روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا} (24)

{ إِلاَّ أَن يَشَاء الله } استثناء متعلق بالنهي على ما اختاره جمع من المحققين ، وقول ابن عطية اغتراراً برد الطبري إنه من الفساد بحيث كان الواجب أن لا يحكى خروج عن الانصاف ، وهو مفرغ من أعم الأحوال .

وفي الكلام تقدير باء للملابسة داخلة على أن والجار والمجرور في موضع الحال أي لا تقولن ذلك في حال من الأحوال إلا حال ملابسته بمشيئة الله عز وجل بأن تذكر ، قال في «الكشف » : إن التباس القول بحقيقة المشيئة محال فبقى أن يكون بذكرها وهو إن شاء الله تعالى ونحوه مما يدل على تعليقه الأمور بمشيئة الله تعالى .

ورد بما يصلح أن يكون تأييداً لا رداً ، وجوز أن يكون المستثنى منه أعم الأوقات أي لا تقولن ذلك في وقت من الأوقات إلا في وقت مشيئة الله تعالى ذلك القول منك ، وفسرت المشيئة على هذا بالإذن لأن وقت المشيئة لا يعلم إلا بإعلامه تعالى به وإذنه فيه فكيون مآل المعنى لا تقولن إلا بعد أن يؤذن لك بالقول . وجوز أيضاً أن يكون الاستثناء منقطعاً ، والمقصود منه التأبيد أي ولا تقولن ذلك أبداً ، ووجه ذلك في «الكشف » بأنه نهى عن القول إلا وقت مشيئة الله تعالى وهي مجهولة فيجب الانتهاء أبداً ، وأشار إلى أنه هو مراد الزمخشري لا ما يتوهم من جعله مثل قوله تعالى : { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله } [ الأعراف : 89 ] من أن التأبيد لعدم مشيئته تعالى فعل ذلك غدا لقبحه كالعود في ملة الكفر لأن القبح فيما نحن فيه على إطلاقه غير مسلم ، والتخصيص بما يتعلق بالوحي على معنى لا تقولن فيما يتعلق بالوحي إني أخبركم به إلا أن يشاء الله تعالى والله تعالى لم يشأ أن تقوله من عندك فإذا لا تقولنه أبداً يأباه النكرة في سياق النهي المتضمن للنفي والتقييد بالمستقبل ، وأن قوله : { فَاعِلٌ ذلك غَداً } أي مخبر عن أمر يتعلق بالوحي غداً غير مؤذن بأن قوله في الغد يكون من عنده لا عن وحي فالتشبيه في أن الاستثناء بالمشيئة استعمل في معرف التأبيد وإن كان وجه الدلالة مختلفاً أخذاً من متعلق المشيئة تارة ومن الجهل بها أخرى ، ولا يخفي أن الظاهر في الآية الوجه الأولى وأن أمته صلى الله عليه وسلم وهو في الخطاب الذي تضمنته سواء مخصوصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ويجوز أن يكون الاستثناء متعلقاً بقوله تعالى : { إِنّى فَاعِلٌ } [ الكهف : 23 ] بأن يكون استثناء مفرغاً مما في حيزة من أعم الأحوال أو الأوقات لأنه حينئذ إما أن تعتبر تعلق المشيئة بالفعل فيكون المعنى إني افعل في كل حال أو في كل وقت إلا في حال أو وقت مشيئة الله تعالى الفعل وهو غير سديد أو يعتبر تعلقها بعدمه فيكون المعنى إني فاعل في كل حال أو في كل وقت إلا في حال أو وقت مشيئة الله تعالى عدم الفعل ، ولا شبهة في عدم مناسبته للنهي بل هو أمر مطلوب .

وقال الخفاجي : إذا كان الاستثناء متعلقاً ب { أني فاعل } [ الكهف : 23 ] والمشيئة متعلقة بالعدم صار المعنى إني فاعل في كل حال إلا إذا شاء الله تعالى عدم فعلي وهذا لا يصح النهي عنه ، أما على مذهب أهل السنة فظاهر ، وأما على مذهب المعتزلة فلأنهم لا يشكون في أن مشيئة الله تعالى لعدم فعل العبد الاختياري إذا عرضت دونه بإيجاد ما يعوق عنه من الموت ونحوه منعت عنه وإن لم تتعلق عندهم بإيجاده وإعدامه ، وكذا لا يصح النهي إذا كانت المشيئة متعلقة بالفعل في المذهبين ، فما قيل : إن تعلق الاستثناء بما ذكر صحيح والمعنى عليه النهي عن أن يذهب مذهب الاعتزال في خلق الأعمال فيضيفها لنفسه قائلاً إن لم تقترن مشيئة الله تعالى بالفعل فإنا فاعله استقلالاً فإن اقترنت فلا لا يخفي ما فيه على نبيه فتأمل . وقد شاع الاعتراض على المعتزلة في زعمهم أن المعاصي واقعة من غير إرادة الله تعالى ومشيئته وإنه تعالى لا يشاء إلا الطاعات بأنه لو كان كذلك لوجب فيما إذا قال : الذي عليه دين لغيره قد طالبه به والله لأعطيتك حقك غداً إن شاء الله تعالى أن يكون حانثاً إذا لم يفعل لأن الله تعالى قد شاء ذلك لكونه طاعة وإن لم يقع فتلزمه الكفارة عن يمينه ولم ينفعه الاستثناء كما لو قال : والله لأعطينك إن قام زيد فقام ولم يفعل ، وفي التزام الحنث في ذلك خروج عن الإجماع . وقد أجاب عنه المرتضى بأن للاستثناء الداخل في الكلام وجوهاً مختلفة فقد يدخل في الإيمان والطلاق والعتاق وسائر العقود وما يجري مجراها من الأخبار وهذا يقتضي التوقف عن إمضاء الكلام والمنع من لزوم ما يلزم به ويصير به الكلام كأنه لا حكم له ، ويصح في هذا الوجه الاستثناء في الماضي فيقال : قد دخلت الدار إن شاء الله تعالى ليخرج بذلك من أن يكون خبراً قاطعاً أو يلزم به حكم ، ولا يصح في المعاصي لأن فيه إظهار الانقطاع إلى الله تعالى والمعاصي لا يصلح ذلك فيها قال : وهذا الوجه أحد محتملات الآية ، وقد يدخل في الكلام ويراد به التسهيل والأقدار والتخلية والبقاء على ما هو عليه من الأحوال وهذا هو المراد إذا دخل في المباحات وهو ممكن في الآية ، وقد يدخل لمجرد غرض الانقطاع إلى الله تعالى ويكون على هذا غير معتد به في كون الكلام صادقاً أو كاذباً وهو أيضاً ممكن في الآية ، وقد يدخل ويراد به اللطف والتسهيل وهذا يختص بالطاعات ولا يصح أن تحمل الآية عليه لأنها تتناول كل ما لم يكن قبيحاً .

وقول المديون السابق إن قصد به هذا المعنى لا يلزم منه الحنث إذا لم يفعل ، ويدين المديون . وغيره إن ادعى قصد ما لا يلزمه فيه شيء فلا ورود لما اعترضوا به ، والإنصاف أن الاعتراض ليس بشيء والرد عليهم غني عن مثل ذلك ، هذا ثم اعلم أن إطلاق الاستثناء على التقييد بأن شاء الله تعالى بل على التقييد بالشرط مطلقاً ثابت في اللغة والاستعمال كما نص عليه السيرافي في شرح الكتاب .

وقال الراغب : الاستثناء دفع ما يوجبه عموم سابق كما في قوله تعالى : { قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيْ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً } [ الأنعام : 145 ] الخ أو دفع ما يوجبه اللفظ كقوله : امرأته طالق إن شاء الله تعالى انتهى .

وفي الحديث «من حلف على شيء فقال : إن شاء الله تعالى فقد استثنى » فما قيل : إن كلمة إن شاء الله تعالى تسمى استثناء لأنه عبر عنها هنا بقوله سبحانه : { إِلاَّ أَن يَشَاء الله } ليس بسديد فكذا ما قيل : إنها أشبهت الاستثناء في التخصيص فأطلق عليها اسمه كذا قال الخفاجي ، ولا يخفي أن في الحديث نوع إباء لدعوى أن إطلاق الاستثناء على التقييد بأن شاء الله تعالى لغوي لأنه صلى الله عليه وسلم لم يبعث لإفادة المدلولات اللغوية بل لتبليغ الأحكام الشرعية فتذكر .

{ واذكر رَّبَّكَ } تعالى أي مشيئة ربك فالكلام على حذف مضاف ، وذكر مشيئته تعالى على ما يدل عليه ما قبل أن يقال إن شاء الله تعالى ، وقد قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت { إِذَا نَسِيتَ } أي إذا فرط منك نسيان ذلك ثم تذكرته فإنه ما دام ناسياً لا يؤمر بالذكر وهو أمر بالتدارك عند التذكر سواء قصر الفصل أم طال . وقد أخرج ابن جرير . والطبراني . وابن المنذر . وغيرهم عن ابه عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة ويقرأ الآية ، وروي ذلك عن أئمة أهل البيت رضي الله تعالى عنهم وهو رواية عن الإمام أحمد عليه الرحمة ، وأخرج ابن المنذر عن ابن جبير في رجل حلف ونسي أن يستثني قال : له ثنياه إلى شهر ، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن دينار عن عطاء أنه قال : من حلف على يمين فله الثنيا حلب ناقة قال : وكان طاووس يقول ما دام في مجلسه ، وأخرج ابن أبي حاتم أيضاً عن إبراهيم قال : يستثني ما دام في كلامه ، وعامة الفقهاء على اشتراط اتصال الاستثناء في عدم الحنث ولو صح جواز الفصل وعدم تأثيره في الأحكام لاسيما إلى الغاية المروية عن ابن عباس لما تقرر إقرار ولا طلاق ولا عتاق ولم يعلم صدق ولا كذب .

ويحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه خالف ابن عباس في هذه المسألة فاستحضره لينكر عليه فقال له أبو حنيفة : هذا يرجع إليك إنك تأخذ البيعة بالإيمان أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك فاستحسن كلامه .

ومن غريب ما يحكى أن رجلاً من علماء المغرب أحب أن يرى علماء بغداد ويتحقق مبلغ علمهم فشد الرحل للاجتماع معهم فدخل بغداد من باب الكرخ فصادف رجلين يمشيان أمامه يبيعان البقل في أطباق على رؤوسهما فسمع أحدهما يقول لصاحبه : يا فلان أني لأعجب من ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كيف جوز فصل الاستثناء ، وقال بعدم تأثيره في الأحكام ولو كان الأمر كما يقول لأمر الله تعالى نبيه أيوب عليه السلام بالاستثناء لئلا يحنث فإنه أقل مؤنة مما أرشده سبحانه إليه بقوله تعالى : { فَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضرب بّهِ وَلاَ تَحْنَثْ } [ ص : 44 ] وليس بين حلفه وأمره بما ذكره أكثر من سنة فرجع ذلك الرجل إلى بلده واكتفي بما سمع ورأى فسئل كيف وجدت علماء بغداد ؟ فقال : رأيت من يبيع البقل على رأسه في الطرقات من أهلها بلغ مبلغاً من العلم يعترض به على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فما ظنك بأهل المدارس المنقطعين لخدمة العلم . والإنصاف أن هذا الاعتراض على علامة يستكثر ممن يبيع البقل والله تعالى أعلم بصحة النقل ، لا يقال : إن ظاهر الآية على ما سمعت يطابق ما ذهب إليه الحبر وإلا لم يكن للتدارك معنى وكذا ما جاء في الخبر لما قالوا : إن التدارك فيما يرجع إلى تفويض العبد يحصل بذكره بعد التنبه أما في التأثير في الحكم حتى يخرجه عن الجزم فليست الآية مسوقة له ولا دالة عليه بوجه .

وقال بعضهم : إن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم فله عليه الصلاة والسلام أن يستثنى ولو بعد حين بخلاف غيره .

فقد أخرج ابن أبي حاتم . وابن مردويه . والطبراني في الكبير بسند متصل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية : إذا نسيت الاستثناء فاستثن إذا ذكرت ثم قال : هي خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لأحدنا أن يستثني إلا في صلة يمين ، وقيل ليس في الآية والخبر أن الاستثناء المتدارك من القول السابق بل من مقدر مدلول به عليه والتقدير في الآية كلما نسيت ذكر الله تعالى اذكره حين التذكر إن شاء الله تعالى ، وفي الحديث لا أنسى المشيئة بعد اليوم ولا أتركها إن شاء الله تعالى أو أقول إن شاء الله تعالى إذا قلت إني فاعل أمراً فيما بعد ، ولا يخفي أنه خلاف الظاهر جداً .

وجوز أن يكون المعنى واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء ، والمراد من ذلك المبالغة في الحث عليه بإيهام أن تركه من الذنوب التي جيب لها التوبة والاستغفار ، وقيل المعنى واذكر ربك وعقابه إذا تركت بعض ما أمرك به ليبعثك ذلك على التدارك ، وحمل النسيان على الترك مجاز لعلاقة السببية والمسببية أو اذكر ربك إذا عرض لك نسيان ليذكرك المنسي ، و { نَسِيتُ } على هذا منزل منزلة اللازم ، ولا يخفي بعد ارتباط الآية على هذين المعنيين بما سبق .

وحمل قتادة الآية على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها فإذا أراد أن المراد من الآية واقض الصلاة المنسية إذ ذكرتها فهو كما ترى وأمر الارتباط كما في سابقه ، وإن أراد أنها تدل على الأمر بقضاء الصلاة المنسية عند ذكرها لما أنها دلت على الأمر بذكر الاستثناء المنسي ، وأمر الصلاة أشد والاهتمام بها أعظم فالأمر أسهل ولكن ظاهر كلامهم أنه أراد الأول .

وأخرج ابن أبي شيبة . والبيهقي في «شعب الإيمان » وغيرهما عن عكرمة أنه قال في الآية : أي اذكر ربك إذا غضبت ، ووجه تفسير النسيان بالغضب أنه سبب للنسيان ، وأمر ذها القول نظير ما مر .

{ وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبّى } أي يوفقني { لاِقْرَبَ مِنْ هذا } أي لشيء أقرب وأظهر من نبأ أصحاب الكهف من الآيات والدلائل الدالة على نبوتي { رَشَدًا } إرشاداً للناس ودلالة على ذلك .

وإلى هذا ذهب الزجاج ، وقد فعل ذلك عز وجل حيث آتاه من الآيات البينات ما هو أعظم من ذلك وأبين كقصص الأنبياء عليهم السلام المتباعدة أيامهم والحوادث النازلة في الاعصار المستقبلة إلى قيام الساعة ، وكأنه تهوين منه عز وجل لأمر قصة أصحاب الكهف كما هونه جل وعلا أولاً بقوله سبحانه : { أَمْ حَسِبْتَ } [ الكهف : 9 ] الخ ، وهو متعلق بمجموع القصة ، وعطفه بعض الأفاضل على العامل في قوله تعالى : { إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف } [ الكهف : 10 ] كأنه قيل اذكر إذ أوى الفتية الخ وقل عسى أن يهديني ربي لما هو أظهر من ذلك دلالة على نبوتي .

وقال الجبائي : هو متعلق بقوله تعالى : { واذكر رَّبَّكَ } إلى آخره ؛ والمعنى عنده أدع ربك سبحانه وتعالى إذا نسيت شيئاً أن يذكرك إياه وقل إن لم يذكرك سبحانه عسى أن يهديني لشيء أقرب من المنسي خيراً ومنفعة { فهذا } إشارة إلى المنسي والرشد الخير والمنفعة و { أَقْرَبُ } على معناه الحقيقي ، ولا يخفي أن هذا أقرب من جهة المتعلق وأبعد من جهات ، وقيل : إنه متعلق بالمتعاطفات قبله و { هذا } إشارة ما تضمنته من الخير أمراً ونهياً كأنه قيل افعل كذا ولا تفعل كذا واطمع من ربك أن يهديك لأقرب مما أرشدت إليه في ضمن ما سمعت من الأمر والنهي خيراً ومنفعة ، وقد هدى صلى الله عليه وسلم في ضمن ما أنزل عليه عليه الصلاة والسلام بعد ذلك من الأوامر والنواهي إلى ما هو أقرب من ذلك منفعة ولا يكاد يحصى وهو كما ترى ، ولعله على علاته أقرب مما نقل عن الجبائي ، وقال ابن الأنباري : معنى الآية عسى أن يعرفني ربي جواب مسائلكم قبل الوقت الذي حددته لكم ويعجل لي من جهته الرشاد ، ولا يكاد يستفاد هذا المعنى من الآية ، وعلى فرض الاستفادة تكون نظير استفادة المعاني المرادة من المعميات ويجل كتاب الله تعالى الكريم عن ذلك .

وأخرج البيهقي من طريق المعتمر بن سليمان قال : سمعت أبي يحدث عن رجل من أهل الكوفة أنه كان يقول : إذا نسي الإنسان الاستثناء فتوبته أن يقول : { عسى أَن يَهْدِيَنِى ربّى لأِقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا } وحكاه أبو حيان عن محمد الكوفي المفسر ، والظاهر أنه الرجل الذي ذكره المعتمر ، وهو قول لا دليل عليه .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا} (24)

وفيه رد الفعل إلى مشيئة العبد استقلالا ، وذلك محذور محظور ، لأن المشيئة كلها لله { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } ولما في ذكر مشيئة الله ، من تيسير الأمر وتسهيله ، وحصول البركة فيه ، والاستعانة من العبد لربه ، ولما كان العبد بشرا ، لا بد أن يسهو{[487]}  فيترك ذكر المشيئة ، أمره الله أن يستثني بعد ذلك ، إذا ذكر ، ليحصل المطلوب ، وينفع المحذور ، ويؤخذ من عموم قوله : { وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } الأمر بذكر الله عند النسيان ، فإنه يزيله ، ويذكر العبد ما سها عنه ، وكذلك يؤمر الساهي الناسي لذكر الله ، أن يذكر ربه ، ولا يكونن من الغافلين ، ولما كان العبد مفتقرا إلى الله في توفيقه للإصابة ، وعدم الخطأ في أقواله وأفعاله ، أمره الله أن يقول : { عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا } فأمره أن يدعو الله ويرجوه ، ويثق به أن يهديه لأقرب الطرق الموصلة إلى الرشد . وحري بعبد ، تكون هذه حاله ، ثم يبذل جهده ، ويستفرغ وسعه في طلب الهدى والرشد ، أن يوفق لذلك ، وأن تأتيه المعونة من ربه ، وأن يسدده في جميع أموره .


[487]:- كذا في ب، وفي أ: يسهي.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا} (24)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 23]

وهذا تأديب من الله عزّ ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم عهد إليه أن لا يجزم على ما يحدث من الأمور أنه كائن لا محالة، إلا أن يصله بمشيئة الله، لأنه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله.

وإنما قيل له ذلك فيما بلغنا من أجل أنه وعد سائليه عن المسائل الثلاث اللواتي قد ذكرناها فيما مضى، اللواتي إحداهنّ المسألة عن أمر الفتية من أصحاب الكهف أن يجيبهم عنهنّ غد يومهم، ولم يستثن، فاحتبس الوحي عنه فيما قيل من أجل ذلك خمس عشرة، حتى حزنه إبطاؤه، ثم أنزل الله عليه الجواب عنهنّ، وعرف نبيه سبب احتباس الوحي عنه، وعلّمه ما الذي ينبغي أن يستعمل في عِدَاته وخبره عما يحدث من الأمور التي لم يأته من الله بها تنزيل، فقال:"وَلا تَقُولَنّ" يا محمد "لِشَيْءٍ إنّي فاعِلٌ "ذلك غَدا كما قلت لهؤلاء الذين سألوك عن أمر أصحاب الكهف، والمسائل التي سألوك عنها، سأخبركم عنها غدا "إلاّ أنْ يَشاءَ اللّهُ". ومعنى الكلام: إلا أن تقول معه: إن شاء الله، فترك ذكر تقول اكتفاء بما ذكر منه، إذ كان في الكلام دلالة عليه...

وقوله: "وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ" اختلف أهل التأويل في معناه؛

فقال بعضهم: واستثن في يمينك إذا ذكرت أنك نسيت ذلك في حال اليمين...قال: بلغني أن الحسن، قال: إذا ذكر أنه لم يقل: إن شاء الله، فليقل: إن شاء الله.

وقال آخرون: معناه: واذكر ربك إذا عصيت...

وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: واذكر ربك إذا تركت ذكره، لأن أحد معاني النسيان في كلام العرب الترك...

وقوله: "وَقُلْ عَسَى أنْ يَهْدِينِ رَبّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدا" يقول عزّ ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل: ولعلّ الله أن يهديني فيسدّدني لأسدّ مما وعدتكم وأخبرتكم أنه سيكون، إن هو شاء.

وقد قيل: إن ذلك مما أُمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقوله إذا نسي الاستثناء في كلامه، الذي هو عنده في أمر مستقبل مع قوله: إن شاء الله، إذا ذكر...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 23]

{ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا}... الخطاب... نهيٌ (عن عِدَةٍ لا) يُسْتَثْنَى فيها. وقاس بعض الناس الأيمان على العدات، فيقول: إذا حلف فإنه يلزمه أن يستثني فيها. وذلك فاسد لأن الأيمان تخرج على تعظيم الرب وإجلاله، فلا يجوز أن يؤمر بالثُّنْيَا فيها، لأن الثُّنْيَا نَقْضُ ذلك التعظيم...

وأما العِدَة فإنما هي إضافة الفعل إلى نفسه، وهو لا يملك حقيقته لذلك أمر أن يلحق الثنيا فيه لئلا يلحقه الخُلْفُ في الوعد... وفي قوله: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا} {إلا أن يشاء الله} دلالة أن لا يكون شيء إلا بمشيئة الله حين ندبه إلى الثُّنْيا. ثم إذا خرج على غير ما وعد، يلحقه الخُلْفُ في الوعد، دلَّ أنه قد شاء ذلك، وأنه إذا لم يشأ شيئا لم يكن... وجائز أن يكون المراد بهذا الخطاب غير النبي، وهو الأشبه، لما لا يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يَعِدُ عِدَةً، ولا يذكر الثنيا لما لا يعرف ألا يكون شيء إلا بمشيئة الله وإرادته. وأما غير النبي فجائز ألا يعرف ذلك. لذلك كان غيره أولى بما يخرج منه على التعريف لهم أو للتعليم...

{واذكر ربك إذا نسيت} هذا يحتمل وجهين:

أحدهما {واذكر ربك إذا نسيت} أي إذا ذكرته بعد ما نسيته فاذكره كقوله {وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم لظالمين} (الأنعام: 68) فعلى ذلك هذا.

والثاني {واذكر ربك إذا نسيت} أي: اذكر الثُّنيَا في آخر الكلام {إذا نسيت} في أوله، أعني الثُّنيا. إذ المستحب أن يستثني في أول كلامه على التَّبَرُكِ كقوله {وإنا إن شاء الله لمهتدون} (البقرة: 70) استثنوا أولا ثم وعدوا. فهو المستحب. فكأنه قال: {واذكر ربك} الثنيا في آخر كلامك {إذا نسيت} في أوله... {وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا} قال بعضهم: إن {وقل عسى أن يهدين ربي} الآية هي أوضح على دلالة رسالتي وآخَذُ مما تسألونني من أمر أصحاب الكهف؛ لأنهم كانوا يسألونه عن خبرهم، فيستدلون على رسالته وصدقه، ويقول: {قل إنني هداني ربي} الآية {الأنعام: 161) على دلالة رسالتي التي هي أوضح مما تسألونني وآخذ للقلوب، إذ كانت له آيات حسيات على رسالته. وقال الحسن: قوله {وقل عسى} عسى من الله واجب؛ أي قد هداني ربي الرشد والصواب. وأما غيره من أهل التأويل فيقولون: إنه وعد لأولئك أن يخبرهم إذا عما يسألون، وقال: {عسى أن} يرشدني ربي لأسرع من هذا الميعاد الذي وعدت، والله أعلم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، تشديداً في البعث على الاهتمام بها. وقيل: واذكر ربك إذا تركت بعض ما أمرك به. وقيل: واذكره إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسي... والظاهر أن يكون المعنى: إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك. وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه {رَشَدًا} وأدنى خيراً ومنفعة. ولعل النسيان كان خيرة، كقوله {أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا} [البقرة: 106]...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وقوله {إلا أن يشاء الله} في الكلام حذف يقتضيه الظاهر، ويحسنه الإيجاز، تقديره: إلا أن تقول إلا أن يشاء الله، أو إلا أن تقول إن شاء الله، فالمعنى إلا أن تذكر مشيئة الله، فليس {إلا أن يشاء الله} من القول الذي نهي عنه...

وقوله {واذكر ربك إذا نسيت} قال ابن عباس والحسن معناه، والإشارة به إلى الاستثناء أي ولتستثن بعد مدة، إذا نسيت الاستثناء أولاً لتخرج من جملة من لم يعلق فعله بمشيئة الله، وقال عكرمة: المعنى واذكر ربك إذا غضبت، وتكلم الناس في هذه الآية في الاستثناء في اليمين، والآية ليست في الأيمان، وإنما هي في سنة الاستثناء في غير اليمين...

وقوله {وقل عسى...}، قال محمد الكوفي المفسر: إنها بألفاظها مما أمر أن يقولها كل من لم يستثن، وإنها كفارة لنسيان الاستثناء، وقال الجمهور هو دعاء مأمور به دون هذا التخصيص... والإشارة بهذا إلى الاستدراك الذي يقع من ناسي الاستثناء. وقال الزجاج المعنى عسى أن ييسر الله من الأدلة على نبوتي أقرب من دليل أصحاب الكهف...

وما قدمته أصوب، أي عسى أن يرشدني فيما أستقبل من أمري. وهذه الآية مخاطبة للنبي عليه السلام، وهي بعد تعم جميع أمته، لأنه حكم يتردد الناس بكثرة وقوعه، والله الموفق.

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

{وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي} الْآيَة:... فِيهِ... أَقْوَال:

الْأَوَّلُ: أَمْرٌ قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَعْنَى التَّبَرُّكِ أَو التَّأْدِيبِ.

الثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ من مِيعَادِكُمْ. فَإِنْ قِيلَ: وَأَيُّ قُرْبٍ، وَقَدْ فَاتَ الْأَجَلُ؟ قُلْنَا: الْقُرْبُ هُوَ مَا أَرَادَ اللَّهُ وَقْتَهُ وَإِنْ بَعُدَ، وَالْبُعْدُ مَا لَمْ يُرِدْ اللَّهُ وَقْتَهُ وَإِنْ قَرُبَ...

قَالَ قَوْمٌ: أَيُّ فَائِدَةٍ لِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ حَقِيقٌ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قَامَ، وَكُلُّ أَحَدٍ قَدْ عَلِمَ بِأَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ. قُلْنَا: عَنْهُ أَرْبَعَةُ أَجْوِبَةٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَبُّدٌ من اللَّهِ، فَامْتِثَالُهُ وَاجِبٌ، لِالْتِزَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ، وَانْقِيَادِهِ إلَيْهِ، وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ.

الثَّانِي: أَنَّ الْمَرْءَ قَدْ اشْتَمَلَ عَقْدُهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ كَانَ مَا وَعَدَ بِفِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ وَاتَّصَلَ بِكَلَامِهِ فِي ضَمِيرِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّصِلَ ذَلِكَ من قَوْلِهِ فِي كَلَامِهِ بِلِسَانِهِ، حَتَّى يَنْتَظِمَ اللِّسَانُ وَالْقَلْبُ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ شِعَارُ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَتَعَيَّنَ الْإِجْهَارُ بِهِ، لِيُمَيَّزَ من أَهْلِ الْبِدْعَةِ.

الرَّابِعُ: أَنَّ فِيهِ التَّنْبِيهَ عَلَى مَا يَطْرَأُ فِي الْعَوَاقِبِ بِدَفْعٍ أَوْ تَأَتٍّ، وَرَفْعَ الْإِيهَامِ الْمُتَوَقَّعِ بِقَطْعِ الْعَقْلِ الْمُطْلَقِ فِي الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(وقل: عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا).. من هذا النهج الذي يصل القلب دائما بالله، في كل ما يهم به وكل ما يتوجه إليه. وتجيء كلمة (عسى) وكلمة (لأقرب) للدلالة على ارتفاع هذا المرتقى، وضرورة المحاولة الدائمة للاستواء عليه في جميع الأحوال...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وقد جمعت هذه الآية كرامة للنبيء صلى الله عليه وسلم من ثلاث جهات:

الأولى: أنه أجاب سؤله، فبين لهم ما سألوه إياه على خلاف عادة الله مع المكابرين.

الثانية: أنه علمه علماً عظيماً من أدب النبوءة.

الثالثة: أنه ما علمه ذلك إلا بعد أن أجاب سؤله استئناساً لنفسه أن لا يبادره بالنهي عن ذلك قبل أن يجيبه، كيلا يتوهم أن النهي يقتضي الإعراض عن إجابة سؤاله، وكذلك شأن تأديب الحبيب المكرّم. ومثاله ما في الصحيح: أن حكيم بن حزام قال:"سألت رسول الله فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني، ثم قال: يا حكيم إن هذا المال خَضِرَةٌ حُلوةٌ فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى. قال حكيم: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأُ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا". فعلم حكيم أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم له ذلك ليس القصد منه منعه من سُؤْله وإنما قصد منه تخليقه بخلق جميل، فلذلك أقسم حكيم: أن لا يأخذ عن أحد غير رسول الله شيئاً، ولم يقل: لا أسألك بعد هذه المرة شيئاً.

فنظم الآية أن اللام في قوله: {لشيء} ليست اللام التي يتعدى بها فعل القول إلى المخاطب بل هي لام العلة، أي لا تقولن: إني فاعل كذا لأجل شيء تَعِدُ به، فاللام بمنزلة (في).

و « شيء» اسم متوغل في التنكير يفسره المقام، أي لشيء تريد أن تفعله.

والإشارة بقوله: {ذلك} عائدة إلى « شيء». أي أني فاعل الإخبار بأمر يسألونه.

و {غداً} مستعمل في المستقبل مجازاً. وليست كلمة (غداً) مراداً بها اليوم الذي يلي يَومه، ولكنه مستعمل في معنى الزمان المستقبل، كما يستعمل اليومُ بمعنى زمان الحال، والأمسُ بمعنى زمن الماضي...

وظاهر الآية اقتصار إعمالها على الإخبار بالعزم على فعل في المستقبل دون ما كان من الكلام إنشاءً مثل الأيمان، فلذلك اختلف فقهاء الأمصار في شمول هذه الآية لإنشاء الأيمان ونحوها...

{واذكر ربك إذا نسيت}

عطف على النهي، أي لا تَعِدْ بوعد فإن نسيتَ فقلت: إني فاعل، فاذكر ربك، أي اذكر ما نهاك عنه.

والمراد بالذكر التدارك وهو هنا مشتق من الذُكر بضم الذال، وهو كناية عن لازم التذكر، وهو الامتثال، كما قال عُمر بن الخطاب رضي الله عنه: « أفْضَلُ من ذكر الله باللسان ذِكْرُ الله عند أمره ونهيه».

وفي تعريف الجلالة بلفظ الرب مضافاً إلى ضمير المخاطب دون اسم الجلالة العَلَم من كمال الملاطفة ما لا يخفى.

وحُذف مفعول {نسيت} لظهوره من المقام، أي إذا نسيت النهي فقلت: إني فاعل. وبعض الذين أعْملوا آية {إلا أن يشاء الله} في حل الأيمان بذكر الاستثناء بمشيئة الله جعلوا قوله: {واذكر ربك إذا نسيت} ترخيصاً في تدارك الثنيا عند تذكر ذلك، فمنهم من لم يحد ذلك بمدة. وعن ابن عباس: لا تحديد بمدة بل ولو طال ما بين اليمين والثنيا. والجمهور على أن قوله: {واذكر ربك إذا نسيت} لا دلالة فيه على جواز تأخير الثنيا، واستدلوا بأن السنّة وردت بخلافه.

{وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا}

لما أبر الله وعَد نبيه صلى الله عليه وسلم الذي وعده المشركين أن يبين لهم أمر أهل الكهف فأوحاه إليه وأوقفهم عليْه، أعقب ذلك بعتابه على التصدي لمجارَاتهم في السؤال عما هو خارج عن غرض الرسالة دون إذن من الله، وأمَره أن يذكر نهي ربه. ويعزم على تدريب نفسه على إمساك الوعد ببيان ما يُسأل منه بيانُه دون أن يأذنه الله به، أمره هنا أن يخبر سائليه بأنه ما بُعث للاشتغال بمثل ذلك، وأنه يرجو أن الله يهديه إلى ما هو أقرب إلى الرشد من بيان أمثال هذه القصة، وإن كانت هذه القصة تشتمل على موعظة وهدى ولكن الهدى الذي في بيان الشريعة أعظم وأهم. والمعنى: وقل لهم عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً.

فجملة {وقل عسى أن يهدين} الخ... معطوفة على جملة {فلا تمار فيهم} [الكهف: 22]. ويجوز أن تكون جملة وقل عسى أن يهدين ربي} عطفاً على جملة {واذكر ربك إذا نسيت}، أي اذكر أمره ونهيه وقل في نفسك: عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً، أي ادع الله بهذا.

وانتصب {رشداً} على تمييز نسبة التفضيل من قوله: {لأقرب من هذا}. ويجوز أن يكون منصوباً على أنه مفعول مطلق مبين لنوع فعل {أن يهدين} لأن الرشد نوع من الهداية.

ف {عسى} مستعملة في الرجاء تأدباً، واسم الإشارة عائد إلى المذكور من قصة أهل الكهف بقرينة وقوع هذا الكلام معترضاً في أثنائها.

ويجوز أن يكون المعنى: وارجُ من الله أن يهديك فيُذكرك أن لا تَعِد وعداً ببيان شيء دون إذن الله.

والرّشَد بفتحتين: الهدى والخير. وقد تقدم القول فيه عند قوله تعالى في هذه السورة {وهيء لنا من أمرنا رشداً} [الكهف: 10].

أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن للشنقيطي 1393 هـ :

{وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}. في هذه الآية الكريمة قولان معروفان لعلماء التفسير: الأول أن هذه الآية الكريمة متعلقة بما قبلها، والمعنى: أنك إن قلت سأفعل غداً كذا ونسيت أن تقول إن شاء الله، ثم تذكرت بعد ذلك فقل إن شاء الله؛ أي اذكر ربك معلقاً على مشيئته ما تقول أنك ستفعله غداً إذا تذكرت بعد النسيان. وهذا القول هو الظاهر؛ لأنه يدل عليه قوله تعالى: {وَلاَ تَقْولَنَّ لشيء إني فَاعِلٌ ذلك غَداً 23 إِلاَّ أَن يشاء اللَّهُ} وهو قول الجمهور. وممن قال به ابن عباس والحسن البصري وأبو العالية وغيرهم.

القول الثاني أن الآية لا تعلق لها بما قبلها. أن المعنى: إذا وقع منك النسيان لشيء فاذكر الله؛ لأن النسيان من الشيطان...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

إِنَّ ذكر جُملة (إِن شاء الله) عند اتّخاذ القرارات المرتبطة بالمستقبل ليسَ نوعاً مِن الأدب في محضر الخالق جلَّ وعلا وحسب، بل هُوَ بيان لحقيقة أنّنا لا نملك شيئاً مِن عندنا، بل هُوَ مِن عنده تعالى، وكُلنا نعتمد ونستند إِليه لأنّه هو المستقل بالذات فقط... إِنَّ هذه الحقيقة هي نفسها (توحيد الأفعال) ففي الوقت الذي يملك الإِنسان حريته وإِرادته، فإِنَّ تحقق أي شيء وأي عمل إِنّما يرتبط بمشيئة الخالق جلَّ وعلا...

إِنَّ تعبير (إِن شاء الله) يزيد مِن توجهنا نحو الله تبارك وتعالى، ويمنحنا القوّة والقدرة على الإِنجاز، وهو مَدْعاة إلى تزكية وطهارة وصحة الأعمال أيضاً...