قوله : { ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ } .
اللام لامُ الغرض ؛ فيدل على أن أفعال الله تعالى معلَّلة بالأغراض ، وقد تقدم الكلام فيه ، ونظير هذه الآية في القرآن كثير ، منها ما سبق في هذه السورة ، وفي سورة البقرة : { إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ } [ البقرة : 143 ] وفي آل عمران : { وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ } [ آل عمران : 142 ] وقوله : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ } [ محمد : 31 ] .
وقال بعض العلماء : " لِنعلمَ " أي : علم المشاهدة .
وقوله : { لِنَعْلَمَ } : متعلق بالبعث ، والعامة على نون العظمة ؛ جرياً على ما تقدم وقرأ{[20837]} الزهريُّ " ليَعْلم " بياء الغيبة ، والفاعل الله تعالى ، وفيه التفاتٌ من التكلم إلى الغيبة ، ويجوز أن يكون الفاعل " أيُّ الحِزبينِ " إذا جعلناها موصولة ، كما سيأتي .
وقرئ{[20838]} " ليُعلمَ " مبنيًّا للمفعول ، والقائم مقام الفاعل ، قال الزمخشريُّ : " مضمون الجملة ، كما أنه مفعول العلم " . وردَّه أبو حيان بأنه ليس مذهب البصريين ، وتقدم تحقيق هذا أول البقرة .
وللكوفيين في قيام الجملة مقام الفاعل أو المفعولِ الذي لم يسمَّ فاعله : الجواز مطلقاً ، والتفصيل بين ما تعلق به ؛ كهذه الآية فيجوز ، فالزمخشريُّ نحا نحوهم على قوليهم ، وإذا جعلنا " أيُّ الحزبَينِ " موصولة ، جاز أن يكون الفعل مسنداً إليه في هذه القراءة أيضاً ؛ كما جاز إسناده إليه في القراءة قبلها .
وقرئ{[20839]} " ليُعْلِمَ " بضم الياء ، والفاعل الله تعالى ، والمفعول الأول محذوف ، تقديره : ليعلم الله الناس ، و " أيُّ الحِزْبيْنِ " في موضع الثاني فقط ، إن كانت عرفانية ، وفي موضع المفعولين إن كانت يقينيَّة .
إحداهما : أنَّ على هذا التقدير : لا يلزم إثبات العلم المتجدِّد لله ، بل المقصود أنَّا بعثناهم ؛ ليحصل هذا العلمُ لبعض الخلقِ .
والثانية : أنَّ على هذا التقدير : يجب ظهور النَّصب في قوله " أيُّ " لكن لقائلٍ أن يقول الإشكال باقٍ ؛ لأنَّ ارتفاع لفظة " أيُّ " بالابتداء لا بإسناده " ليُعْلِمَ " إليه .
ولمجيبٍ بأن يجيب ؛ فيقول : لا يمتنعُ اجتماعُ عاملين على معمولٍ واحدٍ ؛ لأنَّ العوامل النحوية علاماتٌ ومعرفاتٌ ، ولا يمتنع اجتماع معرفاتٍ كثيرة على شيءٍ واحد .
قوله : " أحْصَى " يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أنه أفعلُ تفضيلٍ ، وهو خبر ل " أيُّهُم " و " أيُّهُم " استفهامية ، وهذه الجملة معلقة للعلم قبلها ، و " لِمَا لَبثُوا " حال من " أمَداً " ، لأنه لو تأخَّر عنه ، لكان نعتاً له ، ويجوز أن تكون اللامُ على بابها من العلَّة ، أي : لأجل ، قاله أبو البقاء{[20840]} ، ويجوز أن تكون زائدة ، و " ما " مفعولة : إمَّا ب " أحْصَى " على رأي من يعمل أفعل التفضيل في المفعول به ، وإما بإضمار فعلٍ ، و " أمداً " مفعول " لبثُوا " أو منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ يدلُّ عليه أفعل عند الجمهور ، أو منصوب بنفس أفعل عند من يرى ذلك .
والوجه الثاني : أن يكون " أحْصَى " فعلاً ماضياً [ أي : أيهم ضبط أمداً لأوقات لبثهم ]{[20841]} و " أمداً " مفعوله ، و " لما لبثُوا " متعلق به ، أو حال من " أمداً " أو اللام فيه مزيدة ، وعلى هذا : ف " أمداً " منصوب ب " لبثُوا " و " ما " مصدريَّة ، أو بمعنى " الذي " واختار الأول - أعني كون " أحْصى " للتفضيل - الزجاج{[20842]} والتبريزيُّ ، واختار الثاني أبو عليٍّ والزمخشري وابن عطية ، قال الزمخشري : " فإن قلت : فما تقول فيمن جعله من أفعل التفضيل ؟ قلت : ليس بالوجه السديد ، وذلك أن بناءه من غير الثلاثيِّ ليس بقياسٍ ، ونحو " أعْدَى من الجَربِ " و " أفلسُ من ابنِ المُذلَّقِ " شادٌّ ، و القياس على الشاذِّ في غير القرآن ممتنعٌ ، فكيف به ؟ ولأنَّ " أمَداً " : إمَّا أن ينتصب بأفعل ، وأفعلُ لا يعمل ، وإمَّا أن ينتصب ب " لَبِثُوا " فلا يسدُّ عليه المعنى ، فإن زعمت أني أنصبه بفعلٍ مضمرٍ ، كما أضمر في قوله :
. . . . . . . . . . . . . . . . . *** وأضْرَبَ منَّا بالسُّيُوفِ القَوانِسَا{[20843]}
فقد أبعدتَّ المتناول ؛ حيث أبَيْتَ أن يكون " أحْصَى " فعلاً ، ثم رجعت مضطراً إلى تقديره " .
وناقشه أبو حيان فقال : " أمَّا دعواه أنَّه شاذٌّ ، فمذهب سيبويه خلافه ، وذلك أنَّ أفعل فيه ثلاثةُ مذاهب : الجواز مطلقاً ، ويعزى لسيبويه{[20844]} ، والمنع مطلقاً ، وهو مذهبُ الفارسيِّ ، والتفصيل : بين أن يكون همزته للتعديةِ ، فيمتنع ، وبين ألاَّ تكون ، فيجوز ، وهذا ليست الهمزة فيه للتعدية ، وأما قوله : " أفْعَلُ لا يَعْملُ " فليس بصحيح ؛ لأنه يعمل في التمييز ، و " أمَداً " تمييزٌ لا مفعولٌ به ، كما تقول : زيدٌ أقطع النَّاس سيفاً ، وزيدٌ أقطع للْهَامِ سَيْفاً " .
قال شهاب الدين : الذي أحوج الزمخشريَّ إلى عدمِ جعله تمييزاً ، مع ظهوره في بادئ الرأي عدم صحَّة معناه ، وذلك : أنَّ التمييز شرطه في هذا الباب : أن تصحَّ نسبةُ ذلك الوصفِ الذي قبله إليه ، ويتَّصف به ؛ ألا ترى إلى مثاله في قوله : زَيْدٌ أقطعُ النَّاس سَيْفاً " كيف يصحُّ أن يسند إليه ، فيقال : زيدٌ قطع سيفه ، وسيفه قاطعٌ ، إلى غير ذلك ، وهنا ليس الإحصاء من صفة الأمدِ ، ولا تصحُّ نسبته إليه ، وإنَّما هو من صفات الحزبين ، وهو دقيق .
وكان أبو حيان نقل عن أبي البقاء نصبه على التمييز ، وأبو البقاء لم يذكر نصبه على التمييز حال جعله " أحْصَى " أفعل تفضيلٍ ، وإنما ذكر ذلك حين ذكر أنه فعل ماضٍ ، قال أبو البقاء{[20845]} : في أحصى وجهان :
أحدهما : هو فعلٌ ماضٍ ، و " أمَداً " مفعوله .
و " لما لبثُوا " نعتٌ له ، قدِّم ، فصار حالاً ، أو مفعولاً له ، أي : لأجل لبثهم ، وقيل : اللام زائدة و " ما " بمعنى " الذي " و " أمداً " مفعول " لَبِثُوا " وهو خطأ ، وإنما الوجه أن يكون تمييزاً ، والتقدير : لما لبثوهُ .
والوجه الثاني : هو اسم ، و " أمداً " منصوب بفعلٍ دلَّ عليه الاسم انتهى ، فهذا تصريح بأنَّ " أمَداً " حال جعله " أحْصَى " اسماً ، ليس بتمييز بل مفعول به بفعل مقدر ، وأنه جعله تمييزاً عن " لبثُوا " كما رأيت .
ثم قال أبو حيَّان : " وأمَّا قوله " وإمَّا أن ينصب ب " لبثُوا " فلا يسدُّ عليه المعنى ، أي : لا يكون معناه سديداً ، فقد ذهب الطبريُّ إلى أنه منصوب ب " لبِثوا " قال ابن عطيَّة : " وهو غير متَّجهٍ " انتهى ، وقد يتَّجه : وذلك أنَّ الأمد هو الغاية ، ويكون عبارة عن المدَّة من حيث إنَّ المدَّة غاية هي أمد المدَّة على الحقيقة ، و " ما " بمعنى " الذي " و " أمداً " منصوب على إسقاط الحرف ، وتقديره : لما لبثوا من أمدٍ ، أي : من مدة ، ويصير " مِنْ أمدٍ " تفسيراً لما أبهم من لفظ " ما " كقوله : { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ } [ البقرة : 106 ] { مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ } [ فاطر : 2 ] ولمَّا سقط الحرف ، وصل إليه الفعل " .
قال شهاب الدين : يكفيه أنَّ مثل ابن عطيَّة جعله غير متَّجهٍ ، وعلى تقدير ذلك ، فلا نسلِّم أن الطبري عنى نصبه ب " لَبِثُوا " مفعولاً به ، بل يجوز أن يكون عنى نصبه تمييزاً ؛ كما قاله أبو البقاء .
ثم قال : وأمَّا قوله : فإنْ زَعَمْتَ إلى آخره ، فنقول : لا يحتاج إلى ذلك ؛ لأنَّ لقائل ذلك أن يذهب مذهب الكوفيين في أنَّه ينصب " القَوانِسَ " بنفس " أضْرَبُ " ولذلك جعل بعض النحاة أنَّ " أعْلَمُ " ناصب ل " مَنْ " في قوله : { أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ } [ الأنعام : 117 ] ، وذلك لأنَّ أفعل مضمَّن لمعنى المصدر ؛ إذ التقدير : " يزيدُ ضَرْبنَا القَوانِسَ على ضَرْبِ غَيْرنا " .
قال شهاب الدين : هذا مذهبٌ مرجوحٌ ، وأفعل التفضيل ضعيف ، ولذلك قصر عن الصفةِ المشبهة باسم الفاعل ؛ حيث لم يؤنَّث ، ولم يثنَّ ، ولم يجمع .
وإذا جعلنا " أحْصَى " اسماً فجوَّز أبو حيان في " أي " أن تكون الموصولة ، و " أحْصَى " خبر لمبتدأ محذوف ، هو عائدها ، وأنَّ الضمة للبناء على مذهب سيبويه{[20846]} لوجود شرط البناء ، وهو إضافتها لفظاً ، وحذف صدر صلتها ، وهذا إنما يكون على جعل العلم بمعنى العرفان ؛ لأنَّه ليس في الكلام إلا مفعولٌ واحدٌ ، وتقدير آخر لا حاجة إليه ، إلا أنَّ في إسناد " عَلِمَ " بمعنى عرف إلى الله تعالى إشكالاً تقدَّم تحريره في الأنفالِ وغيرها ، وإذا جعلناه فعلاً ، امتنع أن تكون موصولة ؛ إذ لا وجه لبنائها حينئذ ، وهو حسن .
روى عطاءٌ عن ابن عبَّاس أنَّ المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك{[20847]} ، فأصحاب الكهف حزبٌ ، والملوك حزبٌ .
وقال مجاهدٌ : " الحزبين " من قوم الفتية{[20848]} ؛ لأنَّهم لما انتبهوا ، اختلفوا في أنَّهم كم ناموا ؛ لقوله تعالى : { قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ } [ الكهف : 19 ] .
وكأنَّ الذين قالوا : " ربُّكُمْ أعلم بِمَا لَبثْتُم " هم الذين علمُوا بطول مكثهم .
وقال الفراء : هم طائفتان من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدَّة لبثهم .
وقولهم : { أحصى لِمَا لَبِثُواْ } أي : أحفظ لما مكثُوا في كهفهم نياماً { أَمَدًا } أي : غاية .