روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُيُوبِ} (109)

وقوله سبحانه : { يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل } قيل ظرف لقوله عز وجل : { لاَّ يَهِدِّى } [ المائدة : 108 ] ، ونظر فيه الحلبي من حيث إنه سبحانه لا يهديهم مطلقاً لا في ذلك اليوم ولا في الدنيا وهذا احتمال ذكره الزمخشري ، ونقل عن المغربي أيضاً وهو ظاهر على تقدير أن يكون المراد لا يهديهم إلى طريق الجنة ، وفيه مراعاة لمذهب الاعتزال من نفي الهداية المطلقة لا يجوز على الله جل وعلا ولذلك خصص المهدي إليه ، وقيل : إنه بدل من مفعول { واتقوا } [ المائدة : 108 ] فهو حينئذ مفعول لا ظرف . وتعقبه أبو حيان بأن فيه بعداً لطول الفصل بالجملتين ، وقال الحلبي : لا بعد فإن هاتين الجملتين من تمام معنى الجملة الأولى وهو عند القائلين بالبدلية بدل اشتمال . وتعقب ذلك العلم العراقي بأن الانصاف أن بدل الاشتمال ههنا ممتنع لأنه لا بد فيه من اشتمال البدل على المبدل منه أو بالعكس وهنا يستحيل ذلك ولهذا قال الحلبي : لا بد في هذا الوجه من تقدير مضاف ليصح . والمراد اتقوا عقاب الله يوم وحينئذ يصح انتصاب اليوم على الظرفية ، وقال المحقق التفتازاني : وجه بدل الاشتمال ما بينهما من الملابسة بغير الكلية والبعضية بطريق اشتمال المبدل منه على البدل لا كاشتمال الظرف على المظروف بل بمعنى أن ينتقل الذهن إليه في الجملة ويقتضيه بوجه إجمالي مثلاً إذا قيل اتقوا الله يتبادر الذهن منه إلى أنه من أي أمر من أموره وأي يوم من أيام أفعاله يجب الاتقاء أيوم جمعه سبحانه للرسل أم غير ذلك ، واعترض بأنه اشترط في ذلك أن لا يكون ظرفية وهذا ظرف زمان لو أبدل منه لأوهم ذلك ، وقيل : إنه منصوب بمضمر معطوف على { اتقوا } الخ واحذروا أو واذكروا يوم الخ فإن تذكير ذلك اليوم الهائل مما يضطرهم إلى تقوى الله تعالى وتلقي أمره بسمع الإجابة ، وقيل : منصوب بقوله سبحانه : { واسمعوا } [ المائدة : 108 ] بحذف مضاف أي واسمعوا خبر ذلك اليوم . وقيل : منصوب بفعل مؤخر قد حذف للدلالة على ضيق العبارة عن شرحه وبيانه لكمال فظاعة ما يقع فيه كأنه قيل : يوم يجمع الله الرسل الخ يكون من الأحوال والأهوال ما لا يفي ببيانه نطاق المقال ، وتخصيص الرسل بالذكر مع أن ذلك يوم مجموع له الناس لإبانة شرفهم وأصالتهم والإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بجمع غيرهم بناء على ظهور كونهم أتباعاً لهم . وقيل : ولا يخفى لطفه على بعض الاحتمالات الآتية في الآية لأن المقام مقام ذكر الشهداء والرسل عليهم الصلاة والسلام هم الشهداء على أممهم كما يدل على ذلك قوله تعالى : { وَنَزَعْنَا مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيداً } [ القصص : 75 ] ففي بيان حالهم وما يقع لهم يوم القيامة وهم هم من وعظ الشهداء الذين البحث فيهم ما لا يخفى ، وبهذا تتصل الآية بما قبلها أتم اتصال ، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة وتشديد التهويل .

{ فَيَقُولُ } لهم { مَاذَا أَجَبْتُمُ } أي في الدنيا حين بلغتم الرسالة وخرجتم عن العهدة كما ينبىء عن ذلك العدول عن تصدير الخطاب بهل بلغتم ، وفي العدول عن ماذا أجاب أممكم ما لا يخفى من الإنباء عن كمال تحقير شأنهم وشدة السخط والغيط عليهم ، والسؤال لتوبيخ أولئك أيضاً وإلا فهو سبحانه علام الغيوب . و { مَاذَا } متعلق بأجبتم على أنه مفعول مطلق له أي أي إجابة أجبتم من قبل أممكم إجابة قبول أو إجابة رد . وقيل : التقدير بماذا أجبتم أي بأي شيء أجبتم على أن يكون السؤال عن الجواب لا الإجابة فحذف حرف الجر وانتصب المجرور . وضعف بأن حذف حرف الجر وانتصاب مجروره لا يجوز إلا في الضرورة كقوله :

تمرون الديار ولم تعوجوا *** وكذا تقديره مجروراً . وقال العوفي : إن { مَا } اسم استفهام مبتدأ و { ذَا } بمعنى الذي خبره و { أَجَبْتُمُ } صلته والعائد محذوف أي ما الذي أجبتم به . واعترض بأنه لا يجوز حذف العائد المجرور إلا إذا جر الموصول بمثل ذلك الحرف الجار واتحد متعلقاهما ، وغاية ما أجابوا به عن ذلك أن الحذف وقع على التدريج وهو كما ترى .

{ قَالُواْ } استئناف مبني على سؤال نشأ من سوق الكلام كأنه قيل : فماذا يقول الرسل عليهم الصلاة والسلام حينئذ ؟ فقيل : يقولون { لاَ عِلْمَ لَنَا } والتعبير بالماضي للدلالة على التقرر والتحقق ك { نُفِخَ فِى الصور } [ الحاقة : 13 ] وغيره ، ونفي العلم عن أنفسهم مع علمهم بماذا أجيبوا كما تدل عليه شهادتهم عليهم الصلاة والسلام على أممهم هنالك حسبما نطقت به بعض الآيات ليس على حقيقته بل هو كناية عن إظهار التشكي والالتجاء إلى الله تعالى بتفويض الأمر كله إليه عز شأنه . وقال ابن الأنباري : إنه على حقيقته لكنه ليس لنفي العلم بماذا أجيبوا عند التبليغ ومدة حياتهم عليهم الصلاة والسلام بل بما كان في عاقبة الأمر وءاخره الذي به الاعتبار . واعترض بأنهم يرون آثار سوء الخاتمة عليهم فلا يصح أيضاً نفي العلم بحالهم وبما كان منهم بعد مفارقتهم لهم . وأجيب بأن ذلك إنما يدل على سوء الخاتمة وظهور الشقاوة في العاقبة على حقيقة الجواب بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلعلهم أجابوا إجابة قبول ثم غلبت عليهم الشقوة . وتعقب بأنه من المعلوم أن ليس المراد بماذا أجبتم نفس الجواب الذي يقولونه أو الإجابة التي تحدث منهم بل ما كانوا عليه في أمر الشريعة من الامتثال والانقياد أو عكس ذلك . وفي رواية عن الحسن أن المراد لا علم لنا كعلمك لأنك تعلم باطنهم ولسنا نعلم ذلك وعليه مدار فلك الجزاء ، وقيل : المراد من ذلك النفي تحقيق فضيحة أممهم أي أنت أعلم بحالهم منا ولا يحتاج إلى شهادتنا .

وأخرج الخطيب في «تاريخه » عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد نفي العلم نظراً إلى خصوص الزمان وهو أول الأمر حين تزفر جهنم فتجثوا الخلائق على الركب وتنهمل الدموع وتبلغ القلوب الحناجر وتطيش الأحلام وتذهل العقول ثم إنهم يجيبون في ثاني الحال وبعد سكون الروع واجتماع الحواس وذلك وقت شهادتهم على الأمم ، وبهذا أجاب رضي الله تعالى عنه نافع بن الأرزق حين سأله عن المنافاة بين هذه الآية وما أثبت الله تعالى لهم من الشهادة على أممهم في ءاية أخرى . وروي أيضاً عن السدي والكلبي ومجاهد وهو اختيار الفراء وأنكره الجبائي ، وقال : كيف يجوز القول بذهولهم من هول يوم القيامة مع قوله سبحانه : { لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الاكبر } [ الأنبياء : 103 ] وقوله عز وجل : { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ يونس : 62 ] وقد نقل ذلك عنه الطبرسي ثم قال : ويمكن أن يجاب عنه بأن الفزع الأكبر دخول النار . وقوله سبحانه : { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } إنما هو كالبشارة بالنجارة من أهوال ذلك اليوم مثل ما يقال للمريض لا بأس عليك ولا خوف . وقيل : إن ذلك الذهول لم يكن لخوف ولا حزن وإنما هو من باب العوم في بحار الإجلال لظهور ءاثار تجلي الجلال .

واعترض شيخ الإسلام على ما تقدم بأن قوله سبحانه وتعالى : { إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب } في موضع التعليل ولا يلائم ما ذكره . و { عِلْمَ } صيغة مبالغة والمراد الكامل في العلم . و الغيوب جمع غيب وجمع وإن كان مصدراً على ما قال السمين لاختلاف أنواعه وإن أريد به الشيء الغائب أو قلنا إنه مخفف غيب فالأمر واضح . وقرىء { عِلْمَ } بالنصب على أن الكلام قد تم عند { إِنَّكَ أَنتَ } ونصب الوصف على المدح أو النداء أو على أنه بدل من اسم إن ، ومعنى { إِنَّكَ أَنتَ } إنك الموصوف بصفاتك المعروفة ، والكلام على طريقة .

أنا أبو النجم وشعري شعري *** وقرأ أبو بكر وحمزة { الغيوب } بكسر الغين حيث وقع وقد سمع في كل جمع على وزن فعول كبيوت كسر أوله لئلا يتوالى ضمتان وواو .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُيُوبِ} (109)

{ 109 ، 110 } { يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ }

يخبر تعالى عن يوم القيامة وما فيه من الأهوال العظام ، وأن الله يجمع به جميع الرسل فيسألهم : { مَاذَا أُجِبْتُمْ } أي : ماذا أجابتكم به أممكم .

ف { قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا } وإنما العلم لك يا ربنا ، فأنت أعلم منا . { إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ } أي : تعلم الأمور الغائبة والحاضرة .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُيُوبِ} (109)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: واتقوا الله أيها الناس، واسمعوا وَعْظَه إيَّاكم وتذكيرَه لكم، واحذروا يوم يجمع الله الرسل. ثم حذف «واحذروا» واكتفى بقوله: "وَاتّقُوا اللّهَ واسمَعُوا "عن إظهاره، في قوله: "يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرّسُلَ حذف «واحذروا» لعلم السامع معناه، اكتفاء بقوله: "واتّقُوا اللّهَ واسمَعُوا "إذ كان ذلك تحذيرا من أمر الله تعالى خلقه عقابه على معاصيه.

" ماذَا أُجِبْتُمْ ": ما الذي أجابتكم به أممكم حين دعوتموهم إلى توحيدي والإقرار بي والعمل بطاعتي والانتهاء عن معصيتي؟ قالوا: لا علم لنا.

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛

فقال بعضهم: معنى قولهم:"لا عِلْمَ لَنا "لم يكن ذلك من الرسل إنكارا أن يكونوا كانوا عالمين بما عملت أممهم، ولكنهم ذهلوا عن الجواب من هول ذلك اليوم، ثم أجابوا بعد أن ثابت إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: لا علم لنا إلا ما علمتنا.

وقال آخرون: معنى ذلك: قالوا لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا.

وقال آخرون: معنى ذلك "ماذَا أُجِبْتُمْ": ماذا عملوا بعدكم؟ وماذا أحدثوا؟

وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: معناه: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا، لأنه تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم قالوا:"لا عِلْمَ لَنا إلاّ مَا عَلّمْتَنَا إنّكَ أنْتَ عَلاّمُ الغُيُوبِ ": أي أنك لا يخفى عليك ما عندنا من علم ذلك ولا غيره من خفي العلوم وجليها. فإنما نفى القوم أن يكون لهم بما سئلوا عنه من ذلك علم لا يعلمه هو تعالى ذكره، لا أنهم نفوا أن يكونوا علموا ما شاهدوا، كيف يجوز أن يكون ذلك كذلك، وهو تعالى ذكره يخبر عنهم أنهم يخبرون بما أجابتهم به الأمم، وأنهم سيشهدون على تبليغهم الرسالة شهداء، فقال تعالى ذكره: "وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمّةً وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ على النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا".

وأما الذي قاله ابن جريج من أن معناه: ماذا عملت الأمم بعدكم؟ وماذا أحدثوا؟ فتأويل لا معنى له، لأن الأنبياء لم يكن عندها من العلم بما يحدث بعدها إلا ما أعلمها الله من ذلك، وإذا سئلت عما عملت الأمم بعدها والأمر كذلك فإنما يقال لها: ماذا عرّفناك أنه كائن منهم بعدك؟ وظاهر خبر الله تعالى ذكره عن مسألته إياهم يدلّ على غير ذلك.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

وفي قوله: {عَلاَّمُ الغُيُوْبِ} تأويلان: أحدهما: أنه مبالغة. والثاني: أنه لتكثير المعلومات. فإن قيل: فلم سألهم عما هو أعلم به منهم؟ فعليه جوابان: أحدهما: أنه إنما سألهم ليعلمهم ما لم يعلموا من كفر أممهم ونفاقهم وكذبهم عليهم من بعدهم. والثاني: أنه أراد أن يفضحهم بذلك على الأشهاد ليكون ذلك نوعاً من العقوبة لهم...

جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :

{يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} (111). 370- فيا لشدة يوم تذهب فيه عقول الأنبياء وتنمحي علومهم من شدة الهيبة؛ إذ يقال لهم: {ماذا أجبتم} وقد أرسلتم إلى الخلائق؟ وكانوا قد علموا فتدهش عقولهم، فلا يدرون بماذا يجيبون، فيقولون من شدة الهيبة: {لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} وهم في ذلك الوقت صادقون إذ طارت منهم العقول وانمحت العلوم إلى أن يقويهم الله تعالى [نفسه: 4/551].

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: ما معنى سؤالهم؟ قلت: توبيخ قومهم، كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد. فإن قلت: كيف يقولون: {لاَ عِلْمَ لَنَا} وقد علموا بما أجيبوا؟ قلت: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم فيكلون الأمر إلى علمه وإحاطته بما منوا به منهم وكابدوا من سوء إجابتهم، إظهاراً للتشكي واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم، وذلك أعظم على الكفرة وأفت في أعضادهم وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم إذا اجتمع توبيخ الله وتشكي أنبيائه عليهم...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{ويوم يجمع الله الرسل} ذهب قوم من المفسرين إلى أن العامل في {يوم} ما تقدم من قوله {لا يهدي}، وذلك ضعيف، ورصف الآية وبراعتها، إنما هو أن يكون هذا الكلام مستأنفاً، والعامل مقدر إما اذكروا وإما تذكروا وإما احذروا ونحو هذا مما حسن اختصاره لعلم السامع، والإشارة بهذا اليوم إلى يوم القيامة، وخص الرسل بالذكر لأنهم قادة الخلق، وفي ضمن جمعهم جمع الخلائق وهم المكلمون أولاً و {ماذا أجبتم} معناه ماذا أجابت به الأمم من إيمان أو كفر وطاعة أو عصيان، وهذا السؤال للأنبياء الرسل إنما هو لتقوم الحجة على الأمم ويبتدأ حسابهم على الواضح المستبين لكل مفطور. واختلف الناس في معنى قولهم عليهم السلام {لا علم لنا} فقال الطبري ذهلوا عن الجواب لهول المطلع، وذكر عن الحسن أنه قال: لا علم لنا من هول ذلك اليوم. وعن السدي أنه قال: نزلوا منزلاً ذهلت فيه العقول فقالوا لا علم لنا، ثم نزلوا منزلاً آخر شهدوا على قومهم، وعن مجاهد أنه قال: يفزعون فيقولون لا علم لنا.

وضعّف بعض الناس هذا المنزع بقوله تعالى: {لا يحزنهم الفزع الأكبر} 1 والأنبياء في أشد أهوال يوم القيامة وحالة جواز الصراط يقولون سلم سلم، وحالهم أعظم وفضل الله عليهم أكثر من أن تذهل عقولهم حتى يقولوا ما ليس بحق في نفسه، وقال ابن عباس رضي الله عنه: معنى الآية لا علم لنا إلا علماً أنت أعلم به منا.

وهذا حسن، كأن المعنى لا علم لنا يكفي وينتهي إلى الغاية، وقال ابن جريج: معنى ماذا أجبتم؟ ماذا عملوا بعدكم وما أحدثوا؟ فلذلك قالوا لا علم لنا.

وهذا معنى حسن في نفسه، ويؤيده قوله تعالى: {إنك أنت علام الغيوب} لكن لفظة {أجبتم} لا تساعد قول ابن جريج إلا على كره، وقول ابن عباس أصوب هذه المناحي لأنه يتخرج على التسليم لله تعالى ورد الأمر إليه، إذ قوله {ماذا أجبتم} لا علم عندهم في جوابه إلا بما شوفهوا به مدة حياتهم، وينقصهم ما في قلوب المشافهين من نفاق ونحوه، وما ينقصهم ما كان بعدهم من أمتهم والله تعالى يعلم جميع ذلك على التفصيل والكمال. فرأوا التسليم له والخضوع لعلمه المحيط..

زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 597 هـ :

{لاَ عِلْمَ لَنَا} بجميع أفعالهم إذ كنا نعلم بعضها وقت حياتنا، ولا نعلم ما كان بعد وفاتنا، وإنما يستحق الجزاء بما تقع به الخاتمة، حكاه ابن الأنباري. قال المفسرون: إذا رد الأنبياء العلم إلى الله أُبلست الأمم، وعلمت أن ما أتته في الدنيا غير غائب عنه، وأن الكل لا يخرجون عن قبضته. قوله تعالى: {عَلّامُ الْغُيُوبِ} قال الخطابي: العلام: بمنزلة العليم، وبناء "فعّال "بناء التكثير، فأما "الغيوب" فجمع غيب، وهو ما غاب عنك...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن عادة الله تعالى جارية في هذا الكتاب الكريم أنه إذا ذكر أنواعا كثيرة من الشرائع والتكاليف والأحكام، أتبعها إما بالإلهيات، وإما بشرح أحوال الأنبياء، أو بشرح أحوال القيامة ليصير ذلك مؤكدا لما تقدم ذكره من التكاليف والشرائع فلا جرم لما ذكر فيما تقدم أنواعا كثيرة من الشرائع أتبعها بوصف أحوال القيامة أولا، ثم ذكر أحوال عيسى. أما وصف أحوال القيامة فهو قوله {يوم يجمع الله الرسل} وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: أحدهما: أنها متصلة بما قبلها وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الأول: قال الزجاج تقديره: واتقوا الله يوم يجمع الله الرسل، ولا يجوز أن ينصب على الظرف لهذا الفعل لأنهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم، ولكن على المفعول له.

الثاني: قال القفال رحمه الله: يجوز أن يكون التقدير: والله لا يهدي القوم الفاسقين يوم يجمع الله الرسل، أي لا يهديهم إلى الجنة كما قال {ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم}. والقول الثاني: أنها منقطعة عما قبلها، وعلى هذا التقدير ففيه أيضا وجهان: الأول: أن التقدير: اذكر يوم يجمع الله الرسل. والثاني: أن يكون التقدير: يوم يجمع الله الرسل كان كيت وكيت...

المسألة الثالثة: ظاهر قوله تعالى: {قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم. والجمع بين هذا وبين قوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} مشكل. وأيضا قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} فإذا كانت أمتنا تشهد لسائر الناس فالأنبياء أولى بأن يشهدوا لأممهم بذلك. والجواب عنه من وجوه: الأول: قال جمع من المفسرين إن للقيامة زلازل وأهوالا بحيث تزول القلوب عن مواضعها عند مشاهدتها. فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام عند مشاهدة تلك الأهوال ينسون أكثر الأمور، فهنالك يقولون لا علم لنا، فإذا عادت قلوبهم إليهم فعند ذلك يشهدون للأمم. وهذا الجواب وإن ذهب إليه جمع عظيم من الأكابر فهو عندي ضعيف، لأنه تعالى قال في صفة أهل الثواب {لا يحزنهم الفزع الأكبر} وقال أيضا {وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة} بل إنه تعالى قال: {إن الذين ءامنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من ءامن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ولا هم يحزنون} فكيف يكون حال الأنبياء والرسل أقل من ذلك، ومعلوم أنهم لو خافوا لكانوا أقل منزلة من هؤلاء الذين أخبر الله تعالى عنهم أنهم لا يخافون البتة. والوجه الثاني: أن المراد منه المبالغة في تحقيق فضيحتهم كمن يقول لغيره ما تقول في فلان؟ فيقول: أنت اعلم به مني، كأنه قيل: لا يحتاج فيه إلى الشهادة لظهوره، وهذا أيضا ليس بقوي لأن السؤال إنما وقع عن كل الأمة، وكل الأمة ما كانوا كافرين حتى تريد الرسل بالنفي تبكيتهم وفضيحتهم. والوجه الثالث: في الجواب وهو الأصح، وهو الذي اختاره ابن عباس أنهم إنما قالوا لا علم لنا لأنك تعلم ما أظهروا وما أضمروا ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا فعلمك فيهم أنفذ من علمنا. فلهذا المعنى نفوا العلم عن أنفسهم لأن علمهم عند الله كلا علم. والوجه الرابع: في الجواب أنهم قالوا: لا علم لنا، إلا أن علمنا جوابهم لنا وقت حياتنا، ولا نعلم ما كان منهم بعد وفاتنا.

والجزاء والثواب إنما يحصلان على الخاتمة وذلك غير معلوم لنا. فلهذا المعنى قالوا لا علم لنا وقوله {إنك أنت علام الغيوب} يشهد بصحة هذين الجوابين.

الوجه الخامس: وهو الذي خطر ببالي وقت الكتابة، أنه قد ثبت في علم الأصول أن العلم غير، والظن غير، والحاصل عند كل أحد من حال الغير، إنما هو الظن لا العلم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر» وقال عليه الصلاة والسلام: «إنكم لتختصمون لدي ولعل بعضكم ألحن بحجته، فمن حكمت له بغير حقه فكأنما قطعت له قطعة من النار» أو لفظ هذا معناه. فالأنبياء قالوا: لا علم لنا البتة بأحوالهم، إنما الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظن، والظن كان معتبرا في الدنيا، لأن الأحكام في الدنيا كانت مبنية على الظن، وأما الآخرة فلا التفات فيها إلى الظن لأن الأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأشياء، وبواطن الأمور. فلهذا السبب قالوا {لا علم لنا} ولم يذكروا البتة ما معهم من الظن لأن الظن لا عبرة به في القيامة. الوجه السادس: أنهم لما علموا أنه سبحانه وتعالى عالم لا يجهل، حكيم لا يسفه، عادل لا يظلم، علموا أن قولهم لا يفيد خيرا، ولا يدفع شرا، فرأوا أن الأدب في السكوت، وفي تفويض الأمر إلى عدل الحي القيوم الذي لا يموت...

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

{يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} مناسبة هذه لما قبلها أنه لما أخبر تعالى بالحكم في شاهدي الوصية وأمر بتقوى الله والسمع والطاعة، ذكر بهذا اليوم المهول المخوف وهو يوم القيامة فجمع بذلك بين فضيحة الدنيا وعقوبة الآخرة لمن حرّف الشهادة ولمن لم يتق الله ولم يسمع،...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

بينا في أول تفسير الآيتين 90 و 91 من هذه السورة وجه الاتصال والترتيب بين مجموع آياتها وطوائفها من أولها إلى هذا السياق الأخير منها وهو يتعلق بمحاجة أهل الكتاب عامة، والنصارى منهم خاصة، وفيه ذكر المعاد والحساب والجزاء الذي ينتهي إليه أمر المختلفين في الدين، وأمر المؤمنين المخاطبين بالأحكام التي سبق بيانها، وهذا هو وجه المناسبة والاتصال بين هذه الآيات وما قبلها مباشرة من آيات الأحكام.

ويرى بعض المفسرين أن كلمة (يوم) في أولها من متعلقات الآية أو الجملة التي قبلها كما ترى فيما يلي:

{يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} قيل إن هذا متعلق بالفعل من آخر جملة مما قبله، والتقدير: والله لا يهدي القوم الفاسقين إلى طريق النجاة يوم يجمع الرسل في الآخرة ويسألهم عن تبليغ الرسالة وما أجابتهم به أقوامهم – أو لا يهديهم يومئذ طريقا إلا طريق جهنم، وقيل إنه متعلق بقوله: «واتقوا الله» أو بقوله: «واسمعوا» أي واتقوا عقاب الله يوم جمعه الرسل، -أو – واسمعوا يوم يجمع الله الرسل، أي خبره وما يكون فيه.

وذهب آخرون إلى أن الآية منقطعة عما قبلها – والمعنى: يوم يجمع الله الرسل ويسألهم يكون من الأهوال ما لا يفي ببيانه مقال – أو المعنى: واذكر أيها الرسول يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم، وهذا التقدير أظهر وله في التنزيل نظائر. والمراد من السؤال توبيخ أممهم، وإقامة الحجة على الكافرين منهم، والمعنى أي إجابة أجبتم؟ أإجابة إيمان وإقرار، أم إجابة كفر واستكبار؟ فهو سؤال عن نوع الإجابة لا عن الجواب ماذا كان، وإلا لقرن بالباء، وقيل الباء محذوفة والتقدير بماذا أجبتم. وهذا السؤال للرسل من قبيل سؤال الموءودة في قوله تعالى: {وإذا الموءودة سئلت * بأي ذنب قتلت} [التكوير: 8، 9] في أن كلا منهما وجه إلى الشاهد دون المتهم لما ذكر آنفا من الحكمة، وهو يكون في بعض مواقف القيامة ويشهدون على الأمم بعد التفويض الآتي أو عقب سؤال غير هذا، ويسأل الله تعالى الأمم في موقف آخر أو في وقت آخر. كما هو شأن قضاة التحقيق في سؤال الخصم والشهود، لتحقق شرائط الحكم الصحيح كما هو المعهود، قال تعالى: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين * فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين} [الأعراف: 6، 7].

ولما كان تعالى يسأل كلا من الفريقين عما هو أعلم به منه، وكان الرسل عليهم الصلاة والسلام على علم يقيني بذلك – يكون جوابهم في أول العهد بالسؤال التبرؤ من العلم وتفويضه إلى الله تعالى – إما لنقصان علمهم بالنسبة إلى علمه تعالى كما نقل عن ابن عباس، وإما لما يفاجئهم من فزع ذلك اليوم أو هوله أو ذهوله كما نقل عن الحسن ومجاهد والسدي. وذلك قوله تعالى:

{قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب (109)} جاء الجواب منفصلا كسائر ما يأتي من أقوال المراجعة على طريقة الاستئناف البياني، وعبر بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه حتى كأنه وقع، قال ابن عباس: يقولون للرب: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا. يعني أنه ليس بنفي لعلمهم بإطلاق وإنما هو نفي لعلم الإحاطة الذي هو خاص بالخلاق العليم، إذ الرسل كانوا يعلمون ظاهر ما أجيبوا به من مخاطبيهم ولا يعلمون بواطنهم، ولا حال من لم يروه من أممهم، إلا ما يوحيه تعالى إليهم من ذلك وهو قليل من كثير، ولذلك قرنوا نفي العلم عنهم بإثبات المبالغة في علم الغيب له تعالى، فإن صيغة علام معناها كثير العلم أي بكثير المعلومات، وإلا فعلمه واحد محيط بكل شيء إحاطة كاملة، ولا يوصف تعالى بالعلامة، ولعله لما فيه من تاء التأنيث. قال تعالى لنوح عليه السلام لما سأل ربه أن ينجي ولده من الطوفان {فلا تسألن ما ليس لك به علم} [هود: 46] وقال لخاتم رسله عليه الصلاة والسلام {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} [التوبة: 101].

وقال الفخر الرازي ما معناه: إن الرسل أرادوا إنه لم يكن لهم من حقيقة حال أممهم إلا الظن الذي هو ظاهر حالهم لا العلم القطعي الذي يتوقف على معرفة الظاهر والباطن بدليل ما ورد في الحديث من الحكم بالظاهر قال: «فالأنبياء قالوا: لا علم لنا البتة بأحوالهم إنما الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظن، والظن كان معتبرا في الدنيا لأن الأحكام في الدنيا كانت مبنية على الظن، وأما الآخرة فلا التفات فيها إلى الظن لأن الأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأشياء وبواطن الأمور. فلهذا السبب قالوا: «لا علم لنا إلا ما علمتنا» ولم يذكروا البتة ما معهم من الظن لأن الظن لا عبرة به في القيامة. اه.

ونقول: إن هذا رأي ضعيف وإن بني على اصطلاح أهل الكلام والأصول في تفسير الظن والعلم، والصواب ما بيناه قبله. وذلك أن الرسل يعلمون كثيرا من الحقائق علما يقينيا، كاستكبار المجرمين عن إجابة دعوتهم وإصرارهم على كفرهم. ومن علمهم بذلك ما شهد به التنزيل إذ أخبرهم الله أن أولئك المعاندين لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، وأنه قد ختم على قلوبهم وحق القول عليهم، ومنهم من يكاشف النبي بحالهم ويمثلون له في النار، كما كان يعلم أن بعض المؤمنين صادقون في إيمانهم وبشرهم بالجنة، وأن بعضهم ضعفاء الإيمان ولكن إيمانهم صحيح مقبول عند الله تعالى والعلم بالظاهر يقبل في شهادتهم على الجاحدين إذ لا عبرة بالإيمان في الباطن مع الجحود في الظاهر بل هو أشد الكفر. وقد أخبرنا الله تعالى أنهم يشهدون على أممهم، فلو كان كل ما يعرفون من أحوال أممهم ظنا لا عبرة به في القيامة، لما كان لشهادتهم فائدة {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [النساء: 41].

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

{يوم يجمع الله الرسل، فيقول ماذا أجبتم؟ قالوا: لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب}: يوم يجمع الله الرسل الذين فرقهم في الزمان فتتابعوا على مداره؛ وفرقهم في المكان فذهب كل إلى قريته؛ وفرقهم في الأجناس فمضى كل إلى قومه.. يدعون كلهم بدعوة واحدة على اختلاف الزمان والمكان والأقوام؛ حتى جاء خاتمهم -صلى الله عليه وسلم- بالدعوة الواحدة لكل زمان ومكان وللناس كافة من جميع الأجناس والألوان.. هؤلاء الرسل إلى شتى الأقوام، في شتى الأمكنة والأزمان.. ها هو ذا مرسلهم فرادى، يجمعهم جميعاً؛ ويجمع فيهم شتى الاستجابات، وشتى الاتجاهات. وها هم أولاء.. نقباء البشرية في حياتها الدنيا؛ ومعهم رسالات الله إلى البشرية في شتى أرجائها، ووراءهم استجابات البشرية في شتى أعصارها. هؤلاء هم أمام الله.. رب البشرية -سبحانه- في مشهد يوم عظيم. وها هو ذا المشهد ينبض بالحياة: {يوم يجمع الله الرسل. فيقول: ماذا أجبتم؟}. {ماذا أجبتم؟}.. فاليوم تجمع الحصيلة، ويضم الشتات، ويقدم الرسل حساب الرسالات، وتعلن النتائج على رؤوس الأشهاد. {ماذا أجبتم؟}.. والرسل بشر من البشر؛ لهم علم ما حضر، وليس لديهم علم ما استتر. لقد دعوا أقوامهم إلى الهدى؛ فاستجاب منهم من استجاب، وتولى منهم من تولى.. وما يعلم الرسول حقيقة من استجاب إن كان يعرف حقيقة من تولى. فإنما له ظاهر الأمر وعلم ما بطن لله وحده.. وهم في حضرة الله الذي يعرفونه خير من يعرف؛ والذي يهابونه أشد من يهاب؛ والذي يستحيون أن يدلوا بحضرته بشيء من العلم وهم يعلمون أنه العليم الخبير. إنه الاستجواب المرهوب في يوم الحشر العظيم، على مشهد من الملأ الأعلى، وعلى مشهد من الناس أجمعين. الاستجواب الذي يراد به المواجهة.. مواجهة البشرية برسلها؛ ومواجهة المكذبين من هذه البشرية خاصة برسلهم الذين كانوا يكذبونهم. ليعلن في موقف الإعلان، أن هؤلاء الرسل الكرام إنما جاءوهم من عند الله بدين الله؛ وها هم أولاء مسؤولون بين يديه -سبحانه- عن رسالاتهم وعن أقوامهم الذين كانوا من قبل يكذبون. أما الرسل فهم يعلنون أن العلم الحق لله وحده؛ وأن ما لديهم من علم لا ينبغي أن يدلوا به في حضرة صاحب العلم، تأدبا وحياء، ومعرفة بقدرهم في حضرة الله: (قالوا: لا علم لنا. إنك أنت علام الغيوب)...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

جملة {يوم يجمع الله الرّسُلَ} استئناف ابتدائي متّصل بقوله: {فأثابهم الله بما قالوا} إلى قوله {وذلك جزاء المحسنين} [المائدة: 85]. وما بينهما جمل معترضة نشأ بعضها عن بعض، فعاد الكلام الآن إلى أحوال الذين اتّبعوا عيسى عليه السلام، فبدّل كثير منهم تبديلاً بلغ بهم إلى الكفر ومضاهاة المشركين، للتذكير بهول عظيم من أهوال يوم القيامة تكون فيه شهادة الرسل على الأمم وبراءتهم ممّا أحدثه أممهم بعدهم في الدين ممّا لم يأذن به الله، والتخلّص من ذلك إلى شهادة عيسى على النصارى بأنّه لم يأمرهم بتأليهه وعبادته. وهذا متّصل في الغرض بما تقدّم من قوله تعالى: {ولتجدنّ أقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى} [المائدة: 82]. فإنّ في تلك الآيات ترغيباً وترهيباً، وإبعاداً وتقريباً، وقع الانتقال منها إلى أحكام تشريعية ناسبت ما ابتدعه اليهود والنصارى، وذلك من قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم} [المائدة: 87] وتفنّن الانتقال إلى هذا المبلغ، فهذا عود إلى بيان تمام نهوض الحجّة على النصارى في مشهد يوم القيامة. ولقد جاء هذا مناسباً للتذكير العامّ بقوله تعالى: {واتّقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين} [المائدة: 108]. ولمناسبة هذا المقام التزم وصف عيسى بابن مريم كلّما تكرّر ذكره في هذه الآيات أربع مرات تعريضاً بإبطال دعوى أنّه ابن لله تعالى. ولأنّه لمّا تمّ الكلام على الاستشهاد على وصايا المخلوقين ناسب الانتقال إلى شهادة الرسل على وصايا الخالق تعالى، فإنّ الأديان وصايا الله إلى خلقه. قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى} [الشورى: 13]. وقد سمّاهم الله تعالى شهداء في قوله: {فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} [النساء: 41].فقوله: {يوم يجمع} ظرف، والأظهر أنه معمول لعاملٍ محذوف يقدّر بنحو: اذكر يوم يجمع الله الرسل، أو يقدّر له عامل يكون بمنزلة الجواب للظرف، لأنّ الظرف إذا تقدّم يعامل معاملة الشرط في إعطائه جواباً. وقد حذف هذا العامل لتذهب نفس السامع كلّ مذهب ممكن من التهويل، تقديره يوم يجمع الله الرسل يكون هول عظيم لا يبلغه طُولُ التعبير فينبغي طيّه. ويجوز أن يكون متعلّقاً بفعل {قالوا لا علم لنا...} الخ، أي أنّ ذلك الفعل هو المقصود من الجملة المستأنفة. وأصل نظم الكلام: يجمع الله الرسل يوم القيامة فيقول الخ. فغيّر نظم الكلام إلى الأسلوب الذي وقع في الآية للاهتمام بالخبر، فيفتتح بهذا الظرف المهول وليوردَ الاستشهاد في صورة المقاولة بين الله والرسل.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وسؤال الحق لرسله: {ماذا أجبتم} في الظاهر هذا سؤال للرسل، وفي الحق إنه للمخالفين، وكأن هذا تقريع لمن لم يؤمنوا بالرسالة الرسل، ذلك أن مهمة الرسل هي البلاغ...

بماذا يجيب الرسل يومئذ عن الله؟ وهم يجيبون الإجابة الدقيقة المتضمنة لكل أدب الإيمان: {لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} ونجد من يتساءل: كيف – إذن يقولون: {لا علم لنا} على الرغم من أن هناك من استجاب لدعوتهم ومن لم يستجب لها؟ ونقول: لأن الآخرة فيها حساب على نوايا القلوب والسرائر، لقد علم الرسل بالأمور العلنية من أقوال وسلوك، ولكن الحق يحاسب على حسب النية والسلوك، وهو سبحانه الأعلم بالسرائر وما تخفي الضمائر، وأيضا فالأنبياء قد علموا الذين آمنوا بالمنهج وكانوا ومعاصرين لهم، ولكن ليس لهم علم بمن كفر أو آمن بعد أزمنتهم، وإجابة الرسل هي قمة الأدب مع الله، ذلك لأن كلا منهم قد علم أن معرفة الله شاملة وعلمه قد وسع كل شيء، ولذلك جاء قولهم: {إنك أنت علام الغيوب}...