التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز  
{۞لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ} (186)

قوله تعالى : ( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) .

جاء في سبب نزول هذه الآية أن كعب بن الأشرف اليهودي – وكان شاعرا ، وكان يهجو النبي صلى الله عليه و سلم ويحرض عليه كفار قريش في شعره ، وكان النبي صلى الله عليه و سلم قدم المدينة وأهلها أخلاط ، منهم المسلمون ومنهم المشركون ومنهم اليهود . فأراد النبي صلى الله عليه و سلم أن يستصلحهم ، فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى . فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه و سلم بالصبر على ذلك وفيهم أنزل الله ( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب ) {[659]} .

قوله : ( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ) اللام للقسم . والنون للتوكيد .

والابتلاء معناه الاختبار والامتحان . والمعنى : لتمتحنن في أموالكم وذلك بتكليفكم بإنفاقها في سبيل الله ووجوه الخير أو بما يصيبها من إتلاف وآفات .

أما الابتلاء في الأنفس ، فهو بالقتل والأسر والجراح وما يرد عليها من أنواع المخاوف والأرزاء .

وقوله : ( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ) .

يبين الله لرسوله صلى الله عليه و سلم والمسلمين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر مسليا لهم عما ينالهم من أذى أهل الكتاب والمشركين . وفي ذلك ترويض لهم مسبق ؛ كيما يوطنوا أنفسهم فتحتمل البلاء والمصاعب وما تهذي به حناجر المشركين وأهل الكتاب من ضروب التشويه والتحريض والفتنة . فقد كانوا يطعنون في الرسول صلى الله عليه و سلم بكل ما استطاعوا . وقد هجاه كعب بن الأشرف اليهودي ، وكان شاعرا وكانوا يحرضون الناس على مخالفته ، وكذلك المشركون كانوا يحرضون الناس على مخالفة الرسول صلى الله عليه و سلم ويؤلبون العساكر على محاربته ويثبطون المسلمين عن نصرته . وذلك هو ديدن الكافرين من المشركين وأهل الكتاب في كل زمان ومكان . فما كان دأبهم على الدوام غير تشويه الإسلام ، وتخويف المسلمين ، والطعن في عقيدتهم وقرآنهم ، والتشكيك في نبوة الرسول الأعظم صلى الله عليه و سلم وذلك بسائر الأساليب والأسباب القائمة على الافتراء والدجل وفساد الفطرة والضمير .

قوله : ( وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) الصبر هنا يراد به احتمال المكروه . والتقوى هي الاحتراز عن فعل المعاصي والعزم على إتيان الطاعات . والمعنى أن الصبر والتقوى ( من عزم الأمور ) أي من معزومات الأمور التي يجب العزم عليها . وعلى هذا فتأويل الآية التحريض على المصابرة على الابتلاء في النفس والمال ، والمصابرة على تحمل الأذى والطعن والتجريح بفاسد القول من أعداء الرسالة الإسلامية . فمثل هذه المصابرة وما يشفعها من تقوى ( من عزم الأمور ) أي مما ينبغي لكل عاقل أن يعزم عليه . والعزم من جملة الحزم أو الاجتهاد والجد في الأمر .


[659]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 89.