة فإذا جاء منه العذاب كان أفظع لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أصعب فكيف إذا جاء من حيث يحتسب الخير ، ولا يخفى أن من علم أن الله تعالى أن يظهر بما شاء وكيف شاء ومتى شاء وأنه في حال ظهوره باق على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق منزه عن التقيد مبرأ عن التعدد كما ذهب إليه سلف الأمة وأرباب القلوبن ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم لم يحتج إلى هذه الكلفات ، ولم يحم حول هذه التأويلات { وَقُضِي الأمر } أي أتم أمر العباد وحسابهم فأثيب الطائع وعوقب العاصي وأتم أمر إهلاكهم وفرغ منه وهو عطف على { هَلْ يَنظُرُونَ } لأنه خبر معنى ووضع الماضي موضع المستقبل لدنو وتيقن وقوعه . وقرأ معاذ بن جبل ( وقضاء الأمر ) عطفاً على ( الملائكة ) { وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } تذييل للتأكيد كأنه قيل : وإلى الله ترجع الأمور التي من جملتها الحساب أو الإهلاك ، وعلى قراءة معاذ عطف على { هَلْ يَنظُرُونَ } أي لا ينظرون إلا الإتيان وأمر ذلك إلى الله تعالى ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم ( ترجع ) على البناء للمفعول على أنه من الرجع ، وقرأ الباقون على البناء للفاعل بالتأنيث غير يعقوب على أنه من الرجوع ، وقرئ أيضاً بالتذكير وبناء المفعول .

( ومن باب الإشارة ) : { هَلْ يَنظُرُونَ } إلا أن يتجلى الله سبحانه { فِي ظُلَلٍ } صفات قهرية منن جملة تجليات الصفات وصور ملائكة القوى السماوية ، { وَقُضِىَ الأمر } بوصول كل إلى ما سبق له في الأزل

{ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } [ البقرة : 210 ] بالفناء .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ} (210)

{ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ }

وهذا فيه من الوعيد الشديد والتهديد ما تنخلع له القلوب ، يقول تعالى : هل ينتظر الساعون في الفساد في الأرض ، المتبعون لخطوات الشيطان ، النابذون لأمر الله إلا يوم الجزاء بالأعمال ، الذي قد حشي من الأهوال والشدائد والفظائع ، ما يقلقل قلوب الظالمين ، ويحق به الجزاء السيئ على المفسدين .

وذلك أن الله تعالى يطوي السماوات والأرض ، وتنثر الكواكب ، وتكور الشمس والقمر ، وتنزل الملائكة الكرام ، فتحيط بالخلائق ، وينزل الباري [ تبارك ] تعالى : { فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ } ليفصل بين عباده بالقضاء العدل .

فتوضع الموازين ، وتنشر الدواوين ، وتبيض وجوه أهل السعادة وتسود وجوه أهل الشقاوة ، ويتميز أهل الخير من أهل الشر ، وكل يجازى بعمله ، فهنالك يعض الظالم على يديه إذا علم حقيقة ما هو عليه .

وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة ، المثبتين للصفات الاختيارية ، كالاستواء ، والنزول ، والمجيء ، ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى ، عن نفسه ، أو أخبر بها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم ، فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته ، من غير تشبيه ولا تحريف ، خلافا للمعطلة على اختلاف أنواعهم ، من الجهمية ، والمعتزلة ، والأشعرية ونحوهم ، ممن ينفي هذه الصفات ، ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان ، بل حقيقتها القدح في بيان الله وبيان رسوله ، والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به الهداية في هذا الباب ، فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي ، بل ولا دليل عقلي ، أما النقلي فقد اعترفوا أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة ، ظاهرها بل صريحها ، دال على مذهب أهل السنة والجماعة ، وأنها تحتاج لدلالتها على مذهبهم الباطل ، أن تخرج عن ظاهرها ويزاد فيها وينقص ، وهذا كما ترى لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من إيمان .

وأما العقل فليس في العقل ما يدل على نفي هذه الصفات ، بل العقل دل على أن الفاعل أكمل من الذي لا يقدر على الفعل ، وأن فعله تعالى المتعلق بنفسه والمتعلق بخلقه هو كمال ، فإن زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه ، قيل لهم : الكلام على الصفات ، يتبع الكلام على الذات ، فكما أن لله ذاتا لا تشبهها الذوات ، فلله صفات لا تشبهها الصفات ، فصفاته تبع لذاته ، وصفات خلقه ، تبع لذواتهم ، فليس في إثباتها ما يقتضي التشبيه بوجه .

ويقال أيضا ، لمن أثبت بعض الصفات ، ونفى بعضا ، أو أثبت الأسماء دون الصفات : إما أن تثبت الجميع كما أثبته الله لنفسه ، وأثبته رسوله ، وإما أن تنفي الجميع ، وتكون منكرا لرب العالمين ، وأما إثباتك بعض ذلك ، ونفيك لبعضه ، فهذا تناقض ، ففرق بين ما أثبته ، وما نفيته ، ولن تجد إلى الفرق سبيلا ، فإن قلت : ما أثبته لا يقتضي تشبيها ، قال لك أهل السنة : والإثبات لما نفيته لا يقتضي تشبيها ، فإن قلت : لا أعقل من الذي نفيته إلا التشبيه ، قال لك النفاة : ونحن لا نعقل من الذي أثبته إلا التشبيه ، فما أجبت به النفاة ، أجابك به أهل السنة ، لما نفيته .

والحاصل أن من نفى شيئا وأثبت شيئا مما دل الكتاب والسنة على إثباته ، فهو متناقض ، لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي ، بل قد خالف المعقول والمنقول .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ} (210)

قوله تعالى : { هل ينظرون } . أي هل ينتظر التاركون الدخول في السلم والمتبعون خطوات الشيطان ، يقال : نظرته وانتظرته ، بمعنى واحد ، فإذا كان النظر مقروناً بذكر الله أو بذكر الوجه أو إلى ، لم يكن إلا بمعنى الرؤية .

قوله تعالى : { إلا أن يأتيهم الله في ظلل } . جمع ظلة .

قوله تعالى : { من الغمام } . وهو السحاب الأبيض الرقيق ، سمي غماماً لأنه يغم أي يستر ، وقال مجاهد : هو غير السحاب ، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم : قال مقاتل : كهيئة الضباب أبيض ، قال الحسن : في سترة من الغمام فلا ينظر إليهم أهل الأرض .

قوله تعالى : { والملائكة } . قرأ أبو جعفر بالخفض عطفاً على الغمام ، تقديره : " مع الملائكة " ، تقول العرب : " أقبل الأمير في العسكر " ، أي مع المعسكر ، وقرأ الباقون بالرفع على معنى : إلا أن تأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام ، والأولى في هذه الآية وما شاكلها ، أن يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى الله تعالى ، أو يعتقد أن الله عز اسمه منزه عن سمات الحدوث ، على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة . قال الكلبي : هذا من المكتوم الذي لا يفسر ، وكان مكحول و الزهري والأوزاعي ومالك وابن المبارك وسفيان الثوري والليث بن سعد وأحمد وإسحاق يقولون فيه وفي أمثاله : أمرها كما جاء بلا كيف ، قال سفيان بن عيينة : كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته ، والسكوت عليه ، ليس لأحد أن يفسره إلا الله تعالى ورسوله . قوله تعالى : { وقضي الأمر } . أي وجب العذاب ، وفرغ من الحساب ، وذلك فصل الله القضاء بالحق بين الخلق يوم القيامة .

قوله تعالى : { وإلى الله ترجع الأمور } . قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب بفتح التاء ، وكسر الجيم وقرأ الباقون بضم التاء وفتح الجيم .