{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } بالله تعالى وبما جاء منه { إِذَا تَدَايَنتُم } أي تعاملتم وداين بعضكم بعضاً { بِدَيْنٍ } فائدة ذكره تخليص المشترك ودفع الإيهام نصراً لأن ( تداينتم ) يجيء بمعنى تعاملتم بدين ، وبمعنى تجازيتم ، ولا يرد عليه أن السياق يرفع لأن الكلام في النصوصية على أن السياق قد لا يتنبه له إلا الفطن ، وقي : ذكر ليرجع إليه الضمير إذ لولاه لقيل : فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن عند ذي الذوق العارف بأساليب الكلام ، واعترض بأن التداين يدل عليه فيكون من باب { اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ } [ المائدة : 8 ] وأجيب بأن الدين لا يراد به المصدر بل هو أحد العوضين ولا دلالة للتداين عليه إلا من حيث السياق ولا يكتفي به في معرض البيان لا سيما وهو ملبس ، وقيل : ذكر لأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل ، وحال لما في التنكير من الشيوع والتبعيض لما خص بالغاية ولو لم يذكر لاحتمل أن الدين لا يكون إلا كذلك { إلى أَجَلٍ } أي وقت وهو متعلق بتداينتم ، ويجوز أن يكون صفة للدين أي مؤخر أو مؤجل إلى أجل { مُّسَمًّى } بالأيام أو الأشهر ، أو نظائرهما مما يفيد العلم ويرفع الجهالة لا بنحو الحصاد لئلا يعود على موضوعه بالنقض { فاكتبوه } أي الدين بأجله لأنه أرفق وأوقف ؛ والجمهور على استحبابه لقوله سبحانه : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } والآية عند بعض ظاهرة في أن كل دين حكمه ذلك ، وابن عباس يخص الدين بالسلم فقد أخرج البخاري عنه أنه قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله تعالى أجله وأذن فيه ثم قرأ الآية واستدل الإمام مالك بها على جواز تأجيل القرض .
{ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل } بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين من يتولاها إثر الأمر بها إجمالاً ، ومفعول يكتب محذوف ثقة بانفهامه أو للقصد إلى إيقاع نفس الفعل والتقييد بالظرف للإيذان بأنه ينبغي للكاتب أن لا ينفرد به أحد المتعاملين دفعاً للتهمة والجار متعلق بمحذوف وقع صفة للكاتب أي ليكن الكاتب من شأنه التسوية وعدم الميل إلى أحد الجانبين بزيادة أو نقص ويجوز أن يكون ظرفاً لغواً متعلقاً بكاتب أو بفعله ، والمراد أمر المتداينين على طريق الكناية بكتابة عدل فقيه دين حتى يكون ما يكتبه موثوقاً به متفقاً عليه بين أهل العلم ، فالكلام كما قال الطيبي مسوق لمعنى ، ومدمج فيه آخر بإشارة النص وهو اشتراط الفقاهة في الكاتب لأنه لا يقدر على التسوية في الأمور/ الخطرة إلا من كان فقيهاً ولهذا استدل بعضهم بالآية على أنه لا يكتب الوثائق إلا عارف بها عدل مأمون ، ومن لم يكن كذلك يجب على الإمام أو نائبه منعه لئلا يقع الفساد ويكثر النزاع والله لا يحسب المفسدين .
{ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ } أي لا يمتنع أحد من الكتاب الموصوفين بما ذكر { أَن يَكْتُبَ } بين المتداينين كتاب الدين { كَمَا عَلَّمَهُ الله } أي لأجل ما علمه الله تعالى من كتابة الوثائق وتفضل به عليه وهو متعلق بيكتب والكلام على حد وأحسن كما أحسن الله تعالى { إليك } [ القصص : 77 ] أي لا يأب أن يتفضل على الناس بكتابته لأجل أن الله تعالى تفضل عليه وميزه ويجوز أن يتعلق الكاف بأن يكتب على أنه نعت لمصدر محذوف أو حال من ضمير المصدر على رأي سيبويه ، والتقدير أن يكتب كتابة مثل علمه الله تعالى أو أن يكتبه أي الكتب مثل ما علمه الله تعالى وبينه له بقوله سبحانه : { بالعدل } وجوز أن يتعلق بقوله تعالى : { فَلْيَكْتُبْ } والفاء غير مانعة كما في { وَرَبَّكَ فَكَبّرْ } [ المدثر : 3 ] لأنها صلة في المعنى ، والأمر بالكتابة بعد النهي عن الأداء منها على الأوّل للتأكيد ، واحتيج إليه لأن النهي عن الشيء ليس أمراً بضده صريحاً على الأصح فأكده بذكره صريحاً اعتناءاً بشأن الكتابة ، ومن هذا ذهب بعضهم إلى أن الأمر للوجوب ومن فروض الكفاية ولكن الأمر لما كان لنا لا علينا صرف عن ذلك لئلا يعود ما تقدم في مسألة جهالة الأجل ، وأما على الوجه الثاني : فلا تأكيد وإنما هو أمر بالكتابة المقيدة بعد النهي عن الامتناع عن المطلقة وهذا لا يفيد التأكيد لأن النهي عن الامتناع عن المطلق لا يدل على الأمر بالمقيد ليكون ذكره بعده تأكيداً ، وادعاه بعضهم لأنه إذا كان الامتناع عن مطلق الكتابة منهياً فلأن يكون الامتناع عن الكتابة الشرعية منهياً بطريق الأولى ، والنهي عن الامتناع عن الكتابة الشرعية أمر بها فيكون الأمر بالكتابة الشرعية صريحاً للتوكيد ، وأيضاً إذا ورد مطلق ومقيد والحادثة واحدة يحمل المطلق على المقيد سواء تقدم المطلق أو تأخر فكما حمل الأمر بمطلق الكتابة في الوجه الأول على الكتابة المقيدة ليفيد التأكيد ، فلم لم يحمل النهي عن الامتناع عن مطلق الكتابة على الكتابة المقيدة للتأكيد ، وهل التفرقة بين الأمرين إلا تحكم بحت كما لا يخفى ؟
و ( ما ) قيل : إما مصدرية أو كافة وجوز أن تكون موصولة أو موصوفة وعليهما فالضمير لها ، وعلى الأولين للكاتب ، وقدر بعضهم على كل تقدير المفعول الثاني لعلم كتابة الوثائق فافهم .
{ وَلْيُمْلِلِ } من الإملال بمعنى الإلقاء على الكاتب ما يكتبه وفعله أمللت ، وقد يبدل أحد المضاعفين ياءاً ويتبعه المصدر فيه وتبدل همزة لتطرفها بعد ألف زائدة فيقال : إملاءاً فهو والإملال بمعنى ، أي : وليكن الملقى على الكاتب ما يكتبه من الدين { الذي عَلَيْهِ الحق } وهو المطلوب لأنه المشهود عليه فلا بد أن يكون هو المقر لا غيره وانفهام الحصر من تعليق الحكم بالوصف فإن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية والأصل عدم علة أخرى { وَلْيَتَّقِ } أي الذي عليه الحق { الله رَبَّهُ } جمع بين الاسم الجليل والوصف الجميل مبالغة في الحث على التقوى بذكر ما يشعر بالجلال والجمال { وَلاَ يَبْخَسْ } أي لا ينقص { مِنْهُ } أي من الحق الذي يمليه على الكاتب { شَيْئاً } وإن كان حقيراً ، وقرئ ( شياً ) بطرح الهمزة ( وشيّاً ) بالتشديد .
وهذا هو التفسير المأثور عن سعيد بن جبير ، وقيل : يجوز أن يرجع ضمير يتق للكاتب وليس بشيء لأن ضمير ( يبخس ) لمن عليه الحق ؛ إذ هو الذي يتوقع منه البخس خاصة ، وأما الكاتب فيتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه النقص فلو أريد نهيه لنهى/ عن كليهما ، وقد فعل ذلك حيث أمر بالعدل وإرجاع كل منهما لكل منهما تفكيك لا يدل عليه دليل ، وإنما شدد في تكليف المملي حيث جمع فيه بين الأمر بالاتقاء والنهي عن البخس لما فيه من الدواعي إلى المنهي عنه فإن الإنسان مجبول على دفع الضرر عنه ما أمكن ، وفي { مِنْهُ } وجهان : أحدهما : أن يكون متعلقاً بيبخس ومن لابتداء الغاية ، وثانيهما : أن يكون متعلقاً بمحذوف لأنه في الأصل صفة للنكرة فلما قدمت عليه نصبت حالاً ، و{ شَيْئاً } إما مفعول به وإما مصدر .
{ فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق } صرح بذلك في موضع الإضمار لزيادة الكشف لا لأن الأمر والنهي لغيره ، وعليه متعلق بمحذوف أي وجب و( الحق ) فاعل ، وجوز أن يكون { عَلَيْهِ } خبراً مقدماً و{ الحق } مبتدءاً مؤخراً فتكون الجملة اسمية ، وعلى التقديرين لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول { سَفِيهًا } أي عاجزاً أحمق قاله ابن زيد ، أو جاهلاً بالإملال قاله مجاهد ، أو مبذراً لماله ومفسداً لدينه قاله الشافعي { أَوْ ضَعِيفًا } أي صبياً ، أو شيخاً خرفاً { أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ } جملة معطوفة على مفرد هو خبر ( كان ) لتأويلها بالمفرد أي أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لخرس كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو لما هو أعم منه ومن الجهل باللغة وسائر العوارض المانعة ، والضمير البارز توكيد للضمير المستتر في أن يمل وفائدة التوكيد به رفع المجاز الذي كان يحتمله إسناد الفعل إلى الضمير والتنصيص على أنه غير مستطيع بنفسه ، وقيل : إن الضمير فاعل ليمل وتغيير الأسلوب اعتناءاً بشأن النفي ، ولا يخفى حسن الإدغام هنا والفك فيما تقدم ، ومثله الفك في قوله تعالى : { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ } أي متولي أمره وإن لم يكن خصوص الولي الشرعي فيشمل القيم والوكيل والمترجم ، والإقرار عن الغير في مثل هذه الصورة مقبول وفرق بينه وبين الإقرار على الغير فاعرفه { بالعدل } بين صاحب الحق والمولى عليه فلا يزيد ولا ينقص ولم يكلف بعين ما كلف به من غير الحق لأنه يتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه البخس ، واستدل بعضهم بالآية على أنه لا يجوز أن يكون الوصي ذمياً ولا فاسقاً وأنه يجوز أن يكون عبداً أو امرأة لأنه لم يشترط في الأولياء إلا العدالة ذكره ابن الفرس وليس بشيء كما لا يخفى .
ومن الناس من استدل بقوله سبحانه : { فَلْيَكْتُبْ } { وَلاَ يَأْبَ } على وجوب الكتابة ، وإلى ذلك ذهب الشعبي والجبائي والرماني إلا أنهم قالوا : إنها واجبة على الكفاية وإليه يميل كلام الحسن وقال مجاهد والضحاك : واجب عليه أن يكتب إذا أمر ، وقيل : هي مندوبة ، وروي عن الضحاك أنها كانت واجبة ثم نسخ ذلك .
{ واستشهدوا شَهِيدَيْنِ } أي اطلبوهما ليتحملا الشهادة على ما جرى بينكما ، وجوز أن تكون السين والتاء زائدتين أي اشهدوا ، وفي اختيار صيغة المبالغة إيماء إلى طلب من تكررت منه الشهادة فهو عالم بموقعها مقتدر على أدائها وكأن فيه رمزاً إلى العدالة لأنه لا يتكرر ذلك من الشخص عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم ، ولعله لم يقل رجلين لذلك ، والأمر للندب أو للوجوب على الخلاف في ذلك { مّن رّجَالِكُمْ } متعلق باستشهدوا و{ مِنْ } لابتداء الغاية أو بمحذوف على أنه صفة لشهيدين ، و{ مِنْ } تبعيضية ، والخطاب للمؤمنين المصدر بهم الآية ، وفي ذكر الرجال مضافاً إلى ضمير المخاطبين دلالة على اشتراط الإسلام والبلوغ والذكورة في الشاهدين والحرية ؛ لأن المتبادر من الرجال الكاملون والأرقاء بمنزلة البهائم ، وأيضاً خطابات الشرع لا تنتظم العبيد بطريق العبارة كما بين في محله ، وذهب الإمامية إلى عدم اشتراط الحرية في قبول الشهادة وإنما/ الشرط فيه عندهم الإسلام والعدالة ، وإلى ذلك ذهب شريح وابن سيرين وأبو ثور وعثمان البتي ، وهو خلاف المروي عن علي كرم الله تعالى وجهه فإنه لم يجوز شهادة العبد في شيء ولم تتعرض الآية لشهادة الكفار بعضهم على بعض ، وأجاز ذلك قياساً الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وإن اختلفت مللهم .
{ فَإِن لَّمْ يَكُونَا } أي الشهيدان { رَجُلَيْنِ } أي لم يقصد إشهادهما ولو كانا موجودين والحكم من قبيل نفي العموم لا عموم النفي وإلا لم يصح قوله تعالى : { فَرَجُلٌ وامرأتان } أي فإن لم يكونا رجلين مجتمعين فليشهد رجل وامرأتان ، أو فرجل وامرأتان يشهدون أو يكفون ، أو فالشاهد رجل وامرأتان أو فليستشهد رجل وامرأتان ، أو فليكن رجل وامرأتان شهوداً ، وإن جعلت يكن تامة استغنى عن تقدير شهود ، وكفاية الرجل والمرأتين في الشهادة فيما عدا الحدود والقصاص عندنا ، وعند الشافعي في الأموال خاصة لا في غيرها كعقد النكاح ، وقال مالك : لا تجوز شهادة أولئك في الحدود ولا القصاص ولا الولاء ولا الإحصان ، وتجوز في الوكالة والوصية إذا لم يكن فيها عتق ، وأما قبول شهادة النساء مفردات فقد قالوا به في الولادة والبكارة والاستهلال وما يجري مجرى ذلك مما بين في الكتب الفقهية ، وقرئ وامرأتان بهمزة ساكنة ، ولعل ذلك لاجتماع المتحركات { مِمَّن تَرْضَوْنَ } متعلق بمحذوف وقع صفة لرجل وامرأتان أي : كائنون ممن ترضونهم والتصريح بذلك هنا مع تحقق اعتباره في كل شهيد لقلة اتصاف النساء به فلا يرد ما في «البحر » من أن جعله صفة للمذكور يشعر بانتفاء هذا الوصف عن شهيدين ، وقيل : هو صفة لشهيدين وضعف بالفصل الواقع بينهما ، وقيل : بدل من رجالكم بتكرير العامل وضعف بالفصل أيضاً ، واختار أبو حيان تعلقه باستشهدوا ليكون قيداً في الجميع ويلزمه الفصل بين اشتراط المرأتين وتعليله وهو كما ترى والخطاب للمؤمنين ، وقيل : للحكام ولم يقل من المرضيين لإفهامه اشتراط كونهم كذلك في نفس الأمر ولا طريق لنا إلى معرفته فإن لنا الظاهر والله تعالى يتولى السرائر { مِنَ الشهداء } متعلق بمحذوف على أنه حال من العائد المحذوف أي ممن ترضونهم حال كونهم كائنين بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم وإدراج النساء في الجمع بطريق التغليب .
{ أَن تَضِلَّ إحداهُمَا فَتُذَكّرَ أَحَدُهُمَا الأخرى } بيان لحكمة مشروعية الحكم واشتراط العدد في النساء أي شرع ذلك إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت إحداهما لما أن النسيان غالب على طبع النساء لكثرة الرطوبة في أمزجتهن ، وقدرت الإرادة لما أن قيد الطلب يجب أن يكون فعلاً للآمر وباعثاً عليه وليس هو هنا إلا إرادة الله تعالى للقطع بأن الضلال والتذكير بعده ليس هو الباعث على الأمر بل إرادة ذلك ، واعترض بأن النسيان وعدم الاهتداء للشهادة لا ينبغي أن يكون مراد الله تعالى بالإرادة الشرعية سيما وقد أمر بالاستشهاد ، وأجيب بأن الإرادة لم تتعلق بالضلال نفسه أعني عدم الاهتداء للشهادة بل بالضلال المرتب عليه الإذكار ، ومن قواعدهم أن القيد هو مصب الغرض فصار كأنه علق الإرادة بالإذكار المسبب عن الضلال والمرتب عليه فيؤول التعليل إلى ما ذكرنا ، وهذا أولى مما ذهب إليه البعض في الجواب من أن المراد من الضلال الإذكار لأن الضلال سبب للإذكار فأطلق السبب وأريد المسبب لظهور أنه لا يبقى على ظاهره معنى لقوله تعالى : { فَتُذَكّرَ } قيل : والنكتة في إيثار { أَن تَضِلَّ } الخ على أن تذكر إن ضلت الإيماء إلى شدة الاهتمام بشأن الإذكار بحيث صارا هو مكروه كأنه مطلوب لأجله من حيث كونه مفضياً إليه ، و( إحداهما ) الثانية يجوز أن تكون فاعل تذكر وليس من وضع المظهر موضع المضمر إذ ليست المذكرة هي الناسية ، ويجوز أن تكون مفعولاً لتذكر والأخرى فاعل وليس من قبيل ضرب موسى عيسى كما وهم حتى يتعين الأول بل من قبيل أرضعت الصغرى الكبرى ؛ لأن سبق إحداهما بعنوان نسبة الضلال رافع للضلال والسبب في تقديم المفعول على الفاعل التنبيه على الاهتمام بتذكير الضال ولهذا كما قيل عدل عن الضمير إلى الظاهر ؛ لأن التقديم حينئذٍ لا ينبه على الاهتمام كما ينبه عليه تقديم المفعول الظاهر الذي لو أخر لم يلزم شيء سوى وضعه موضعه الأصلي ، وذكر غير واحد أن العدول عن فتذكرها الأخرى وهي قراءة ابن مسعود كما رواه الأعمش إلى ما في النظم الكريم لتأكيد الإبهام والمبالغة في الاحتراز عن توهم اختصاص الضلال بإحداهما بعينها والتذكير بالأخرى ، وأبعد الحسين بن علي المغربي في هذا المقام فجعل ضمير ( إحداهما ) الأولى راجعاً إلى الشهادتين ، وضمير ( إحداهما ) الأخرى إلى المرأتين فالمعنى أن تضل إحدى الشهادتين أي تضيع بالنسيان فتذكر إحدى المرأتين الأخرى منهما ، وأيده الطبرسي بأنه لا يسمى ناسي الشهادة ضالاً وإنما يقال : ضلت الشهادة إذا ضاعت كما قال سبحانه : { ضَلُّواْ عَنَّا } [ الأعراف : 37 ] أي ضاعوا منا ، وعليه يكون الكلام عارياً عن شائبة توهم الإضمار في مقام الإظهار رأساً وليس بشيء إذ لا يكون لإحداهما أخرى في الكلام مع حصول التفكيك وعدم الانتظام ، وما ذكر في التأييد ينبئ عن قلة الاطلاع على اللغة . ففي «نهاية ابن الأثير » وغيرها إطلاق الضال على الناسي ، وقد روي ذلك في الآية عن سعيد بن جبير والضحاك والربيع والسدي وغيرهم ، ويقرب هذا في الغرابة مما قيل : إنه من بدع التفسير وهو ما حكي عن ابن عيينة أن معنى { فَتُذَكّرَ } الخ فتجعل إحداهما الأخرى ذكراً يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر فإن فيه قصوراً من جهة المعنى واللفظ لأن التذكير في مقابلة النسيان معنى مكشوف وغرض بين ، ورعاية العدد لأن النسوة محل النسيان كذلك ولأن جعلها ذكراً مجازاً عن إقامتها مقام الذكر ثم تجوز ثانياً لأنهما القائمتان مقامه فلم تجعل إحداهما الأخرى قائمة مقامه وبعد التجوز ليس على ظاهره ؛ لأن الاحتياج إلى اقتران ذكر ألبتة معهما .
وقوله سبحانه : { فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ } ينبئان عن قصورهما عن ذلك أيضاً والتزام توجيه مثل ذلك ، وعرضه في سوق القبول لا يعد فضلاً بل هو عند أرباب الذوق عين الفضول ، ولقد رأيت في «طراز المجالس » أن الخفاجي سأل قاضي القضاة شهاب الدين الغزنوي عن سر تكرار إحدى معرضاً بما ذكره المغربي فقال :
يا رأس أهل العلوم السادة البرره *** ومن نداه على كل الورى نشره
ما سر تكرار إحدى دون تذكرها *** في آية لذوي الأشهاد في البقره
وظاهر الحال إيجاز الضمير على *** تكرار ( إحداهما ) لو أنه ذكره
وحمل الإحدى على نفس الشهادة في *** أولاهما ليس مرضياً لدى المهره
فغص بفكرك لاستخراج جوهره *** من بحر علمك ثم ابعث لنا درره
يا من فوائده بالعلم منتشره *** ومن فضائله في الكون مشتهره
يا من تفرد في كشف العلوم لقد *** وافى سؤالك والأسرار مستتره ( تضل إحداهما ) فالقول محتمل*** كليهما فهي للإظهار مفتقره
ولو أتى بضمير كان مقتضيا *** تعيين واحدة للحكم معتبره
ومن رددتم عليه الحل فهو كما*** أشرتم ليس مرضياً لمن سبره
هذا الذي سمح الذهن الكليل به *** والله أعلم في الفحوى بما ذكره
وقرئ { أَن تَضِلَّ } بالبناء للمفعول والتأنيث ، وقرئ فتذاكر ، وقرأ ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو والحسن فتذكر بسكون الذال وكسر الكاف ، وحمزة { أَن تَضِلَّ } على الشرط فتذكر بالرفع وعلى ذلك فالفعل مجزوم والفتح لالتقاء الساكنين ، والفاء في الجزاء قيل : لتقدير المبتدأ وهو ضمير القصة أو الشهادة ، وقيل : لا تقدير لأن الجزاء إذا كان مضارعاً مثبتاً يجوز فيه الفاء وتركه ، وقيل : الأوجه أن يقدر المبتدأ ضمير الذاكرة و( إحداهما ) بدل عنه أو عن الضمير في ( تذكر ) وقال بعض المحققين : الأوجه من هذا كله تقدير ضمير التثنية أي فهما تذكر إحداهما الأخرى وعليه كلام كثير من المعربين ، والقائلون عن ذلك تفرقوا أيدي سبا لما رأوا تنظير الزمخشري قراءة الرفع بقوله تعالى : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ } [ المائدة : 95 ] ولم يتفطنوا بأن ذلك إنما هو من جهة تقدير ضمير بعد الفاء بحسب ما يقتضيه المقام لا من جهة خصوص الضمير إفراداً وتثنية والله تعالى الملهم للرشاد فتدبر .
{ وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ } لأداء الشهادة أو لتحملها وهو المروي عن ابن عباس والحسن رضي الله تعالى عنهم وخص ذلك مجاهد وابن جبير بالأول وهو الظاهر لعدم احتياجه إلى ارتكاب المجاز إلا أن المروي عن الربيع أن الآية نزلت حين كان الرجل يطوف في القوم الكثير فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه أحد منهم فإن ظاهره يستدعي القول بمجاز المشارفة ، و{ مَا } صلة وهي قاعدة مطردة بعد { إِذَا } { وَلاَ تَسْئَمُواْ } أي تملوا أو تضجروا ، ومنه قول زهير :
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش *** ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم
{ أَن تَكْتُبُوهُ } أي الدين أو ( الحق ) أو الكتاب المشعر به الفعل والمنسبك مفعول به لتسأموا ويتعدى بنفسه ، وقيل : يتعدى بحرف الجر وحذف للعلم به ، وقيل : المراد من السأم الكسل إلا أنه كنى به عنه ؛ لأنه وقع في القرآن صفة للمنافقين كقوله تعالى : { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى } [ النساء : 142 ] ولذا وقع في الحديث : " لا يقول المؤمن كسلت وإنما يقول ثقلت " وقرئ ولا يسأموا أن يكتبوه بالياء فيهما { صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا } حالان من الضمير أي على كل حال قليلاً أو كثيراً مجملاً أو مفصلاً ، وقيل : منصوبان على أنهما خبرا كان المضمرة وقدم الصغير على الكبير اهتماماً به وانتقالاً من الأدنى إلى الأعلى { إِلَى أَجَلِهِ } حال من الهاء في تكتبوه أي مستقراً في ذمة المدين إلى وقت حلوله الذي أقر به وليس متعلقاً بتكتبوه لعدم استمرار الكتابة إلى الأجل ؛ إذ هي مما ينقضي في زمن يسير .
{ ذلكم } أي الكتب وهو الأقرب أو الإشهاد وهو الأبعد أو جميع ما ذكر وهو الأحسن والخطاب للمؤمنين { أَقْسَطُ } أي أعدل { عَندَ الله } أي في حكمه سبحانه . { وَأَقْوَمُ للشهادة } أثبت لها وأعون على إقامتها وأدائها وهما مبنيان من أقسط وأقام على رأي سيبويه فإنه يجيز بناء أفعل من الأفعال من غير شذوذ ، وقيل : من قاسط بمعنى ذي قسط وقويم ، وقال أبو حيان : قسط يكون بمعنى جار وعدل ، وأقسط/ بمعنى عدل لا غير حكاه ابن القطاع وعليه لا حاجة إلى رأي سيبويه في أقسط وقيل : هو من قسط بوزن كرم بمعنى صار ذا قسط أي عدل ، وإنما صحت الواو في أقوم ولم يقل أقام ؛ لأنها لم تقلب في فعل التعجب نحو ما أقومه لجموده إذ هو لا يتصرف وأفعل التفضيل يناسبه معنى فحمل عليه { وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ } أي أقرب إلى انتفاء ريبكم وشككم في جنس الدين وقدره وأجله ونحو ذلك ، قيل : وهذا حكمة خلق اللوح المحفوظ ، والكرام الكاتبين مع أنه الغني الكامل عن كل شيء تعليماً للعباد وإرشاداً للحكام ، وحرف الجر مقدر هنا وهو إلى كما سمعت وقيل : اللام ، وقيل : من ، وقيل في ، ولكل وجهة { إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ } استثناء منقطع من الأمر بالكتابة فقوله تعالى : { فَلْيَكْتُبْ بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل } إلى هنا جملة معترضة بين المستثنى والمستثنى منه أي لكن وقت كون تداينكم أو تجارتكم تجارة حاضرة بحضور البدلين تديرونها بينكم بتعاطيها يداً بيد كذا قيل . وفي «الدر المصون » يجوز أن يكون استثناءاً متصلاً من الاستشهاد فيكون قد أمر بالاستشهاد في كل حال إلا في حال حضور التجارة ، وقيل : إنه استثناء من هذا وذاك وهو منقطع أيضاً أي لكن التجارة الحاضرة يجوز فيها عدم الاستشهاد والكتابة ؛ وقيل : غير ذلك ولعل الأول أولى ونصب عاصم ( تجارة ) على أنها خبر ( تكون ) واسمها مستتر فيها يعود إلى التجارة كما قال الفراء ، وعود الضمير في مثل ذلك على متأخر لفظاً ورتبة جار في فصيح الكلام ، وقال بعضهم : يعود إلى المداينة والمعاملة المفهومة من الكلام ، وعليه فالتجارة مصدر لئلا يلزم الإخبار عن المعنى بالعين ، ورفعها الباقون على أنها اسم { تَكُونُ } والخبر جملة { تُدِيرُونَهَا } ويجوز أن تكون { تَكُونُ } تامة فجملة { تُدِيرُونَهَا } صفة .
{ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا } أي فلا مضرة عليكم أو لا إثم في عدم كتابتكم لها لبعد ذلك عن التنازع والنسيان ، أو لأن في تكليفكم الكتابة حينئذٍ مشقة جداً وإدخال الفاء للإيذان بتعلق ما بعدها بما قبلها { وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } أي هذا التبايع المذكور أو مطلقاً { وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } نهي عن المضارة والفعل يحتمل البناء للفاعل والبناء للمفعول والدليل عليه قراءة عمر رضي الله تعالى عنه ولا يضار بالفك والكسر ، وقراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالفك والفتح والمعنى على الأول : نهي الكاتب والشاهد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما وعن التحريف والزيادة والنقصان ، وعلى الثاني : النهي عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم أو لا يعطي الكاتب حقه من الجعل أو يحمل الشاهد مؤونة المجيء من بلد ، ويؤيد هذا المعنى ما أخرجه ابن جرير عن الربيع قال : لما نزلت هذه الآية { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ } الخ كان أحدهم يجيء إلى الكاتب فيقول : اكتب لي فيقول : إني مشغول أو لي حاجة فانطلق إلى غيري فيلزمه ويقول : إنك قد أمرت أن تكتب لي فلا يدعه ويضاره بذلك ، وهو يجد غيره فأنزل الله تعالى : { وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } وحمل بعضهم الصيغة على المعنيين وليس بشيء كما لا يخفى ، وقرأ الحسن ولا يضار بالكسر . وقرئ بالرفع على أنه نفي بمعنى النهي { وَإِن تَفْعَلُواْ } ما نهيتم عنه من الضرار أو منه ومن غيره وبعيد وقوعه منكم { فَإِنَّهُ } أي ذلك الفعل { فُسُوقٌ بِكُمْ } أي خروج عن طاعة متلبس بكم ، وجوز كون الباء للظرفية ، قيل : وهو أبلغ إذ جعلوا محلاً للفسق { واتقوا الله } فيما أمركم به ونهاكم عنه { وَيُعَلّمُكُمُ الله } أحكامه المتضمنة لمصالحكم { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } فلا يخفى عليه حالكم وهو مجازيكم بذلك فإن قيل : كيف كرر سبحانه الاسم الجليل في الجمل الثلاث وقد استكرهوا مثل قوله :
فما للنوى جذ النوى قطع النوى . . .
حتى قيل : سلط الله تعالى عليه شاة تأكل نواه ؟ أجيب بأن التكرير منه المستحسن ومنه المستقبح ، فالمستحسن كل تكرير يقع على طريق التعظيم أو التحقير في جمل متواليات كل جملة منها مستقلة بنفسها ، والمستقبح هو أن يكون التكرير في جملة واحدة أو في جمل بمعنى ، ولم يكن فيه التعظيم والتحقير ، وما في البيت من القسم الثاني لأن جذ النوى قطع النوى فيه بمعنى واحد وما في الآية درة تاج القسم الأول لأن { اتقوا الله } حث على تقوى الله تعالى { وَيُعَلّمُكُمُ الله } وعد بإنعامه سبحانه { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } تعظيم لشأنه عز شأنه ، ومن هنا علمت وجه العطف فيها من اختلافها في الظاهر خبراً وإنشاءاً ، ومن الناس من جوز كون الجملة الوسطى حالاً من فاعل { اتقوا } أي اتقوا الله مضموناً لكم التعليم ، ويجوز أن تكون حالاً مقدرة ، والأولى ما قدمنا لقلة اقتران الفعل المضارع المثبت الواقع حالاً بالواو .
{ 282 } { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }
هذه آية الدين ، وهي أطول آيات القرآن ، وقد اشتملت على أحكام عظيمة جليلة المنفعة والمقدار ، أحدها : أنه تجوز جميع أنواع المداينات من سلم وغيره ، لأن الله أخبر عن المداينة التي عليها المؤمنون إخبار مقرر لها ذاكرا أحكامها ، وذلك يدل على الجواز ، الثاني والثالث أنه لا بد للسلم من أجل وأنه لا بد أن يكون معينا معلوما فلا يصح حالا ولا إلى أجل مجهول ، الرابع : الأمر بكتابة جميع عقود المداينات إما وجوبا وإما استحبابا لشدة الحاجة إلى كتابتها ، لأنها بدون الكتابة يدخلها من الغلط والنسيان والمنازعة والمشاجرة شر عظيم ، الخامس : أمر الكاتب أن يكتب ، السادس : أن يكون عدلا في نفسه لأجل اعتبار كتابته ، لأن الفاسق لا يعتبر قوله ولا كتابته ، السابع أنه يجب عليه العدل بينهما ، فلا يميل لأحدهما لقرابة أو صداقة أو غير ذلك ، الثامن : أن يكون الكاتب عارفا بكتابة الوثائق وما يلزم فيها كل واحد منهما ، وما يحصل به التوثق ، لأنه لا سبيل إلى العدل إلا بذلك ، وهذا مأخوذ من قوله : { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } التاسع : أنه إذا وجدت وثيقة بخط المعروف بالعدالة المذكورة يعمل بها ، ولو كان هو والشهود قد ماتوا ، العاشر : قوله : { ولا يأب كاتب أن يكتب } أي : لا يمتنع من منَّ الله عليه بتعليمه الكتابة أن يكتب بين المتداينين ، فكما أحسن الله إليه بتعليمه ، فليحسن إلى عباد الله المحتاجين إلى كتابته ، ولا يمتنع من الكتابة لهم ، الحادي عشر : أمر الكاتب أن لا يكتب إلا ما أملاه من عليه الحق ، الثاني عشر : أن الذي يملي من المتعاقدين من عليه الدين ، الثالث عشر : أمره أن يبين جميع الحق الذي عليه ولا يبخس منه شيئا ، الرابع عشر : أن إقرار الإنسان على نفسه مقبول ، لأن الله أمر من عليه الحق أن يمل على الكاتب ، فإذا كتب إقراره بذلك ثبت موجبه ومضمونه ، وهو ما أقر به على نفسه ، ولو ادعى بعد ذلك غلطا أو سهوا ، الخامس عشر : أن من عليه حقا من الحقوق التي البينة{[151]} على مقدارها وصفتها من كثرة وقلة وتعجيل وتأجيل ، أن قوله هو المقبول دون قول من له الحق ، لأنه تعالى لم ينهه عن بخس الحق الذي عليه ، إلا أن قوله مقبول على ما يقوله من مقدار الحق وصفته ، السادس عشر : أنه يحرم على من عليه حق من الحقوق أن يبخس وينقص شيئا من مقداره ، أو طيبه وحسنه ، أو أجله أو غير ذلك من توابعه ولواحقه ، السابع عشر : أن من لا يقدر على إملاء الحق لصغره أو سفهه أو خرسه ، أو نحو ذلك ، فإنه ينوب وليه منابه في الإملاء والإقرار ، الثامن عشر : أنه يلزم الولي من العدل ما يلزم من عليه الحق من العدل ، وعدم البخس لقوله { بالعدل } التاسع عشر : أنه يشترط عدالة الولي ، لأن الإملاء بالعدل المذكور لا يكون من فاسق ، العشرون : ثبوت الولاية في الأموال ، الحادي والعشرون : أن الحق يكون على الصغير والسفيه والمجنون والضعيف ، لا على وليهم ، الثاني والعشرون : أن إقرار الصغير والسفيه والمجنون والمعتوه ونحوهم وتصرفهم غير صحيح ، لأن الله جعل الإملاء لوليهم ، ولم يجعل لهم منه شيئا لطفا بهم ورحمة ، خوفا من تلاف أموالهم ، الثالث والعشرون : صحة تصرف الولي في مال من ذكر ، الرابع والعشرون : فيه مشروعية كون الإنسان يتعلم الأمور التي يتوثق بها المتداينون كل واحد من صاحبه ، لأن المقصود من ذلك التوثق والعدل ، وما لا يتم المشروع إلا به فهو مشروع ، الخامس والعشرون : أن تعلم الكتابة مشروع ، بل هو فرض كفاية ، لأن الله أمر بكتابة الديون وغيرها ، ولا يحصل ذلك إلا بالتعلم ، السادس والعشرون : أنه مأمور بالإشهاد على العقود ، وذلك على وجه الندب ، لأن المقصود من ذلك الإرشاد إلى ما يحفظ الحقوق ، فهو عائد لمصلحة المكلفين ، نعم إن كان المتصرف ولي يتيم أو وقف ونحو ذلك مما يجب حفظه تعين أن يكون الإشهاد الذي به يحفظ الحق واجبا ، السابع والعشرون : أن نصاب الشهادة في الأموال ونحوها رجلان أو رجل وامرأتان ، ودلت السنة أيضا أنه يقبل الشاهد مع يمين المدعي ، الثامن والعشرون : أن شهادة الصبيان غير مقبولة لمفهوم لفظ الرجل ، التاسع والعشرون : أن شهادة النساء منفردات في الأموال ونحوها لا تقبل ، لأن الله لم يقبلهن إلا مع الرجل ، وقد يقال إن الله أقام المرأتين مقام رجل للحكمة التي ذكرها وهي موجودة سواء كن مع رجل أو منفردات والله أعلم . الثلاثون : أن شهادة العبد البالغ مقبولة كشهادة الحر لعموم قوله : { فاستشهدوا شهيدين من رجالكم } والعبد البالغ من رجالنا ، الحادي والثلاثون : أن شهادة الكفار ذكورا كانوا أو نساء غير مقبولة ، لأنهم ليسوا منا ، ولأن مبنى الشهادة على العدالة وهو غير عدل ، الثاني والثلاثون : فيه فضيلة الرجل على المرأة ، وأن الواحد في مقابلة المرأتين لقوة حفظه ونقص حفظها ، الثالث والثلاثون : أن من نسي شهادته ثم ذكرها فذكر فشهادته مقبولة لقوله : { فتذكر إحداهما الأخرى } الرابع والثلاثون : يؤخذ من المعنى أن الشاهد إذا خاف نسيان شهادته في الحقوق الواجبة وجب عليه كتابتها ، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، والخامس والثلاثون : أنه يجب على الشاهد إذا دعي للشهادة وهو غير معذور ، لا يجوز له أن يأبى لقوله : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } السادس والثلاثون : أن من لم يتصف بصفة الشهداء المقبولة شهادتهم ، لم يجب عليه الإجابة لعدم الفائدة بها ولأنه ليس من الشهداء ، السابع والثلاثون : النهي عن السآمة والضجر من كتابة الديون كلها من صغير وكبير وصفة الأجل وجميع ما احتوى عليه العقد من الشروط والقيود ، الثامن والثلاثون : بيان الحكمة في مشروعية الكتابة والإشهاد في العقود ، وأنه { أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا } فإنها متضمنة للعدل الذي به قوام العباد والبلاد ، والشهادة المقترنة بالكتابة تكون أقوم وأكمل وأبعد من الشك والريب والتنازع والتشاجر ، التاسع والثلاثون : يؤخذ من ذلك أن من اشتبه وشك في شهادته لم يجز له الإقدام عليها بل لا بد من اليقين ، الأربعون : قوله : { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها } فيه الرخصة في ترك الكتابة إذا كانت التجارة حاضرا بحاضر ، لعدم شدة الحاجة إلى الكتابة ، الحادي والأربعون : أنه وإن رخص في ترك الكتابة في التجارة الحاضرة ، فإنه يشرع الإشهاد لقوله : { وأشهدوا إذا تبايعتم } الثاني والأربعون : النهي عن مضارة الكاتب بأن يدعى وقت اشتغال وحصول مشقة عليه ، الثالث والأربعون : النهي عن مضارة الشهيد أيضا بأن يدعى إلى تحمل الشهادة أو أدائها في مرض أو شغل يشق عليه ، أو غير ذلك هذا على جعل قوله : { ولا يضار كاتب ولا شهيد } مبنيا للمجهول ، وأما على جعلها مبنيا للفاعل ففيه نهي الشاهد والكاتب أن يضارا صاحب الحق بالامتناع أو طلب أجرة شاقة ونحو ذلك ، وهذان هما الرابع والأربعون والخامس والأربعون والسادس والأربعون أن ارتكاب هذه المحرمات من خصال الفسق لقوله : { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } السابع والأربعون أن الأوصاف كالفسق والإيمان والنفاق والعداوة والولاية ونحو ذلك تتجزأ في الإنسان ، فتكون فيه مادة فسق وغيرها ، وكذلك مادة إيمان وكفر لقوله : { فإنه فسوق بكم } ولم يقل فأنتم فاسقون أو فُسّاق . الثامن والأربعون : - وحقه أن يتقدم على ما هنا لتقدم موضعه- اشتراط العدالة في الشاهد لقوله : { ممن ترضون من الشهداء } التاسع والأربعون : أن العدالة يشترط فيها العرف في كل مكان وزمان ، فكل من كان مرضيا معتبرا عند الناس قبلت شهادته ، الخمسون : يؤخذ منها عدم قبول شهادة المجهول حتى يزكى ، فهذه الأحكام مما يستنبط من هذه الآية الكريمة على حسب الحال الحاضرة والفهم القاصر ، ولله في كلامه حكم وأسرار يخص بها من يشاء من عباده .
قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى } . قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما حرم الله الربا أباح السلم ، وقال : أشهد أن السلم المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله تعالى في كتابه ، وأذن فيه ، ثم قرأ : ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ) . قوله : ( إذا تداينتم ) . أي تعاملتم بالدين ، يقال : داينته إذا عاملته بالدين ، وإنما قال بدين بعد قوله تداينتم ، لأن المداينة قد تكون مجازاة ، وتكون معاطاة فقيّده بالدين ليعرف المراد من اللفظ ، وقيل : ذكره تأكيداً كقوله تعالى : ( ولا طائر يطير بجناحيه إلى أجل مسمى ) الأجل : مدة معلومة الأول والآخر ، والأجل : يلزم في الثمن ، والمبيع في السلم ، حتى لا يكون لصاحب الحق الطلب قيل محله ، وفي القرض لا يلزم الأجل عن أكثر أهل العلم ( فاكتبوه ) أي اكتبوا الذي تداينتم به ، بيعاً كان أو سلماً أو قرضاً . واختلفوا في هذه الكتابة : فقال بعضهم : هي واجبة ، والأكثرون على أنه أمر استحباب ، فإن ترك فلا بأس ، كقوله تعالى ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ) .
وقال بعضهم : كانت كتابة الدين والإشهاد والرهن فرضاً ثم نسخ الكل بقوله : ( فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ) وهو قول الشعبي ثم بين كيفية الكتابة فقال جل ذكره :
قوله تعالى : { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } . أي ليكتب كتاب الدين بين الطالب والمطلوب كاتب بالعدل ، أي بالحق من غير زيادة ولا نقصان ولا تقديم أجل ولا تأخير .
قوله تعالى : { ولا يأب } . أي لا يمتنع .
قوله تعالى : { كاتب أن يكتب } . واختلفوا في وجوب الكتابة على الكاتب وتحمل الشهادة على الشاهد ، فذهب قوم إلى وجوبها إذا طولب وهو قول مجاهد ، وقال الحسن : يجب إذا لم يكن كاتب غيره ، وقال قوم : هو على الندب والاستحباب ، وقال الضحاك : كانت عزيمة واجبة على الكاتب والشاهد فنسخها قوله تعالى ( ولا يضار كاتب ولا شهيد ) .
قوله تعالى : { كما علمه الله } . أي كما شرعه الله وأمره .
قوله تعالى : { فليكتب وليملل الذي عليه الحق } . يعني : المطلوب يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه ، والإملال والإملاء لغتان فصيحتان معناهما واحد جاء بهما القرآن ، فالإملال هنا ، والإملاء ، قوله تعالى : ( فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً ) .
قوله تعالى : { وليتق الله ربه } . يعني المملي .
قوله تعالى : { ولا يبخس منه شيئا } . أي ولا ينقص منه أي من الحق الذي عليه شيئاً .
قوله تعالى : { فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً } . أي جاهلاً بالإملاء ، قاله مجاهد ، وقال الضحاك والسدي : طفلاً صغيراً ، وقال الشافعي _ السفيه : المبذر المفسد لماله أو في دينه .
قوله تعالى : { أو ضعيفا } . أي شيخاً كبيراً وقيل هو ضعيف العقل لعته أو جنون .
قوله تعالى : { أو لا يستطيع أن يمل هو } . لخرس أو عمي أو عجمة أو حبس أو غيبة لا يمكنه حضور الكتابة ، أو جهل بما له وعليه .
قوله تعالى : { فليملل وليه } . أي قيمة .
قوله تعالى : { بالعدل } . أي بالصدق والحق ، وقال ابن عباس رضي الله عنه ومقاتل : أراد بالولي صاحب الحق ، يعني إن عجز من عليه الحق من الإملال فليملل ولي الحق ، وصاحب الدين بالعدل لأنه أعلم بالحق .
قوله تعالى : { واستشهدوا } . أي وأشهدوا .
قوله تعالى : { شهيدين } . أي شاهدين .
قوله تعالى : { من رجالكم } . يعني الأحرار المسلمين ، دون العبيد والصبيان ، وهو قول أكثر أهل العلم ، وأجاز شريح وابن سيرين شهادة العبيد .
قوله تعالى : { فإن لم يكونا رجلين } . أي لم يكن الشاهدان رجلين .
قوله تعالى : { فرجل وامرأتان } . أي فليشهد رجل وامرأتان . وأجمع الفقهاء على أن شهادة النساء جائزة مع الرجال في الأموال حتى تثبت برجل وامرأتين . واختلفوا في غير الأموال ، فذهب جماعة إلى أنه يجوز شهادتين مع الرجال في غير العقوبات ، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي ، وذهب جماعة إلى أن غير المال لا يثبت إلا برجلين عدلين ، وذهب الشافعي رحمه الله إلى أن ما يطلع عليه النساء غالباً كالولادة والرضاع والثيوبة والبكارة ونحوها يثبت بشهادة رجل وامرأتين ، وبشهادة أربع نسوة ، واتفقوا على أن شهادة النساء غير جائزة في العقوبات .
قوله تعالى : { ممن ترضون من الشهداء } . يعني من كان مرضياً في ديانته وأمانته ، وشرائط قبول الشهادة سبعة : الإسلام والحرية والعقل والبلوغ والعدالة والمروءة وانتفاء التهمة ، فشهادة الكافر مردودة لأن المعروفين بالكذب عند الناس لا تجوز شهادتهم ، فالذي يكذب على الله تعالى أولى أن يكون مردود الشهادة ، وجوز أصحاب الرأي شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ، ولا تقبل شهادة العبيد ، وأجازها شريح وابن سيرين وهو قول أنس بن مالك رضي الله عنه ، ولا قول للمجنون حتى يكون له شهادة ، ولا يجوز شهادة الصبيان . سئل ابن عباس رضي الله عنه عن ذلك ؟ فقال : لا يجوز ، لأن الله تعالى يقول : ( ممن ترضون من الشهداء ) والعدالة شرط ، وهي أن يكون الشاهد مجتنباً للكبائر غير مصر على الصغائر ، والمروءة شرط ، وهي ما يتصل بآداب النفس مما يعلم أن تاركه قليل الحياء ، وهي حسن الهيئة ، والسيرة والعشرة والصناعة ، فإن كان الرجل يظهر من نفسه في شيء منها ما يستحي أمثاله من إظهاره في الأغلب يعلم به قلة مروءته وترد شهادته ، وانتفاء التهمة شرط ، حتى لا تقبل شهادة العدو على العدو وإن كان مقبول الشهادة على غيره ، لأنه متهم في حق عدوه ، ولا تقبل شهادة الرجل لولده ووالده وإن كان مقبول الشهادة عليهما ، ولا يقبل شهادة من يجر بشهادته إلى نفسه نفعاً ، كالوارث يشهد على رجل بقتل مورثه ، أو يدفع عن نفسه بشهادته ضرراً كالمشهود عليه يشهد بجرح من يشهد عليه لتمكن التهمة في شهادته .
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسن المروزي ، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سراج القطان ، أخبرنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان ، أخبرنا علي بن عبد العزيز المكي ، أخبرنا أبو عبيد القاسم ابن سلام أخبرنا مروان الفزاري عن شيخ من أهل الحيرة يقال له يزيد بن زياد عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها ترفعه " لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا ظنين في ولاء ولا قرابة ولا القانع مع أهل البيت " .
قوله تعالى : { أن تضل إحداهما } . قرأ حمزة إن تضل بكسر الألف .
قوله تعالى : { فتذكر } . برفع الراء ، ومعناه الجزاء والابتداء ، وموضع تضل جزم بالجزاء ، إلا أنه لا نسق بالتضعيف ، فتذكر رفع لأن ما بعد فاء الجزاء مبتدأ ، وقراءة العامة بفتح الألف ونصب الراء على الاتصال بالكلام الأول ، و " تضل " محله نصب " بأن " فتذكر منسوق عليه ، ومعنى الآية : فرجل وامرأتان كي تذكر .
قوله تعالى : { إحداهما الأخرى } . ومعنى تضل : أي تنسى ، يريد إذا نسيت إحداهما شهادتها ، تذكرها الأخرى فتقول : ألسنا حضرنا مجلس كذا ؟ وسمعنا كذا ؟ قرأ ابن كثير وأهل البصرة : فتذكر مخففاً ، وقرأ الباقون مشدداً ، وذكر واذكر بمعنى واحد ، وهما متعديان من الذكر الذي هو ضد النسيان ، وحكي عن سفيان بن عيينة أنه قال : هو من الذكر ، أي تجعل إحداهما الأخرى ذكراً ، أي تصير شهادتهما كشهادة ذكر ، والأول أصح لأنه معطوف على النسيان .
قوله تعالى : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } . قيل : أراد به إذا ما دعوا لتحمل الشهادة ، سماهم شهداء على معنى أنهم يكونون شهداء وهو أمر إيجاب عند بعضهم ، وقال قوم : تجب الإجابة إذا لم يكن غيرهم ، فإن وجد غيرهم فهم مخيرون وهو قول الحسن ، وقال قوم : هو أمر ندب وهو مخير في جميع الأحوال ، وقال بعضهم : هذا في إقامة الشهادة وأدائها فمعنى الآية ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا لأداء الشهادة التي تحملوها ، وهو قول مجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير ، وقال الشعبي : الشاهد بالخيار ما لم يشهده ، وقال الحسن : الآية في الأمرين جميعاً ، في التحمل والإقامة إذا كان فارغاً .
قوله تعالى : { ولا تسأموا } . أي ولا تملوا .
قوله تعالى : { أن تكتبوه } . والهاء راجعة إلى الحق .
قوله تعالى : { صغيراً } . كان الحق .
قوله تعالى : { أو كبيراً } . قليلاً كان أو كثيراً .
قوله تعالى : { إلى أجله } . إلى محل الحق .
قوله تعالى : { ذلكم } . أي الكتاب .
قوله تعالى : { أقسط } . أعدل .
قوله تعالى : { عند الله } . لأنه أمر به ، واتباع أمره أعدل من تركه .
قوله تعالى : { وأقوم للشهادة } . لأن الكتابة تذكر الشهود .
قوله تعالى : { وأدنى } . وأحرى وأقرب إلى .
قوله تعالى : { أن لا ترتابوا } . تشكوا في الشهادة .
قوله تعالى : { إلا أن تكون تجارة حاضرة } . قرأهما عاصم بالنصب على خبر كان ، وأضمر الاسم مجازا ، إلا أن تكون التجارة تجارة ، أو المبايعة تجارة ، وقرأ الباقون بالرفع ، وله وجهان : أحدهما : أن يجعل الكون بمعنى الوقوع معناه إلا أن تقع تجارة . والثاني : أن تجعل الاسم في التجارة والخبر في الفعل .
قوله تعالى : { تديرونها بينكم } . تقديره إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم ، ومعنى الآية إلا أن تكون تجارة حاضرة يداً بيد تديرونها بينكم ليس فيها أجل .
قوله تعالى : { فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها } . يعني التجارة .
قوله تعالى : { وأشهدوا إذا تبايعتم } . قال الضحاك : هو عزم والإشهاد واجب في صغير الحق وكبيره ، نقداً أو نسئه ، وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : الأمر فيه إلى الأمانة ، كقوله تعالى ( فإن أمن بعضكم بعضاً ) الآية ، وقال الآخرون هو أمر ندب .
قوله تعالى : { ولا يضار كاتب ولا شهيد } . هذا نهي للغائب ، وأصله يضاور ، فأدغمت إحدى الراءين في الأخرى ونصبت لحق التضعيف لاجتماع الساكنين ، واختلفوا فيه فمنهم من قال : أصله يضارر بكسر الراء الأولى ، وجعل الفعل للكاتب والشهيد ، معناه : لا يضارر الكاتب فيأبى أن يكتب ، ولا الشهيد فيأبى أن يشهد ، ولا يضار الكاتب فيزيد أو ينقص أو يحرف ما أملي عليه ولا الشهيد فيشهد بما لم يستشهد عليه ، وهذا قول طاووس والحسن وقتادة ، وقال قوم : أصله " يضارر " بفتح الراء على الفعل المجهول ، وجعلوا الكاتب والشهيد مفعولين ، ومعناه أن يدعو الرجل الكاتب أو الشاهد وهما على شغل مهم ، فيقولان : نحن على شغل مهم فاطلب غيرنا ، فيقول الداعي إن الله أمركما أن تجيبا ويلح عليهما فيشغلهما عن حاجتهما ، فنهي عن ذلك وأمر بطلب غيرهما .
قوله تعالى : { وإن تفعلوا } . ما نهيتكم عنه من الضرر .
قوله تعالى : { فإنه فسوق بكم } . أي معصية وخروج عن الأمر .
قوله تعالى : { واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم } .