{ واصبر نَفْسَكَ } أي احبسها وثبتها يقال صبرت زيداً أي حبسته ، وفي الحديث النهي عن صبر الحيوان أي حبسه للرمي ، واستعمال ذلك في الثبات على الأمر وتحمله توسع ، ومنه الصبر بمعناه المعروف ، ولم يجعل هذا منه لتعدي هذا ولزومه { مَعَ الذين } أي مصاحبة مع الذين { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى } أي يعبدونه دائماً ، وشاع استعمال مثل هذه العبارة للدوام وهي نظير قولهم : ضرب زيد الظهر والبطن يريدون به ضرب جميع بدنه ، وأبقى غير واحد الغداة والعشي على ظاهرهما ولم يرد عموم الأوقات أي يعبدونه في طرفي النهار ، وخصا بالذكر لأنهما محل الغفلة والاشتغال بالأمور ، والمراد بتلك العبادة قيل ذكر الله تعالى وروى ذلك من طريق مغيرة عن إبراهيم ، وقيل : قراءة القرآن ، وروى ذلك عن عبيد الله بن عبد الله بن عدي بن الخيار ، وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن جبير أن المراد بها المفاوضة في الحلال والحرام .
وعن ابن عمر . ومجاهد هي شهود الصلوات الخمس ، وعن قتادة شهود صلاة الصبح والعصر ، وفيما تقدم ما يؤيد ثاني الأقوال وفيما بعد ما يؤيد ظاهره أولها فتدبر جداً ، والمراد بالموصول فقراء الصحابة عمار . وصهيب . وسلمان . وابن مسعود . وبلال . وإضرابهم قال كفار قريش كأمية بن خلف . وغيره من صناديد أهل مكة لو أبعدت هؤلاء عن نفسك لجالسناك فإن ريح جبابهم تؤذينا فنزلت الآية ، وأخرج ابن مردويه . وأبو نعيم في الحلية . والبيهقي في شعب الإيمان عن سلمان قال : جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن بدر . والأقرع بن حابس فقالوا : يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس وتغيبت عن هؤلاء وأرواح جبابهم يعنون سلمان . وأبا ذر . وفقراء المسلمين وكانت عليهم جباب الصوف جالسناك أو حدثناك وأخذنا عنك فأنزل الله تعالى { واتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كتاب رَبّكَ } إلى قوله سبحانه { أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا } [ الكهف : 27-29 ] يتهددهم بالنار ، وروى أبو الشيخ عن سلمان أنها لما نزلت قام رسول الله عليه الصلاة والسلام يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله تعالى فقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي معكم الحياة والممات .
والآية على هذا مدنية وعلى الأول مكية ، قال أبو حيان : وهو أصح لأن السورة مكية ، وأقول : أكثر الروايات تؤيد الثاني وعليه تكون الآيات مستثناة من حكم السورة وكم مثل ذلك ، وقد أخرج ما يؤيد الأول ابن مردويه من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ولعل الآيات بعد تؤيده أيضاً ، والتعبير عن أولئك بالموصول لتعليل الأمر بما في حيز الصلة من الخصلة الداعية إلى إدامة الصحبة .
وقرأ ابن عامر { بالغدوة } وخرج ذلك على ما ذكره سيبويه . والخليل من أن بعض العرب ينكر غدوة فيقول : جاء زيد غدوة بالتنوين ، على أن الرضى قال : إنه يجوز استعمالها نكرة اتفاقاً ، والمشهور أن الأكثر استعمالها علم جنس ممنوعاً من الصرف فلا تدخل عليها أل لأنه لا يجتمع في كلمة تعريفان ، ومتى أريد ادخالها عليها قصد تنكيرها فادخلت كما قصد تنكير العلم الشخصي في قوله :
وقد كان منهم صاحب وابن عمه*** أبو جندل والزيد زيد المعارك
والقراءة المذكورة مخرجة على ذلك ، واختار بعض المحققين التخريج الأول وقال : إنه أحسن دراية ورواية لأن التنكير في العلم الشخصي ظاهر وأما في الجنسي ففيه خفاء لأنه شائع في إفراده قبل تنكيره إنما يتصور بترك حضوره في الذهن الفارق بينه وبين النكرة ، وهو خفي فلذا أنكره الفناري في «حواشيه على التلويح » في تنكير رجب علم الشهر انتهى ، وللبحث فيه محال .
وهذه الآية كما في البحر أبلغ من التي في الأنعام وهي قوله تعالى : { وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي } { يُرِيدُونَ } بذلك الدعاء { وَجْهَهُ } أي رضاه سبحانه وتعالى دون الرياء والسمعة بناء على ما قاله الإمام السهيلي من أن الوجه إذا أضيف إليه تعالى يراد به الرضا والطاعة المرضية مجازاً لأن من رضى على شخص يقبل عليه ومن غضب يعرض عنه ، وقيل : المراد بالوجه الذات والكلام على حذف مضاف .
وقيل : هو بمعنى التوجه ، والمعنى يريدون التوجه إليه تعالى والزلفي لديه سبحانه ، والأول أولى ، والجملة في موضع الحال من فاعل { يَدَّعُونَ } أي يدعون مريدين ذلك .
{ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } أي لا تصرف عيناك النظر عنهم إلى أبناء الدنيا ، والمراد النهي عن احتقارهم وصرف النظر عنهم لرثاثة حالهم إلى غيرهم فعدا بمعنى صرف المتعدي إلى مفعول بنفسه وإلى آخر بعن ، قال في «القاموس » يقال : عداه عن الأمر عدواً وعدواناً صرفه ، واختار هذا أبو حيان وهو الذي قدر المفعول كما سمعت وقد تتعدى عدا إلى مفعول واحد بعن كما تتعدى إليه بنفسها فتكون بمعنى جاوز وترك ، قال في «القاموس » يقال عدا الأمر وعنه جاوزه وتركه ، وجوز أن يكون معنى الآية على ذلك كأنه قيل لا تتركهم عيناك ، وقيل : إن عدا حقيقة معناه تجاوز كما صرح به الراغب والتجاوز لا يتعدى بعن إلا إذا كان بمعنى العفو كما صرحوا به أيضاً وهو هنا غير مراد فلا بد من تضمين عدا معنى نبا وعلا في قولك : نبت عنه عينه وعلت عنه عينه إذا اقتحمته ولم تعلق به ، وهو الذي ذهب إليه الزمخشري ثم قال : لم يقل ولا تعدهم عيناك أو ولا تعل عيناك عنهم وارتكب التضمين ليعطي الكلام مجموع معنيين وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك : ولا تقحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم ، وتعقبه أبو حيان بأن التضمين لا ينقاس عند البصريين وإنما يذهب إليه عند الضرورة ، أما إذا أمكن إجراء اللفظ على مدلوله الوضعي فإنه يكون أولى ، واعترض أيضاً ما قيل : بأنه لا يلزم من اتحاد الفعلين في المعنى اتحادهما في التعدية فلا يلزم من كون عدا بمعنى تجاوز أن يتعدى كما يتعدى ليقال : إن التجاوز لا يتعدى بعن إلا إذا كان بمعنى العفو وهو غير مراد ، فلا بد من تضمين عدا معنى فعل متعد بعن ، ويكفي كلام القاموس مستنداً لمن خالف الزمخشري فتدبر ولا تغفل .
وقرأ الحسن { وَلاَ تَعْدُ عَيْنَيْكَ } بضم التاء وسكون العين وكسر الدال المخففة من أعداه ونصب العينين ، وعنه وعن عيسى . والأعمشى أنهم قرؤا { وَلاَ تَعْدُ عَيْنَيْكَ } بضم التاء وفتح العين وتشديد الدال المكسورة من عداه يعديه ونصب العينين أيضاً ، وجعل الزمخشري ، و«صاحب اللوامح » الهمزة والتضعيف للتعدية .
وتعقب ذلك في «البحر » بأنه ليس بجيد بل الهمزة والتضعيف في هذه الكلمة لموافقة أفعل وفعل للفعل المجرد وذلك لأنه قد أقر الزمخشري بأنها قبل ذينك الأمرين متعدية بنفسها إلى واحد وعديت بعن للتضمين فمتى كان الأمران للتعدية لزم أن تتعدى إلى اثنين مع أنها لم تتعدى في القراءتين المذكورتين إليهما .
{ تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا } أي تطلب مجالسة من لم يكن مثلهم من الأغنياء وأصحاب الدنيا والجملة على القراءة المتواترة حال من كاف { عَيْنَاكَ } وجازت الحال منه لأنه جزء المضاف إليه ، والعامل على ما قيل معنى الإضافة وليس بشيء .
وقال في «الكشف » : العامل الفعل السابق كما تقرر في قوله تعالى : { بَلْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا } [ البقرة : 135 ] ولك أن تقول : ههنا خاصة العين مقحمة للتأكيد ولا يبعد أن يجعل حالاً من الفاعل ، وتوحيد الضمير إما لاتحاد الإحساس أو للتنبيه على مكان الإقحام أو للاكتفاء بأحدهما عن الآخر أو لأنهما عضو واحد في الحقيقة ، واستبشاع إسناد الإرادة إلى العين مندفع بأن إرادتها كناية عن إرادة صاحبها ألا ترى إلى ما شاع من نحو قولهم : يستلذه العين أو السمع وإنما المستلذ الشخص على أن الإرادة يمكن جعلها مجازاً عن النظر للهو لا للعبر اه .
ولا يخفي أن فيه عدولاً عن الظاهر من غير داع ، وقول بعضهم : إنه لا يجوز مجيء الحال من المضاف إليه في مثل هذا الموضع لاختلاف العامل في الحال وذيها لا يصلح داعياً لظهور ضعفه ، ثم الظاهر أنه لا فرق في جواز كون الجملة حالاً من المضاف إليه أو المضاف على تقدير أن يفسر { تَعْدُ } بتجاوز وتقدير أن تفسر بتصرف .
وخص بعضهم كونها حالاً من المضاف إليه على التقدير الأول وكونها حالاً من المضاف على التقدير الثاني ولعله أمر استحساني ، وذلك لأن في أول الكلام على التقدير الثاني إسناد ما هو من الأفعال الاختيارية ليس إلا وهو الرف إلى العين فناسب إسناد الإرادة إليها في آخره ليكون أول الكلام وآخره على طرز واحد مع رعاية ما هو الأكثر في أحوال الأحوال من مجيئها من المضاف دون المضاف إليه ، وتضمن ذلك عدم مواجهة الحبيب صلى الله عليه وسلم بإسناد إرادة الحياة الدنيا إليه صريحاً وإن كانت مصب النهي ، وليس في أول الكلام ذلك على التقدير الأول إذ الظاهر أن التجاوز ليس من الأفعال الاختيارية لا غير بل يتصف به المختار وغيره ، مع أن في جعل الجملة حالاً من الفاعل على هذا القتدير مع قول بعض المحققين إن المتجاوز في الحقيقة هو النظر احتياجاً إلى اعتبار الشيء وتركه في كلام واحد ، وليس لك أن تجعله استخداماً بأن تريد من العينين أولاً النظر مجازاً وتريد عند عود ضمير { تُرِيدُ } منهما الحقيقة لأن التثنية تأبى ذلك ، وإن اعتبر ذلك أولاً وآخراً ولم يترك احتيج إلى مؤن لا تخفي على المتأمل فتأمل وتدبر ، وهي على القراءتين الشاذتين حال من فاعل الفعل المستتر أي لا تعد أو لا تعد عينيك عنهم مريداً ذلك { وَلاَ تُطِعِ } في تنحية الفقراء عن مجلسك { مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ } أي جعلنا قلبه غافلاً { عَن ذِكْرِنَا } لبطلان استعداده للذكر بالمرة كأولئك الذين يدعونك إلى طرد الفقراء فإنهم غافلون عن ذكرنا على خلاف ما عليه أولئك الفقراء من الدعاء في الغداة والعشي ، وفيه تنبيه على أن الباعث لهم إلى استدعاء الطرد غفلة قلوبهم عن جناب الله تعالى شأنه وملاحظة المعقولات وانهماكه( {[590]} ) في الحسيات حتى خفي عليه أن الشرف بحلية النفس لا بزينة الجسد .
ومعنى الذكر ظاهر وفسره المفضل بالقرآن .
والآية ظاهرة في مذهب أهل النسة ، وأولها المعتزلة فقيل المراد أغفلنا قلبه بالخذلان وهذا هو التأويل المشهور عندهم في أمثال ذلك وحاله معلوم عندك ، وقيل : المراد صادفناه غافلاً كما في قولهم : سألناكم فما أفحمناكم وقاتلناكم فما أجبناكم . وتعقب بأنه لا ينبغي أن يتجرأ على تفسير فعل أسنده الله تعالى إليه بالمصادفة التي تفهم وجدان الشيء بغتة عن جهل سابق وعدم علم ، وقيل : المراد نسبناه إلى الغفلة كما في قول الكميت :
وطائفة قد أكفروني بحبكم*** وطائفة قالوا مسيء ومذنب
وهو كما ترى ، وقال الرماني( {[591]} ) : المراد لم نسم قلبه بالذكر ولم نجعله من القلوب التي كتبنا فيها الإيمان كقلوب المؤمنين من قولهم : أغفل فلان إبله إذا تركها غفلاً من غير سمة وعلامة بكي ونحوه ، ومنه إغفال الخط لعدم إعجامه فالإغفال المذكور استعارة لجعل ذكر الله تعالى الدال على الإيمان به كالسمة لأنه علامة للسعادة كما جعل ثبوت الإيمان في القلب بمنزلة الكتابة ، وهو تأويل رقيق الحاشية لطيف المعنى وإن كان خلاف الظاهر فهو مما لا بأس به لمن لم يكن غرضه منه الهرب من مذهب أهل السنة ، واحتج بعضهم على أنه ليس الراد ظاهر الآية بقوله سبحانه : { واتبع } في طلب الشهوات حيث أسند اتباع الهوى إلى العبد فيدل على أنه فعله لا فعل الله تعالى ولو كان ذلك فعل الله سبحانه والإسناد مجازي لقيل فاتبع بالفاء السببية لتفرعه عليه .
وأجيب بأن فعل العبد لكونه بكسبه وقدرته ، وخلق لله تعالى يجوز إسناده إليه بالاعتبار الأول وإلى الله تعالى بالثاني ، والتنصيص على التفريع ليس بلازم فقد يترك لنكتة كالقصد إلى الأخبار به استقلالاً لأنه أدخل في الذم وتفويضاً إلى السامع في فهمه ولا حاجة إلى تقدير فقيل واتبع هواه .
وقرأ عمر بن فائد . وموسى الأسواري . وعمرو بن عبيد { مَنْ أَغْفَلْنَا } بفتح الفاء واللام { قَلْبَهُ } بالرفع على أنه فاعل أغفلنا ، وهو على هذه القراءة من أغفله إذا وجده غافلاً ، والمراد ظننا وحسبنا غافلين عن ذكرنا له ولصنيعه بالمؤاخذة بجعل ذكر الله تعالى له كناية عن مجازاته سبحانه ، واستشكل النهي عن إطاعة أولئك الغافلين في طرد أولئك المؤمنين بأنه ورد أنهم أرادوا طردهم ليؤمنوا فكان ينبغي تحصيل إيمانهم بذلك ، وغاية ما يلزم ترتب نفع كثير وهو إيمان أولئك الكفرة على ضرر قليل وهو سقوط حرمة أولئك البررة وفي عدم طردهم لزم ترتب ضرر عظيم وهو بقاء أولئك الكفرة على كفرهم على نفع قليل .
ومن قواعد الشرع المقررة تدفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى . وأجيب بأنه سبحانه علم أن أولئك الكفرة لا يؤمنون إيماناً حقيقياً بل إن يؤمنوا يؤمنوا إيماناً ظاهرياً ومثله لا يرتكب له إسقاط حرمة أولئك الفقراء الأبرار فلذا جاء النهي عن الإطاعة .
وقد يقال : يحتمل أن يكون الله تعالى قد علم أن طرد أولئك الفقراء السابقين إلى الإيمان المنقطعين لعبادة الرحمن وكسر قلوبهم وإسقاط حرمتهم لجلب الأغنياء وتطييب خواطرهم يوجب نفرة القلوب وإساءة الظن برسوله صلى الله عليه وسلم فربما يرتد من هو قريب عهد بإسلام ويقل الداخلون في دينه بعد ذلك عليه الصلاة والسلام ، وذلك ضرر عظيم فوق ضرر بقاء شرذمة من الكفار على الكفر فلذا نهى جل وعلا عن إطاعة من أغفل قلبه واتبع هواه { وَكَانَ أَمْرُهُ } في اتباع الهوى وترك الإيمان { فُرُطًا } أي ضياعاً وهلا كان قاله مجاهد أو متقدماً على الحق والصواب نابذاً له وراء ظهره من قولهم : فرس فرط أي متقدم للخيل وهو في معنى ما قاله ابن زيد مخالفاً للحق ، وقال ابن عطية : يحتمل أن يكون الفرط بمعنى التفريط والتضييع أي كان أمره الذي يجب أن يلزم ويهتم به من الدين تفريطاً ، ويحتمل أن يكون بمعنى الافراط والإسراف أي كان أمره وهواه الذي هو سبيله إفراطاً وإسرافاً ، وبالإسراف فسره مقاتل ، والتعبير عن صناديد قريش المستدعين طرد فقراء المؤمنين بالموصول للإيذان بعلية ما في حيز الصلة للنهي عن الإطاعة .
ومن باب الإشارة : في الآيات : { واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشى } [ الكهف : 28 ] أمر بصحبة الفقراء الذين انقطعوا لخدمة مولاهم ، وفائدتها منه عليه الصلاة والسلام تعود عليهم وذلك لأنهم عشاق الحضرة وهو صلى الله عليه وسلم مرآتها وعرش تجليها ومعدن أسرارها ومشرق أنوارها فمتى رأوه صلى الله عليه وسلم عاشوا ومتى غاب عنهم كئبوا وطاشوا ، وأما صحبة الفقراء بالنسبة إلى غيره صلى الله عليه وسلم ففائدتها تعود إلى من صحبهم فيهم القوم لا يشقى بهم جليسهم ، وقال عمرو المكي : صحبة الصالحين والفقراء الصادقين عيش أهل الجنة يتقلب معهم جليسيهم من الرضا إلى اليقين ومن اليقين إلى الرضا . ولأبي مدين من قصيدته المشهورة التي خمسها الشيخ محيى الدين قدس سره :
ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا*** هم السلاطين والسادات والأمرا
فأصحبهم وتأدب في مجالسهم*** وخل حظك مهما قدموك ورا
واستغنم الوقت واحضر دائماً معهم*** واعلم بأن الرضا يختص من حضرا
ولازم الصمت إلا إن سئلت فقل*** لا علم عندي وكن بالجهل مستترا
وإن بدا منك عيب فاعترف وأقم*** وجه اعتذارك عما فيك منك جرا
وقل عبيدكم أولى بصفحكم*** فسامحوا وخذوا بالرفق يا فقرا
هم بالتفضل أولى وهو شيمتهم*** فلا تخف دركاً منهم ولا ضرر
وعنى بهؤلاء السادة الصوفية وقد شاع إطلاق الفقراء عليهم لأن الغالب عليهم الفقر بالمعنى المعروف وفقرهم مقارن للصلاح وبذلك يمدح الفقر ، وأما إذا اقترن بالفساد فالعياذ بالله تعالى منه فمتى سمعت الترغيب في مجالسة الفقير فاعلم أن المراد منه الفقير الصالح ، والآثار متظافرة في الترغيب في ذلك فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما موقوفاً تواضعوا وجالسوا المساكين تكونوا من كبار عبيد الله تعالى وتخرجوا من الكبر ، وفي «الجامع » الجلوس مع الفقراء من التواضع وهو من أفضل الجهاد ، وفي رواية أحبوا الفقراء وجالسوهم ، ومن فوائد مجالستهم إن العبد يرى نعمة الله تعالى عليه ويقنع باليسير من الدنيا ويأمن في مجالستهم من المداهنة والتملق وتحمل المن وغير ذلك ، نع إن مجالستهم خلاف ما جبلت عليه النفس ولذا عظم فضلها ، وقيل : إن في قوله تعالى : { واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين } الخ دون ودم مع الذين الخ إشارة إلى ذلك ولكن ذلك بالنسبة إلى غيره صلى الله عليه وسلم فإن نفسه الشريعة فطرت على أحسن فطرة وطبعت على أحسن طبيعة .
وقال بعض أهل الأسرار : إنما قيل : واصبر نفسك دون واصبر قلبك لأن قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم كان مع الحق فأمر صلى الله عليه وسلم بصحبة الفقراء جهراً بجهر واستخلص سبحانه قلبه له سراً بسر { تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا } أي تطلب مجالسة الأشراف والأغنياء وأصحاب الدنيا وهي مذمومة مع الميل إليهم والتواضع لغناهم ، وقد جاء في الحديث «من تذلل لغني لأجل غناه ذهب ثلثا دينه فيتق الله تعالى في الثلث الآخر » ومضار مجالستهم كثيرة ، ولا تخفي على من علم فوائد مجالسة الفقراء ، وأدناها ضرراً تحمل منهم فإنه قلما يسلم الغني من المن على جليسه الفقير ولو بمجرد المجالسة وهو حمل لا يطاق ، ومن نوابغ الزمخشري طعم الآلاء أحلى من المن وهي أمر من الآلاء عند المن ، وقال بعض الشعراء :
لنا صاحب ما زال يتبع بره*** بمن وبذل المن بالبر لا يسوي
تركناه لا بغضاً ولا عن ملالة*** ولكن لأجل المن يستعمل السلوى
{ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتبع هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } [ الكهف : 28 ] نهى عن إطاعة المحجوبين الغافلين وكانوا في القصة يريدون طرد الفقراء وعدم مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم لهم لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فلا يطاع عند أهل الإشارة الغافل المحجوب في كل شيء فيه هوى النفس ، وعدوا من إطاعته التواضع له فإنه يطلبه حالاً وإن لم يفصح به مقالاً
{ 28 } { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا }
يأمر تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ، وغيره أسوته ، في الأوامر والنواهي -أن يصبر نفسه مع المؤمنين العباد المنيبين { الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ } أي : أول النهار وآخره يريدون بذلك وجه الله ، فوصفهم بالعبادة والإخلاص فيها ، ففيها الأمر بصحبة الأخيار ، ومجاهدة النفس على صحبتهم ، ومخالطتهم وإن كانوا فقراء فإن في صحبتهم من الفوائد ، ما لا يحصى .
{ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } أي : لا تجاوزهم بصرك ، وترفع عنهم نظرك .
{ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فإن هذا ضار غير نافع ، وقاطع عن المصالح الدينية ، فإن ذلك يوجب تعلق القلب بالدنيا ، فتصير الأفكار والهواجس فيها ، وتزول من القلب الرغبة في الآخرة ، فإن زينة الدنيا تروق للناظر ، وتسحر العقل ، فيغفل القلب عن ذكر الله ، ويقبل على اللذات والشهوات ، فيضيع وقته ، وينفرط أمره ، فيخسر الخسارة الأبدية ، والندامة السرمدية ، ولهذا قال : { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا } غفل عن الله ، فعاقبه بأن أغفله عن ذكره .
{ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } أي : صار تبعا لهواه ، حيث ما اشتهت نفسه فعله ، وسعى في إدراكه ، ولو كان فيه هلاكه وخسرانه ، فهو قد اتخذ إلهه هواه ، كما قال تعالى : { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم } الآية . { وَكَانَ أَمْرُهُ } أي : مصالح دينه ودنياه { فُرُطًا } أي : ضائعة معطلة . فهذا قد نهى الله عن طاعته ، لأن طاعته تدعو إلى الاقتداء به ، ولأنه لا يدعو إلا لما هو متصف به ، ودلت الآية ، على أن الذي ينبغي أن يطاع ، ويكون إماما للناس ، من امتلأ قلبه بمحبة الله ، وفاض ذلك على لسانه ، فلهج بذكر الله ، واتبع مراضي ربه ، فقدمها على هواه ، فحفظ بذلك ما حفظ من وقته ، وصلحت أحواله ، واستقامت أفعاله ، ودعا الناس إلى ما من الله به عليه ، فحقيق بذلك ، أن يتبع ويجعل إماما ، والصبر المذكور في هذه الآية ، هو الصبر على طاعة الله ، الذي هو أعلى أنواع الصبر ، وبتمامه تتم باقي الأقسام . وفي الآية ، استحباب الذكر والدعاء والعبادة طرفي النهار ، لأن الله مدحهم بفعله ، وكل فعل مدح الله فاعله ، دل ذلك على أن الله يحبه ، وإذا كان يحبه فإنه يأمر به ، ويرغب فيه .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم} يعني: يعبدون ربهم، يعنى بالصلاة له،
{بالغداوة والعشي}، طرفي النهار،
{يريدون وجهه}، يعني: يبتغون بصلاتهم وصومهم وجه ربهم،
{ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا}... {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا}، يعني: القرآن،
{وكان أمره} الذي يذكر من شرفه وحسبه، {فرطا}، يعني: ضائعا في القيامة...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:"وَاصْبِرْ" يا محمد "نَفْسَكَ مَعَ "أصحابك "الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ" بذكرهم إياه بالتسبيح والتحميد والتهليل والدعاء والأعمال الصالحة من الصلوات المفروضة وغيرها "يُرِيدُونَ" بفعلهم ذلك "وَجْهَهُ" لا يريدون عرضا من عرض الدنيا...
وقوله: "وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ"، يقول جلّ ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم: ولا تصرف عيناك عن هؤلاء الذين أمرتك يا محمد أن تصبر نفسك معهم إلى غيرهم من الكفار، ولا تجاوزهم إليه، وأصله من قولهم: عدوت ذلك، فأنا أعدوه: إذا جاوزته... قال ابن زيد، في قوله: "واصْبِرْ نَفْسِكَ..."، قال: قال القوم للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إنا نستحيي أن نجالس فلانا وفلانا وفلانا، فجانبهم يا محمد، وجالس أشراف العرب، فنزل القرآن "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاة والعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ" ولا تحقرهم...
وقوله: "تُرِيدُ زِينَة الحَياةَ الدّنيْا" يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا تعدُ عيناك عن هؤلاء المؤمنين الذين يدعون ربهم إلى أشراف المشركين، تبغي بمجالستهم الشرف والفخر... وقوله: "وَلا تُطعْ مَنْ أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتّبَعَ هَوَاهُ" يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: ولا تطع يا محمد من شغلنا قلبه من الكفار الذين سألوك طرد الرهط الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ عنك، عن ذكرنا، بالكفر وغلبة الشقاء عليه، واتبع هواه، وترك اتباع أمر الله ونهيه، وآثر هوى نفسه على طاعة ربه...
وأما قوله: "وكانَ أمْرُهُ فُرُطا" فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضهم: معناه: وكان أمره ضياعا... وقال آخرون: بل معناه: وكان أمره ندما... وقال آخرون: بل معناه: هلاكا... وقال آخرون: بل معناه: خلافا للحق... وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: ضياعا وهلاكا، من قولهم: أفرط فلان في هذا الأمر إفراطا: إذا أسرف فيه وتجاوز قدره، وكذلك قوله: "وكانَ أمْرُهُ فُرُطا" معناه: وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا في الرياء والكبر، واحتقار أهل الإيمان، سرفا قد تجاوز حدّه، فَضَيّع بذلك الحقّ وهلك...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{واصبر نفسك مع الذين يدعون بالغداة والعشي}... فيه الأمر بالجلوس لهم بالغدوات والعشيات للتذكير وتعليم العلم على ما تعارف الناس الجلوس للناس كذلك في هذين الوقتين؛ إذ ذانك الوقتان خاليان عن الأشغال التي تشغلهم عن ذلك:"الغَداةَ والعَشِيُّ" لما لم يجعل عليهم بعد صلاة الغداة صلاة وكذلك العصر للذكر الذي ذكرنا وتعليم ما يحتاجون في ليلهم ونهارهم. أو أن يكون ذلك كناية عن صلاة الفجر والعصر لما جاء لهما من فضل ووعد لم يجيء في غيرهما من الصلوات... {ولا تعد عيناك عنهم} قيل: ولا تتعد عنهم إلى غيرهم وقيل: لا تصرف، ولا ترفع عينيك عنهم ولا تجاوزهم إلى غيرهم {تريد زينة الحياة الدنيا} هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: إن كان على تأويل أهل التأويل أنهم سألوه أن يتخذ لهم مجلسا دون أولئك فيكون تأويل قوله: {تريد زينة الحياة الدنيا} أي تريد أولئك الذين يطلبون منك مجلسا على حدة، يريدون بذلك زينة الحياة الدنيا لا يريدون بذلك وجه الله. والثاني: لو فعلت ما سألوك كان فعل ذلك فعل من يريد زينة الحياة الدنيا، لأن المجلس الذي يحضره الأشراف والرؤساء إنما يراد به زينة الحياة الدنيا، والله أعلم...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
وقال قوم من رؤساء الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: نحِّ هؤلاء الموالي... وهم: صهيب وعمار وخباب وغيرهم من فقراء المسلمين، حتى نجالسك... فنزلت: {واصبر نَفْسَكَ}: وأحبسها معهم وثبتها...
{بالغداة والعشى} دائبين على الدعاء في كل وقت...
[ولا تعد] يقال: عداه إذا جاوزه، ومنه قولهم: عدا طوره. وجاءني القوم عدا زيداً، وإنما عدي بعن لتضمين عدا معنى نبا وعلا، في قولك: نبت عنه عينه وعلت عنه عينه: إذا اقتحمته ولم تعلق به...
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزدري بفقراء المؤمنين، وأن تنبو عينه عن رثاثة زيهم طموحاً إلى زيّ الأغنياء وحسن شارتهم، {تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا} في موضع الحال {مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ} من جعلنا قلبه غافلاً عن الذكر بالخذلان... {فُرُطًا}: متقدّماً للحق والصواب نابذاً له وراء ظهره من قولهم «فرس فرط»: متقدّم للخيل.
... {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} يدل على أن شر أحوال الإنسان أن يكون قلبه خاليا عن ذكر الحق ويكون مملوءا من الهوى الداعي إلى الاشتغال بالخلق. وتحقيق القول أن ذكر الله نور وذكر غيره ظلمة... فالإعراض عن الحق هو المراد بقوله: {أغفلنا قلبه عن ذكرنا} والإقبال على الخلق هو المراد بقوله: {واتبع هواه}...
التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :
فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل فلينظر: هل هو من أهل الذكر أو من الغافلين؟ وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟ فإن كان الحاكم عليه هو الهوى وهو من أهل الغفلة، كان أمره فرطا.
ومعنى «الفرط» قد فسر بالتضييع، أي: أمره الذي يجب أن يلزمه ويقوم به، وبه رشده وفلاحه، ضائع، قد فرط فيه.
وفسر بالإسراف، أي: قد أفرط. وفسر بالإهلاك، وفسر بالخلاف للحق. وكلها أقوال متقاربة.
والمقصود: أن الله سبحانه وتعالى نهى عن طاعة من جمع هذه الصفات. فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه، فإن وجده كذلك فليبعد منه، وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى -عز وجل – واتباع السنة، وأمره غير مفروط عليه، بل هو حازم في أمره فليستمسك بغرزه.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما بالغ في أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمجالسة المسلمين، نهاه عن الالتفات إلى الغافلين، و أكد الإعراض عن الناكبين فقال تعالى: {ولا تطع من أغفلنا} بعظمتنا {قلبه} أي جعلناه غافلاً، لأن الفعل فيه لنا لا له {عن ذكرنا} بتلك الزينة. ولما كان التقدير: فغفل، لأن عظمتنا لا يغلبها شيء فلا يكون إلا ما نريد، عطف على فعل المطاوعة قوله تعالى: {واتبع هواه} بالميل إلى ما استدرجناه به منها والأنفة من مجالسة أوليائنا الذين أكرمناهم بالحماية منها لأن ذكر الله مطلع الأنوار، فإذا أفلت الأنوار تراكمت الظلمة فجاء الهوى فأقبل على الخلق {وكان أمره فرطاً} أي متجاوزاً للحد مسرفاً فيه متقدماً على الحق، فيكون الحق منبوذاً به وراء الظهر مفرطاً فيه بالتقصير فإن ربك سبحانه سينجي أتباعك على ضعفهم منهم كما أنجى أصحاب الكهف، ويزيدك بأن يعليهم عليهم ويدفع الجبابرة في أيديهم لأنهم مقبلون على الله معرضون عما سواه، وغيرهم مقبل على غيره معرض عنه...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
هذا الدرس كله تقرير للقيم في ميزان العقيدة. إن القيم الحقيقية ليست هي المال، وليست هي الجاه، وليست هي السلطان. كذلك ليست هي اللذائذ والمتاع في هذه الحياة.. إن هذه كلها قيم زائفة وقيم زائلة. والإسلام لا يحرم الطيب منها؛ ولكنه لا يجعل منها غاية لحياة الإنسان. فمن شاء أن يتمتع بها فليتمتع، ولكن ليذكر الله الذي أنعم بها. وليشكره على النعمة بالعمل الصالح، فالباقيات الصالحات خير وأبقى.
وهو يبدأ بتوجيه الرسول [صلى الله عليهوسلم] أن يصبر نفسه مع الذين يتجهون إلى الله؛ وأن يغفل ويهمل
الذين يغفلون عن ذكر الله. ثم يضرب للفريقين مثلا رجلين:أحدهما يعتز بما أوتي من مال وعزة ومتاع. والآخر يعتز بالإيمان الخالص، ويرجو عند ربه ما هو خير. ثم يعقب بمثل يضرب للحياة الدنيا كلها، فإذا هي قصيرة زائلة كالهشيم تذروه الرياح. وينتهي من ذلك كله بتقرير الحقيقة الباقية: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا)..
(واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، واتبع هواه وكان أمره فرطا. وقل: الحق من ربكم. فمن شاء فليؤمن. ومن شاء فليكفر)..
يروي أنها نزلت في أشراف قريش، حين طلبوا إلى الرسول [صلى الله عليهوسلم] أن يطرد فقراء المؤمنين من أمثال بلال وصهيب وعمار وخباب وابن مسعود إذا كان يطمع في إيمان رؤوس قريش. أو أن يجعل لهم مجلسا غير مجلس هؤلاء النفر، لأن عليهم جبابا تفوح منها رائحة العرق، فتؤذي السادة من كبراء قريش!
ويروى أن الرسول [صلى الله عليهوسلم] طمع في إيمانهم فحدثته نفسه فيما طلبوا إليه. فأنزل الله عز وجل: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي...) أنزلها تعلن عن القيم الحقيقية، وتقيم الميزان الذي لا يخطئ. وبعد ذلك (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) فالإسلام لا يتملق أحدا، ولا يزن الناس بموازين الجاهلية الأولى، ولا أية جاهلية تقيم للناس ميزانا غير ميزانه.
(واصبر نفسك).. لا تمل ولا تستعجل (مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه).. فالله غايتهم، يتجهون إليه بالغداة والعشي، لا يتحولون عنه، ولا يبتغون إلا رضاه. وما يبتغونه أجل وأعلى من كل ما يبتغيه طلاب الحياة.
اصبر نفسك مع هؤلاء. صاحبهم وجالسهم وعلمهم. ففيهم الخير، وعلى مثلهم تقوم الدعوات. فالدعوات لا تقوم على من يعتنقونها لأنها غالبة؛ ومن يعتنقونها ليقودوا بها الأتباع؛ ومن يعتنقونها ليحققوا بها الأطماع، وليتجروا بها في سوق الدعوات تشتري منهم وتباع! إنما تقوم الدعوات بهذه القلوب التي تتجه إلى الله خالصة له، لا تبغي جاها ولا متاعا ولا انتفاعا، إنما تبتغي وجهه وترجو رضاه.
(ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا).. ولا يتحول اهتمامك عنهم إلى مظاهر الحياة التي يستمتع بها أصحاب الزينة. فهذه زينة الحياة (الدنيا) لا ترتفع إلى ذلك الأفق العالي الذي يتطلع إليه من يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.
(ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، واتبع هواه، وكان أمره فرطا).. لا تطعهم فيما يطلبون من تمييز بينهم وبين الفقراء. فلو ذكروا الله لطامنوا من كبريائهم، وخففوا من غلوائهم، وخفضوا من تلك الهامات المتشامخة، واستشعروا جلال الله الذي تتساوى في ظله الرؤوس؛ وأحسوا رابطة العقيدة التي يصبح بها الناس إخوة. ولكنهم إنما يتبعون أهواءهم. أهواء الجاهلية. ويحكمون مقاييسها في العباد. فهو وأقوالهم سفه ضائع لا يستحق إلا الإغفال جزاء ما غفلوا عن ذكر الله.
لقد جاء الإسلام ليسوي بين الرؤوس أمام الله. فلا تفاضل بينها بمال ولا نسب ولا جاه. فهذه قيم زائفة، وقيم زائلة. إنما التفاضل بمكانها عند الله. ومكانها عند الله يوزن بقدر اتجاهها إليه وتجردها له. وما عدا هذا فهو الهوى والسفه والبطلان.
(ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا).. أغفلنا قلبه حين اتجه إلى ذاته، وإلى ماله، وإلى أبنائه، وإلى متاعه ولذائذه وشهواته، فلم يعد في قلبه متسع لله. والقلب الذي يشتغل بهذه الشواغل، ويجعلها غاية حياته لا جرم يغفل عن ذكر الله، فيزيده الله غفلة، ويملي له فيما هو فيه، حتى تفلت الأيام من بين يديه، ويلقى ما أعده الله لأمثاله الذين يظلمون أنفسهم، ويظلمون غيرهم
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا}.
هذا من ذيول الجواب عن مسألتهم عن أهل الكهف، فهو مشارك لقوله: {واتل ما أوحى إليك من كتاب} وتقدم في سورة الأنعام (52) عند قوله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} أن سادة المشركين كانوا زعموا أنه لولا أن من المؤمنين ناساً أهل خصاصة في الدنيا وأرقاء لا يدانوهم ولا يستأهلون الجلوس معهم لأتَوْا إلى مجالسة النبي واستمعوا القرآن، فاقترحوا عليْه أن يطردهم من حوله إذا غشيه سادة قريش، فرد الله عليهم بما في سورة الأنعام وما في هذه السورة.
وما هنا آكدُ إذْ أمرَه بملازمتهم بقوله:"واصبر نفسك"، أي: احبسها معهم حبس ملازمة. والصبر: الشد بالمكان بحيث لا يفارقه. ومنه سميت المَصْبورة وهي الدابة تشد لتُجعل غَرضاً للرمي. ولتضمين فعل (اصبر) معنى الملازمة علق به ظرف (مع).
و {الغداة} قرأه الجمهور بألف بعد الدال: اسم الوقت الذي بين الفجر وطلوع الشمس. والعَشي: المساء. والمقصود أنهم يدعون الله دعاءً متخللاً سائر اليوم والليلة. والدعاء: المناجاة والطلب. والمراد به ما يشمل الصلوات.
والتعبير عنهم بالموصول للإيماء إلى تعليل الأمر بملازمتهم، أي لأنهم أحرياء بذلك لأجل إقبالهم على الله فهم الأجدر بالمقارنة والمصاحبة...
وجملة {يريدون وجهه} في موضع الحال. ووجه الله: مجاز في إقباله على العبد.
ثم أكّد الأمر بمواصلتهم بالنهي عن أقل إعراض عنهم.
وظاهر {ولا تعد عيناك عنهم} نَهْي العينين عن أن تَعْدُوَا عن الذين يدعون ربهم، أي أن تُجاوزاهم، أي تبعُدَا عنهم. والمقصود: الإعراض، ولذلك ضمن فعل العَدْو معنى الإعراض، فعدي إلى المفعول ب (عن) وكان حقه أن يتعدى إليه بنفسه يقال: عداه، إذا جاوزه. ومعنى نهي العينين نهي صاحبهما، فيؤول إلى معنى: ولا تعدّي عينيك عنهم. وهو إيجاز بديع.
وجملة {تريد زينة الحياة الدنيا} حال من كاف الخطاب، لأن المضاف جزء من المضاف إليه، أي لا تكن إرادة الزينة سبب الإعراض عنهم لأنهم لا زينة لهم من بزة وسمت.
وهذا الكلام تعريض بحماقة سادة المشركين الذين جعلوا همهم وعنايتهم بالأمور الظاهرة وأهملوا الاعتبار بالحقائق والمكارم النفسية فاستكبروا عن مجالسة أهل الفضل والعقول الراجحة والقلوب النيرة وجعلوا همّهم الصور الظاهرة.
{ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا}
هذا نهي جامع عن ملابسة شيء مما يأمره به المشركون. والمقصود من النهي تأسيس قاعدة لأعمال الرسول والمسلمين تُجاه رغائب المشركين وتأييس المشركين من نوال شيء مما رغبوه من النبي صلى الله عليه وسلم.
وما صدق (مَن) كل من اتصف بالصلة، وقيل نزلت في أمية بن خَلَف الجُمَحي، دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طرد فقراء المسلمين عن مجلسه حين يجلس إليه هو وأضرابه من سادة قريش.
والمراد بإغفال القلب جعله غافلاً عن الفكر في الوحدانية حتى راج فيه الإشراك، فإن ذلك ناشئ عن خلقة عقول ضيفة التبصر مسوقة بالهوى والإلف.
وأصل الإغفال: إيجاد الغفلة، وهي الذهول عن تذكر الشيء، وأريد بها هنا غفلة خاصة، وهي الغفلة المستمرة المستفادة من جعل الإغفال من الله تعالى كناية عن كونه في خِلقة تلك القلوب، وما بالطبع لا يتخلف.
وقد اعتضد هذا المعنى بجملة {واتبع هواه}، فإن اتباع الهوى يكون عن بصيرة لا عن ذهول، فالغفلة خلقة في قلوبهم، واتباع الهوى كسب من قدرتهم.
والفُرُط بضمتين: الظلم والاعتداء. وهو مشتق من الفُروط وهو السبق لأن الظلم سبْق في الشر.
وزيادة فعل الكون للدلالة على تمكن الخبر من الاسم، أي حالة تمكن الإفراط والاعتداء على الحق.
التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :
يبدو في كل هذا تلقين جليل مستمر المدى ومبدأ من مبادئ القرآن المحكمة يلمح فيهما في الوقت نفسه عدم إقرار الفروق الاجتماعية كظاهرة واجبة الرعاية في المجتمع الإسلامي. وإذا لحظنا أنه كان لهذه الظاهرة اعتبار عظيم في حياة الأمم وتقاليدها على اختلافها في عصر النبي صلى الله عليه وسلم بدت روعة الهدف القرآني والمبدأ المحكم والتلقين الجليل اللذين ينطويان فيه، وبدا في هذا دليل لمن يعوزه الدليل على أن القرآن وحي من الله ينزل بما فيه الحق والحكمة ليصحح موقفا من المحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجنح إليه...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
الرساليون قوة الإسلام الحقيقية: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشيِّ} إنها كناية عن التزام الموقف الرسالي للمؤمنين الضعفاء، الذين آمنوا بالله وبالرسول من موقع اليقين، واتبعوا النبي من موقع الإخلاص، وانفتحوا على الله سبحانه من خلال وعيهم لحقيقة العبودية في وجودهم أمام الألوهية في ذات الله، فابتهلوا إليه في حالات الخشوع، ودعوه في مواقف الخضوع، فهم يمثلون القوّة الحقيقية للإسلام في حركته، لأنهم الذين يعيشون فكره بعمقٍ وروحانيته بصفاءٍ، ويتحركون في خطّه بإخلاصٍ، ويواجهون التحديات في ساحة الصراع بقوّةٍ. وهؤلاء هم الامتداد الرسالي في حركة الحاضر والمستقبل، لأنّ الرسالة لا تمثّل في وعيهم الفرصة السانحة للحصول على الامتيازات الاجتماعية أو المنافع الشخصية، بل تمثل في حركتهم الانطلاقة الواسعة نحو المسؤولية القائمة على أساس التضحية بكل شيءٍ في سبيل الله من أجل خدمة الحياة والإنسان، في ما يريد الله للعاملين أن يحققوه من ذلك. وهكذا يريد الله من رسوله، ومن كل داعيةٍ، أن يحبس نفسه مع هؤلاء، ويقربهم إليه، ويعيش معهم، ويصبر على مشاكلهم، ويتحمّل سلبياتهم، لأنهم يعيشون مع الله في حياتهم وهو ما يمثله انقطاعهم إليه في الدعاء، في مواقع عبادته في الصباح والمساء {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} ولعله كنايةٌ عن إرادتهم لله وحده في كل وجهتهم في الحياة، سواءٌ في التزامهم الفكري أو العاطفي أو العملي، أو في اتجاههم للحصول على رضاه ومحبته، فهم في التزامهم وعملهم لا يلتفتون إلى غيره، فالله هو غاية الغايات في حياتهم، فمنه تتحرك بداية الحياة في كل خطواتهم، وإليه ينتهي كل هدف وكل أمر... وهذا هو الخط الذي يريد للدعاة أن يلتزموه في اختيار المجتمع الذي يكونون جزءاً منه، أو يلتزمون حركته، أو يتعاطفون معه. إنه المجتمع الذي يخلص أفراده لله في الفكر والروح والممارسة، لأنه هو الذي يعطي لهم النمو الروحي من خلال الأجواء الروحية، ويحقق لهم الشعور بالثقة والثبات في الموقف من خلال القوة التي يعيشها المؤمنون ويمارسونها في داخله، وبذلك يكون المجتمع قوةً لهم كما يكونون قوةً له، من خلال ما يعطونه من فكر أو يثيرونه في داخله من مشاعر وأجواء وقضايا...
التقوى أساس في التفاضل ولكن المسألة في هذا الجو ليست مسألة مجلسٍ لهؤلاء أو مجلسٍ لأولئك، ليكون ذلك أساساً لحل المشكلة التي أثارها الأشراف المترفون، بل هي مسألة القيمة الإسلامية الروحية التي أرادها الله للمجتمع في دائرة العلاقات الإنسانية، وهي المساواة بين الأفراد في الحقوق والواجبات في ساحة القانون، واعتبار التقوى التي تمثل الإيمان العملي هي الأساس في التفاضل، بعيداً عن أيّ موقع طبقي أو ماليّ أو اجتماعي، أو غير ذلك... فإن الاستجابة لهؤلاء تعني الإقرار لهم بالنظرة الفوقية التي ينظرون بها إلى المؤمنين الفقراء، واعتبار الامتيازات التي يدعونها لأنفسهم حقاً شرعياً لهم على الآخرين، ما يؤدي إلى التنازل عن حركة القيمة الروحية الإنسانية في حياة الناس، وهذا ما لا يمكن الموافقة عليه، ولهذا كان جوّ الآية يوحي بالرفض لهؤلاء الأشراف، والإهمال لهم والبعد عنهم في مواجهة رفضهم للمساواة مع المستضعفين المؤمنين، تأكيداً على أن قيمة الإيمان المنفتح على الله من موقع الإخلاص هي أعلى من كل قيمة أخرى، وعلى أن مهمة الرسول، أو الداعية، أن يلتزم خط المخلصين من المؤمنين ويرعاهم، لأنهم الأساس في انطلاقة المجتمع الإسلامي نحو التوازن والتكامل على خط الإسلام، لأن الإيمان يمثل في وجدانهم القناعة الفكرية والروحية التي يعيشون الحياة من أجلها، بينما يمثل الإيمان للمترفين الموقع الاجتماعي القويّ الذي فرض نفسه على الساحة، ويريدون أن يتخذوا لأنفسهم مكاناً داخله، ليضيفوا على امتيازاتهم القديمة امتيازات جديدة، من خلال ما يمثله الإسلام من مركز قوّة جديد، ولهذا فهم يتعاملون معه من مواقع الخارج عن عمق الذات، بينما يتعامل المؤمنون المستضعفون معه من مواقع العمق الداخلي للذات. وهذا ما يجعل المترفين يبحثون في بعض أحكام الإسلام عمّا يتخذونه وسيلة لتبرير ترفهم ولهوهم وعبثهم... ولو كان ذلك بطريقة التحريف واللعب على النصوص، بينما يبحث المؤمنون عن أفضل الطرق لتطبيق أحكام الله، ولتغيير أوضاعهم وعاداتهم وتقاليدهم من خلال ذلك، وللاحتياط في تركيز المواقف على خط الشريعة، بعيداً عما إذا كان ذلك منفعةً لهم أو لا...
وربما يتصور البعض من العاملين أن الاندماج في المجتمع المترف يساعد على ربح مواقع متقدمة للإسلام، وذلك لما يفتح لهم، من خلالهم، من آفاقٍ ثقافيةٍ واجتماعيةٍ وسياسيةٍ، مما يعطي الإسلام قوّةً جديدةً في مواجهة الكفر. وقد يساهم إلى جانب ذلك في الاستفادة من إمكاناتهم الاقتصادية في تشجيع المشاريع الخيرية العامة، التي يقوم بها العاملون من أجل حل المشاكل الاجتماعية المعقّدة، ما ينعكس إيجاباً على حياة المستضعفين الذين يستفيدون من الخدمات التي تقدمها تلك المشاريع لهم. ولكن هذا التصور ليس دقيقاً، بل يحمل بعض الخلل في تفاصيله، لأن المسألة التي يثيرها القرآن الكريم، في ما نريد أن نستوحيه من علاقات الداعية بالناس، هي قضية عدم الاندماج في المجتمع المترف اللاهي، البعيد عن روحية الإيمان وفكره، وإهمال المجتمع المؤمن المستضعف الذي يحمل مسؤولية الدعوة في خط الإسلام، لأن ذلك يؤدي إلى كثير من السلبيات على صعيد مصداقية الداعية، ومسؤوليته الإسلامية، وروحانيته الإيمانية، وتحوّله إلى شخصية اجتماعية، تتحرك من خلال قيم المجتمع المنحرف، وتمنحها شرعيةً إسلامية من خلال الموقع الرسمي...