روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (284)

{ لّلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا في الأرض } من الأمور الداخلة في حقيقتهما والخارجة عنهما كيف كانت أي كلها ملك له تعالى ومختصة به فله أن يلزم من شاء من مملوكاته بما شاء من تكليفاته ، وليس لأحد أن يقول المال مالي أتصرف به كيف شئت ، ومن الناس من جعل هذه الجملة كالدليل لما قبلها { وَإِن تُبْدُواْ } أي تظهروا للناس { مَا فِي أَنفُسِكُمْ } أي ما حصل فيها حصولاً أصلياً بحيث يوجب اتصافها به كالملكات الرديئة والأخلاق الذميمة كالحسد والكبر والعجب والكفران وكتمان الشهادة { أَوْ تُخْفُوهُ } بأن لا تظهروه .

{ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله } أي يجازيكم به يوم القيامة ، وأما تصور المعاصي والأخلاق الذميمة فهو لعدم إيجابه اتصاف النفس به لا يعاقب عليه ما لم يوجد في الأعيان ، وإلى هذا الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم " أي إن الله تعالى لا يعاقب أمتي على تصور المعصية وإنما يعاقب على عملها ، فلا منافاة بين الحديث والآية خلافاً لمن توهم ذلك ووقع في حيص بيص لدفعه . ولا يشكل على هذا أنهم قالوا : إذا وصل التصور إلى حد التصميم والعزم يؤاخذ به لقوله تعالى : { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } [ البقرة : 225 ] لأنا نقول : المؤاخذة بالحقيقة على تصميم العزم على إيقاع المعصية في الأعيان وهو أيضاً من الكيفيات النفسانية التي تلحق بالملكات ولا كذلك سائر ما يحدث في النفس ونظمه بعضهم بقوله :

مراتب القصد خمس هاجس ذكروا *** فخاطر فحديث النفس فاستمعا

يليه هم فعزم كلها رفعت *** سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا

فالآية على ما قررنا محكمة ، وادعى بعضهم أنها منسوخة محتجاً بما أخرجه أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال : «لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ } الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على الركب فقالوا : يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصوم والجهاد والصدقة وقد أنزل الله تعالى عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قلبكم : سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير » فلما اقترأها القوم وزلت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى في إثرها { آمن الرسول } [ البقرة : 285 ] الآية ، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل سبحانه { لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] الخ ، وصح مثل ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وابن مسعود وعائشة رضي الله تعالى عنهم ، وأخرج البخاري عن مروان الأصغر عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسبه ابن عمر { إِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } قال : نسختها الآية التي بعدها ، وعلى هذا لا يحتاج إلى التوفيق بين الآية وذلك الحديث الصحيح بوجه ، ويكون الحديث إخباراً عما كان بعد النسخ ، واستشكل ذلك بأن النسخ مختص بالإنشاء ولا يجري في الخبر والآية الكريمة من القسم الثاني .

ومن هنا قال الطبرسي : وأخطأ أن الروايات في النسخ كلها ضعيفة ، وأجيب بأن النسخ لم يتوجه إلى مدلول الخبر نفسه سواء قلنا إنه مما يتغير كإيمان زيد وكفر عمرو أم لا كوجود الصانع وحدوث العالم بل إن النهي المفهوم منه كما يدل عليه قول الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : «كلفنا من الأعمال ما نطيق وقد أنزل الله تعالى عليك هذه الآية ولا نطيقها » فإن ذلك صريح في أنهم فهموا من الآية تكليفاً ، والحكم الشرعي المفهوم من/ الخبر يجوز نسخه بالاتفاق كما يدل عليه كلام العضد وغيره ؛ وبعض من ادعى أن الآية محكمة وتوقف في قبول هذا الجواب ذهب إلى أن المراد من النسخ البيان وإيضاح المراد مجازاً كما مرت الإشارة إليه عند قوله تعالى : { فاعفوا واصفحوا } [ البقرة : 109 ] كأنه قيل : كيف يحمل { مَا فِي أَنفُسِكُمْ } على ما يعم الوساوس الضرورية وهو يستلزم التكليف بما ليس في الوسع والله لا يكلف نفساً إلا وسعها ، واعترض هذا بأنه على بعده يستلزم أنه صلى الله عليه وسلم أقر الصحابة على ما فهموه وهو بمعزل عن مراد الله تعالى ولم يبينه لهم مع ما هم فيه من الاضطراب والوجل الذي جثوا بسببه على الركب حتى نزلت الآية الأخرى ، ويمكن أن يجاب على بعد بأنه لا محذور في هذا اللازم ويلتزم بأنه من قبيل إقراره صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين فسر الرؤيا بين يديه عليه الصلاة والسلام وقال : «أخطأت أم أصبت يا رسول الله ؟ فقال له صلى الله عليه وسلم : أصبت بعضها وأخطأت بعضها » ولم يبين له فيما أصاب وفيما أخطأ لأمر ما ، ولعله هنا ابتلاؤهم وأن يمحص ما في صدورهم ، وهذا على العلات أولى من حمل النسخ على التخصيص لاستلزامه مع ما فيه وقوع التكليف بما لا يطاق كما لا يخفى ، وقيل : معنى الآية إن تعلنوا ما في أنفسكم من السوء ، أو لم تعلنوه بأن تأتوا به خفية يعاقبكم الله تعالى عليه ، ويؤول إلى قولنا أن تدخلوا الأعمال السيئة في الوجود ظاهراً أو خفية يحاسبكم بها الله تعالى أو إن تظهروا ما في أنفسكم من كتمان الشهادة بأن تقولوا لرب الشهادة عندنا شهادة ولكن نكتمها ولا نؤديها لك عند الحكام ، أو تخفوه بأن تقولوا له ليس في علمنا خبر ما تريد أن نشهد به وأنتم كاذبون في ذلك يحاسبكم به الله ، وأيد هذا بما أخرجه سعيد بن منصور ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في الآية الكريمة قال : نزلت في الشهادة ، وقيل : الآية على ظاهرها ، و{ مَا فِي أَنفُسِكُمْ } على عمومه الشامل لجميع الخواطر إلا أن معنى { يُحَاسِبْكُم } يخبركم به الله تعالى يوم القيامة ، وقد عدوا من جملة معنى الحسيب العليم ، وجميع هذه الأقوال لا تخلوا عن نظر فتدبر .

وارجع إلى ذهنك فلا إخالك تجد فوق ما ذكرناه أو مثله في كتاب . وتقديم الجار والمجرور على الفاعل للاعتناء به ، وأما تقديم الإبداء على الإخفاء على عكس ما في قوله تعالى : { قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا في أَنفُسَكُمْ أَوِ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله } فلما قيل : إن المعلق بما في أنفسهم هنا المحاسبة والأصل فيها الأعمال البادية ، وأما العلم فتعلقه بها كتعلقه بالأعمال الخافية ولا يختلف الحال عليه تعالى بين الأشياء البارزة والكامنة بل لا كامن بالنسبة إليه سبحانه خلا أن مرتبة الإخفاء متقدمة على مرتبة الإبداء ما من شيء يبدو إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمر في النفس فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلق علمه بحالته الثانية .

{ فَيَغْفِرُ } بالرفع على الاستئناف أي فهو يغفر بفضله { لِمَن يَشَاء } أن يغفر له من عباده { وَيُعَذّبَ } بعَدْلِهِ . { مَن يَشَآء } أن يعذبه من عباده ، وتقديم المغفرة على التعذيب لتقدم رحمته على غضبه ، وقرأ غير ابن عامر ، وعاصم ، ويعقوب بجزم الفعلين عطفاً على جواب الشرط ، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بنصبهما بإضمار أن وتكون هي وما في حيزها بتأويل مصدر معطوف على المصدر المتوهم من الفعل السابق ، والتقدير تكن محاسبة فغفران وعذاب ، ومن القواعد المطردة أنه إذا وقع بعد جزاء الشرط فعل بعد واو أو فاء جاء فيه الأوجه الثلاثة وقد أشار لها ابن مالك :

والفعل من بعد الجزا إن يقترن *** بالفاء أو الواو بتثليث قمن

/وقرأ ابن مسعود يغفر ، ويعذب بالجزم بغير فاء ووجهه عند القائل بجواز تعدد الجزاء كالخبر ظاهر وأما عند غيره فالجزم على أنهما بدل من { يُحَاسِبْكُم } بدل البعض من الكل أو الاشتمال ، فإن كلا من المغفرة والتعذيب بعض من الحساب المدلول عليه بيحاسبكم ومطلق الحساب جامع لهما فإن اعتبر جمعه لهما على طريق اشتمال الكل على الأجزاء يكون بدل البعض من الكل وإن اعتبر على طريق الشمول كشمول الكلي لأفراده يكون بدل اشتمال كذا قيل ، وقيل : إن أريد بيحاسبكم معناه الحقيقي فالبدل بدل اشتمال كأحب زيداً علمه وإن أريد به المجازاة فالبدل بدل بعض كضربت زيداً رأسه . وقيل : غير ذلك ، وذهب أبو حيان إلى تعين الاشتمال قال : ووقوعه في الأفعال صحيح لأن الفعل يدل على جنس تحته أنواع يشتمل عليها ولذلك إذا وقع عليه النفي انتفت جميع أنواع ذلك الجنس ، وأما بدل البعض من الكل فلا يمكن في الفعل إذ الفعل لا يقبل التجزي ، فلا يقال فيه له كل وبعض إلا بمجاز بعيد ، واعترضه الحلبي بأنه ليس بظاهر لأن الكلية والبعضية صادقتان على الجنس ونوعه فإن الجنس كل والنوع بعض فالصحيح وقوع النوعين في الفعل وقد قيل بهما في قوله :

متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا *** تجد خير نار عندها خير موقد

فإنهم جعلوا الإلمام بدلاً من الإتيان إما بدل بعض ؛ لأنه إتيان لا توقف فيه فهو بعضه أو اشتمال لأنه نزول خفيف ، وروي عن أبي عمرو إدغام الراء في اللام ، وطعن الزمخشري على عادته في الطعن في القراءات السبع إذا لم تكن على قواعد العربية ومن قواعدهم أن الراء لا تدغم إلا في الراء لما فيها من التكرار الفائت بالإدغام في اللام وقد يجاب بأن القراءات السبع متواترة والنقل بالمتواتر إثبات علمي ، وقول النحاة نفي ظني ولو سلم عدم التواتر فأقل الأمر أن تثبت لغة بنقل العدول وترجح بكونه إثباتاً ، ونقل إدغام الراء في اللام عن أبي عمرو من الشهرة والوضوح بحيث لا مدفع له وممن روى ذلك عنه أبو محمد اليزيدي وهو إمام في النحو إمام في القراءات إمام في اللغات ، ووجهه من حيث التعليل ما بينهما من شدة التقارب حتى كأنهما مثلان بدليل لزوم إدغام اللام في الراء في اللغة الفصيحة إلا أنه لمح تكرار الراء فلم يجعل إدغامه في اللام لازماً على أن منع إدغام الراء في اللام مذهب البصريين ، وقد أجازه الكوفيون وحكوه سماعاً ، منهم الكسائي ، والفراء ، وأبو جعفر الرواسي ، ولسان العرب ليس محصوراً فيما نقله البصريون فقط ، والقراء من الكوفيين ليسوا بمنحطين عن قراء البصرة وقد أجازوه عن العرب فوجب قبوله والرجوع فيه إلى علمهم ونقلهم إذ من علم حجة على من لم يعلم .

{ والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } تذييل مقرر لمضمون ما قبله ، فإن كمال قدرته تعالى على جميع الأشياء موجب لقدرته على ما ذكر من المحاسبة وما فرع عليه من المغفرة والتعذيب ، وفي الآية دليل لأهل السنة في نفي وجوب التعذيب حيث علق بالمشيئة واحتمال أن تلك المشيئة واجبة كمن يشاء صلاة الفرض فإنه لا يقتضي عدم الوجوب خلاف الظاهر .

( ومن باب الإشارة ) في هذه الآيات : { للَّهِ مَا في السموات } أي العوالم الروحانية كلها ، وما استتر في أستار غيوبه وخزائن علمه { وَمَا في الأرض } أي العالم الجسماني والظواهر المشاهدة التي هي مظاهر الأسماء والأفعال { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ } يشهده بأسمائه وظواهره فيحاسبكم به وإن تخفوه يشهده بصفاته وبواطنه ويحاسبكم به فيغفر لكم لمن يشاء لتوحيده وقوة يقينه وعروض سيآته وعدم رسوخها في ذاته { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } لفساد اعتقاده ووجود شكه ، أو رسوخ سيآته في نفسه { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } [ البقرة : 284 ] لأن به ظهور كل ظاهر وبطون كل باطن فيقدر على المغفرة والتعذيب .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (284)

{ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

هذا إخبار من الله أنه له ما في السماوات وما في الأرض ، الجميع خلقهم ورزقهم ودبرهم لمصالحهم الدينية والدنيوية ، فكانوا ملكا له وعبيدا ، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، وهو ربهم ومالكهم الذي يتصرف فيهم بحكمته وعدله وإحسانه ، وقد أمرهم ونهاهم وسيحاسبهم على ما أسروه وأعلنوه ، { فيغفر لمن يشاء } وهو لمن أتى بأسباب المغفرة ، ويعذب من يشاء بذنبه الذي لم يحصل له ما يكفره { والله على كل شيء قدير } لا يعجزه شيء ، بل كل الخلق طوع قهره ومشيئته وتقديره وجزائه .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (284)

قوله تعالى : { لله ما في السماوات وما في الأرض } . ملكاً وأهلها له عبيد وهو مالكهم .

قوله تعالى : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير } . اختلف العلماء في هذه الآية ، فقال قوم : هي خاصة ثم اختلفوا في وجه خصوصها فقال بعضهم : هي متصلة بالآية الأولى ، نزلت في كتمان الشهادة معناه : وإن تبدو ما في أنفسكم أيها الشهود من كتمان الشهادة أو تخفوا الكتمان يحاسبكم به الله وهو قول الشعبي وعكرمة ، وقال بعضهم : نزلت فيمن يتولى الكافرين دون المؤمنين ، يعني : وإن تعلنوا ما في أنفسكم من ولاية الكفار أو تسروه يحاسبكم به الله ، وهو قول مقاتل كما ذكر في سورة آل عمران ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) إلى أن قال { قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ) . وذهب الأكثرون إلى أن الآية عامة . ثم اختلفوا فيها فقال قوم : هي منسوخة بالآية التي بعدها .

والدليل عليه ما أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن سفيان ، أنا مسلم بن الحجاج ، حدثني محمد بن المنهال الضرير وأمية بن بسطام العيشي واللفظ له ، قالا : أخبرنا يزيد بن زريع ، أنا روح وهو ابن القاسم عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " لما أنزل الله على رسوله الله صلى الله عليه وسلم ( لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) الآية قال : اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا : أي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، كلفنا من الأعمال ما نطيق : الصلاة والصيام والجهاد والصدقة ، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلمك أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا { سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى : { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } قال نعم { ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا } قال نعم { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } قال نعم { واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين } قال نعم .

وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما بمعناه ، وقال في كل ذلك : " قد فعلت " ، بدل قوله " نعم " ، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وابن عمر ، وإليه ذهب محمد بن سيرين ، ومحمد بن كعب ، وقتادة والكلبي .

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أخبرنا أبو محمد عبد الله ابن يوسف الأصفهاني ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه ، أخبرنا يعقوب بن يوسف القزويني ، أخبرنا القاسم بن الحكم المغربي ، أخبرنا مسعر بن كدام عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به أنفسها ما لم تتكلم أو يعملوا به " .

وقال بعضهم الآية غير منسوخة لأن النسخ لا يرد على الأخبار إنما يرد على الأمر والنهي وقوله ( يحاسبكم به الله ) خبر لا يرد عليه النسخ ، ثم اختلفوا في تأويلها فقال قوم : قد أثبت الله تعالى للقلب كسباً ، فقال : ( بما كسبت قلوبكم ) فليس لله عبد أسر عملاً ، أو أعلنه من حركة من جوارحه أو همسة في قلبه إلا يخبره الله به ، ويحاسبه عليه ثم يغفر ما يشاء ويعذب بما يشاء ، وهذا معنى قول الحسن يدل عليه قوله تعالى ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) وقال الآخرون : معنى الآية أن الله عز وجل يحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالهم أو أخفوه ، ويعاقبهم عليه ، غير أن معاقبته على ما أخفوه مما لم يعلموه بما يحدث لهم في الدنيا من النوائب والمصائب والأمور التي يحزنون عليها ، وهذا قول عائشة رضي الله عنها قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال : " يا عائشة هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة حتى الشوكة والبضاعة يضعها في كمه ، فيفقدها فيروع لها حتى يخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو منصور السمعاني ، أخبرنا أبو جعفر الزياتي ، أخبرنا حميد بن زنجويه ، أخبرنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث ، حدثني يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن سنان عن أنس بن مالك رضوان الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا ، وإذا أراد الله بعبده الشر بعبده أمسك عليه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة " .

وقال بعضهم : { وإن تبدوا ما في أنفسكم } . يعني ما في قلوبكم مما عزمتم عليه ( أو تخفوه يحاسبكم به الله ) ولا تبدوه وأنتم عازمون عليه يحاسبكم به الله ، فأما ما حدثت به أنفسكم مما لم تعزموا عليه فإن ذلك مما لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ولا يؤاخذكم به ، دليله قوله تعالى ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) .

وقال عبد الله بن المبارك قلت لسفيان : أيؤاخذ العبد بالهمة ؟ قال : إذا كان عزماً أخذ بها ، وقيل معنى المحاسبة الإخبار والتعريف ، ومعنى الآية : وإن تبدوا ما في أنفسكم فتعملوا به ، أو تخفوه مما أضمرتم ونويتم يحاسبكم به الله ويخبركم به ويعرفكم إياه ، ثم يغفر للمؤمنين إظهاراً لفضله ، ويعذب الكافرين إظهاراً لعدله ، وهذا معنى قول الضحاك ، ويروى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما ، يدل عليه أنه قال : { يحاسبكم به الله } ولم يقل : يؤاخذكم به ، والمحاسبة غير المؤاخذة والدليل عليه ، ما أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي الزراد ، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي ، أنا أبو سعيد الهيثم بن كليب ، أنا عيسى بن أحمد العسقلاني ، أنا يزيد بن هارون ، أنا همام بن يحيى ، عن قتادة عن صفوان بن محرز قال : كنت آخذاً بيد عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأتاه رجل فقال : كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى ؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله تعالى يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه يستره من الناس فيقول : أي عبدي أتعرف ذنب كذا وكذا ؟ فيقول : نعم أي رب ، ثم يقول : أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا ؟ فيقول : نعم أي رب ، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك ، قال : فإني سترتها عليك في الدنيا وقد غفرتها لك اليوم ، ثم يعطى كتاب حسناته ، وأما الكافر والمنافقون فيقول الأشهاد : ( هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ) .

قوله تعالى : { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } . رفع الراء والياء أبو جعفر وابن عامر وعاصم ويعقوب وجزمهما الآخرون ، فالرفع على الابتداء والجزم على النسق .

وروى طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ( فيغفر لمن يشاء ) الذنب العظيم ( ويعذب من يشاء ) على الذنب الصغير ، ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) .

قوله تعالى : { والله على كل شيء قدير } .