روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} (34)

{ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى } النصح تحري قول أو فعل فيه صلاح وهو كلمة جامعة ، وقيل : هو إعلام مواقع الغي ليتقى . ومواضع الرشد ليقتفى ، وهو من قولهم : نصحت له الود أي أخلصته ، وناصح العسل خالصه ، أو من قولهم نصحت الجلد خطته ، والناصح الخياط ، والنصاح الخيط ، وقرأ عيسى ابن عمر الثقفي { نُصْحِى } بفتح النون وهو مصدر ، وعلى قراءة الجماعة على ما قال أبو حيان يحتمل أن يكون مصدراً كالشكر ، وأن يكون اسماً { إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ } شرط حذف جوابه لدلالة ما سبق عليه وليس جواباً له لامتناع تقدم الجواب على الشرط على الأصح الذي ذهب إليه البصريون أي إن أردتم أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي ، والجملة كلها دليل جواب قوله سبحانه : { إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } والتقدير إن كان الله يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي ، وجعلوا الآية من باب اعتراض الشرط على الشرط ، وفي شرح التسهيل لابن عقيل أنه إذا توالى شرطان مثلاً كقولك : إن جئتني إن وعدتك أحسنت إليك ، فالجواب للأول ، واستغنى به عن جواب الثاني ، وزعم ابن مالك أن الشرط للثاني مقيد للأول بمنزلة الحال ، فكأنه قيل في المثال : إني جئتني في حال وعدي لك أحسنت إليك ، والصحيح في المسألة أن الجواب للأول ، وجواب الثاني محذوف لدلالة الشرط الثاني وجوابه عليه ، فإذا قلت : إن دخلت الدار إن كلمت زيداً إن جاء إليك فأنت حر ، فأنت حر جواب إن دخلت وهو وجوابه دليل جواب إن كلمت وإن كلمت وجوابه دليل جواب إن جاء ، والدليل على الجواب جواب في المعنى ، والجواب متأخر ، فالشرط الثالث مقدم وكذا الثاني ، فكأنه قيل إن جاء فإن كلمت فإن دخلت فأنت حر فلا يعتق إلا إذا وقع هكذا مجىء . ثم كلام ثم دخول ، وهو مذهب الشافعي عليه الرحمة ، وذكر الجصاص أن فيها خلافاً بين محمد . وأبي يوسف رحمهما الله تعالى ، وليس مذهب الإمام الشافعي فقط ، وقال بعض الفقهاء : إن الجواب للأخير . والشرط الأخير وجوابه جواب الثاني . والشرط الثاني وجوابه جواب الأول ، وعلى هذا لا يعتق حتى يوجد هكذا دخول . ثم كلام . ثم مجىء ، وقال بعضهم : إذا اجتمعت حصل العتق من غير ترتيب وهذا إذا كان التوالي بلا عاطف فإن عطف بأو فالجواب لهما وإن كان بالفاء فالجواب للثاني وهو وجوابه جواب الأول فتخرج الفاء عن العطف ، وادعى ابن هشام أن في كون الآية من ذلك الباب نظراً قال : إذ لم يتوال شرطان وبعدهما جواب كما فيما سمعت من الأمثلة ، وكما في قول الشاعر

إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا *** منا معاقل عز زانها كرم

إذ لم يذكر فيها جواب وإنما تقدم على الشرطين ما هو جواب في المعنى للأول فينبغي أن يقدر إلى جانبه ويكون الأصل إن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم ، وأما أن يقدر الجواب بعدهما ثم يقدر بعد ذلك مقدماً إلى جانب الشرط الأول فلا وجه له انتهى .

وقد ألف في المسألة رسالة كما قال الجلال السيوطي وأوردها في حاشيته على المغني حسنة ، ولا يخفى عليك أن المقدر في قوة المذكور ، والكثير في توالي شرطين بدون عاطف تأخره سماعاً فيقدر كذلك ويجري عليه حكمه .

والكلام على ما تقدم متضمن لشرطين مختلفين : أحدهما جواب للآخر وقد جعل المتأخر في الذكر متقدماً في المعنى على ما هو المعهود في المسألة ، وهو عند الزمخشري على ما قيل شرطية واحدة مقيدة حيث جعل لا ينفعكم دليل الجواب لأن كان ، وجعل إن أردت قيداً لذلك نظير إن أحسنت إلى أحسنت إليك إن أمكنني فتأمل ، والكلام متعلق بقولهم : { قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } [ هود : 32 ] صدر عنه عليه السلام إظهاراً للعجز عن ردهم عما هم عليه من الضلال بالحجج والبينات لفرط تماديهم في العناد وإيذاناً بأن ما سبق منه إنما كانب طريق النصيحة لهم والشفقة عليهم وأنه لم يأل جهداً في إرشادهم إلى الحق وهدايتهم إلى سبيله المستبين ولكن لا ينفعهم ذلك عند إرادته سبحانه لإغوائهم ، وتقييد عدم نفع النصح بإرادته مع أنه محقق لا محالة للإيذان بأن ذلك النصح مقارن للإرادة والاهتمام به ، ولتحقيق المقابلة بين ذلك . وبين ما وقع بإزائه من إرادته تعالى لإغوائهم ، وإنما تقصر في ذلك على مجرد إرادة الإغواء دون نفسه حيث لم يقل إن كان الله يغويكم مبالغة في بيان غلبة جنابه جل جلاله حيث دل ذلك على أن نصحه المقارن للاهتمام به لا يجديهم نفعاً عند مجرد إرادة الله تعالى إغواءهم فكيف عند تحققه وخلقه فيهم ، وزيادة { كَانَ } للإشعار بتقدم إرادته تعالى زماناً كتقدمه رتبة ، وللدلالة على تجددها واستمرارها ، وقدم على هذا الكلام ما يتعلق بقولهم : { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } [ هود : 32 ] من قوله : { إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَاء } [ هود : 33 ] رداً عليهم من أول الأمر وتسجيلاً عليهم بحلول العذاب مع ما فيه من اتصال الجواب بالسؤال قال ذلك مولانا شيخ الإسلام ثم إن { إِنْ أَرَدْتُّ } أن أبقى على الاستقبال لا ينافي كونه نصحهم في الزمن الماضي ، وقيل : إنه مجاراة لهم لاستظهار الحجة لأنهم زعموا أن ما فعله ليس بنصح إذ لو كان نصحاً قبل منه ، واللام في { لَكُمْ } ليست للتقوية كما قد يتوهم لتعدي الفعل بنفسه كما في قوله

: نصحت بني عوف فلم يتقبلوا *** رسولي ولم تنجح لديهم رسائلي

لما في «الصحاح » أنه باللام أفصح ، وفي الآية دليل على أن إرادة الله تعالى مما يصح تعلقها بالإغواء وأن خلاف مراده سبحانه محال ، وإلا لم تصدق الشرطية الدالة على لزوم الجواب للشرط ، والمعتزلة وقعوا في حيص بيص منها واختلفوا في تأويلها ، فقيل : إن { يُغْوِيَكُمْ } بمعنى يهلككم من غوى الفصيل إذا بشم من كثرة شرب اللبن فهلك ، وقد روى مجىء الغوى بمعنى الهلاك الفراء . وغيره ، وأنكره مكي .

وقيل : إن الإغواء مجاز عن عقوبته أي إن كان الله يريد عقوبة إغوائكم الخلق وإضلالكم إياهم .

وقيل : إن قوم نوح كانوا يعتقدون أن الله تعالى أراد إغوائهم فأخرج عليه السلام ذلك مخرج التعجب والإنكار أي إن نصحي لا ينفعكم إن كان الأمر كما تزعمون ، وقيل : سمي ترك إلجائهم وتخليتهم وشأنهم إغواء مجازاً ، وقيل : إن نافية أي ما كان الله يريد أن يغويكم ، ونفى ذلك دليل على نفي الإغواء ، ويكون { لاَ يَنفَعُكُمْ * نُصْحِى } الخ إخباراً منه عليه السلام لهم وتعزية لنفسه عنهم لما رأى من إصرارهم وتماديهم على الكفر ، ولا يخفى ما في ذلك من مخالفة الظاهر المعروف في الاستعمال وارتكاب ما لا ينبغي ارتكاب مثله في كلام الملك المتعال .

ومن الناس من اعترض الاستدلال بأن الشرطية لا تدل على وقوع الشرط ولا جوازه فلا يتم ولا يحتاج إلى التأويل ولا إلى القال والقيل ، ودفع بأن المقام ينبو عنه لعدم الفائدة في مجرد فرض ذلك فإن أرادوا إرجاعه إلى قياس استثنائي فإما أن يستثني عين المقدم فهو المطلوب أو نقيض التالي فخلاف الواقع لعدم حصول النفع .

وبالجملة الآية ظاهرة جداً فيما ذهب إليه أهل السنة ، والله سبحانه الموفق { هُوَ رَبُّكُمْ } أي خالقكم ومالك أمركم { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجازيكم على أفعالكم لا محالة .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} (34)

{ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ } أي : إن إرادة الله غالبة ، فإنه إذا أراد أن يغويكم ، لردكم الحق ، فلو حرصت غاية مجهودي ، ونصحت لكم أتم النصح - وهو قد فعل عليه السلام - فليس ذلك بنافع لكم شيئا ، { هُوَ رَبُّكُمْ } يفعل بكم ما يشاء ، ويحكم فيكم بما يريد { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجازيكم بأعمالكم .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} (34)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ولا ينفعكم نصحي} فيما أحذركم من العذاب، {إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} يعني يضلكم عن الهدى ف {هو ربكم} ليس له شريك، {وإليه ترجعون} بعد الموت، فيجزيكم بأعمالكم...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي" يقول: ولا ينفعكم تحذيري عقوبته ونزول سطوته بكم على كفركم به، "إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ" في تحذيري إياكم ذلك، لأن نصحي لا ينفعكم لأنكم لا تقبلونه. "إِنْ كَان اللّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُم"، يقول: إن كان الله يريد أن يهلككم بعذابه. "هُوَ رَبّكُمْ وَإلَيْهِ تُرْجَعونَ" يقول: وإليه تردّون بعد الهلاك...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

... والنصح اخلاص العمل من الفساد على الاجتهاد فيه، والنصح نقيض الغش. وكان نصح نوح لقومه إعلامهم موضع الغي ليتقوه، وموضع الرشد ليتبعوه. وإنما شرط النصح بالإرادة -في قوله "إن أردت أن أنصح "مع وقوع هذا النصح- استظهارا في الحجة: لأنهم ذهبوا إلى أنه ليس بنصح، فقال: لو كان نصحا ما نفع من لا يقبله...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

إن قلت: فما معنى قوله: {إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ}؟ قلت: إذا عرف الله من الكافر الإصرار فخلاه وشأنه ولم يلجئه، سمى ذلك إغواء وإضلالاً، كما أنه إذا عرف منه أنه يتوب ويرعوي فلطف به: سمي إرشاداً وهداية. وقيل: {أَن يُغْوِيَكُمْ}: أن يهلككم من غوى الفصيل غوي، إذا بشم فهلك، ومعناه: أنكم إذا كنتم من التصميم على الكفر بالمنزلة التي لا تنفعكم نصائح الله ومواعظه وسائر ألطافه، كيف ينفعكم نصحي؟...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وليس نصحي بنافع ولا إرادتي الخير لكم مغنية إذا كان الله تعالى قد أراد بكم الإغواء والإضلال والإهلاك... والنصح هو سد ثلم الرأي للمنصوح وترقيعه، وهو مأخوذ من نصح الثوب إذا خاطه، والمنصح: الإبرة، والمخيط يقال له منصح ونصاح...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

النُصحُ: كلمةٌ جامعةٌ لكل ما يدور عليه الخيرُ من قول أو فعل، وحقيقتُه إمحاضُ إرادةِ الخيرِ والدِلالةِ عليه، ونقيضُه الغشُّ وقيل: هو إعلامُ موقع الغَيِّ ليُتّقى وموضعِ الرشد ليقتفى...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} النصح: تحري الصلاح والخير للمنصوح له والإخلاص فيه قولا وعملا من قولهم ناصح العسل لخالصه المصفى منه، ونصح له أفصح من نصحه، والإغواء الإيقاع في الغي وهو الفساد الحسي والمعنوي، والمعنى أن نصحي لكم لا ينفعكم بمجرد إرادتي له فيما أدعوكم إليه، وإنما يتوقف نفعه على إرادة الله تعالى، وقد مضت سنته تعالى بما عرف بالتجارب أن نفع النصح له شرطان أو طرفان هما الفاعل للنصح والقابل له، وإنما يقبله المستعد للرشد، ويرفضه من غلب عليه الغي والفساد، بمقارفة أسبابه من الغرور بالغنى والجاه والكبر، وهو غمط الحق واحتقار المتكبر لمن يزدري من الناس وتعصبه لما كان عليه الآباء والأجداد، واتباع الهوى وحب الشهوات المانعة من طاعة الله، فمعنى إرادة الله تعالى لإغوائهم اقتضاء سنته فيهم أن يكونوا من الغاوين، لا خلقه للغواية فيهم جزافا أُنُفا [بضمتين] أي ابتداء بغير عمل ولا كسب منهم لأسبابها، فإن هذا مضاد لمذهب أهل السنة في إثبات خلق الأشياء مقدرة بأقدارها، ترتبط أسبابها بمسبباتها.

وفسر ابن جرير "يغويكم "بيهلككم بعذابه، وقد ورد الغي بهذا المعنى ومنه قوله تعالى: {فسوف يلقون غيا} [مريم: 59] وحكي عن طيئ قولهم: أصبح فلان غاويا، إذا أصبح مريضا. وأصل الغي فساد الجهاز الهضمي من كثرة الغذاء أو سوئه. تقول العرب: غوي الفصيل إذا فسد جوفه وبشم من كثرة اللبن، ثم توسعوا فيه فاستعمل في الفساد المعنوي من الانهماك في الجهل وكل ما ينافي الرشد. والقرائن هي التي ترجح بعض المعاني على بعض، وموافقة سنن الله وأقداره شرط في الكل...

{هو ربكم وإليه ترجعون} أي هو مالك أموركم ومدبرها ومسيرها على سننه المطردة في الدنيا، ولكل شيء عنده قدر، ولكل قدر أجل، وإليه ترجعون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم خيرها وشرها لا يظلم أحدا.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(ولا ينفعكم نصحي -إن أردت أن أنصح لكم- إن كان الله يريد أن يغويكم، هو ربكم وإليه ترجعون).. فإذا كانت سنة الله تقتضي أن تهلكوا بغوايتكم، فإن هذه السنة ستمضي فيكم، مهما بذلت لكم من النصح. لا لأن الله سيصدكم عن الانتفاع بهذا النصح، ولكن لأن تصرفكم بأنفسكم يجعل سنة الله تقتضي أن تضلوا.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

المراد بالنصح هنا هو ما سمّاه قومه بالجدال، أي هو أولى بأن يسمّى نصحاً، لأن الجدال يكون للخير والشر كما تقدم. وجملة الشرط في قوله: {إن كان الله يريد أن يغويكم} هي المقصود من الكلام، فجوابها في معنى قوله: {لا ينفعكم نصحي} ولكن نظم الكلام بني على الإخبار بعدم نفع النصح اهتماماً بذلك فجعل معطوفاً على ما قبله وأتي بالشرط قيداً له...

والتعليق بالشرط في قوله: {إن أردت أن أنصح لكم} مؤذن بعزمه على تجديد النصح في المستقبل لأن واجبه هو البلاغ وإن كرهوا ذلك. وأشار بقوله: {إن كان الله يريد أن يغويكم} إلى ما هم فيه من كراهية دعوة نوح عليه السلام سببه خذلان الله إيّاهم ولولاه لنفعهم نصحه، ولكن نوحاً عليه السلام لا يعلم مراد الله من إغوائهم ولا مدى استمرار غوايتهم فلذلك كان عليه أن ينصح لهم إلى نهاية الأمر...

وجملة "هو ربكم "ابتدائية لتعليمهم أن الله ربهم إن كانوا لا يؤمنون بوجود الله، أو لتذكيرهم بذلك إن كانوا يؤمنون بوجوده ويشركون معه وُدّاً، وسوَاعاً، ويغوث، ويعوق، ونسراً. والتقديم في {وإليه ترجعون} للاهتمام ولرعاية الفاصلة وليس للقصر، لأنهم لا يؤمنون بالبعث أصلاً بله أن يزعموا أنهم يُحْضرون إلى الله وإلى غيره...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{وإليه ترجعون} إنذار لهم فالمرجع إليه وأنه لمحاسبكم على كل ما صنعتم محاسبة العليم الخبير السميع البصير، وقوله تعالى: {وإليه ترجعون} تدل بتقديم الجار والمجرور على أن المرجع إليه وحده، وإن في هذا القصص الحكيم لأمرين: الأمر الأول: التخفيف عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولبيان أنه لاقى النبيون مما لاقى هو، والعاقبة كانت لهم وحادهم المشركون بما حادوا به النبي صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك عبء يحتمل في سبيل أداء الرسالة الإلهية إلى خلق الله تعالى، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها. الأمر الثاني: إثبات الإعجاز وهو أنه أتى بهذه الأخبار الصادقة عن النبيين السابقين من غير أن يتعلم على معلم، ومن غير أن يقرأ في كتاب {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون 48} (العنكبوت). ولذلك كان هذا القصص الحق مع الأسلوب المعجز من دلائل الإعجاز...