{ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ } منصوب بفعل مضمر أي اذكروا أو بدل من { قَرِيبًا } [ الإسراء : 51 ] على أنه ظرف أو متعلق بيكون تامة بالاتفاق وناقصة عند من يجوز إعمال الناقصة في الظروف أو بتبعثون محذوفاً أو بضمير المصدر المستتر في { يكون } أو { عسى } [ الإسراء : 51 ] العائد على العود مثلاً بناء على مذهب الكوفيين المجوزين اعمال ضمير المصدر كما في قوله :
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمو . . . وما هو عنها بالحديث المرجم
وجعله بدلاً من الضمير المستتر بدل اشتمال ولم يرفع لأنه إذا أضيف إلى مثل هذه الجملة قد يبنى على الفتح تكلف وادعاء ظهوره مكابرة ، والدعاء قيل : مجاز عن البعث وكذا الاستجابة في قوله تعالى : { فَتَسْتَجِيبُونَ } مجاز عن الانبعاث أي يوم يبعثكم فتنبعثون فلا دعاء ولا استجابة وهو نظير قوله تعالى : { كُنْ فَيَكُونُ } [ يس : 82 ] في أنه لا خطاب ولا مخاطب في المشهور ، وتجور بالدعاء والاستجابة عن ذلك للتنبيه على السرعة والسهولة لأن قول : قم يا فلان أمر سريع لا بطء فيه ومجرد النداء ليس كمزاولة الإيجاد بالنسبة إلينا ، وعلى أن المقصود الإحضار للحساب والجزاء فإن دعوة السيد لعبده إنما تكون لاستخدامه أو للتفحص عن أمره والأول منتف لأن الآخرة لا تكليف فيها فتعين الثاني ، وقال الإمام وأبو حيان : يدعوكم بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة كما قال سبحانه { يَوْمٍ * يُنَادِى * المناد مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } [ ق : 41 ] الآية ، ويقال إن إسرافيل عليه السلام وفي رواية جبرائيل عليه السلام ينادي على صخرة بيت المقدس أيتها الأجسام البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة عودي كما كنت .
وأخرج أبو داود ، وابن حبان عن أبي الدرداء أنه قال : «قال صلى الله عليه وسلم إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسنوا أسماءكم » ولعل هذا عند الدعاء للحساب وهو بعد البعث من القبور ، واقتصر كثير على التجوز السابق فقيل إن فيه إشارة إلى امتناع الحمل على الحقيقة لما يلزم من الحمل عليها خطاب الجماد وهو الأجزاء المتفرقة ولو لم تمتنع إرادة الحقيقة لكان ذلك كناية عن البعث والانبعاث لا مجازاً والمجوز لإرادتها يقول إن الدعوة بالأمر التكويني وهو مما يوجه إلى المعدوم وقد قال جمع به في قول كن ولم يتجوزوا في ذلك وأما أنه لو لم تمتنع إرادة الحقيقة لكان كناية لا مجازاً فأمر سهل كما لا يخفى فتدبر .
{ بِحَمْدِهِ } حال من ضمير المخاطبين وهم الكفار كما هو الظاهر ، والباء للملابسة أي فتستجيبون ملتبسين بحمده أي حامدين له تعالى على كمال قدرته ، وقيل المراد معترفين بأن الحمد له على النعم لا تنكرون ذلك لأن المعارف هناك ضرورية .
وأخرج عبد بن حميد وغيره عن ابن جرير أنه قال : يخرجون من قبورهم وهم يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك ولا بعد في صدور ذلك من الكافر يوم القيامة وإن لم ينفعه وحمل الزمخشري ذلك على المجاز والمراد المبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بركوب ما يشق عليه فيتأبى ويمتنع ستركبه وأنت حامد شاكر يعني أنك تحمل عليه وتقسر قسراً حتى إنك تلين لين المسمح الراغب فيه الحامد عليه فكأنه قيل : منقادين لبعثه انقياد الحامدين له وتعلق الجار بيدعو كم ليس بشيء ، وعن الطبري أن { بِحَمْدِهِ } معترضين بين المتعاطفين اعتراضه بين اسم إن وخبرها في قوله :
فإني بحمد الله لأثوب فاجر . . . لبست ولا من غدرة أتقنع
ويكون الكلام على حد قولك لرجل وقد خصمته في مسألة أخطأت بحمد الله تعالى فكان الرسول عليه الصلاة والسلام قال : عسى أن يكون البعث قريباً يوم تدعون فتقومون بخلاف ما تعتقدون اليوم وذلك بحمد الله سبحانه على صدق خبري ، وملخصه يكون ذلك على خلاف اعتقادكم والحمد لله تعالى ، ولا يخفى أنه معنى متكلف لا يكاد يفهم من الكلام ونحن في غنى عن ارتكابه والحمد لله ، وقيل . الخطاب للمؤمنين وانقطع خطاب الكافرين عند قوله تعالى : { قَرِيبًا } [ الإسراء : 51 ] فيستجيبون حامدين له سبحانه على إحسانه إليهم وتوفيقه إياهم للإيمان بالبعث . وأخرج الترمذي . والطبراني . وغيرهما عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم وكأني باهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤسهم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن » وفي رواية عن أنس مرفوعاً : «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة عند الموت ولا في القبور ولا في الحشر وكأني بأهل لا إله إلا الله قد خرجوا من قبورهم ينفضون رؤسهم من التراب يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن » وقيل : الخطاب للفريقين وكلهم يقولون : ما روى عن ابن جبير .
{ وَتَظُنُّونَ } الظاهر أنه عطف على { *تستجيبون } وإليه ذهب الحوفي وغيره ، وقال أبو البقاء : هو بتقدير مبتدأ والجملة في موضع الحال أي وأنتم تظنون { بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ } أي ما لبثتم في القبور { إِلاَّ قَلِيلاً } كالذي مر على قرية أو ما لبثتم في الدينا كما روى غير واحد عن قتادة ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يستقلون لبثهم بين النفختين فإنه يزال عنهم العذاب في ذلك البين ولذا يقولون { مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } [ يس : 52 ] وقيل يستقلون لبثهم في عرصة القيامة لما أن عاقبة أمرهم الدخول إلى النار ، وهذا في غاية البعد كما لا يخفى ، والظن يحتمل أن يكون على بابه ويحتمل أن يكون بمعنى اليقين وهو معلق عن العمل بأن النافية وقل من ذكرها من أدوات التعليق قاله أبو حيان وانتصاب { قَلِيلاً } على أنه نعت لزمان محذوف أي إلا زماناً قليلاً ، وجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف أي لبثاً قليلاً ودلالة الفعل على مصدره دلالة قوية .
( ومن باب الإشارة ) :{ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ } للقيام من القبور { فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } حامدين له تعالى مجده بلسان القال أو بلسان الحال حيث أظهر فيكم الحياة بعد الموت ونحو ذلك .
{ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ } في القبور أو في الدنيا { إِلاَّ قَلِيلاً } [ الإسراء : 52 ] لذهولكم عن ذلك الزمان أو لاستقصاركم الدنيا بالنسبة إلى الآخرة
{ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ } للبعث والنشور وينفخ في الصور { فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } أي : تنقادون لأمره ولا تستعصون عليه . وقوله : { بحمده } أي : هو المحمود تعالى على فعله ويجزي به العباد إذا جمعهم ليوم التناد .
{ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا } من سرعة وقوعه وأن الذي مر عليكم من النعيم كأنه ما كان .
فهذا الذي يقول عنه المنكرون : { متى هو } ؟ يندمون غاية الندم عند وروده ويقال لهم : { هذا الذي كنتم به تكذبون }
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم أخبر عنهم، فقال سبحانه: {يوم يدعوكم} من قبوركم في الآخرة،
{فتستجيبون بحمده}، يعني: تجيبون الداعي بأمره،
{وتظنون}، يعني: وتحسبون {إن}، يعني: ما {لبثتم} في القبور،
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: قل عسى أن يكون بعثكم أيها المشركون قريبا، ذلك يوم يدعوكم ربكم بالخروج من قبوركم إلى موقف القيامة، "فتستجيبون بحمده".
اختلف أهل التأويل في معنى قوله: "فتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ"؛
فقال بعضهم: فتستجيبون بأمره... وقال آخرون: معنى ذلك: فتستجيبون بمعرفته وطاعته...
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: معناه: فتستجيبون لله من قبوركم بقدرته، ودعائه إياكم. ولله الحمد في كلّ حال...
وقوله: "وَتَظُنّونَ إنْ لَبثْتُمْ إلاّ قَلِيلاً" يقول: وتحسِبون عند موافاتكم القيامة من هول ما تعاينون فيها ما لبثتم في الأرض إلا قليلاً، كما قال جلّ ثناؤه: "قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْض عَدَدَ سِنِينَ قالُوا لَبِثْنا يَوْما أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسألِ العادّينَ"...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
يحتمل هذا الدعاء والإجابة دعاء الخلقة وإجابة الخلقة لما كانت خلقتهم، تعظم ربهم، وتحمد في كل وقت وتثني، ويحتمل دعاء القول وإجابة القول والعمل لما كانوا عاينوا قدرته وعظمته أجابوا له بحمده وثنائه كقوله: {مهطعين إلى الداع} (القمر: 8) ونحوه. أو أن يكون قوله {يوم يدعوكم} يوم القيامة كقوله: {يوم يدع الداع إلى شيء نكر} (القمر: 6) وقوله (مهطعين مقنعي رءوسهم} الآية (إبراهيم: 43). أخبر أنهم يجيبون داعيهم يومئذ، ويثنون على الله، ويحمدونه. وقوله تعالى: {إن لبثتم إلا قليلا} قال الحسن قوله: {وتظنون} أي تعلمون، وتتيقنون أنكم ما لبثتم في الدنيا إلا قليلا. فإذن هم استقلوا لك...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
... المعنى: يوم يبعثكم فتنبعثون مطاوعين منقادين لا تمتنعون. وقوله {بِحَمْدِهِ} حال منهم، أي حامدين، وهي مبالغة في انقيادهم للبعث، كقولك لمن تأمره بركوب ما يشقّ عليه فيتأبى ويتمنع ستركبه وأنت حامد شاكر، يعني: أنك تحمل عليه وتقسر قسراً حتى إنك تلين لين المسمح الراغب فيه الحامد عليه...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{يوم}: بدل من قوله {قريباً} [الإسراء: 51]، ويظهر أن يكون المعنى: هو يوم، جواباً لقولهم: {متى هو} [ذاته] ويريد: يدعوكم من قبوركم بالنفخ في الصور، لقيام الساعة... وقوله {فتستجيبون} أي بالقيام والعودة والنهوض نحو الدعوة... وقوله: {بحمده}، حكى الطبري عن ابن عباس أنه قال معناه: بأمره، وكذلك قال ابن جريج، وقال قتادة معناه: بطاعته ومعرفته، وهذا كله تفسير لا يعطيه اللفظ ولا شك أن جميع ذلك بأمر الله تعالى وإنما معنى {بحمده}: إما أن جميع العالمين، كما قال ابن جبير، يقومون وهم يحمدون الله ويحمدونه لما يظهر لهم من قدرته، وإما أن قوله {بحمده} هو كما تقول لرجل خصمته وحاورته في علم قد أخطأت بحمد الله، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم في هذه الآيات: عسى، أن الساعة قريبة، يوم يدعون فيقومون بخلاف ما تعتقدون الآن، وذلك بحمد الله على صدق خبري، نحا هذا المنحى الطبري ولم يخلصه... وقوله تعالى {وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً} يحتمل معنيين:
أحدهما أنه أخبر أنهم لما رجعوا إلى حالة الحياة، وتصرف الأجساد، وقع لهم ظن أنهم لم ينفصلوا عن حال الدنيا إلا قليلاً لمغيب علم مقدار الزمن عنهم، إذ من في الآخرة لا يقدر زمن الدنيا، إذ هم لا محالة أشد مفارقة لها من النائمين، وعلى هذا التأويل عول الطبري، واحتج بقوله تعالى: {كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوماً أبو بعض يوم}،
والآخر: أن يكون الظن بمعنى اليقين فكأنه قال لهم: يوم تدعون فتستجيبون بحمد الله، وتتيقنون أنكم إنما لبثتم قليلاً، من حيث هو منقض منحصر، وهذا كما يقال في الدنيا بأسرها: متاع قليل، فكأنه قلة قدر على أن الظن بمعنى اليقين يقلق ها هنا لأنه في شيء قد وقع، وإنما يجيء الظن بمعنى اليقين فيما لم يخرج بعد إلى الكون والوجود، وفي الكلام تقوية للبعث، كأنه يقول: أنت أيها المكذب بالحشر، الذي تعتقد أنك لا تبعث أبداً، لا بد أن تدعى للبعث، فتقوم، وترى أنك إنما لبثت قليلاً منقضياً منصرماً...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{يوم} أي يكون ذلك يوم {يدعوكم}... {بحمده} أي بإحاطته سبحانه بكل شيء قدرة وعلماً من غير تخلف أصلاً، بل لغاية الإذعان كما يرشد إليه صيغة استفعل، وأنتم مع سرعة الإجابة تحمدون الله تعالى، أي تثبتون له صفة الكمال... {وتظنون} مع استجابتكم وطول لبثكم {إن} أي ما {لبثتم} ميتين {إلا قليلاً} لشدة ما ترون من الأهوال التي أحاطت بكم والتي تستقبلكم، أو جهلاً منكم بحقائق الأمور كما هي حالكم اليوم كما ترون من -جدة خلقكم وعدم تغيره...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وهو مشهد يصور أولئك المكذبين بالبعث المنكرين له، وقد قاموا يلبون دعوة الداعي، وألسنتهم تلهج بحمد الله. ليس لهم سوى هذه الكلمة من قول ولا جواب! وهو جواب عجيب ممن كانوا ينكرون اليوم كله وينكرون الله، فلا يكون لهم جواب إلا أن يقولوا: الحمد لله. الحمد لله!... وتصوير الشعور بالدنيا على هذا النحو يصغر من قيمتها في نفوس المخاطبين، فإذا هي قصيرة قصيرة، لا يبقى من ظلالها في النفس وصورها في الحس، إلا أنها لمحة مرت وعهد زال وظل تحول، ومتاع قليل...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والدعاء يجوز أن يحمل على حقيقته، أي دعاء الله الناس بواسطة الملائكة الذين يسوقون الناس إلى المحشر. ويجوز أن يحمل على الأمر التكويني بإحيائهم، فأطلق عليه الدعاء لأن الدعاء يستلزم إحياء المدعو وحصول حضوره، فهو مجاز في الإحياء والتسخير لحضور الحساب...
والاستجابة مستعارة لمطاوعة معنى {يدعوكم}، أي فتحيون وتمثلون للحساب. أي يدعوكم وأنتم عظام ورفات. وليس للعظام والرفات إدراك واستماع ولا ثم استجابة لأنها فرع السماع وإنما هو تصوير لسرعة الإحياء والإحضار وسرعة الانبعاث والحضور للحساب بحيث يحصل ذلك كحصول استماع الدعوة واستجابتها في أنه لا معالجة في تحصيله وحصوله ولا ريث ولا بطْء في زمانه...
{وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً} فهي عطف على {تستجيبون}، أي وتحسبون أنكم ما لبثتم في الأرض إلا قليلاً. والمراد: التعجيب من هذه الحالة... وهذا التعجيب تنديم للمشركين وتأييد للمؤمنين. والمراد هنا: أنهم ظنوا ظناً خاطئاً، وهو محل التعجيب...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{يدعوكم فتستجيبون بحمده} معناه الإشارة إلى أن إعادتهم لا تكون إلا بأمره سبحانه إجابتهم كقوله تعالى: {كن فيكون (117)} [البقرة]، فالدعوة لا مجاز فيها، والاستجابة تكون بالإيجاز كما ذكرنا في الآية الكريمة... والاستجابة هنا معناها الرغبة في الإجابة وطلبها كأنهم كانوا وهم خامدون في قبورهم يتوقعونها، ولا يستغربونها... وقوله تعالى: {بحمده}، أي حالهم تكون حال الحامد الراغب العالم بقدرة الله تعالى لا حال المستنكر أو المستغرب، وكأنهم يكونون في حال غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا من كفر وإنكار، بل هم على حال الإقرار بالله تعالى وأنه وحده المستحق للألوهية سبحانه وتعالى... وفي ذلك إيمان بما لم يكونوا آمنوا به قبل، أي أنهم أدركوا الحقائق على وجهها ولكن كان حمدهم وإدراكهم بعد فوات الوقت، فلم ينفعهم في إبانها ولم ينفعهم حمد، ولا إيمان... هذا على أن اللبث القليل في الدنيا، ولكن نرى كما رأى كثيرون من علماء السلف أن اللبث القليل كان في القبور قبل البعث...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
ونبه كتاب الله إلى أن الإنسان مهما تلكأ وتشكك وطال به الأمد فإنه سيبعث من مرقده لا محالة، وأنه لا مناص له من تلبية النداء الإلهي والاستجابة إليه يوم البعث والجمع للحساب... وقوله تعالى {بحمده} بعد قوله {فتستجيبون} إشارة إلى أن أشد الناس إنكارا للبعث وإلحادا فيه لا يسعهم إلا أن يستجيبوا لدعوة الله عندما تدق الساعة، راضين غير ساخطين، مطيعين غير متمردين، على خلاف ما كانوا عليه في الدنيا من شك في البعث، وإنكار الحساب...
هذا في يوم القيامة، حيث لا يستطيع أحد الخروج عن مرادات الحق سبحانه بعد أن كان يستطيع الخروج عنها في الدنيا؛ لأن الخالق سبحانه حين خلق الخلق جعل للإرادة الإنسانية سلطاناً على الجوارح في الأمور الاختيارية، فهو مختار يفعل ما يشاء، ويقول ما يشاء، ويترك ما يشاء، فإرادته أمير على جوارحه، أما الأمور القهرية فلا دخل للإرادة بها.
فإذا جاء اليوم الآخر انحلت الإرادة عن الجوارح، ولم يعد لها سلطان عليها، بدليل أن الجوارح سوف تشهد على صاحبها يوم القيامة: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيءٍ "21 "} (سورة فصلت): لقد كانت لكم ولاية علينا في دنيا الأسباب، أما الآن فنحن جميعاً مرتبطون بالمسبب سبحانه، فلا ولاية لكم علينا الآن؛ لذلك يقول الحق تبارك وتعالى عن يوم القيامة: {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار "16 "} (سورة غافر): ففي الدنيا ملك الناس، وجعل مصالح أناس في أيدي آخرين، أما في الآخرة، فالأمر كله والملك كله لله وحده لا شريك له.
فقوله تعالى: {يوم يدعوكم}: أي: يقول لكم اخرجوا من القبور للبعث بالنفخة الثانية في الصور.
{فتستجيبون بحمده}: أي: تقومون في طاعة واستكانة، لا قومة مستنكف أو متقاعس أو متغطرس، فكل هذا انتهى وقته في الدنيا، ونحن الآن في الآخرة.
ونلاحظ أن الحق سبحانه قال: {فتستجيبون}: ولم يقل: فتجيبون؛ لأن استجاب أبلغ في الطاعة والانصياع، كما نقول: فهم واستفهم أي: طلب الفهم، وكذلك (فتستجيبون) أي: تطلبون أنتم الجواب، وتلحون عليه لا تتقاعسون فيه، ولا تتأبون عليه، فتسرعون في القيام. ليس هذا وفقط، بل: {فتستجيبون بحمده}: أي: تسرعون في القيام حامدين الله شاكرين له، ولكن كيف والحمد لا يكون إلا على شيء محبوب؟
نعم، إنهم يحمدون الله تعالى؛ لأنهم عاينوا هذا اليوم الذي طالما ذكرهم به، ودعاهم إلى الإيمان به، والعمل من أجله، وطالما ألح عليهم ودعاهم، ومع ذلك كله جحدوا وكذبوا، وهاهم اليوم يرون ما كذبوه وتتكشف لهم الحقيقة التي أنكروها، فيقومون حامدين لله الذي نبههم ولم يقصر في نصيحتهم. كما أنك تنصح ولدك بالمذاكرة والاجتهاد، ثم يخفق في الامتحان فيأتيك معتذراً: لقد نصحتني ولكني لم أستجب.
إذن: فبيان الحق سبحانه لأمور الآخرة من النعم التي لا يعترف بها الكفار في الدنيا، ولكنهم سيعترفون بها في الآخرة، ويعرفون أنها من أعظم نعم الله عليهم، ولكن بعد فوات الأوان...
ثم يقول تعالى: {وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً}: الظن: خبر راجح؛ لأنهم مذبذبون في قضية البعث لا يقين عندهم بها.
(إن لبثتم) أي: أقمتم في الدنيا، أو في قبوركم؛ لأن الدنيا متاع قليل، ومادامت انتهت فلن يبقى منها شيء. وكذلك في القبور؛ لأن الميت في قبره شبه النائم لا يدرك كم لبث في نومه، ولا يتصور إلا النوم العادي الذي تعوده الناس...