{ لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } جملة مستأنفة سيقت إخباراً منه تعالى بعد تلقيهم لتكاليفه سبحانه بالطاعة والقبول بما له عليهم في ضمن التكليف من محاسن آثار الفضل والرحمة ابتداءاً لا بعد السؤال كما سيجيء والتكليف إلزام ما فيه كلفة ومشقة ، والوسع ما تسعه قدرة الإنسان أو ما يسهل عليه من المقدور وهو ما دون مدى طاقته أي سنته تعالى أنه لا يكلف نفساً من النفوس إلا ما تطيق وإلا ما هو دون ذلك كما في سائر ما كلفنا به من الصلاة والصيام مثلاً فإنه كلفنا خمس صلوات والطاقة تسع ستاً وزيادة . وكلفنا صوم رمضان والطاقة تسع شعبان معه وفعل ذلك فضلاً منه ورحمة بالعباد أو كرامة ومنه على هذه الأمة خاصة . وقرأ ابن أبي عبلة وسعها بفتح السين( {[194]} ) والآية على التفسيرين تدل على عدم وقوع التكليف بالمحال لا على امتناعه ، أما على الأول : فظاهر ، وأما على الثاني : فبطريق الأولى ، وقيل : إنها على التفسير الثاني لا تدل على ذلك لأن الخطاب حينئذ مخصوص بهذه الأمة وعلى كل تقدير لا دليل فيها على امتناع التكليف بالمحال كما وهم وقد تقدم لك بعض ما يتعلق بهذا المبحث وربما يأتيك ما ينفعك فيه إن شاء الله تعالى .
{ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت } جملة أخرى مستأنفة سيقت للترغيب والمحافظة على مواجب التكليف والتحذير عن الإخلال بها ببيان أن تكليف كل نفس مع مقارنته لنعمة التخفيف والتيسير يتضمن مراعاته منفعة زائدة وأنها تعود إليها لا إلى غيرها ويستتبع الإخلال بها مضرة تحيق بها لا بغيرها ، فإن اختصاص منفعة الفعل بفاعله من أقوى الدواعي إلى تحصيله واقتصار مضرته عليه من أشد الزواجر عن مباشرته قاله المولى مفتي الديار الرومية قدس سره وهو الذي ذهب إليه الكثير ، وقيل : يجوز أن تجعل الجملتان في حيز القول ويكون ذلك حكاية للأقوال المتفرقة الغير المعطوفة بعضها على بعض للمؤمنين ويكون مدحاً لهم بأنهم شكروا الله تعالى في تكليفه حيث يرونه بأنه لم يخرج عن وسعهم وبأنهم يرون أن الله تعالى لا ينتفع بعملهم الخير بل هو لهم ولا يتضرر بعملهم الشر بل هو عليهم ولا يخفى أنه بعيد من جهة قريب من أخرى والضمير في { لَهَا } للنفس العامة والكلام على حذف مضاف هو ثواب في الأول وعقاب في الآخر ، ومبين { مَا } الأولى : الخير لدلالة اللازم الدالة على النفع عليه ، ومبين { مَا } الثانية : الشر لدلالة على الدالة على الضر عليه وإيراد الإكتساب في جانب الأخير لما فيه من زيادة المعنى وهو الاعتمال ، والشر تشتهيه النفس وتنجذب إليه فكانت أجد في تحصيله ، / ففيه إشارة إلى ما جبلت عليه النفوس ولما لم يكن مثل ذلك في الخير استعمل الصيغة المجردة عن الاعتمال .
{ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } شروع في حكاية بقية دعواتهم إثر بيان سر التكليف ، وقيل : استيفاء لحكاية الأقوال ، وفي «البحر » وهو المروي عن الحسن أن ذلك على تقدير الأمر أي قولوا في دعائكم ذلك فهو تعليم منه تعالى لعباده كيفية الدعاء والطلب منه وهذا من غاية الكرم ونهاية الإحسان يعلمهم الطلب ليعطيهم ويرشدهم للسؤال ليثيبهم ، ولذلك قيل وقد تقدم :
لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه *** من فيض جودك ما علمتني الطلبا
والمؤاخذة المعاقبة ، وفاعل هنا بمعنى فعل ، وقيل : المفاعلة على بابها لأن الله تعالى يؤاخذ المذنب بالعقوبة والمذنب كأنه يؤاخذ ربه بالمطالبة بالعفو إذ لا يجد من يخلصه من عذابه سواه فلذلك يتمسك العبد عند الخوف منه به فعبر عن كل واحد بلفظ المؤاخذة ولا يخفى فساد هذا إلا بتكلف ، واختلفوا في المراد من النسيان والخطأ على وجوه ، الأول : أن المراد من الأول الترك ومنه قوله :
ولم أك عند الجود للجود قاليا *** ولا كنت يوم الروع للطعن ناسياً
والمراد من الثاني العصيان ؛ لأن المعاصي توصف بالخطأ الذي هو ضد الصواب وإن كان فاعلها متعمداً كأنه قيل : ربنا لا تعاقبنا على ترك الواجبات وفعل المنهيات ، الثاني : أن المراد منهما ما هما مسببان عنه من التفريط والإغفال إذ قلما يتفقان إلا عن تقصير سابق فالمعنى لا تؤاخذنا بذلك التقصير ، الثالث : أن المراد بهما أنفسهما من حيث ترتبهما على ما ذكر ، أو مطلقاً إذ لا امتناع في المؤاخذة بهما عقلاً فإن المعاصي كالسموم فكما أن تناولها ولو سهواً أو خطأ مؤد إلى الهلاك فتعاطي المعاصي أيضاً لا يبعد أن يفضي إلى العقاب وإن لم يكن عن عزيمة ولكنه تعالى وعد التجاوز عنه رحمة منه وفضلاً فيجوز أن يدعو الإنسان به استدامة واعتداداً بالنعمة فيه . ويؤيد ذلك مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الطبراني ، وقال النووي حديث حسن : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه " وأورد على هذا بأنه لا يتم على مذهب المحققين من أهل السنة والمعتزلة من أن التكليف بغير المقدور غير جائز عقلاً منه تعالى إذ لا يكون ترك المؤاخذة على الخطأ والنسيان حينئذ فضلاً يستدام ونعمة يعتد بها
{ رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } أي عبئاً ثقيلاً يأسر صاحبه أي يحبسه مكانه . والمراد به التكاليف الشاقة ، وقيل : الإصر الذنب الذي لا توبة له فالمعنى اعصمنا من اقترافه ، وقرئ ( آصاراً ) على الجمع ، وقرأ أبيّ ولا تحمّل بالتشديد للمبالغة { كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا } في حيز النصب على أنه صفة لمصدر محذوف أي حملاً مثل حملك إياه على من قبلنا ، أو على أنه صفة لإصراً أي إصراً مثل الإصر الذي حملته على من قبلنا وهو ما كلفه بنو إسرائيل من قتل النفس في التوبة أو في القصاص ؛ لأنه كان لا يجوز غيره في شريعتهم وقطع موضع النجاسة من الثياب ونحوها ، وقيل : من البدن وصرف ربع المال في الزكاة .
{ رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } استعفاء عن العقوبات التي لا تطاق بعد الاستعفاء عما يؤدي إليها والتعبير عن إنزال ذلك بالتحميل مجازياً باعتبار ما يؤدى إليه ، وجوز أن يكون طلباً لما هو أعم من الأول لتخصيصه بالتشبيه إلا أنه صور فيه الإصر بصورة ما لا يستطاع مبالغة ، وقيل : هو استعفاء عن التكليف بما لا تفي به القدر البشرية حقيقة فتكون الآية دليلاً على جواز التكليف بما لا يطاق وإلا لما سئل التخلص عنه وليس بالقوي ، والتشديد ههنا/ لمجرد تعدية الفعل لمفعول ثان دون التكثير .
{ واعف عَنَّا } أي امح آثار ذنوبنا بترك العقوبة . { واغفر لَنَا } بستر القبيح وإظهار الجميل { وارحمنا } وتعطف علينا بما يوجب المزيد ، وقيل : { أَذْهَبَ عَنَّا } من الأفعال { واغفر لَنَا } من الأقوال { وارحمنا } بثقل الميزان ، وقيل : { واعف عَنَّا } في سكرات الموت { واغفر لَنَا } في ظلمة القبور { وارحمنا } في أهوال يوم النشور ، قال أبو حيان : ولم يأت في هذه الجمل الثلاث بلفظ ربنا لأنها نتائج ما تقدم من الجمل التي افتتحت بذلك فجاء فاعف عنا مقابلاً لقوله تعالى : { لاَ تُؤَاخِذْنَا } { واغفر لَنَا } لقوله سبحانه : { وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } { وارحمنا } لقوله عز شأنه : { وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } لأن من آثار عدم المؤاخذة بالنسيان والخطأ العفو ، ومن آثار عدم حمل الإصر عليهم المغفرة ، ومن آثار عدم تحميل ما لا يطاق الرحمة ولا يخفى حسن الترتيب { أَنتَ مولانا } أي مالكنا وسيدنا ، وجوز أن يكون بمعنى متولي الأمر وأصله مصدر أريد به الفاعل وإذا ذكر المولى والسيد وجب في الاستعمال تقديم المولى فيقال : مولانا وسيدنا كما في قول الخنساء :
وإن صخراً لمولانا وسيدنا *** وإن صخراً إذا نشتوا لنَّحَّار
وخطئوا من قال : سيدنا ومولانا بتقديم السيد على المولى كما قاله ابن أيبك ولي فيه تردد قيل : والجملة على معنى القول أي قولوا أنت مولانا { فانصرنا عَلَى القوم الكافرين } أي الأعداء في الدين المحاربين لنا أو مطلق الكفرة وأتى بالفاء إيذاناً بالسببية لأن الله تعالى لما كان مولاهم ومالكهم ومدبر أمورهم تسبب عنه أن دعوه بأن ينصرهم على أعدائهم فهو كقولك أنت الجواد فتكرم عليّ وأنت البطل فاحْمِ الجار .
( ومن باب الإشارة ) :{ لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } إلا ما يسعها ولا يضيق به طوقها واستعدادها من التجليات { لَهَا مَا كَسَبَتْ } من الخير والكمالات والكشوف سواء كان ذلك باعتمال أو بغير اعتمال { وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت } وتوجهت إليه بالقصد من السوء { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا } عهدك بميلنا إلى ظلمة الطبيعة { أَوْ أَخْطَأْنَا } بالعمل على غير الوجه اللائق لحضرتك { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } وهو عبء الصفات والأفعال الحابسة للقلوب منعاينة الغيوب { كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن } من المحتجبين بظواهر الأفعال أو بواطن الصفات { قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } من ثقل الهجران والحرمان عن وصالك ومشاهدة جمالك بحجب جلالك { واعف عَنَّا } سيآت أفعالنا وصفاتنا فإنها سيآت حجبتنا عنك وحرمتنا برد وصالك ولذة رضوانك { واغفر لَنَا } ذنوب وجودنا فإنه أكبر الكبائر { وارحمنا } بالوجود الموهوب بعد الفناء { أَنتَ مولانا } أي سيدنا ومتولي أمورنا لأنا مظاهرك وآثار قدرتك { فانصرنا عَلَى القوم الكافرين } من قوى نفوسنا الأمارة وصفاتها وجنود شياطين أوهامنا المحجوبين عنك الحاجبين إيانا لكفرهم وظلمتهم/ هذا وقد أخرج مسلم والترمذي من حديث ابن عباس لما نزلت هذه الآية فقرأها صلى الله عليه وسلم قيل له عقيب كل كلمة قد فعلت ، وأخرج أبو سعيد والبيهقي عن الضحاك أن جبريل لما جاء بهذه الآية ومعه ما شاء الله تعالى من الملائكة وقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له بعد كل كلمة لك ذلك حتى فرغ منها ، وأخرج أبو عبيد عن أبي ميسرة أن جبريل لقن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خاتمة البقرة آمين ، وأخرج الأئمة الستة في «كتبهم » عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " وأخرج الطبراني بسند جيد عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان " وأخرج ابن عدي عن ابن مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أنزل الله تعالى آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي عام من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل " وأخرج الحاكم وصححه ، والبيهقي في «الشعب » عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش فتعلموهما وعلموهما نساءكم وأبناءكم فإنهما صلاة وقرآن ودعاء " وفي رواية أبي عبيد عن محمد بن المنكدر أنهن قرآن وأنهن دعاء وأنهن يدخلن الجنة وأنهن يرضين الرحمن ، وأخرج مسدد عن عمر رضي الله تعالى عنه والدارمي عن علي كرم الله تعالى وجهه كلاهما قال : ما كنت أرى أحداً يعقل ينام حتى يقرأ هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة . والآثار في فضلها كثيرة وفيما ذكرنا كفاية لمن وفقه الله تعالى . اللهم اجعل لنا من إجابة هذه الدعوات أوفر نصيب ، ووفقنا للعمل الصالح والقول المصيب ، واجعل القرآن ربيع قلوبنا وجلاء أسماعنا ونزهة أرواحنا ويسر لنا إتمام ما قصدناه ولا تجعل لنا مانعاً عما بتوفيقك أردناه ، وصل وسلم على خليفتك الأعظم ، وكنزك المطلسم ، وعلى آله الواقفين على أسرار كتابك ، وأصحابه الفائزين بحكم خطابك ما ارتاحت روح ، وحصل لقارع باب جودك فتوح .
{ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }
لما نزل قوله تعالى { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } شق ذلك على المسلمين لما توهموا أن ما يقع في القلب من الأمور اللازمة والعارضة المستقرة وغيرها مؤاخذون به ، فأخبرهم بهذه الآية أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها أي : أمرا تسعه طاقتها ، ولا يكلفها ويشق عليها ، كما قال تعالى { ما جعل عليكم في الدين من حرج } فأصل الأوامر والنواهي ليست من الأمور التي تشق على النفوس ، بل هي غذاء للأرواح ودواء للأبدان ، وحمية عن الضرر ، فالله تعالى أمر العباد بما أمرهم به رحمة وإحسانا ، ومع هذا إذا حصل بعض الأعذار التي هي مظنة المشقة حصل التخفيف والتسهيل ، إما بإسقاطه عن المكلف ، أو إسقاط بعضه كما في التخفيف عن المريض والمسافر وغيرهم ، ثم أخبر تعالى أن لكل نفس ما كسبت من الخير ، وعليها ما اكتسبت من الشر ، فلا تزر وازرة وزر أخرى ولا تذهب حسنات العبد لغيره ، وفي الإتيان ب " كسب " في الخير الدال على أن عمل الخير يحصل للإنسان بأدنى سعي منه بل بمجرد نية القلب وأتى ب " اكتسب " في عمل الشر للدلالة على أن عمل الشر لا يكتب على الإنسان حتى يعمله ويحصل سعيه ، ولما أخبر تعالى عن إيمان الرسول والمؤمنين معه وأن كل عامل سيجازى بعمله ، وكان الإنسان عرضة للتقصير والخطأ والنسيان ، وأخبر أنه لا يكلفنا إلا ما نطيق وتسعه قوتنا ، أخبر عن دعاء المؤمنين بذلك ، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قال : قد فعلت . إجابة لهذا الدعاء ، فقال { ربَّنا لا تؤاخذْنا إن نَّسينا أو أخطأنا } والفرق بينهما : أن النسيان : ذهول القلب عن ما أمر به فيتركه نسيانا ، والخطأ : أن يقصد شيئا يجوز له قصده ثم يقع فعله على ما لا يجوز له فعله : فهذان قد عفا الله عن هذه الأمة ما يقع بهما رحمة بهم وإحسانا ، فعلى هذا من صلى في ثوب مغصوب ، أو نجس ، أو قد نسي نجاسة على بدنه ، أو تكلم في الصلاة ناسيا ، أو فعل مفطرا ناسيا ، أو فعل محظورا من محظورات الإحرام التي ليس فيها إتلاف ناسيا ، فإنه معفو عنه ، وكذلك لا يحنث من فعل المحلوف عليه ناسيا ، وكذلك لو أخطأ فأتلف نفسا أو مالا فليس عليه إثم ، وإنما الضمان مرتب على مجرد الإتلاف ، وكذلك المواضع التي تجب فيها التسمية إذا تركها الإنسان ناسيا لم يضر . { ربنا ولا تحمل علينا إصرا } أي : تكاليف مشقة { كما حملته على الذين من قبلنا } وقد فعل تعالى فإن الله خفف عن هذه الأمة في الأوامر من الطهارات وأحوال العبادات ما لم يخففه على غيرها { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } وقد فعل وله الحمد { واعف عنا واغفر لنا وارحمنا } فالعفو والمغفرة يحصل بهما دفع المكاره والشرور ، والرحمة يحصل بها صلاح الأمور { أنت مولانا } أي : ربنا ومليكنا وإلهنا الذي لم تزل ولايتك إيانا منذ أوجدتنا وأنشأتنا فنعمك دارة علينا متصلة عدد الأوقات ، ثم أنعمت علينا بالنعمة العظيمة والمنحة الجسيمة ، وهي نعمة الإسلام التي جميع النعم تبع لها ، فنسألك يا ربنا ومولانا تمام نعمتك بأن تنصرنا على القوم الكافرين ، الذين كفروا بك وبرسلك ، وقاوموا أهل دينك ونبذوا أمرك ، فانصرنا عليهم بالحجة والبيان والسيف والسنان ، بأن تمكن لنا في الأرض وتخذلهم وترزقنا الإيمان والأعمال التي يحصل بها النصر ، والحمد لله رب العالمين . تم تفسير سورة البقرة بعون الله وتوفيقه وصلى الله على محمد وسلم .
وسئل سفيان بن عيينة عن قوله عز وجل { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } . قال : إلا يسرها ولم يكلفها فوق طاقتها ، وهذا قول حسن لأن الوسع ما دون الطاقة .
قوله تعالى : { لها ما كسبت } . أي للنفس ما عملت من الخير ، لها أجره وثوابه .
قوله تعالى : { وعليها ما اكتسبت } . من الشر وعليها وزره .
قوله تعالى : { ربنا لا تؤاخذنا } . أي لا تعاقبنا .
قوله تعالى : { إن نسينا } . جعله بعضهم من النسيان الذي هو السهو ، قال الكلبي : كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئاً مما أمروا به ، أو أخطأوا عجلت لهم العقوبة ، فحرم عليهم من شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب ، فأمر الله المؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك ، وقيل هو من النسيان الذي هو الترك كقوله تعالى : ( نسوا الله فنسيهم ) .
قوله تعالى : { أو أخطأنا } . قيل معناه القصد والعمد ، يقال : أخطأ فلان إذا تعمد ، قال الله تعالى ( إن قتلهم كان خطأً كبيراً ) قال عطاء : { إن نسينا أو أخطأنا } يعني : أن جهلنا أو تعمدنا ، وجعله الأكثرون من الخطأ الذي هو الجهل والسهو ، لأن ما كان عمداً من الذنب فغير معفو عنه بل هو في مشيئة الله ، والخطأ معفو عنه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " .
قوله تعالى : { ربنا ولا تحمل علينا إصراً } . أي عهداً ثقيلاً وميثاقا لا نستطيع القيام به فتعذبنا بنقضه وتركه .
قوله تعالى : { كما حملته على الذين من قبلنا } . يعني اليهود ، فلم يقوموا به فعذبتهم ، هذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والسدي والكلبي وجماعة يدل عليه قوله تعالى ( وأخذتم على ذلكم إصري ) أي عهدي ، وقيل معناه : لا تشدد ولا تغلظ الأمر علينا كما شددت على من قبلنا من اليهود ، وذلك أن الله فرض عليهم خمسين صلاة وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة ، ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها ، ومن أصاب ذنباً أصبح وذنبه مكتوب على بابه ، ونحوها من الأثقال والأغلال ، وهذا يعني قول عثمان وعطاء ومالك بن أنس وأبي عبيدة وجماعة يدل عليه قوله تعالى : " ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم " وقيل : الإصر ذنب لا توبة له ، معناه أعصمنا من مثله ، والأصل في العقل والإحكام .
قوله تعالى : { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } . أي لا تكلفنا من الأعمال مالا نطيقه ، وقيل هو حديث النفس والوسوسة . حكي عن مكحول أنه قال : هو الغلمة ، قيل : الغلمة : شدة الشهوة ، وعن إبراهيم قال : هو الحب ، وعن محمد بن عبد الوهاب قال : العشق ، وقال ابن جريج : هو مسخ القردة والخنازير وقيل هو شماتة الأعداء ، وقيل : هو الفرقة والقطيعة نعوذ بالله منها .
قوله تعالى : { واعف عنا } . أي تجاوز وامح عنا ذنوبنا .
قوله تعالى : { واغفر لنا } . استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا .
قوله تعالى : { وارحمنا } . فإننا لا ننال العمل إلا بطاعتك ، ولا نترك معصيتك إلا برحمتك .
قوله تعالى : { أنت مولانا } . ناصرنا وحافظنا وولينا .
قوله تعالى : { فانصرنا على القوم الكافرين } . روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل ( غفرانك ربنا ) قال الله تعالى قد غفرت لكم وفي قوله ( لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) قال : لا أوأخذكم ( ربنا ولا تحمل علينا إصراً ) قال : لا أحمل عليكم إصراً { ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } قال : لا أحملكم { واعف عنا } إلى آخره قال قد عفوت عنكم ، وغفرت لكم ، ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكافرين . وكان معاذ بن جبل إذا ختم سورة البقرة قال : آمين .