روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا} (44)

{ تُسَبّحُ } بالفوقانية وهي قراءة أبي عمرو . والأخوين . وحفص ، وقرأ الباقون بالتحتانية لأن تأنيث الفاعل مجازي مع الفصل وقرىء { *سبحت } { تُسَبّحُ لَهُ السماوات السبع والآرض وَمَن فِيهِنَّ } أي من الملائكة والثقلين { وَإِن مّن شَىْء } من الأشياء حيواناً كان أو نباتاً أو جماداً { إِلاَّ يُسَبّحُ } ملتبساً { بِحَمْدِهِ } تعالى ، والمراد من التسبيح الدلالة بلسان الحال أي تدل بإمكانها وحدوثها دلالة واضحة على وجوب وجوده تعالى ووحدته وقدرته وتنزهه من لوازم الإمكان وتوابع الحدوث كما يدل الأثر على مؤثره ففي الكلام استعارة تبعية كما في نطقت الحال .

وجوز أن يعتبر فيه استعارة تمثيلية ولا يأبى حمل التسبيح على ذلك قوله تعالى : { ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } بناءً على أن كثيراً من العقلاء فهم تلك الدلالة لما أن الخطاب للمشركين والكفرة لا للناس على العموم لأنه تقدم ذكر قبائحهم من نسبتهم إليه تعالى شأنه ما لا يليق بجلاله فإن الله سبحانه وصف ذاته بالنزاهة عنه وبالغ فيه ما بالغ ثم عقبه بما ذكر دلالة على أن كل الأكوان شاهدة بتلك النزاهة مبالغة على مبالغة فلو كان الخطاب مع غير هؤلاء المنكرين وأضرابهم لم يتلاءم الكلام ويخرج عن النظام .

وقوله تعالى : { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } تذييل من تتمة الإنكار على الوجه الأبلغ أي إنه سبحانه حليم ولذلك لم يعاجلكم بالعقوبة لإخلالكم بالنظر الصحيح الموصل إلى التوحيد ولو تبتم ونظرتم لغفر لكم ما صدر منكم من التقصير فإنه غفور لمن يتوب ، وظن ابن المنير أن هذا التذييل يأبى كون الخطاب للمشركين قال : لأنه سبحانه لا يغفر لهم ولا يتجاوز عن جهلهم وإشراكهم ، والظاهر أن المخاطب المؤمنون وعدم فقههم للتسبيح الصادر من الجمادات كناية والله تعالى أعلم عن عدم العمل بمقتضى ذلك فإن الإنسان لو تيقظ حق التيقظ إلى أن النملة والبعوضة وكل ذرة من ذرات الكون يقدس الله تعالى وينزهه ويشهد بجلاله وكبريائه وقهره وعمر خاطره بهذا الفهم لشغله ذلك عن الطعام فضلاً عن فضول الأفعال والكلام والعاكف على الغيبة التي هي فاكهتنا في زماننا لو استشعر حال إفاضته فيها أن كل ذرة من ذرات لسانه الذي يلقلقه في سخط الله تعالى عليه مشغولة مملوءة بتقديس الله تعالى وتسبيحه وتخويف عقابه وإنذار جبروته وتيقظ لذلك حق التيقظ لكاد يبكم بقية عمره ، فالظاهر أن الآية إنما وردت خطاباً على الغالب من أحوال الغافلين وإن كانوا مؤمنين اه ، وليس بسديد لخروج الكلام على ذلك من النظام ، ووجه التذييل ما سمعت فلا إباء كما لا يخفى على ذوي الأفهام .

وجوز أن يراد بالتسبيح الدلالة على تنزيه البارىء سبحانه عن لوازم الإمكان وتوابع الحدوث مطلقاً سواء كانت حالية أو مقالية على أنه من عموم المجاز أو بالجمع بين المعنى الحقيقي والمجازي على رأي من يجوزه فتسبيح بعض قالي وتسبيح بعض آخر حالي .

وتعقبه بأنه لا يلائمه { لاَّ تَفْقَهُونَ } لأن من ذلك التسبيح ما يفقهه المشركون وغيرهم وهو التسبيح القالي . وأجيب بأن المشركين لعدم تدبرهم له وانتفاعهم به كان فهمهم بمنزلة العدم أو أنهم لعدم فهمهم بعض المراد من التسبيح جعلوا ممن لا يفهم الجميع تغليباً . وذهب بعض الظاهرية وارتضاه الراغب وقال في تفسير الخازن أنه الأصح على أن التسبيح على معناه الحقيقي فالكل يسبح بلسان القال حتى الجمادات ولم يرتض ذلك الإمام لأن هذا التسبيح لا يحصل إلا مع العلم وهو مما لا يتصور في الجماد لفقد شرطه العقلي وهو الحياة ولو لم يكن ذلك شرطاً عقلياً لانسد باب العلم بكونه سبحانه وتعالى حياً ؛ وأيضاً التذييل السابق يأبى ذلك لدلالته على أن عدم فقه التسبيح المذكور جرم ولا شك أن عدم فقه تسبيح الجمادات بألفاظها ليس بجرم وإنما الجرم عدم فقه دلالتها للغفلة وقصور النظر ومن تتبع الأحاديث والآثار رأى فيها ما يشهد بما ذهب إليه هذا البعض شهادة لا تكاد تقبل التأويل فقد صح سماع تسبيح الحصا في كفه صلى الله عليه وسلم .

وأخرج أبو الشيخ عن أنس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام ثريد فقال : إن هذا الطعام يسبح فقالوا : يا رسول الله وتفقه تسبيحه ؟ قال : نعم ثم قال لرجل أدن هذه القصعة من هذا الرجل فأدناها فقال : نعم يا رسول الله هذا الطعام يسبح فقال : أدنها من آخر فأدناها منه فقال : يا رسول الله هذا الطعام يسبح ثم قال : ردها فقال رجل : يا رسول الله لو أمرت على القوم جميعاً فقال : لا إنها لو سكتت عند رجل لقالوا : من ذنب ردها فردها .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفاً بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معنا ماء فقال لنا : اطلبوا من معه فضل ماء فأتى بماء فوضعه في إناء ثم وضع يده فيه فجعل الماء يخرج من بين أصابعه ثم قال : حي على الطهور المبارك والبركة من الله تعالى فشربنا منه قال عبد الله : كنا نسمع صوت الماء وتسبيحه وهو يشرب .

وأخرج أحمد . وابن مردويه عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن نوحاً عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنيه : آمركما بسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيء ، وأخرج أحمد عن معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مر على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل فقال لهم : اركبوها سالمة ودعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكر الله تعالى منه ، وأخرج النسائي .

وأبو الشيخ . وابن مردويه عن ابن عمر قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع وقال نقيقها تسبيح .

وأخرج ابن أبي الدنيا . وابن أبي حاتم . والبيهقي في الشعب عن أنس بن مالك قال : ظن داود عليه السلام في نفسه أن أحداً لم يمدح خالقه بما مدحه وإن ملكاً نزل وهو قاعد في المحراب والبركة إلى جانبه فقال يا داود افهم إلى ما تصوت به الضفدع فانصت داود فإذا الضفدع تمدحه بمدحة لم يمدحه بها فقال له الملك : كيف ترى يا داود أفهمت ما قالت ؟ قال : نعم قال : ماذا قالت ؟ قال : قالت سبحانك وبحمدك منتهى علمك يا رب قال داود : لا والذي جعلني نبيه أني لم أمدحه بهذا .

وأخرج أحمد في الزهد . وأبو الشيخ عن شهر بن حوشب من حديث طويل أن داود عليه السلام أتى البحر في ساعة فصلى فنادته ضفدعة يا داود إنك حدثت نفسك أنك قد سبحت في ساعة ليس يذكر الله تعالى فيها غيرك وأني في سبعين ألف ضفدع كلها قائمة على رجل نسبح الله تعالى ونقدسه .

وأخرج الخطيب عن أبي ضمرة قال : كنا عند علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما فمر بنا عصافير يصحن فقال : أتدرون ما تقول هذا العصافير ؟ قلنا : لا قال : أما أني ما أقول أنا نعلم الغيب ولكن سمعت أبي يقول سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الطير إذا أصبحت سبحت ربها وسألته قوت يومها وإن هذه تسبح ربها وتسأله قوت يومها .

/ وأخرج ابن راهويه في مسنده من طريق الزهري قال : أتى أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بغراب وافر الجناحين فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما صيد صيد ولا عضدت عضاه ولا قطعت وشيجة إلا بقلة التسبيح " . وأخرج أبو نعيم في الحلية . وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله عليه الصلاة والسلام ما صيد من صيد ولا وشج من وشج إلا بتضييعه التسبيح .

وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء . وابن مردويه عن ابن مسعود مثل ذلك مرفوعاً أيضاً . وأخرج أبو الشيخ عن الحسن لولا ما غم عليكم من تسبيح ما معكم من البيوت ما تقاررتم . وأخرج ابن أبي حاتم عن لوط بن أبي لوط قال : «بلغني أن تسبيح سماء الدنيا سبحان ربي الأعلى والثانية سبحانه وتعالى والثالثة سبحانه وبحمده والرابعة سبحانه لا حول ولا قوة إلا به والخامسة سبحان محيي الموتى وهو على كل شيء قدير والسادسة سبحان الملك القدوس والسابعة سبحان الذي ملأ السموات السبع والآرضين السبع عزة ووقاراً » إلى ما لا يكاد يحصى من الأخبار والآثار وهي بمجموعها متعاضدة في الدلالة على أن التسبيح قالي كما لا يخفى وهو مذهب الصوفية ، وذكروا أن السالك عند وصوله إلى بعض المقامات يسمع تسبيح الأشياء بلغات شتى .

وقد روي عن بعض السلف سماعه لتسبيح بعض الجمادات ، واختلف القائلون بهذا التسبيح فقال بعضهم : بثبوته للأشياء مطلقاً ، وقيل إن التراب يسبح ما لم يبتل فإذا ابتل ترك التسبيح وإن الخرزة تسبح ما لم ترفع من موضعها فإذا رفعت تركت وإن الورقة تسبح ما دامت على الشجرة فإذا سقطت تركت( {[566]} ) وإن الثوب يسبح ما لم يتسخ فإذا اتسخ ترك وإن الوحش والطير تسبح إذا صاحت وإذا سكتت تركت ، وعلى هذا ما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب قال : جلس الحسن مع أصحابه على مائدة فقال بعضهم : هذه المائدة تسبح الآن فقال الحسن : كلا إنما ذاك كل شيء على أصله .

وأخرج عن السدي أنه قال : ما من شيء على أصله الأول لم يمت إلا وهو يسبح بحمده تعالى ، ولعله أراد بالموت خروجه عن أصله الأول .

وأخرج عبد الرزاق . وابن جرير . وابن المنذر . وغيرهم عن قتادة أنه قال في الآية : كل شيء فيه الروح يسبح من شجرة وحيوان ، وكون الشجرة ذات روح مبني على قول الناس فيها إذا يبست ماتت ، واستثنى بعضهم بعض الحيوانات من عموم كل شيء لما أخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس أنه قال : كل شيء يسبح إلا الحمار والكلب .

ولا أرى لاستثناء ما ذكر وجهاً وفي القلب من صحة الرواية عن الخبر شيء ، وكذا للتقييد بعد أن لم تكن الجمادية مانعة عن التسبيح والأخبار الظاهرة في عدم التقييد أكثر ، ولا أظن أن لما يخالفها امتيازاً عليها في الصحة .

ويشكل على هذا القول ما تقدم عن الإمام من إباء التذييل عنه وعدم وجود العلم الذي يستدعيه التسبيح القالي في الجمادات ، وتفضي بعضهم عن هذا بالتزام أن لكل شيء حياة وعلماً لائقين به ولا يطلع على حقيقة ذلك إلا الله تعالى اللطيف الخبير فكل ما في العالم عند هذا الملتزم حي عالم لكنه متفاوت المراتب في العلم والحياة .

ونقل الشعراني عن الخواص أنه قال : كل جماد يفهم الخطاب ويتألم كما يتألم الحيوان ، وقال الشيخ الأكبر قدس سره : أن المسمى بالجماد والنبات له عندنا أرواح بطنت عن إدراك غير الكشف إياها في العادة فالكل عندنا حي ناطق غير أن هذا المزاج الخاص يسمى إنساناً لا غير بالصورة ووقع التفاصيل بين الخلائق في المزاج والكل يسبح الله تعالى كما نطقت الآية به ولا يسبح إلا حي عاقل عالم عارف بمسبحه ، وقد ورد أن المؤذن يشهد له مدى صوته من رطب ويابس ، والشرائع والنبوات مشحونة بما هو من هذا القبيل ونحن زدنا مع الإيمان بالأخبار الكشف إلى آخر ما قال .

واستدل بعضهم في هذا المقام بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال في دعائه للحمى : يا أم ملدم إن كنت آمنت بالله تعالى فلا تأكلي اللحم ولا تشربي الدم ولا تفوري من الفم وانتقلي إلى من يزعم أن مع الله تعالى آلهة أخرى فإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وجاء عن السجاد رضي الله تعالى عنه في الصحيفة في مخاطبة القمر ما هو ظاهر في أن له شعوراً ، واستفاض عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كتب للنيل كتاباً يخاطبه فيه بما يخاطبه وضرب الآرض بالدرة حين تزلزلت وقال لها : إني أعدل عليك . وكم وكم في الأخبار نحو ذلك قيل ولا داعي لتأويلها إذ لا أحد يقول : إن شعور الجمادات كشعور الحيوانات الظاهرة بحيث يدركه كل أحد حتى يكون العمل بظاهر اللفظ خلاف حس العقلاء فيجب ارتكاب التأويل والتجوز ، ومن علم عظم قدرة الله عز وجل وأنه سبحانه لا يعجزه شيء وأن المخلوقين على اختلاف مراتبهم لا سيما المنغمسين في أوحال العلائق والعوائق الدنيوية والمسجونين في سجين الطبيعة الدنية لم يقفوا على عشر العشر مما أودع في عالم الإمكان ونقش بيد الحكمة على برود الأعيان سلم ما جاء به الصادق عليه الصلاة والسلام وإن خالف ما عنده نسب القصور إلى نفسه فرب فكر يظنه المرء حقاً وهو من الأوهام كما لا يخفى على من أنصف ولم يتعسف .

وعلى هذا الذي ذكروه لا تحتاج إعادة ضمير ذوي العلم في { تَسْبِيحَهُمْ } على ما تقدم إلى توجيه وتفصى آخر عن الأول بأن قوله تعالى : { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } متعلق بقوله سبحانه : { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ } ولا يخفى ما في هذا التفصي ، ولعل الأولى فيه أن يلتزم حمل التسبيح على ما هو الأعم من الحالي والقالي ويثبت كلا النوعين لكل شيء ، والتذييل باعتبار القصور في فقه الحالي لا باعتبار القصور في فقه الآخر ، ويشكل أيضاً أن من أفراد من نسب إليه التسبيح الجحد فضلاً عن الساكت فالحمل على المجاز واجب . وأجيب بأن استثناء أولئك معلوم بقرينة السباق واللحاق ، وزعم من زعم أن الجاحد مقدس أيضاً وأنشدوا للحلاج :

جحودي لك تقديس . . . وعقلي فيك منهوس فما آدم الاك

وما في الكون إبليس . . . وأنت تعلم أن مثل هذا الحلج والندف صار سبباً لما لاقى من الحتف فماذا عسى أقول سوى حسبنا الله ونعم الوكيل . وقرىء { لاَّ يَفْقَهُونَ } على صيغة المبني للمفعول من باب التفعيل .

( ومن باب الإشارة ) :{ يُسَبّحُ لَهُ السموات السبع } [ الإسراء : 44 ] الآية وقد علمت ما عند الصوفية في تسبيح الأشياء من أنه قال إلا أنه لا يسمعه إلا من فاز بقرب النوافل أو من أشرق عليه شيء من أنواره كالذين سمعوا تسبيح الحصى في مجلس سيد الكاملين صلى الله عليه وسلم ، والتسبيح الحالي مما لا ينكره أحد من المسلمين ، وقرره بعض الصوفية بأن لكل شيء خاصية ليست لغيره وكما لا يخصه دون ماعداه فهو يشتاقه ويطلبه إذا لم يكن حاصلاً له ويحفظه ويحبه إذا حصل فهو بإظهار خاصيته ينزه الله تعالى من الشريك وإلا لم يكن متوحداً فيها فلسان حاله يقول أوحده على ما وحدني وبطلب كماله ينزهه سبحانه عن صفات النقص كأنه يقول يا كامل كملني وبإظهار كماله كأنه يقول كملني الكامل المكمل وعلى هذا القياس ، وحينئذ يقال : تسبحه السموات بالكمال والتأثير والربوبية وبأنه كل يوم هو في شأن ونحو ذلك ، والآرض بالخلاقية والرزاقية والحرمة إلى غير ذلك ، والملائكة بالعلم والقدرة والتجرد عن المادة على القول بأنهم أرواح مجردة وهكذا


[566]:- وفيه خبر عن عائشة رضي الله تعالى عنها رواه الخطيب في تاريخه، مرفوعا اهـ منه.
 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا} (44)

{ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ } من حيوان ناطق وغير ناطق ومن أشجار ونبات وجامد وحي وميت { إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } بلسان الحال ولسان المقال . { وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } أي : تسبيح باقي المخلوقات التي على غير لغتكم بل يحيط بها علام الغيوب .

{ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } حيث لم يعاجل بالعقوبة من قال فيه قولا تكاد السماوات والأرض تتفطر منه وتخر له الجبال ولكنه أمهلهم وأنعم عليهم وعافاهم ورزقهم ودعاهم إلى بابه ليتوبوا من هذا الذنب العظيم ليعطيهم الثواب الجزيل ويغفر لهم ذنبهم ، فلولا حلمه ومغفرته لسقطت السماوات على الأرض ولما ترك على ظهرها من دابة .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا} (44)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم عظم نفسه جل جلاله، فقال سبحانه: {تسبح له}، يعني: تذكره،

{السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن شيء}، يعني: وما من شيء،

{إلا يسبح بحمده}، يقول: إلا يذكر الله بأمره، يعني: من نبت، إذا كان في معدنه، {يسبحون بحمد ربهم} [الزمر:75]، كقوله سبحانه: {ويسبح الرعد بحمده} [الرعد:13]، يعني: بأمره، من نبت، أو دابة، أو خلق،

{ولكن لا تفقهون تسبيحهم}، يقول: ولكن لا تسمعون ذكرهم لله عز وجل،

{إنه كان حليما} عنهم، يعني: عن شركهم...

{غفورا} آية، يعني: ذو تجاوز عن قولهم، لقوله: {لو كان معه آلهة} كما يزعمون، {إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا}، بأن الملائكة بنات الله، حين لا يعجل عليهم بالعقوبة، {غفورا} في تأخير العذاب عنهم إلى المدة، مثلها في سورة الملائكة، قوله سبحانه: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا...} [فاطر:41] آخر الآية، {إنه كان حليما}، يعني: ذو تجاوز عن شركهم، {غفورا} في تأخير العذاب عنهم إلى المدة...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"تُسَبّحُ لَهُ السّمَواتُ السّبْعُ والأرْضُ وَمَنْ فِيهِنّ" يقول: تنزّه الله أيها المشركون عما وصفتموه به إعظاما له وإجلالاً، السموات السبع والأرض، ومن فيهنّ من المؤمنين به من الملائكة والإنس والجنّ، وأنتم مع إنعامه عليكم، وجميل أياديه عندكم، تفترون عليه بما تَفْتَرون...

"ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ" يقول تعالى ذكره: ولكن لا تفقهون تسبيح ما عدا تسبيح من كان يسبح بمثل ألسنتكم إنّهُ كانَ حَلِيما يقول: إن الله كان حليما لا يعجل على خلقه، الذين يخالفون أمره، ويكفرون به، ولولا ذلك لعاجل هؤلاء المشركين الذين يدعون معه الاَلهة والأنداد بالعقوبة غَفُورا يقول: ساترا عليهم ذنوبهم، إذا هم تابوا منها بالعفو منه لهم،...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن} يحتمل ما ذكر وجوها:

أحدهما: جعل الله تعالى في خلقه السماوات والأرض وما ذكره دلالة على وحدانيته وألوهيته وشهادة له أنه واحد، لا شريك له، ولا شبيه. فإن كان على هذا يدخل فيه كل شيء ذو الروح وغيره، فيكون قوله: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} للكفرة خاصة. وأما أهل الإسلام فإنهم يفقهون ذلك.

والثاني: جعل الله في سرية هذه الأشياء ما ذكر من التسبيح والتنزيه، لكن لا نفقه نحن ذلك، ونعيه على ما أخبر {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} وهي لا تعرف أيضا أن ذلك تسبيح علة ما جعل في الجوارح والأعضاء تسبيحا وعبادة له، وإن كانت هي، لا تعرف ذلك أنها تسبح.

والثالث: جعل الله صوت هذه الأشياء تسبيحا له حقيقة على معرفة هذه الأشياء أنه تسبيح، وإن كان لا يعرف ذلك إلا خواص من الناس، وهم الأنبياء...

{إنه كان حليما غفورا} الحلم هو ضد السفه، وهو الحليم، ليس بعجول، أي لا يعجل بالعقوبة، {غفورا} إذا تابوا، أو {غفورا} حين ستر عليهم فضائحهم... الحلم ما ذكرنا ضد السفه والعجلة: ذكر ههنا على إثر ما ذكر منهم من القول الوخش فيه والعظيم: أنه حليم ليعلموا أنه عن حلم، لم يأخذهم بالعقوبة عاجلا، {غفورا} ليعلموا أنهم، وإن أعظموا القول فيه، يغفر لهم، ويتجاوز عنهم، إن رجعوا، وتابوا...

وفي ذكر تسبيح من ذكر من جميع الموات على إثر ما ذكر من قول أولئك الكفرة من وصف الله تعالى بالولد والشركاء ونحوهما وجوه.

أحدها: ذكر سفههم أنهم مع ادعائهم العقل والعلم والتمييز والسؤدد، وصفوا الله بالذي لا يليق به وما يسقط الألوهية والربوبية عنه على زعمهم. فالذين ليس لهم شيء من ذلك التمييز والفهم والعقل نزهوه عن ذلك كله، وبرؤوه عن جميع ذلك.

الثاني: ذكر تسبيحهم على إثر ذلك ليعلم أن لا حاجة إلى تسبيحهم ولا منفعة في ذلك، إذ يسبح له جميع الخلائق سواهم، بل منفعة تسبيحهم ترجع إليهم.

والثالث: ذكر تسبيحهم لإثبات الرسالة للرسل، لأنهم ذكروا تسبيح الموات ولا يفهم ذلك، ولا يعقل إلا بوحي من السماء، فذلك يدل على الرسالة. فعلى هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرنا يجوز تسبيح ما ذكر على إثر ذكر ما ذكر. وكذلك ذكر سجود الموات يخرج على هذه الوجوه التي ذكرنا...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

الأحياءُ من أهل السماوات والأرض يُسَبِّحون له تسبيحَ قالة، وغير الأحياء يسبح من حيث البرهان والدلالة. وما من جزءٍ من الأعيان والآثار إلا وهو دليل على الربوبية، ولكنهم إذا استمعوا توحيداً للإله تعجبوا -لجهلهم وتَعَسُّر إدراكهم- وأنكروا...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{تسبح له السماوات}، المعنى ينزهه عن هذه المقالة التي لكم، والاشتراك الذي أنتم بسبيله، {السماوات السبع والأرض}، ثم أعاد على السماوات والأرض ضمير من يعقل لما أسند إليها فعل العاقل، وهو التسبيح، وقوله {من فيهن} يريد الملائكة والإنس والجن، ثم عم بعد ذلك الأشياء كلها، في قوله {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} أي ينزه الله ويحمده ويمجده، واختلف أهل العلم في التسبيح، فقالت فرقة هو تجوز، ومعناه إن كل شيء تبدو فيه صنعة الصانع الدالة عليه فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المعتبر، ومن حجة هذا التأويل قوله تعالى: {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي} وقالت فرقة {من شيء} لفظ عموم، ومعناه الخصوص في كل حي ونام، وليس ذلك في الجمادات البحتة... وقالت فرقة: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء على العموم يسبح تسبيحاً لا يسمعه البشر ولا يفقهه...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

لَيْسَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لِلْجَمَادَاتِ -فَضْلًا عَنْ الْبَهَائِمِ- تَسْبِيحٌ بِكَلَامٍ، وَإِنْ لَمْ نَفْقَهْهُ نَحْنُ عَنْهَا؛ إذْ لَيْسَ من شَرْطِ قِيَامِ الْكَلَامِ بِالْمَحَلِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ هَيْئَةٌ آدَمِيَّةٌ، وَلَا وُجُودُ بَلَّةٍ وَلَا رُطُوبَةٍ، وَإِنَّمَا تَكْفِي لَهُ الْجَوْهَرِيَّةُ أَوْ الْجِسْمِيَّةُ خِلَافًا لِلْفَلَاسِفَةِ وَإِخْوَتِهِمْ من الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يَرَوْنَ الْهَيْئَةَ الْآدَمِيَّةَ وَالْبَلَّةَ وَالرُّطُوبَةَ شَرْطًا فِي الْكَلَامِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْأَصْلُ بِأَدِلَّتِهِ الَّتِي تَقَرَّرَتْ فِي مَوْضِعِهِ، وَبِأَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْآدَمِيِّينَ عَرَضٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِيهِمْ، وَلَيْسَ يَفْتَقِرُ الْعَرَضُ إلَّا لِوُجُودِ جَوْهَرٍ أَوْ جِسْمٍ يَقُومُ بِهِ خَاصَّةً، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ من الشُّرُوطِ فَإِنَّمَا هِيَ عَادَةٌ، وَلِلْبَارِي تَعَالَى نَقْضُ الْعَادَةِ وَخَرْقُهَا بِمَا شَاءَ من قُدْرَتِهِ لِمَنْ شَاءَ من مَخْلُوقَاتِهِ وَبَرِّيَّتِهِ... وَعَلَى إنْكَارِ هَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ وَإِبْطَالِ هَذِهِ الْآيَاتِ حَامَتْ بِمَا ابْتَدَعَتْهُ من الْمَقَالَاتِ، فَيَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ دَلَالَةَ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى الْخَالِقِ ظَاهِرَةٌ، وَتَذْكِرَتُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ من الْآدَمِيِّينَ وَالْمُسَبِّحِينَ من الْمَخْلُوقِينَ بَيِّنَةٌ... وَهَذَا وَإِنْ سُمِّيَ تَسْبِيحًا فَذَلِكَ شَائِعٌ لُغَةً، كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تُعَبِّرُ عَنْ لِسَانِ الْحَالِ بِلِسَانِ الْمَقَالِ، فَتَقُولُ: يَشْكُو إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى. وَكَمَا قَالَتْ: قِفْ بِالدِّيَارِ فَقُلْ: يَا دِيَارُ مَنْ غَرَسَ أَشْجَارَك، وَجَنَى ثِمَارَك، وَأَجْرَى أَنْهَارَك، فَإِنْ لَمْ تُجِبْك جُؤَارًا أَجَابَتْك اعْتِبَارًا... وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ تَسْبِيحَ الْبَرْقِ لَمَعَانُهُ، وَالرَّعْدِ هَدِيرُهُ، وَالْمَاءِ خَرِيرُهُ، وَالْبَابِ صَرِيرُهُ، فَنَوْعٌ من الدَّلَالَةِ، وَوَجْهٌ من التَّسْمِيَةِ بِالْمَجَازِ ظَاهِرٌ...

وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ تَسْبِيحًا رَبُّنَا بِهِ أَعْلَمُ، لَا نَعْلَمُهُ نَحْنُ؛ أَخْذًا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ لَمْ نَكْذِبْ، وَلَمْ نَغْلَطْ، وَلَا رَكِبْنَا مُحَالًا فِي الْعَقْلِ؛ وَنَقُولُ: إنَّهَا تُسَبِّحُ دَلَالَةً وَتَذْكِرَةً وَهَيْئَةً وَمَقَالَةً، وَنَحْنُ لَا نَفَقُهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَلَا نَعْلَمُ، إنَّمَا يَعْلَمُهُ مَنْ خَلَقَهُ، كَمَا قَالَ: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}...

وَأَكْمَلُ التَّسْبِيحِ تَسْبِيحُ الْمَلَائِكَةِ وَالْآدَمِيِّينَ وَالْجِنِّ فَإِنَّهُ تَسْبِيحٌ مَقْطُوعٌ بِأَنَّهُ كَلَامٌ مَعْقُولٌ، مَفْهُومٌ لِلْجَمِيعِ بِعِبَارَةٍ مُخْلَصَةٍ، وَطَاعَةٍ مُسَلَّمَةٍ، وَأَجَلُّهَا مَا اقْتَرَنَ بِالْقَوْلِ فِيهَا فِعْلٌ من رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ مَجْمُوعُهُمَا، وَهِيَ صَلَاةُ الْآدَمِيِّينَ؛ وَذَلِكَ غَايَةُ التَّسْبِيحِ وَبِهِ سُمِّيَتْ الصَّلَاةُ سُبْحَةً...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

استأنف بيان عظمة هذا التنزيه مقروناً بالوصف بالكمال فقال تعالى: {تسبح} أي توقع التنزيه الأعظم {له} أي الإله الأعظم الذي تقدم وصفه بالجلال والإكرام خاصة {السماوات السبع} كلها {والأرض} أيضاً {ومن فيهن} من ذوي العقول {وإن} أي وما، وأعرق في النفي فقال تعالى: {من شيء} أي ذي عقل وغيره {إلا يسبح} أي ينزه له متلبساً {بحمده} أي بوصفه بما له من صفات الكمال بما له تعالى في ذلك الشيء من الآيات الدالة على كل من السلب والإيجاب...

وهو تسبيح من جهات شتى ليسمعها العارفون بسمع الفهم وصفاء الذهن من جهة ذاتها في خلقها ثم في معنى صفتها بحاجتها من جهة حدوثها إلى صانع أحدثها قديم غير مصنوع، ومن جهة إتقانها إلى كونه مدبراً حكيماً، ومن جهة فنائها إلى كونه مع ذلك قادراً مختاراً، قاهراً جباراً -إلى غير ذلك، بخلاف ما لو قصر التسبيح على لسان المقال فإنه يكون من نوع واحد، وأوضح مرشداً إلى ذلك قوله تعالى: {ولكن لا تفقهون} دون "تسمعون "{تسبيحهم} لإعراضكم عن النظر ونفوركم عن سماع الذكر الذي هو أعظم أسبابه، على أن هذا إنما هو بالنسبة لعامة الخلق، وأما الخاصة فإنهم يسمعون تسبيح الجمادات؛ روى البخاري عن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفاً، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سفر فقل الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماء، فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل: فأدخل يده في الإناء وقال: حيّ على الطهور المبارك والبركة من الله، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وشرف وكرم وبجل وعظم -ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وتسبيح الحصى مشهور.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وإنه لمشهد كوني فريد، حين يتصور القلب. كل حصاة وكل حجر. كل حبة وكل ورقة. كل زهرة وكل ثمرة. كل نبتة وكل شجرة. كل حشرة وكل زاحفة. كل حيوان وكل إنسان. كل دابة على الأرض وكل سابحة في الماء والهواء.. ومعها سكان السماء.. كلها تسبح الله وتتوجه إليه في علاه. وإن الوجدان ليرتعش وهو يستشعر الحياة تدب في كل ما حوله مما يراه ومما لا يراه، وكلما همت يده أن تلمس شيئا، وكلما همت رجله أن تطأ شيئا.. سمعه يسبح لله، وينبض بالحياة...

(وإن من شيء إلا يسبح بحمده) يسبح بطريقته ولغته (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) لا تفقهونه لأنكم محجوبون بصفاقة الطين، ولأنكم لم تتسمعوا بقلوبكم، ولم توجهوها إلى أسرار الوجود الخفية، وإلى النواميس التي تنجذب إليها كل ذرة في هذا الكون الكبير، وتتوجه بها إلى خالق النواميس، ومدبر هذا الكون الكبير...

(إنه كان حليما غفورا).. وذكر الحلم هنا والغفران بمناسبة ما يبدو من البشر من تقصير في ظل هذا الموكب الكوني المسبح بحمد الله، بينما البشر في جحود وفيهم من يشرك بالله، ومن ينسب له البنات، ومن يغفل عن حمده وتسبيحه. والبشر أولى من كل شيء في هذا الكون بالتسبيح والتحميد والمعرفة والتوحيد. ولولا حلم الله وغفرانه لأخذ البشر أخذ عزيز مقتدر. ولكنه يمهلهم ويذكرهم ويعظهم ويزجرهم (إنه كان حليما غفورا).

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{تسبح له السموات السبع والأرض}، أي طبقات النجوم وبروجها، وكل سماء زينت بمصابيح هي نجومها، والتسبيح الخضوع له سبحانه وتعالى، وكونها طائعة له سبحانه فكل الوجود في قبضته، وإن هذا التسبيح يرشح للتفسير الثاني؛ لقوله تعالى: {إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا}، أي الذي يقول: إن المعنى أن آلهتهم خاضعة لله يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة... والتسبيح هو بمعنى الخضوع الكامل لله تعالى، لا يخرج شيء مما في الوجود أو أحد عن طاعته سبحانه، ويصح أن يراد بهذا الخضوع مع ذكر الله تعالى بالتنزيه عن الشريك وأنه الواحد الأحد الفرد الصمد، وإنه يكون خاشعا مسبحا عابدا، وإن كان غير مكلف كما يكلف العقلاء وإن الحجارة طوع يمينه سبحانه، ولقد قال تعالى: {...وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله (74)} [البقرة]... وقد استدرك الله تعالى على حكمه سبحانه بتسبيح الوجود بقوله: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم}، أي لا تنفد بصائركم ومدارككم إلى إدراك تسبيحه؛ لأنه لا يعلمه إلا اللطيف الخبير {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (14)} [الملك] سبحانه وتعالى... ولقد ذكر الزمخشري أن معنى يسبح بحمده أنها تسبح بلسان الحال، حيث تدل على الصانع وعلى قدرته وحكمته، فكأنها تتعلق بذلك وكأنها تتنزه الله عز وجل مما لا يجوز عليه من الشركاء وغيره، ويقول: إن قوله تعالى: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} خطاب للمشركين من حيث إنهم لم يأخذوا بمقتضى دلالة الحال، وما توجبه من إيمان بالله وحده. وفي الحق، إن الزمخشري أخرج النص من ظاهره إلى مجاز صحيح في ذاته، ولكنه بعيد من جهة، ولا ينقل الكلام من الحقيقة إلى المجاز إلا بقرينة توجب الخروج، وإلا بتعذر الحقيقة أو يكون في المجاز جمال لفظي خاص يليق بمقام البيان القرآني، وقد فند الناصر كلام الزمخشري بقوله: "ولقائل أن يقول فما تصن بقوله تعالى: {كان حليما غفورا} وهو لا يغفر للمشركين ولا يتجاوز عن جهلهم وإشراكهم، وإنما يخاطب بهاتين الصفتين {حليما غفورا} المؤمنين والظاهر أن المخاطب المؤمنون، وأما عدم فقهنا للتسبيح الصادر من الجمادات، فكأنه والله أعلم من عدم العمل بمقتضى ذلك، فإن الإنسان لو تيقظ حق التيقظ إلى النملة والبعوضة، وكل ذرة من ذرات الكون لوجدها تسبح الله تعالى وتنزهه وتشهد بجلاله وكبريائه وقهره، وعندي أن قوله تعالى: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} خطاب لكل من هو أهل للخطاب...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

التسبيح: هو التنزيه، وهذا ثابت لله تعالى قبل أن يوجد من خلقه من ينزهه، والحق سبحانه منزه بذاته والصفة كائنة له قبل أن يخلق الخلق؛ لأنه خالق قبل أن يخلق... إن المتتبع لهذه المادة في القرآن الكريم مادة (سبح) يجدها بلفظ (سبحان) في أول الإسراء: {سبحان الذي أسرى "1 "} (سورة الإسراء): ومعناها أن التنزيه ثابت لله تعالى قبل أن يخلق من ينزهه. ثم بلفظ: {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض.. "1 "} (سورة الحديد): بصيغة الماضي، والتسبيح لا يكون من الإنسان فقط، بل من السماوات والأرض، وهي خلق سابق للإنسان. ثم يأتي بلفظ: {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض.. "1 "} (سورة الجمعة): بصيغة المضارع؛ ليدل على أن تسبيح الله ليس في الماضي، بل ومستمر في المستقبل لا ينقطع. إذن: مادام التسبيح والتنزيه ثابتاً لله تعالى قبل أن يخلق من ينزهه، وثابتاً لله من جميع مخلوقاته في السماوات والأرض، فلا تكن أيها الإنسان نشازاً في منظومة الكون، ولا تخرج عن هذا النشيد الكوني: {سبح اسم ربك الأعلى" 1 "} (سورة الأعلى)... وقد وقف العلماء أمام هذه الآية، وقالوا: أي تسبيح دلالة على عظمة التكوين، وهندسة البناء، وحكمة الخلق، وهذا يلفتنا إلى أن الله تعالى منزه ومتعالٍ وقادر، ولكنهم فهموا التسبيح على أنه تسبيح دلالة فقط؛ لأنهم لم يسمعوا هذا التسبيح ولم يفهموه. وقد أخرجنا الحق سبحانه وتعالى من هذه المسألة بقوله: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم}: إذن: يوجد تسبيح دلالة فعلاً، لكنه ليس هو المقصود، المقصود هنا التسبيح الحقيقي كل بلغته. فقوله تعالى: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم}: يدل على أنه تسبيح فوق تسبيح الدلالة الذين آمن بمقتضاه المؤمنون، إنه تسبيح حقيقي ذاتي ينشأ بلغة كل جنس من الأجناس، وإذا كنا لا نفقه هذا التسبيح، فقد قال تعالى: {كل قد علم صلاته وتسبيحه}: إذن: كل شيء في الوجود علم كيف يصلي لله، وكيف يسبح لله، وفي القرآن آيات تدل بمقالها ورمزيتها على أن كل عالم في الوجود له لغة يتفاهم بها في ذاته، وقد يتسامى الجنس الأعلى ليفهم عن الجنس الأدنى لغته، فكيف نستبعد وجود هذه اللغة لمجرد أننا لا نفهمها؟... إذن: فكيف نستبعد أننا لا نعلم لغة المخلوقات الأخرى من حيوان ونبات وجماد؟ ألم يكفنا ما أخبرنا الله به من وجود لغة لجميع المخلوقات، وإن كنا لا نفهمها؛ لأننا نعتقد أن اللغة هي النطق باللسان فقط، ولكن اللغة أوسع من ذلك. فهناك مثلاً لغة الإشارة، ولغة النظرات، ولغة التلغراف... وقد أعطانا الحق تبارك وتعالى إشارات تدل على أن لكل عالم لغة يتفاهم بها، كما في قوله تعالى: {وسخرنا مع داود الجبال يسبحن.. "79 "} (سورة الأنبياء): فالجبال تسبح مع داود، وتسبح مع غيره، ولكن المراد هنا أنها تسبح معه ويوافق تسبيحها تسبيحه، وكأنهما في أنشودة جماعية منسجمة. إذن: فلابد أن داود عليه السلام قد فهم عنها وفهمت عنه. وكذلك النملة التي تكلمت أمام سليمان عليه السلام ففهم كلامها، وتبسم ضاحكاً من قولها. وقد علمه الله منطق الطير. إذن: لكل جنس من الأجناس منطق يسبح الله به، ولكن لا نفقه هذا التسبيح؛ لأنه تسبيح بلغة مؤدية معبرة يتفاهم بها من عرف التواضع عليها... أطلق الحق سبحانه على ذاته لفظ الجلالة (الله) فهو علم على واجب الوجود، ثم تحدى الكافرين أن يسموا أحداً بهذا الاسم، فقال: {هل تعلم له سمياً" 65 "} (سورة مريم): ومع ما عندهم من إلف بالمخالفة وعناد بالإلحاد، مع ذلك لم يجرؤ أحد منهم أن يسمي ابناً له بهذا الاسم، ومعلوم أن التسمية أمر اختياري يطرأ على الجميع. إذن: فهذا تنزيه لله تعالى، حتى من الكافر رغماً عنه، وهو دليل على عظمته سبحانه وجلاله، هذه العظمة وهذا الجلال الذي لم يجرؤ حتى الكافر على التشبه به... وفي مجال العبادات، فقد اختار الحق سبحانه لنفسه عبادة لا يشاركه فيها أحد، ولا يقدمها أحد لغيره تعالى... لذلك تفرد الحق سبحانه بفريضة الصوم، وجعلها خالصة له سبحانه، لا يتقرب بها أحد لأحد، وهل رأيت إنساناً يتقرب لآخر بصوم؟ فانظر إلى هذه السبحانية وهذا التنزيه في ذاته سبحانه، فلا يجرؤ أحد أن يتسمى باسمه. وفي العبادة لا يصام لأحد غيره تعالى... ولكن لماذا الإنسان بالذات هو الذي يشذ عن منظومة التسبيح في الكون؟ نقول: لأنه المخلوق الوحيد الذي ميزه الله بالاختيار، وجعل له الحرية في أن يفعل أو لا يفعل، أما باقي المخلوقات فهي مسخرة مقهورة، فإن قال قائل: لماذا لم يجعل الحق سبحانه وتعالى الإنسان أيضاً مقهوراً كباقي المخلوقات؟... لقد جعل الله تعالى في الإنسان الاختيار لحكمة عالية، فالقهر يثبت للحق سبحانه صفة القدرة على مخلوقه، فإذا قهره على شيء لا يشذ ولا يتخلف، ولكنه لا يثبت صفة المحبوبية لله تعالى. أما الاختيار فيثبت المحبوبية لله؛ لأنه خلقك مختاراً تؤمن أو تكفر، ومع ذلك اخترت الإيمان حباً في الله تعالى، وطاعة وخضوعاً، فأثبت بذلك صفة المحبوبية. وإياك أن تظن أن من يعصي الله يعصيه قهراً عن الله، بل بما ركب فيه من الاختيار، وقد يقول قائل: وما ذنب الإنسان أن يكون مختاراً من بين جميع المخلوقات؟... لو حققت هذه القضية منطقياً وفلسفياً لوجدت الكون كله كان مختاراً، وليس الإنسان فقط، لكن اختارت جميع المخلوقات أن تسلم الأمر لله، وفضلت أن تكون مقهورة مسخرة من البداية، أما الإنسان ففضل الاختيار، وقال: سأعمل بحرص، وسأحمل الأمانة بإخلاص، وهذا واضح في قول الحق تبارك وتعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا "72 "} (سورة الأحزاب)... فالكون إذن ليس مقهوراً رغماً عنه، بل بإرادته واختياره، وكذلك الإنسان ليس مختاراً رغماً عنه، بل بإرادته واختياره...