روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ} (186)

{ لَتُبْلَوُنَّ } جواب قسم محذوف أي والله لتختبرن ، والمراد لتعاملن معاملة المختبر ليظهر ما عندكم من الثبات على الحق والأفعال الحسنة ولا يصح حمل الابتلاء على حقيقته لأنه محال على علام الغيوب كما مر ، والخطاب للمؤمنين أو لهم معه صلى الله عليه وسلم ، وإنما أخبرهم سبحانه بما سيقع ليوطنوا أنفسهم على احتماله عند وقوعه ويستعدوا للقائه ويقابلوه بحسن الصبر والثبات فإن هجوم البلاء مما يزيد في اللأواء والاستعداد للكرب مما يهون الخطب ولتحقيق معنى الابتلاء لهذا التهوين أتى بالتأكيد ، وقد يقال : أتى به لتحقيق وقوع المبتلى به مبالغة في الحث على ما أريد منهم من التهيؤ والاستعداد ، وعلى أي وجه فالجملة مسوقة لتسلية أولياء الله تعالى عما سيلقونه من جهة أعدائه سبحانه إثر تسليتهم عما وقع منهم ، وقيل : إنما سيقت لبيان أن الدنيا دار محنة وابتلاء ، وأنها إنما زويت عن المؤمنين ليصبروا فيؤجروا إثر بيان أنها متاع الغرور ، ولعل الأول أولى كما لا يخفى ، والواو المضمومة ضمير الرفع ولام الكلمة محذوفة لعلة تصريفية ، وإنما حركت هذه الواو دفعاً للثقل الحاصل من التقاء الساكنين وكان ذلك بالضم ليدل على المحذوف في الجملة ولم تقلب الواو ألفاً مع تحركها وانفتاح ما قبلها لعروض ذلك .

{ فِى أموالكم } بالفرائض فيها والجوائح ، واقتصر بعض على الثاني مدعياً أن الأول الممثل في كلامهم بالإنفاق المأمور به في سبيل الله تعالى ، والزكاة لا يليق نظمه في سلك الابتلاء لما أنه من باب الإضعاف لا من قبيل الإتلاف ، وفيه نظر تقدم في البقرة الإشارة إليه ، وعن الحسن الاقتصار على الأول . والأولى القول بالعموم { *وَ } في { أَنفُسَكُمْ } بالقتل والجراح والأسر والأمراض وفقد الأقارب وسائر ما يرد عليها من أصناف المتاعب والمخاوف والشدائد ، وقدم الأموال على الأنفس للترقي إلى الأشرف . أو لأن الرزايا في الأموال أكثر من الرزايا في الأنفس .

{ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } أي من قبل إيتائكم القرآن وهم اليهود والنصارى . والتعبير عنهم بذلك إما للإشعار بمدار الشقاق والإيذان بأن ( بعض ) ما يسمعونه منهم مستند على زعمهم إلى الكتاب . وإما للإشارة إلى عظم صدور ذلك المسموع منهم . وشدة وقعه على الأسماع حيث إنه كلام صدر ممن لا يتوقع صدوره منه لوجود زاجر عنه معه وهو إيتاؤه الكتاب كما قيل : والتصريح بالقبلية إما لتأكيد الإشعار وتقوية المدار وإما للمبالغة في أمر الزاجر عن صدور ذلك المسموع من أولئك المسمعين { وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ } وهم كفار العرب { أَذًى كَثِيراً } كالطعن في الدين وتخطئة من آمن والافتراء على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والتشبيب بنساء المؤمنين .

{ وَأَن تَصْبِرُواْ } على تلك الشدائد عند ورودها { وَتَتَّقُواْ } أي تتمسكوا بتقوى الله تعالى وطاعته والتبتل إليه بالكلية والإعراض عما سواه بالمرة بحيث يستوي عندكم وصول المحبوب ولقاء المكروه { فَإِنَّ ذلك } إشارة إلى المذكور ضمناً من الصبر والتقوى . وما فيه من معنى البعد إما لكونه غير مذكور صريحاً على ما قيل ، أو للإيذان بعلو درجة هذين الأمرين وبعد منزلتهما . وتوحيد حرف الخطاب إما باعتبار كل واحد من المخاطبين اعتناءاً بشأن المخاطب به ، وإما لأن المراد بالخطاب مجرد التنبيه من غير ( ملاحظة ) خصوصية أحوال المخاطبين { مِنْ عَزْمِ الامور } أي الأمور التي ينبغي أن يعزمها كل أحد لما فيه من كمال المزية والشرف والعز ، أو مما عزمه الله تعالى وأوجبه على عباده ، وعلى كلا التقديرين فالعزم مصدر بمعنى المعزوم وهو مأخوذ من قولهم عزمت الأمر كما نقله الراغب والأشهر عزمت على الأمر ، ودعوى أنه لم يسمع سواه غير مسموعة كدعوى عدم صحة نسبة العزم إليه تعالى لأنه توطين النفس وعقد القلب على ما يرى فعله وهو محال عليه تعالى ، ومما يؤيد صحة النسبة أنه قرىء { فَإِذَا عَزَمْتَ } [ آل عمران : 159 ] بضم التاء وهو حينئذٍ بمعنى الإرادة والإيجاب ، ومنه قول أم عطية رضي الله تعالى عنها : «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا » وما في حديث آخر يرغبنا في قيام رمضان من غير عزيمة ، وقولهم : عزمات الله تعالى كما نقله الأزهري ومن هذا الباب قول الفقهاء : ترك الصلاة زمن الحيض عزيمة ، والجملة تعليل لجواب ( الشرط ) ( 1 ) واقع موقعه كأنه قيل : وإن تصبروا وتتقوا فهو خير لكم أو فقد أحسنتم أو نحوهما فإن ذلك الخ ، وجوز أن يكون { ذلك } إشارة إلى صبر المخاطبين وتقواهم فحينئذٍ تكون الجملة بنفسها جواب الشرط ، وفي إبراز الأمر بالصبر والتقوى في صورة الشرطية من إظهار كمال اللطف بالعباد ما لا يخفى ، وزعم بعضهم أن هذا الأمر الذي أشارت إليه الآية كان قبل نزول آية القتال وبنزولها نسخ ذلك ، وصحح عدم النسخ وأن الأمر بما ذكر كان من باب المداراة التي لا تنافي الأمر بالقتال ، وسبب نزول هذه الآية في قول ما تقدمت الإشارة إليه ، وأخرج الواحدي عن عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وسار يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن الخزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبيّ وذلك قبل أن يسلم عبد الله فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود ، وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشي المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبيّ أنفه بردائه ثم قال : لا تغبروا علينا فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل ودعاهم إلى الله تعالى ، وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبيّ : أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجالسنا ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه ، وقال عبد الله بن رواحة : بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك واستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتساورون فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له : يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب يريد عبد الله بن أبيّ قال : كذا وكذا فقال سعد : يا رسول الله اعف عنه واصفح فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله تعالى بالحق الذي نزل عليك ، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة فلما ردّ الله تعالى ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق فغص بذلك فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى الآية .

/ وروى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش في شعره وكان النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط ، منهم المسلمون ومنهم المشركون ، ومنهم اليهود فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستصلحهم كلهم فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشدّ الأذى فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على ذلك وفيهم أنزل الله تعالى { وَلَتَسْمَعُنَّ } الآية . وفي رواية أخرى عن الزهري أن كعباً هذا كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويشبب بنساء المؤمنين فقال صلى الله عليه وسلم : «من لي بابن الأشرف ؟ فقال محمد بن مسلمة : أنا يا رسول الله فخرج هو ورضيعه أبو نائلة مع جماعة فقتلوه غيلة وأتوا برأسه إلى النبي صلى الله عليه وسلم آخر الليل وهو قائم يصلي

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ لَتُبْلَوُنَّ } لتختبرن في أموالكم بإيجاب إنفاقها مع ميلكم إليها وأنفسكم بتعريضها لما يكاد يجر إلى إتلافها مع حبكم لها . وقال بعض العارفين : إن الله تعالى أظهر النفس وزينها بكسوة الربوبية وملأها باللطف والقهر وكساها زينة الملك من الأموال ابتلاءاً وامتحاناً فمن نظر إلى نفسه بعين زينة الربوبية فنيت نفسه فيها ونطق لسان الربوبية منه وصار كشجرة موسى عليه السلام حيث نطق الحق منها وذلك مثل الحلاج القائل : أنا الحق ، ومن نظر إلى زينة الأموال التي هي زنية الملك صار حاله كحال سليمان عليه السلام حيث كان ينظر إلى عظم جلال المولى من خلال تلك الزينة ، ومن نظر إلى نفسه من حيث أنها نفسه واغتر بالسراب ولم يحقق بالذوق ما عنده صار حاله كحال فرعون إذ نادى { أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى } [ النازعات : 24 ] ، ومن نظر إلى خضرة الدنيا وحسا كأس شهواتها وسكر بها صار كبلعام { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث } [ الأعراف : 176 ] وهذا وجه الابتلاء بالأموال والأنفس ، وأي ابتلاء أعظم من رؤية الملك ورؤية الربوبية في الكون الذي هو محل الالتباس { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } وهم أهل مقام الجمع { وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ } وهم أهل الكثرة { أَذًى كَثِيراً } لنطقهم بما يخالف مشربكم والخطاب للمتوسطين من السالكين فإنهم ينكرون على أهل مقام الجمع وعلى أهل الكثرة جميعاً ما داموا غير واصلين إلى توحيد الذات وغير كارعين من بحار الفرق بعد الجمع { وَأَن تَصْبِرُواْ } على مجاهدة أنفسكم { وَتَتَّقُواْ } النظر إلى الأغيار { فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الامور } [ آل عمران : 186 ] أي من الأمور المطلوبة التي تجرّ إلى المقصود والفوز بالمطلوب

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ} (186)

{ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ }

يخبر تعالى ويخاطب المؤمنين أنهم سيبتلون في أموالهم من النفقات الواجبة والمستحبة ، ومن التعريض لإتلافها في سبيل الله ، وفي أنفسهم من التكليف بأعباء التكاليف الثقيلة على كثير من الناس ، كالجهاد في سبيل الله ، والتعرض فيه للتعب والقتل والأسر والجراح ، وكالأمراض التي تصيبه في نفسه ، أو فيمن يحب .

{ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ، ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } من الطعن فيكم ، وفي دينكم وكتابكم ورسولكم .

وفي إخباره لعباده المؤمنين بذلك ، عدة فوائد :

منها : أن حكمته تعالى تقتضي ذلك ، ليتميز المؤمن الصادق من غيره .

ومنها : أنه تعالى يقدر عليهم هذه الأمور ، لما يريده بهم من الخير ليعلي درجاتهم ، ويكفر من سيئاتهم ، وليزداد بذلك إيمانهم ، ويتم به إيقانهم ، فإنه إذا أخبرهم بذلك ووقع كما أخبر { قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله ، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما }

ومنها : أنه أخبرهم بذلك لتتوطن نفوسهم على وقوع ذلك ، والصبر عليه إذا وقع ؛ لأنهم قد استعدوا لوقوعه ، فيهون عليهم حمله ، وتخف عليهم مؤنته ، ويلجأون إلى الصبر والتقوى ، ولهذا قال : { وإن تصبروا وتتقوا } أي : إن تصبروا على ما نالكم في أموالكم وأنفسكم ، من الابتلاء والامتحان وعلى أذية الظالمين ، وتتقوا الله في ذلك الصبر بأن تنووا به وجه الله والتقرب إليه ، ولم تتعدوا في صبركم الحد الشرعي من الصبر في موضع لا يحل لكم فيه الاحتمال ، بل وظيفتكم فيه الانتقام من أعداء الله .

{ فإن ذلك من عزم الأمور } أي : من الأمور التي يعزم عليها ، وينافس فيها ، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم والهمم العالية كما قال تعالى : { وما يلقاها إلا الذين صبروا ، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم }

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ} (186)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني بذلك تعالى ذكره: {لُتبْلَوُنّ فِي أمْوَالِكُمْ} لتختبرن بالمصائب في أموالكم وأنفسكم، يعني: وبهلاك الأقرباء والعشائر من أهل نصرتكم وملتكم، {وَلَتَسْمَعُنّ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} يعني: من اليهود وقولهم {إنّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنحْنُ أغْنِياءُ} وقولهم {يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ} وما أشبه ذلك من افترائهم على الله. {وَمِنَ الّذِين أشْرَكُوا} يعني النصارى، {أذًى كَثِيرا} والأذى من اليهود ما ذكرنا، ومن النصارى قولهم: المسيح ابن الله، وما أشبه ذلك من كفرهم بالله. {وَإنْ تَصْبِرُوا وَتَتّقُوا} يقول: وإن تصبروا لأمر الله الذي أمركم به فيهم وفي غيرهم من طاعته وتتقوا، يقول: وتتقوا الله فيما أمركم ونهاكم، فتعملوا في ذلك بطاعته. {فإنّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} يقول: فإن ذلك الصبر والتقوى مما عزم الله عليه وأمركم به... قال ابن جريج: يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم، قال: {لَتُبْلَوُنّ فِي أمْوَالِكُمْ وأنْفُسِكُمْ} قال: أعلم الله المؤمنين أنه سيبتليهم فينظر كيف صبرهم على دينهم، ثم قال: {وَلَتَسْمَعُنّ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} يعني: اليهود والنصارى، {وَمِنَ الّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرا} فكان المسلمون يسمعون من اليهود قولهم: عزير ابن الله، ومن النصارى: المسيح ابن الله، فكان المسلمون ينصبون لهم الحرب، ويسمعون إشراكهم، فقال الله: {وَإنْ تَصْبِرُوا وَتَتّقُوا فإنّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} يقول: من القوة مما عزم الله عليه وأمركم به.

وقال آخرون: بل نزلت في كعب بن الأشرف، وذلك أنه كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتشبب بنساء المسلمين...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

والبلاء في الأنفس: القتل والأسر والجراح وما يرد عليها من أنواع المخاوف والمصائب. وفي الأموال: الإنفاق في سبل الخير وما يقع فيها من الآفات. وما يسمعون من أهل الكتاب المطاعن في الدين الحنيف، وصدّ من أراد الإيمان، وتخطئة من آمن. وما كان من كعب بن الأشرف من هجائه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريض المشركين، ومن فنحاص، ومن بني قريظة والنضير {فَإِنَّ ذلك} فإن الصبر والتقوى {مِنْ عَزْمِ الأمور} من معزومات الأمور، أي مما يجب العزم عليه من الأمور أو مما عزم الله أن يكون، يعني أنّ ذلك عزمة من عزمات الله لا بد لكم أن تصبروا وتتقوا...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

هذا الخطاب للنبي عليه السلام وأمته، والمعنى: لتختبرن ولتمتحنن في أموالكم بالمصائب والأرزاء، وبالإنفاق في سبيل الله، وفي سائر تكاليف الشرع، والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض، وفقد الأحبة بالموت، واختلف المفسرون في سبب قوله تعالى: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} فقال عكرمة وغيره: السبب في ذلك قول فنحاص: إن الله فقير ونحن أغنياء، وقوله: يد الله مغلولة إلى غير ذلك، وقال الزهري وغيره: نزلت هذه الآية بسبب كعب بن الأشرف، فإنه كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ويشبب بنساء المسلمين، حتى بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتله القتلة المشهورة في السيرة، و«الأذى»: اسم جامع في معنى الضرر وهو هنا يشمل أقوالهم فيما يخص النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من سبهم وأقوالهم في جهة الله تعالى وأنبيائه، وندب الله تعالى عباده إلى الصبر والتقوى، وأخبر أنه من عزم الأمور، أي من أشدها وأحسنها، و «العزم»: إمضاء الأمر المروي المنقح

.. والحزم: جودة النظر في الأمور وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه، و «العزم»: قصد الإمضاء، والله تعالى يقول: {وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت} فالمشاورة وما كان في معناها هو الحزم...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

(لتبلون في أموالكم وأنفسكم) قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما سلى الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:"كل نفس ذائقة الموت" زاد في تسليته بهذه الآية فبين أن الكفار بعد أن آذوا الرسول والمسلمين يوم أحد فسيؤذونهم أيضا في المستقبل بكل طريق يمكنهم من الإيذاء بالنفس والإيذاء بالمال. والغرض من هذا الإعلام أن يوطنوا أنفسهم على الصبر وترك الجزع وذلك لأن الإنسان إذا لم يعلم نزول البلاء عليه فإذا نزل البلاء شق ذلك عليه أما إذا كان عالما بأنه سينزل فإذا نزل لم يعظم وقعه عليه.

أقول: وعبارة الكشاف خوطب المؤمنون بذلك ليوطنوا أنفسهم على ما سيلقون من الأذى والشدائد والصبر عليها حتى إذا لقوها وهم مستعدون لا يرهقهم ما يرهق من تصيبه الشدة بغتة فينكرها وتشمئز منها نفسه.

الأستاذ الإمام: يصح اتصال هذه الآية بما قبلها من قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين يبخلون) الآيات فإن فيها ذكر البخل بالمال وذكر حال اليهود وهذه تذكر البلاء بالمال وما سيلاقي المؤمنون من أولئك اليهود وغيرهم. ويصح أن يكون على ما قاله بعضهم متصلا بما هو قبل ذلك من أول واقعة أٌحد إلى هنا، كأنه يقول: إن ما وقع من الابتلاء في الأنفس والأموال والطعن في تلك الواقعة ليس آخر الابتلاء بل لا بد أن تبلوا بعد ذلك بكل هذه الضروب منه وتجري فيكم سنته تعالى في خلقه، فلا تظنوا أنكم جلستم على عرش العزة واعتصمتم بالمنعة وأمنتم حوادث الكون فإنه لا بد أن يعاملكم الله تعالى، كما يعامل الأمم معاملة المختبر المبتلي لا ليعلم ما لم يكن يعلم من أمركم فهو علام الغيوب، بل ليميز الخبيث من الطيب من بعد، كما ماز الكثيرين في واقعة أحد.

قال: والابتلاء في الأموال يفسر بفرض الصدقات وبالبذل في سبيل الله- وهو كل ما يوصل إلى الخير –وبالحوائج والآفات وهذا الجمع أولى مما ذهب إليه بعضهم من تخصيصه بالأول وبعضهم من تخصيصه بالثاني. والابتلاء في الأنفس يكون بتكليف بذلها في سبيل الله وبموت من يحب الإنسان من الأهل والأصدقاء (أقول: وكذا الابتلاء بالمصائب البدنية كالأمراض والجروح) والابتلاء بالتكليف هو أهم الابتلاءين. وذلك أن الله تعالى لم يكفل للمسلمين الحفظ والنصر والسيادة لأنهم مسلمون وإنما يكلفهم الجري على سنته تعالى كغيرهم فلا بد لهم من الاستعداد للمدافعة دائما وذلك يقتضي بذل المال والنفس. ومن هنا تعلم غلط الذين يفسرون الابتلاء بالمال والأمر ببذله والجهاد به- كل ذلك بالزكاة وما الزكاة إلا نوع من أنواع الحقوق التي جعلها الله في المال وهي كثيرة تشمل كل ما به صلاح الأمة ورفع شأنها من الأعمال وكل ما يدفع عنها الأعداء، ويرد عنها المكاره والأسواء (يعني كالأعمال التي تعمل للوقاية من الأمراض والأوبئة) ومن ذلك الابتلاء في المدافعة عن الحق سواء كان بالمال أو بالنفس فهو يوطن نفوسهم على الأخذ بالاحتياط في الأمور العامة والاستعانة عليها بالمال وتحمل المكاره ويحذرهم من الشره والطمع في المال حتى إذا طمعوا أو قصروا في الاحتياط كما وقع لهم في أحد علموا أنهم ما أصيبوا إلا بما كسبت أيديهم أو قصرت فيه هممهم فلا يتعللون، ولا يقولون كيف أصبنا ونحن مسلمون.

وقدم ذكر المال لأنه هو الوسيلة التي يكون بها الاستعداد لبذل النفس فبذل المال يحتاج إليه قبل بذل النفس أو لأن الإنسان كثيرا ما يبذل نفسه دفاعا عن ماله فالذين قالوا إن المال شقيق الروح لاحظوا الغالب ومن غير الغالب أن يقدم الإنسان ماله على نفسه. علمنا أن فائدة الابتلاء هي تمييز الخبيث من الطيب وأما الإخبار به ففائدته التعريف بالسنن الإلهية وتهيئة المؤمن لها وحمله على الاستعداد لمقاومتها فإن من تحدث له النعمة فجأة على غير استعداد ولا سعي ترجى هي من ورائه تدهشه وتبطره، وربما تهيج عصبه فيقع في داء أو يموت فجأة، وكذلك من تقع به المصيبة فجأة على غير استعداد يعظم عليه الأمر ويحيط به الغم حتى يقتله في بعض الأحيان أما المستعد فإنه يكون ضليعا قويا.

أقول: يعني أنه يحمل البلاء بلا تبرم ولا سآمة فإن ظفر لا يفرح فرح البطر الفخور، وإن خسر لا يشقى شقاء اليؤوس الكفور، فهذا الإعلام تربية من الله لعباده المؤمنين، فما بالهم في هذا العصر عن التذكرة معرضين (أفلم يدبروا القول أن جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين) [المؤمنون: 68]. هذا وإن الزكاة فرضت في السنة الثانية من الهجرة قبل غزوة بدر الأولى، والظاهر أن هذه الآيات نزلت في السنة الرابعة بعد غزوة بدر الآخرة كما يأتي. فالظاهر أن المراد بالابتلاء فيها بالمال هو الحاجة والقلة كما حصل في غزوة الأحزاب ثم في غزوة تبوك {راجع تفسير (ولنبلونكم بشيء من الخوف) [البقرة: 155] ج 2 تفسير} وتقرأ بيانه لنا بعد خمسة أسطر.

وأما قوله: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) فهو ابتلاء آخر وقد نزلت هذه الآية بعد أن كان المشركون وأهل الكتاب ملئوا الفضاء بكلامهم المؤذي للرسول والمؤمنين؛ فلما صرّح الكتاب بهذا وهو ما ألفه المسلمون واعتادوه؟ بل قال الأستاذ الإمام: إن مثل هذا يدخل في الابتلاء في الأنفس وإنما خصه بالذكر لأنه من الأهمية بمكان.

أقول: نبه بهذه العبارة على عظم شأن هذا النبأ وليس عندي شيء عنه في سببه والمراد منه ولا أذكر أنني رأيت ذلك في شيء من الكتب التي اطلعت عليها فيجب الرجوع في ذلك إلى التاريخ، أي سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فإذا تذكرنا أن هذه الآية نزلت بعد غزوة بدر الآخرة التي سبق ما ورد فيها من الآيات بعد الكلام في غزوة أحد وغزوة حمراء الأسد- وتذكرنا أن ذلك كان في شعبان من سنة أربع وتذكرنا ما كان في سنة خمس من حديث الإفك وقذف عائشة الصديقة برأها الله تعالى- ومن تألب اليهود ونقض عهدهم ومحاولتهم قتل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أجلاهم وأمن شر مجاورتهم إياه بالمدينة- ومن تألبهم مع المشركين وجمع الأحزاب من الفريقين وزحفهم على المدينة لأجل استئصال المسلمين- وما كان في ذلك من البلاء الشديد والجوع الديقوع والحصار الضيق الذي قال الله فيه كله: (إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا) [الأحزاب: 9].

إذا تذكرنا هذا كله علمنا أن الآية تمهيد له وإعداد للمسلمين لتلقيه لعل وقعه يخف عليهم ولذلك قال: (وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور) يعني إن تصبروا على البلاء الكبير الذي سيحل بكم في أموالكم وأنفسكم وعلى ما تسمعون من أهل الكتاب والمشركين من الأذى وتتقوا ما يجب اتقاؤه في الاستعداد لذلك قبل نزوله ومكافحته عند وقوعه، فإن ذلك الصبر والتقوى من معزومات الأمور، أي الأمور التي يجب العزم عليها، أو مما عزم الله أن يكون، أي من عزمات قضائه التي لابد من وقوعها.

ومن تدبر هذا علم ضعف رواية ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنه أن الآية نزلت فيما كان بين أبي بكر وفنحاص... فإن هذه الوصية المؤكدة للمؤمنين كافة وما سبقها من التمهيد أكبر من ذلك وإن حسنها من رواها، ويرجح ما اخترناه في الآية السابقة من كونها في المؤمنين لا في الكافرين. وفي رواية عند عبد الرزاق عن عبد الرحمن بن كعب أن الآية نزلت في كعب بن الأشرف فيما كان يهجو به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهذه أضعف من الأولى فإن كعب ابن الأشرف قتل قبل غزوة أحد وكفى الله المسلمين كيده وقوله.

قال الأستاذ الإمام: الصبر هو تلقي المكروه بالاحتمال وكظم النفس عليه مع الروية في دفعه ومقاومة ما يحدثه من الجزع، فهو مركب من أمرين دفع الجزع ومحاولة طرده، ثم مقاومة أثره حتى لا يغلب على النفس، وإنما يكون ذلك مع الإحساس بألم المكروه فمن لا يحس به لا يسمى صابرا وإنما هو فاقد للإحساس يسمى بليدا، وفرق بين الصبر والبلادة، فالصبر وسط بين الجزع والبلادة، وما أحسن قرن التقوى بالصبر في هذه الموعظة وهي أن يمتثل ما هدى الله إليه فعلا وتركا عن باعث القلب. وذلك من عزم الأمور أي التي يجب أن تعقد عليها العزيمة وتصح فيها النية وجوبا محتما لا ضعف فيه.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

استئناف لإيقاظ المؤمنين إلى ما يعترض أهل الحقّ وأنصار الرسل من البلوى، وتنبيه لهم على أنّهم إن كانوا ممّن توهنهم الهزيمة فليسوا أحرياء بنصر الحقّ، وأكّد الفعل بلام القسم وبنون التوكيد الشديدة لإفادة تحقيق الابتلاء، إذ نون التوكيد الشديدة أقوى في الدلالة على التوكيد من الخفيفة.

فأصل {لتبلونّ} لتبلونّ فلمّا توالى ثلاث نونات ثقل في النطق فحذفت نون الرفع فالتقى ساكنان: واو الرفع ونون التوكيد الشديدة، فحذفت واو الرفع لأنّها ليست أصلاً في الكلمة فصار لتبْلَوُنّ. وكذلك القول في تصريف قوله تعالى: {ولتسمعنّ} وفي توكيده.

والابتلاء: الاختبار، ويراد به هنا لازمه وهو المصيبة، لأنّ في المصائب اختباراً لمقدار الثبات. والابتلاء في الأموال هو نفقات الجهاد، وتلاشي أموالهم التي تركوها بمكّة. والابتلاء في الأنفس هو القتل والجراح. وجمع مع ذلك سماع المكروه من أهل الكتاب والمشركين في يوم أُحُد وبعده.

والأذى هو الضرّ بالقول كقوله تعالى: {لن يضروكم إلا أذى} [آل عمران: 111] كما تقدّم آنفاً، ولذلك وصفه هنا بالكثير، أي الخارج عن الحدّ الذي تحتمله النفوس غالباً، وكلّ ذلك ممّا يفضي إلى الفشل، فأمَرَهم الله بالصبر على ذلك حتّى يحصل لهم النصر، وأمرهم بالتقوى أي الدوام على أمور الإيمان والإقبال على بثّه وتأييده، فأمّا الصبر على الابتلاء في الأموال والأنفس فيشمل الجهاد، وأمّا الصبر على الأذى ففي وقتي الحرب والسلم، فليست الآية مقتضية عدم الإذن بالقتال من حيث إنه أمرهم بالصبر على أذى الكفّار حتّى تكون منسوخة بآيات السيف، لأنّ الظاهر أنّ الآية نزلت بعد وقعة أُحُد، وهي بعد الأمر بالقتال. قاله القفّال.

وقوله: {فإن ذلك} الإشارة إلى ما تقدّم من الصبر والتقوى بتأويل: فإنّ المذكور.

و (عزم الأمور) من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الأمور العَزم، ووصفَ الأمور وهو جمع بعزم وهو مفرد لأنّ أصل عزم أنه مصدر فيلزم لفظه حالة واحدة، وهو هنا مصدر بمعنى المفعول، أي من الأمور المعزوم عليها. والعزم إمضاء الرأي وعدم التردّد بعد تبيين السداد. قال تعالى: {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله} [آل عمران: 159] والمراد هنا العزم في الخيرات، قال تعالى: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} [الأحقاف: 35] وقال: {ولم نجد له عزما} [طه: 115].

ووقع قوله: {فإن ذلك من عزم الأمور} دليلاً على جواب الشرط، والتقدير: وإن تصبروا وتتّقوا تنالوا ثواب أهل العزم فإنّ ذلك من عزم الأمور.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

لقد بين الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أن محنة أحد كانت فيها العبر، وكانت تمحيصا لقلوب المؤمنين وصقلا لنفوسهم، وبين الله سبحانه وتعالى في تلك الآيات أيضا أنه سبحانه لا يذر المؤمنين على ما هم عليه حتى يتبين الخبيث من الطيب، وقوي الإيمان من ضعيفه، وذكر سبحانه ما كان يلقيه المشركون واليهود من أقوال جارحة، وبعضها يمس ذات الله تعالى، كقولهم –لعنهم الله – إن الله فقير ونحن أغنياء.

ولقد ذكر سبحانه من بعد ذلك أن المستقبل سيكون من جنس الماضي، وأنه سينزل بالمؤمنين ضروب من البلاء كالتي نزلت أو أقوى، وأن واجب التبليغ والإيمان يتقاضاهم أن يتحملوا ذلك بصبر وتقوى واحتياط، ولذلك قال سبحانه وتعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا}.

ففي هذا النص السامي إخبار لهم بأن البلاء الذي ذاقوا بعضه مستمر، وهو خير لهم، وذلك ليستعدوا لتلقيه من غير فزع ولا جزع، فإن الشدة المتوقعة يسهل احتمالها، أما الشدة التي تقع من غير توقع، فإنه يصعب احتمالها، وقد ذكر سبحانه وتعالى مواضع الابتلاء، وكلها عزيز يحرص عليه، وهذه المواضع هي المال والنفس، والدين.

والمال والنفس قال فيهما سبحانه وتعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم}، وقد أكد سبحانه وقوع الابتلاء بالقسم، واللام الموطئة للقسم، ونون التوكيد الثقيلة، وقد أكد بهذه التأكيدات ليكون الوقوع مستقيما، وليسعدوا بالصبر والمجاهدة، والاعتماد على الله تعالى؛ والابتلاء في المال بإنفاقه في سبيل الله تعالى، وتبديده بغارات الأعداء،وبالتكليفات الكثيرة المتعلقة به، وقد ابتدأ به لأنه أدنى الدرجات، فالترتيب في الابتلاء متدرج يبتدئ من الأدنى، وهو المال والاختبار فيه شديد قاس، والاحتمال يحتاج إلى صبر وعزم، وقد يكون الاختبار في المال بالجوائح تنزل به، فكل هذا اختبار بالمال، وإنه ليسمى نفسيا؛ لأنه قرين النفس، وإن كان دونها، وهي أغلى منه، والمعنى: ليست أحوال المؤمن رخاء دائما، بل فيها شدة وبلاء يقتضي الصبر، وفيها نعمة وإحسان يقتضي الشكر.

والابتلاء في الأنفس يكون بالخوف من مساورة الأعداء، وتربصهم دائما، بالجوع، وبهلاك النفوس في الحروب، وبالشدائد فيها، والابتلاء في المال والأنفس قد ذكره سبحانه وتعالى بهذه الآية، وفي كثير من الآيات.

والدرجة العليا من الابتلاء هي ما يخص الدين، وقد خصها سبحانه وتعالى بالذكر المؤكد، فقال: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} والأذى الذي كانوا يسمعونه هو الافتراء على الله تعالى، والتهكم على القرآن، والسخرية من الشرع الإسلامي، من مثل قولهم: {إن الله فقير ونحن أغنياء...181} [آل عمران] ومثل قول المشركين: {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه...47} [يس]، وهكذا مما يمس الحقائق الدينية، وقد جعله الله سبحانه وتعالى في المرتبة العليا من الابتلاء؛ لأن المؤمن يسهل عليه التأذي في ماله ونفسه، ولا يسهل عليه الأذى في دينه، وغنه يحتمل كل شيء في سبيل الدين، فإذا اتخذت الحقائق الدينية ذاتها هزوا ولعبا فإن ذلك فوق الاحتمال، ولذلك لم يحتمل أبو بكر الصديق كلام (فنحاص) عندما تهجم على ذات الله فضربه وشج رأسه، مع ما اشتهر به الصديق من رقة وعطف، حتى شبهه النبي صلى الله عليه وسلم باللبن السائل للينه وسهولته.

وفي النص الكريم إشارات بيانية نبينها، فإن في بيانها ذكرا لمرامي النص الكريم:

أولها: أنه عبر عن المخالفين الذين كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بما يشير بأنهم قسمان: قسم أوتي علم الكتاب الذي نزل على بعض الأنبياء من قبل النبي صلى الله عليه وسلم، والقسم الثاني المشركون الذين لا يؤمنون بكتاب، ولا يهتدون بهدى، وقد جمع القرآن القسمين في أمر واحد، وهو معاداة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد دفعتهم المعاداة إلى الجحود، وما كانت المعاداة لشخصه، بل كانت لما جاء به، وما يدعو إليه، وفي الجمع بين العالم بالكتاب والجاهل به إشارة إلى أنه عند وجود المعاندة يستوي العالم والجاهل، فإن الجاهل يعمه في عمياء جهالته، والعالم يطمس الله تعالى على قلبه، فيكون هو والجاهل سواء.

والثاني: الإشارة إلى أنه إذا كان سبب معاندة المشركين جهلا فسبب معاندة الكتابيين هو الحسد، إذ يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، ذلك أنهم بمقتضى كونهم أوتوا الكتاب من قبل ظنوا ذلك اختصاصا اختصوا به، وأنهم أولى ان تكون الرسالة فيهم دون غيرهم، {الله اعلم حيث يجعل رسالته...124} [الأنعام] وبذلك سكن قلبهم الحقد والحسد، وحيث كان الحسد كانت العداوة وكان العمى عن إدراك الحقائق.

الثالث: التعبير عن نزول الأذى بسماعه، وقال سبحانه: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} والذي يسمع هو كلام، وعبر عنه بالأذى لأنه يؤدي إلى أذى، وموضوعه أذى، وهو في ذاته أذى، فكأن الأذى في ذات القول، ولذلك كان مفعولا للسماع، ووصفه سبحانه وتعالى بأنه أذى كثير، وذلك ليبين لهم ما يوجب استعدادهم لسماعه، من أذى ليس بقليل في مقداره، ولا في نوعه، ولا في موضوعه، فالكثرة ليس المراد منها المقدار فقط، بل الكثرة تشمل المقدار والنوع، والطريقة والموضوع.

وقد بين سبحانه وتعالى العلاج في هذا البلاء: {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور}.

الصبر ضبط النفس وحبسها عن الجزع، وحبسها على العمل واتخاذ الأهبة، وحبسها أيضا مع اهل الإيمان كما قال تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه...28} [الكهف] فالصبر يتضمن ضبط النفس عن الجزع، وقوة الاحتمال، والتضافر مع الجماعة، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم صبر الأنصار فيما روى عنه من انه قال فيهم:"يقلون عند الطمع، ويكثرون عند الفزع".

{تتقوا} معناها ان تتخذوا الوقاية بطلب رضا الله تعالى، ورجاء ما عنده، وأن تستعدوا، وتدفعوا الاعتداء بالحق وتعملوا على الخروج من المحنة، فليس شأن المؤمن استسلاما للمصائب تنزل به، بل شأنه صبر من غير جزع، وعمل من غير طمع، وجد وجهاد ودفع للشر.

وقد بين سبحانه أن التقوى والصبر هما من الأمور التي أمر الله تعالى بها لأنها تؤدي إلى النجاح، ولذلك قال سبحانه: {فإن ذلك من عزم الأمور} أي إن ذلك مما يعقد الأمور ويربطها ويوثقها ويؤكدها، ويجعلها قوية منتجة مثمرة، فالصبر والتقوى بهما النجاح في الأمور.

أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري 1439 هـ :

أما الآية الثانية (186) ففيها يخبر تعالى رسوله والمؤمنين بأنهم لا محالة مختبرون في أموالهم وفي أنفسهم في أموالهم بالحوائج، والواجبات، وفي أنفسهم بالمرض والموت والتكاليف الشاقة كالجهاد والحج والصيام، وأنهم لابد وأن يسمعوا من أهل الكتاب والمشركين أذىً كبيراً كما قال فنحاص: الله فقير ونحن أغنياء أو كما قال النصارى: المسيح ابن الله، وكما قال المشركون: اللات والعزى ومناة آلهة مع الله ثم حثهم تعالى على الصبر والتقوى فقال وإن تصروا وتتقوا فإن صبركم وتقواكم مما أوجب الله تعالى عليكم وليس هو من باب الندب والاستحباب بل هو من باب الفرض والوجوب.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

لا تتعبكم المقاومة:

(لتبلون في أموالكم وأنفسكم) أجل إنّ هذه الحياة أساساً ساحة اختبار ودار امتحان، فلابدّ أن يتهيأ الإِنسان لمواجهة كل الحوادث والمفاجئات الصعبة العسيرة، وهذا في الحقيقة تنبيه وتحذير لجميع المسلمين بأن لا يظنوا بأن الحوادث العسيرة في حياتهم قد انتهت، أو أنّهم قد تخلصوا من أذى الأعداء، وسلاطة لسانهم بمجرد قتلهم لكعب بن الأشرف الشاعر السليط اللسان الذي كان يؤذي المسلمين بلسانه، وشعره.

ولهذا قال سبحانه: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً).

إِنّ مسألة التعرض لأذى المشركين اللساني وسبهم وشتمهم وهجائهم وإِن كانت من إحدى الابتلاءات التي جاء ذكرها في مطلع الآية، ولكنه ذكر هنا بخصوصه للأهمية الفائقة، لأن مثل هذا قلّما يتحمله الشرفاء من الناس لعظيم أثره في أرواحهم ونفوسهم...

ثمّ أنّه سبحانه عقب على هذا الإِنذار والتنبيه بقوله: (وإِن تصبروا وتتقوا فإِن ذلك من عزم الأُمور).

وبهذا يبيّن القرآن وظيفة المسلمين وواجبهم في أمثال هذه الحوادث الصعبة والظروف العسيرة، ويدعوهم إِلى الصبر والاستقامة والصمود والتزام التقوى في مثل هذه الحوادث معلناً بأن هذه الأُمور من الأُمور الواضحة النتائج، ولذلك يتعين على كل عاقل أن يتخذ موقفه منها.

والعزم في اللغة هو «القرار المحكم» وربّما يطلق على مطلق الأمور المحكمة، وعلى هذا فإِن «عزم الأُمور» يعني الأعمال البينة الرشد التي يجب على كل إِنسان عاقل العزم عليها أو بمعنى كل أمر محكم يطمأن إِليه.

واقتران الصبر بالتقوى في هذه الآية لعله إِشارة إِلى أن بعض الأشخاص قد يصبرون ولكنهم مع ذلك يظهرون الشكوى، ويبدون التبرم بما لقوا، ولكن المؤمنين الصادقين هم الذين يمزجون الصبر بالتقوى دائماً وأبداً ويتجنبون مثل ذلك السلوك.