{ واختار موسى قَوْمَهُ } تتمة لشرح أحوال بني إسرائيل ، وقال البعض : إنه شروع في بيان كيفية استدعاء التوبة وكيفية وقوعها { واختار } يتعدى إلى اثنين ثانيهما مجرور بمن وقد حذفت هنا وأوصل الفعل والأصل من قومه ، ونحوه قول الفرزدق :
منا الذي اختير الرجال سماحة *** وجوداً إذا هب الرياح الزعازع
فقلت له : اخترها قلوصاً سمينة *** ونابا علا بامثل نابك في الحيا
وقوله سبحانه : { سَبْعِينَ رَجُلاً } مفعول أول لاختار على المختار وأخر عن الثاني لما مر مراراً ، وقيل : بدل بعض من كل ، ومنعه الأكثرون بناءاً على أن المبدل منه في نية الطرح والاختيار لا بد له من مختار ومختار منه وبالطرح يسقط الثاني ، وجوزه أبو البقاء على ضعف ويكون التقدير سبعين منهم ، وقيل : هو عطف بيان { لميقاتنا } ذهب أبو علي . وأبو مسلم وغيرهما من مفسري السنة والشيعة إلى أنه الميقات الأول وهو الميقات الكلامي قالوا : إنه عليه السلام اختار لذلك من اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة حتى تتاموا اثنين وسبعين فقال عليه السلام : ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا فقال : لمن قعد منكم مثل أجر من خرج فقعد كالب ويوشع ، وروي أنه لم يصب إلا ستين شيخاً فأوحى الله تعالى أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً ، وقيل : كانوا أبناء ما عدا العشرين ولم يتجاوزوا الأربعين فذهب عنهم الجهل والصبا فأمرهم موسى عليه السلام أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى طور سيناء فلما دنا من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله ودنا موسى ودخل فيه ، وقال للقوم : ادنوا فدنوا حتى إذا دخلوا الغمام وقعوا سجداً فسمعوه وهو سبحانه يكلم موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه فطلبوا الرؤية فوعظهم وكان ما كان ، وذهب آخرون وهو المروى عن الحسن إلى أنه غير الميقات الأول قالوا : إن الله سبحانه أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في أناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل فاختار من اختاره فلما أتوا الطور قالوا ما قالوا ، وروي ذلك عن السدي ، وعن ابن إسحاق أنه عليه السلام إنما اختارهم ليتوبوا إلى الله تعالى ويسألوه التوبة على من تركوا وراءهم من قومهم . ورجح ذلك الطيبي مدعياً أن الأول خلاف نظم الآيات وأقوال المفسرين . أما الأول فلما قال الإمام : إنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم أتبعها بقصة العجل وما يتصل بها فظاهر الحال أن تكون هذه القصة مغايرة للمتقدمة إذ لا يليق بالفصاحة ذكر بعض القصة ثم النقل إلى أخرى ثم الرجوع إلى الأولى وإنه اضطراب يصان عنه كلامه تعالى ، وأيضاً ذكر بعض القصة ثم النقل إلى أخرى ثم الرجوع إلى الأولى وإنه اضطراب يصان عنه كلامه تعالى ، وأيضاً ذكر في الأولى خرور موسى عليه السلام صعقاً ، وفي الثانية قوله بعد أخذ الرجفة : { لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم } ، وأيضاً لو كانت الرجفة بسبب طلب الرؤية لقيل : أتهلكنا بما قال السفهاء وضم إليه الطيبي أنه تعالى حيث ذكر صاعقتهم لم يذكر صعق موسى عليه السلام وبالعكس فدل على التغاير ، وأما الثاني فلما نقل عن السدي مما ذكرناه آنفاً ، وتعقب ما ذكر في الترجيح أولاً صاحب الكشف بأن الإنصاف أن المجموع قصة واحدة في شأن ما من على بني إسرائيل بعد إنجائهم من تحقيق وعد إيتاء الكتاب وضرب ميقاته وعبادة العجل وطلب الرؤية كان في تلك الأيام ، وفي ذلك الشأن فالبعض مربوط بالبعض بقي إيثار هذا الأسلوب وهو بين لأن الأول في شأن الامتنان عليهم وتفضيلهم كيف وقد عطف
{ واعدنا } [ الأعراف : 142 ] على { أنجيناكم } [ الأعراف : 141 ] وقد بين أنه تبيين للتفضيل ، وتعقيب حديث الرؤية مستطرد للفرق بين الطلبين عندنا وليلقمهم الحجر عند المعتزلي . والثاني في شأن جنايتهم بعد ذلك الإحسان البالغ باتخاذ العجل والملاحة والافتراق من لوازم النظم ، وتعقب ما ذكر فيه ثانياً بأن قول السدي وحده لا يصلح رداً كيف وهذا يخالف ما نقله محيي السنة في قوله سبحانه : { لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم } إنهم كانوا له وزراء مطيعين فاشتد عليه عليه السلام فقدهم فرحمهم وخاف عليهم الفوت وأين { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ } [ البقرة : 55 ] من الطاعة وحسن الاستئزار قال : ثم الظاهر من قوله تعالى : { فَقَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتخذوا العجل } [ النساء : 153 ] إن اتخاذ العجل متأخر عن مقالتهم تلك خلاف ما نقل عن السدي والحمل على تراخي الرتبة لا بد له من سند كيف ولا ينافي التراخي الزماني فلا بد من دليل يخصه به ، هذا وقد اعترف المفسرون في سورة طه بأنه اختار سبعين لميقات الكلام ذكروه في قوله تعالى : { وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى } [ طه : 83 ] وما اعتذر عنه الطيبي بأن اختيار السبعين كان مرتين وليس في النقل أنهم كانوا معه عند المكالمة وطلب الرؤية فظاهر للمنصف سقوطه انتهى .
وذكر القطب في توهين ما نقل عن السدي بأن الخروج للاعتذار إن كان بعد قتل أنفسهم ونزول التوبة فلا معنى للاعتذار ، وإن كان قبل قتلهم فالعجب من اعتذار ثمرته قتل الأنفس ، ثم قال : ولا ريب أن قصة واحدة تتكرر في القرآن يذكر في سورة بعضها ، وفي أخرى بعض أخر وليس ذلك إلا لتكرار اعتبار المعتبرين بشيء من تلك القصة فإذا جاز ذكر قصة في سور متعددة في كل سورة شيء منها فلم لا يجوز ذلك في مواضع من سورة واحدة لتكرر الاعتبار ا ه ، وهو ظاهر في ترجيح ما ذهب إليه الأولون ، وأنا أقول : إن القول بأن هذا الميقات هو الميقات الأول ليس بعاطل من القول وبه قال جمع كما أشرنا إليه ، وكلامنا في البقرة ظاهر فيه إلا أن الإنصاف أن ظاهر النظم هنا يقتضي أنه غيره وما ذكره صاحب الكشف لا يقتضي أنه ظاهر في خلافه ، وإلى القول بالغيرية ذهب جل من المفسرين .
فقد أخرج عبد بن حميد من طريق أبي سعد عن مجاهد أن موسى عليه السلام خرج بالسبعين من قومه يدعون الله تعالى ويسألونه أن يكشف عنهم البلاء فلم يستجب لهم فعلم موسى أنهم أصابوا من المعصية ما أصاب قومهم ، قال أبو سعد : فحدثني محمد بن كعب القرظي أنه لم يستجب لهم من أجل أنهم لم ينهوهم عن المنكر ولم يأمروهم بالمعروف .
وأخرج عبد بن حميد عن الفضل بن عيسى بن أخي الرقاشي أن بني إسرائيل قالوا ذات يوم لموسى عليه السلام ألست ابن عمنا ومنا وتزعم أنك كلمت رب العزة ؟ فإنا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً فلما أبوا إلا ذلك أوحى الله تعالى إلى موسى أن اختر من قومك سبعين رجلاً فاختار سبعين خيرة ثم قال لهم : اخرجوا فلما برزوا جاءهم ما لا قبل لهم به الخبر . وهو ظاهر في أن هذا الميقات ليس هو الأول . نعم إنه مخالف لما روي عن السدي لكنهما متفقان على القول بالغيرية ويوافق السدي في ذلك الحسن أيضاً فليس هو متفرداً بذلك كما ظنه صاحب الكشف ، وما ذكره من مخالفة كلام السدي لما نقله محيي السنة في حيز المنع ، وقوله : فإنا لن نؤمن لك الخ يظهر جوابه مما ذكرناه في البقرة عند هذه الآية من الاحتمالات ، والقول بأن الاختيار كان مرتين غير بعيد وبه قال بعضهم ، وما ذكره القطب من الترديد في الخروج للاعتذار ظاهر بعض الروايات عن السدي يقتض تعين الشق الأول منه . فقد أخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال : انطلق موسى إلى ربه فكلمه فلما كلمه قال : { مَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى موسى } [ طه : 83 ] فأجابه موسى بما أجابه فقال سبحانه : { فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ } [ طه : 85 ] الآية فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً فأبى الله تعالى أن يقبل توبتهم إلا بالحال التي كرهوا ففعلوا ثم أن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون من عبادة العجل فوعدهم موعداً فاختار موسى سبعين رجلاً الخ وهو كما ترى ظاهر فيما قلناه ، والقول بأنه لا معنى للاعتذار بعد قل أنفسهم ونزول التوبة أجيب عنه بأن المعنى يحتمل أن يكون طلباً لزيادة الرضى واستنزال مزيد الرحمة ، ويحتمل أن يكونوا أمروا بذلك تأكيداً للإيذان بعظم الجناية وزيادة فيه وإشارة إلى أنه بلغ مبلغاً في السوء لا يكفي في العفو عنه قتل الأنفس بل لا بد فيه مع ذلك الاعتذار ، ويمكن أن يقال إنه كان قبل قتلهم أنفسهم : والسر في أنهم أمروا به أن يعلموا أيضاً عظم الجناية على أتم وجه بعدم قبوله والله تعالى أعلم { فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة } أي الصاعقة أو رجفة الجبل فصعقوا منها والكثير على أنهم ماتوا جميعاً ثم أحياهم الله تعالى ، وقيل : غشي عليهم ثم أفاقوا وذلك لأنهم قالوا :
{ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً } [ البقرة : 55 ] على ما في بعض الروايات أو ليتحقق عند القائلين ذلك من قومهم مزيد عظمته سبحانه على ما في البعض الآخر منها ، أو لمجرد التأديب على ما في خبر القرظي ، والظاهر أن قولهم : لن نؤمن الخ صدر منهم في ذلك المكان لا بعد الرجوع كما قيل : ونقلناه في البقرة وحينئذٍ يبعد على ما قيل القول بأن هذا الميقات هو الميقات الأول لأن فيه طلب موسى عليه السلام الرؤية بعد كلام الله تعالى له من غير فصل على ما هو الظاهر فكون هذا الطلب بعده ، وبعيد أن يطلبوا ذلك بعد أن رأوا ما وقع لموسى عليه السلام . وما أخرجه ابن أبي الدنيا : وابن جرير وغيرهما عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : لما حضر أجل هارون أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن انطلق أنت وهارون وابنه إلى غار في الجبل فإنا قابضو روحه فانطلقوا جميعاً فدخلوا الغار فإذا سرير فاضطجع عليه موسى ثم قام عنه فقال : ما أحسن هذا المكان يا هارون فاضطجع عليه هارون فقبض روحه فرجع موسى وابن أخه إلى بني إسرائيل حزينين فقالوا له : أين هارون : قال مات ؟ قالوا : بل قتلته كنت تعلم إنا نحبه فقال لهم : ويلكم أقتل أخي وقد سألته الله تعالى وزيراً ولو أني أردت قتله أكان ابنه يدعني . قالوا بلى : قتلته حسداً ، قال : فاختاروا سبعين رجلاً فانطلق بهم فمرض رجلان في الطريق فخط عليهما خطاً فانطلق هو وابن هارون . وبنو إسرائيل حتى انتهوا إلى هارون فقال : يا هارون من فتلك ؟ قال : لم يقتلني أحد ولكني مت قالوا : ما تعصى يا موسى ادع لنا ربك يجعلنا أنبياء فأخذتهم الرجفة فصعقوا وصعق الرجلان اللذان خلفوا وقام موسى عليه السلام يدعو ربه فأحياهم الله تعالى فرجعوا إلى قومهم أنبياء لا يكاد يصح فيما أرى لتظافر الآثار بخلافه وإباء ظواهر الآيات عنه .
{ قَالَ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ } عرض للعفو السابق لاستجلاب العفو اللاحق يعني أنك قدرت على إهلاكهم قبل ذلك بحمل فرعون على إهلاكهم وبإغراقهم في البحر وغيرهما فترحمت عليهم ولم تهلكهم فارحمهم الآن كما رحمتهم من قبل جرياً على مقتضى كرمك وإنما قال : { وإياي } تسليماً منه وتواضعاً ، وقيل : أراد بقوله : { أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ } حين فرطوا في النهي عن عبادة العجل وما فارقوا عبدته حين شاهدوا إصرارهم عليها أي لو شئت إهلاكهم بذنوبهم إذ ذاك وإياي أيضاً حين طلبت منك الرؤية ، وقيل : حين قتل القبطي لأهلكتنا ، وقيل : هو تمن منه عليه السلام للإهلاك جميعاً بسبب محبته أن لا يرى ما يرى من مخالفتهم له مثلاً أو بسبب آخر وفيه دغدغة { أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا } من العناد وسوء الأدب أو من عبادة العجل ، والهمزة إما لإنكار وقوع الإهلاك ثقة بلطف الله عز وجل كما قال ابن الأنباري أو للاستعطاف كما قال المبرد أي لا تهلكنا ، وإيا ما كان فهو من مقول موسى عليه السلام كالذب قبله ، وقول بعضهم : كان ذلك قاله بعضهم غير ظاهر ولا داعي إليه ، والقول بأن الداعي ما فيه من التضجر الذي لا يليق بمقام النبوة لا يخفى ما فيه ، ولعل مراد القائل بذلك أن هذا القول من موسى عليه السلام يشبه قول أحد السبعين فكأنه قاله على لسانهم لأنهم الذين أصيبوا بما أصيبوا به دوه فافهم { إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } استئناف مقرر لما قبله واعتذار عما وقع منهم وإن نافية وهي للفتنة المعلومة للسياق أي ما الفتنة إلا فتنتك أي محنتك وابتلاؤك حيث أسمعتهم كلامك فطمعوا في رؤيتك واتبعوا القياس في غير محله أو أوجدت في العجل خواراً فزاغوا به .
أخرج ابن أبي حاتم عن راشد بن سعد أن الله تعالى لما قال لموسى عليه السلام : إن قومك اتخذوا عجلا جسدا له خوار قال : يا رب فمن جعل فيه الروح ؟ قال : أنا قال : فأنت أضببتهم يا رب قال : يا رأس النبيين يا أبا الحكماء إني رأيت ذلك في قلوبهم فيسرته لهم ، ولعل هذا اشارة إلى الاستعداد الأزلي الغير المجعول . وقيل : الضمير راجع على الرجفة أي ما هي إلا تشديدك التعبد والتكلف علينا بالصبر على ما أنزلته بنا ، وروي هذا عن الربيع . وابن جبير . وأبي العالية ، وقيل : الضمير لمسألة الإراءة وإن لم تذكر .
{ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء } استئناف مبين لحكم الفتنة ، وقيل : حال من المضاف إليه أو المضاف أي تضل بسببها من تشاء إضلاله بالتجاوز عن الحد أو باتباع المخايل أو بنحو ذلك وتهدي من تشاء هداه فيقوى بها إيمانه ، وقيل : المعنى تصيب بهذه الرجفة من تشاء وتصرفها عمن تشاء ، وقيل : تضل بترك الصبر على فتنتك وترك الرضا بها من تشاء عن نيل ثوابك ودخول جنتك وتهدي بالرضا لها والصبر عليها من تشاء وهو كما ترى { أَنتَ وَلِيُّنَا } أي أنت القائم بأمورنا الدنيوية والأخروية لا غيرك { فاغفر لَنَا } ما يترتب عليه مؤاخذتك { وارحمنا } بإفاضة آثار الرحمة الدنيوية والأخروية علينا ، والفاء لترتيب الدعاء على ما قبله من الولاية لأن من شأن من يلى الأمور ويقوم بها دفع الضر وجلب النفع ، وقدم طلب المغفرة على طلب الرحمة لأن التخلية أهم من التحلية ، وسؤال المغفرة لنفسه عليه السلام في ضمن سؤالها لمن سألها له مما لا ضير فيه وإن لم يصدر منه نحو ما صدر منه كما لا يخفى ، والقول بأن إقدامه عليه السلام على أن يقول : { إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } جرأة عظيمة فطلب من الله تعالى غفرانها والتجاوز عنها مما يأباه السوق عند أرباب الذوق ، ولا أظن أن الله تعالى عد ذلك ذنباً منه ليستغفره عنه ، وفي ندائه السابق ما يؤيد ذلك .
{ وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين } إذا كل غافر سواك إنما يغفر لغرض نفساني كحب الثناء ودفع الضرر وأنت تغفر لا لطلب عوض ولا غرض بل لمحض الفضل والكرم ، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبل ، وتخصيص المغفرة بالذكر لأنها الأهم .
وفسر بعضهم ما ذكر بغفران السيئة وتبديلها بالحسنة ليكون تذييلاً لأغفر وارحم معا .
( هذا ومن باب الإشارة ) : ويقال في قوله سبحانه وتعالى :{ واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لميقاتنا } إن موسى عليه السلام اختار سبعين رجلاً من أشراف قومه ونجباءهم أهل الاستعداد والصفاء والإرادة والطلب والسلوك فلما أخذتهم الرجفة أي رجفة البدن التي هي من مبادي صعقة الفناء عند طريان بوارق الأنوار وظهوره طوالع تجليات الصفات من اقشعرار الجسد وارتعاده وكثيراً ما تعرض هذه الحركة للسالكين عند الذكر أو سماع القرآن أو ما يتأثرون به حتى تكاد تتفرق أعضاؤهم ، وقد شاهدنا ذلك في الخالدين من أهل الطريقة النقشبندية ، وربما يعتريهم في صلاتهم صياح معه فمنهم من يستأنف صلاته لذلك ومنهم من لا يستأنف ، وقد كثر الإنكار عليهم وسمعت بعض المنكرين يقولون : إن كانت هذه الحالة مع الشعور والعقل فهني سوء أدب ومبطلة للصلاة قطعاً وإن كانت مع عدم شعور وزوال عقل فهي ناقضة للوضوء ونراهم لا يتوضؤون ، وأجيب بأنها غير اختيارية مع وجود العقل والشعور ، وهي كالعطاس والسعال ومن هنا لا ينتقض الوضوء بل ولا تبطل الصلاة ، وقد نص بعض الشافعية أن المصلي لو غلبه الضحك في الصلاة لا تبطل صلاته ويعذر بذلك فلا يبعد أن يلحق ما يحصل من آثار التجليات الغير الاختيارية بما ذكر ولا يلزم من كونه غير اختياري كونه صادراً من غير شعور فإن حركة المرتعش غير اختيارية مع الشعور بها ، وهو ظاهر فلا معنى للإنكار . نعم كان حضرة مولانا الشيخ خالد قدس سره يأمر من يعتريه ذلك من المريدين بالوضوء واستئناف الصلاة سداً لباب الإنكار ، والحق أن ما يعتري هذه الطائفة غير ناقض الوضوء لعدم زوال العقل معه لكنه مبطل للصلاة لما فيه من الصياح الذي يظهر به حرفان مع أمور تأباها الصلاة ولا عذر لمن يعتريه ذلك إلا إذا ابتلى به بحيث لم يخل زمن من الوقت يسع الصلاة بدونه فإنه يعذر حينئذ ولا قضاء عليه إذا ذهب مه ذلك الحال كمن به حكة لا يصبر معها على عدم الحك .
وقد نص الجد عليه الرحمة في حواشيه على شرح الحضرمية للعلامة ابن حجر في صورة ابتلى بسعال مزمن على نحو ذلك ، ثم قال : فرع لو ابتلى بذلك وعلم من عادته أن الحمام يسكنه عنه مدة تسع الصلاة وجب عليه دخوله حيث وجد أجرة الحمام فاضلة عما يعتبر في الفطرة وإن فاتته الجماعة وفضيلة أول الوقت انتهى . نعم ذكر عليه رحمة الله تعالى في الفعل الكثير المبطل للصلاة وهو ثلاثة أفعال أنه لو ابتلى بحركة اضطرارية نشأ عنها عمل كثير فمعذور ، وقال أيضاً : إنه لا يضر الصوت الغير المشتمل على النطق بحرفين متواليين من أنف أو فم وإن اقترنت به همهمة شفتي الأخرس ولو لغير حاجة وإن فهم الفطن كلاماً أو قصد محاكاة بعضهم أصوات الحيوانات وإن لم يقصد التلاعب وإلا بطلت ، وينبغى التحري في هؤلاء القوم فإن حالهم في ذلك متفاوت لكن أكثر ما شاهدناه على الطراز الذي ذكرناه ، وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من الكتب الفقهية . قال موسى : { رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وإياى } وذلك من شدة غلبته الشوق ، و { لَوْ } هذه للتمني ، أتهلكنا بعذاب الحجاب والحرمان بما فعل السفهاء من عبادة العجل إن هي إلا فتنتك لا مدخل فيها لغيرك ، وهذا مقتضى مقام تجلي الأفعال ، فاغفر لنا ذنوب صفاتنا وذواتنا كما غفرت ذنوب أفعالنا ، وارحمنا بإفاضة أنوار شهودك ورفع حجاب الآنية بوجودك ،
و لما تاب بنو إسرائيل وتراجعوا إلى رشدهم اخْتَارَ مُوسَى منهم سَبْعِينَ رَجُلا من خيارهم ، ليعتذروا لقومهم عند ربهم ، ووعدهم اللّه ميقاتا يحضرون فيه ، فلما حضروه ، قالوا : يا موسى ، أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فتجرأوا على اللّه جراءة كبيرة ، وأساءوا الأدب معه ، ف أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فصعقوا وهلكوا .
فلم يزل موسى عليه الصلاة والسلام ، يتضرع إلى اللّه ويتبتل ويقول رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ أن يحضروا ويكونون في حالة يعتذرون فيها لقومهم ، فصاروا هم الظالمين أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا أي : ضعفاء العقول ، سفهاء الأحلام ، فتضرع إلى اللّه واعتذر بأن المتجرئين على اللّه ليس لهم عقول كاملة ، تردعهم عما قالوا وفعلوا ، وبأنهم حصل لهم فتنة يخطر بها الإنسان ، ويخاف من ذهاب دينه فقال : إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ أي : أنت خير من غفر ، وأولى من رحم ، وأكرم من أعطى وتفضل ، فكأن موسى عليه الصلاة والسلام ، قال : المقصود يا رب بالقصد الأول لنا كلنا ، هو التزام طاعتك والإيمان بك ، وأن من حضره عقله ورشده ، وتم على ما وهبته من التوفيق ، فإنه لم يزل مستقيما ، وأما من ضعف عقله ، وسفه رأيه ، وصرفته الفتنة ، فهو الذي فعل ما فعل ، لذينك السببين ، ومع هذا فأنت أرحم الراحمين ، وخير الغافرين ، فاغفر لنا وارحمنا .
فأجاب اللّه سؤاله ، وأحياهم من بعد موتهم ، وغفر لهم ذنوبهم .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{لميقاتنا}، يعني لميعادنا، فانطلق بهم، فتركهم في أصل الجبل، فلما نزل موسى إليهم، قالوا: {أرنا الله جهرة}، فأخذتهم الرجفة، يعني الموت عقوبة لما قالوا، وبقى موسى وحده يبكي، {فلما أخذتهم الرجفة قال رب} ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقد أهلكت خيارهم، رب {لو شئت أهلكتهم}، يعني أمتهم، {من قبل وإياي} معهم من قبل أن يصحبوني، {أتهلكنا} عقوبة {بما فعل السفهاء منا}، وظن موسى، عليه السلام، إنما عوقبوا باتخاذ بني إسرائيل العجل، فهم السفهاء، فقال موسى: {إن هي إلا فتنتك}، يعني ما هي إلا بلاؤك، {تضل بها} بالفتنة {من تشاء وتهدي} من الفتنة {من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين}...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: واختار موسى من قومه سبعين رجلاً للوقت والأجل الذي وعده الله أن يلقاه فيه بهم للتوبة مما كان من فعل سفهائهم في أمر العجل... فاختار موسى قومه سبعين رجلاً على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا، فلما أتوا ذلك المكان، قالوا: لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة، فإنك قد كلمته فأرناه فأخذتهم الصاعقة فماتوا. فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: ربّ ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم، لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي...
وقد بيّنا معنى الرجفة فيما مضى بشواهدها، وأنها ما رجف بالقوم وأرعبهم وحرّكهم وأهلكهم بعد، فأماتهم أو أصعقهم...عن مجاهد: فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرّجْفَةُ ماتوا ثم أحياهم.
"أُتهْلِكُنا بِمَا فَعَلَ السّفَهاءُ مِنّا إنْ هِيَ إلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتهْدِي مَنْ تَشاءُ أنْتَ وَلِيّنا فاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ".
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: أتهلك هؤلاء الذين أهلكتهم بما فعل السفهاء منا: أي بعبادة من عبد العجل. قالوا: وكان الله إنما أهلكهم لأنهم كانوا ممن يعبد العجل، وقال موسى ما قال ولا علم عنده بما كان منهم من ذلك... وقال آخرون: معنى ذلك: أن إهلاكك هؤلاء الذين أهلكتهم هلاك لمن وراءهم من بني إسرائيل إذا انصرفتُ إليهم، وليسوا معي، والسفهاء على هذا القول كانوا المهلكين الذين سألوا موسى أن يريهم ربهم... وقال آخرون...: أتؤاخذنا وليس منا رجل واحد ترك عبادتك ولا استبدل بك غيرك؟
وأولى القولين بتأويل الآية، قول من قال: إن موسى إنما حزن على هلاك السبعين بقوله: "أُتهْلِكُنا بِمَا فَعَلَ السّفَهاءُ مِنّا "وأنه إنما عنى بالسفهاء: عبدة العجل، وذلك أنه محال أن يكون موسى صلى الله عليه وسلم كان تخير من قومه لمسألة ربه ما أراه أن يسأل لهم إلا الأفضل فالأفضل منهم، ومحال أن يكون الأفضل كان عنده من أشرك في عبادة العجل واتخذه دون الله إلها.
قال: فإن قال قائل: فجائز أن يكون موسى عليه السلام كان معتقدا أن الله سبحانه يعاقب قوما بذنوب غيرهم، فيقول: أتهلكنا بذنوب من عبد العجل، ونحن من ذلك برآء؟ قيل: جائز أن يكون معنى الإهلاك: قبض الأرواح على غير وجه العقوبة، كما قال جلّ ثناؤه: إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ يعني: مات، فيقول: أتميتنا بما فعل السفهاء منا.
وأما قوله: "إنْ هِيَ إلاّ فِتْنَتُكَ "فإنه يقول جلّ ثناؤه: ما هذه الفعلة التي فعلها قومي من عبادتهم ما عبدوا دونك، إلا فتنة منك أصابتهم. ويعني بالفتنة: الابتلاء والاختبار. يقول: ابتليتهم بها ليتبين الذي يضلّ عن الحقّ بعبادته إياه والذي يهتدي بترك عبادته. وأضاف إضلالهم وهدايتهم إلى الله، إذ كان ما كان منهم من ذلك عن سبب منه جلّ ثناؤه... عن أبي العالية: "إنْ هِيَ إلاّ فِتْنَتُكَ" قال: بليتك...
وقوله: "أنْتَ وَلِيّنا" يقول: أنت ناصرنا. "فاغْفِرْ لَنا" يقول: فاستر علينا ذنوبنا بتركك عقابنا عليها. "وَارْحَمْنا": تعطّف علينا برحمتك. "وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ" يقول: خير من صفح عن جُرم وستر على ذنب.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
وفي الكلام محذوف وتقديره: واختار موسى من قومه سبعين رجلاً. وفي قوله: {لمِيقَاتِنَا} قولان: أحدهما: أنه الميقات المذكور في سؤال الرؤية. والثاني أنه ميقات غير الأول وهو ميقات التوبة من عبادة العجل. {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ} وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها الزلزلة، قاله الكلبي. والثاني: أنه الموت. قال مجاهد: ماتوا ثم أحياهم... {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَل السُّفَهَاءُ مِنَّآ} فيه قولان: أحدهما: أنه سؤال استفهام خوفاً من أن يكون الله قد عمهم بانتقامه كما قال تعالى: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25]. والثاني: أنه سؤال نفي، وتقديره: إنك لا تعذب إلاَّ مذنباً فكيف تهلكنا بما فعل السفهاء منا. فحكي أن الله أمات بالرجفة السبعين الذين اختارهم موسى من قومه، لا موت فناء ولكن موت ابتلاء ليثبت به من أطاع وينتقم به ممن عصى...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
الاختيار هو: إرادة ما هو خير يقال: خيره بين أمرين فاختار أحدهما: والاختيار والإيثار بمعنى واحد... وقوله "أتهلكنا بما فعل السفهاء منا "معناه النفي، وإن كان بصورة الانكار... والمعنى: إنك لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا، فبهذا نسألك رفع المحنة بالإهلاك عنا. وقوله "إن هي إلا فتنتك" معناه: إن الرجفة إلا اختبارك وابتلاؤك ومحنتك أي تشديدك تشديد التعبد علينا بالصبر على ما أنزلته بنا من هذه الرجفة والصاعقة اللتين جعلتهما عقابا لمن سأل الرؤية وزجرا لهم ولغيرهم وقوله "تضل بها من تشاء" معناه تضل بترك الصبر على فتنتك وترك الرضا بها من تشاء عن نيل ثوابك ودخول جنتك، وتهدي بالرضا بها والصبر عليها من تشاء، وإنما نسب الضلال إلى الله لأنهم ضلوا عند أمره وامتحانه، كما أضيفت زيادة الرجس إلى السورة في قوله "فزادتهم رجسا إلى رجسهم" وإن كانوا هم الذين ازدادوا عندها. والمعنى تختبر بالمحنة من تشاء لينتقل صاحبه عن الضلالة، وتهدي من تشاء معناه تبصره بدلالة المحنة ليثبت صاحبها على الهداية من تشاء...
...واعلم أن قوله: {أنت ولينا} يفيد الحصر ومعناه أنه لا ولي لنا ولا ناصر ولا هادي إلا أنت،وقوله: {وأنت خير الغافرين} معناه أن كل من سواك فإنما يتجاوز عن الذنب إما طلبا للثناء الجميل أو للثواب الجزيل، أو دفعا للربقة الخسيسة عن القلب، وبالجملة فذلك الغفران يكون لطلب نفع أو لدفع ضرر، أما أنت فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب عوض وغرض، بل لمحض الفضل والكرم، فوجب القطع بكونه {خير الغافرين} والله أعلم.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
وقوله: {إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ} أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك. قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، وربيع بن أنس، وغير واحد من علماء السلف والخلف. ولا معنى له غير ذلك؛ يقول: إن الأمرُ إلا أمرُك، وإن الحكمُ إلا لك، فما شئت كان، تضل من تشاء، وتهدي من تشاء، ولا هادي لمن أضللت، ولا مُضِل لمن هَدَيت، ولا مُعطِي لما مَنَعت، ولا مانع لما أعطيت، فالملك كله لك، والحكم كله لك، لك الخلق والأمر.
وقوله: {أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} الغَفْر هو: الستر، وترك المؤاخذة بالذنب، والرحمة إذا قرنت مع الغفر، يراد بها ألا يوقعه في مثله في المستقبل، {وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} أي: لا يغفر الذنوب إلا أنت،
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :
{قَالَ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ} عرض للعفو السابق لاستجلاب العفو اللاحق يعني أنك قدرت على إهلاكهم قبل ذلك بحمل فرعون على إهلاكهم وبإغراقهم في البحر وغيرهما فترحمت عليهم ولم تهلكهم فارحمهم الآن كما رحمتهم من قبل جرياً على مقتضى كرمك وإنما قال: {وإياي} تسليماً منه وتواضعاً...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{إن هي إلّا فتنتك تضلّ بها من تشاء وتهدي من تشاء} "إن "نافية والفتنة الاختيار والامتحان مطلقا أو بالأمور الشاقة والباء في "بها" للسببية، أي ما تلك الفعلة التي كانت سببا لأخذ الرجفة إياهم إلا محنتك وابتلاؤك الذي جعلته سببا لظهور استعداد الناس وما طويت عليه سرائرهم من ضلال وهداية، وما يستحقون عليه من عقوبة ومثوبة، وسنتك في جريان مشيئتك في خلقك بالعدل والحق، والنظام الحكيم في الخلق، تضل بمقتضاها من تشاء من عبادك ولست بظالم لهم في تقديرك، وتهدي من تشاء ولست بمحاب لهم في توفيقك، بل أمر مشيئتك دائر بين العدل والفضل، ولك الخلق والأمر.
{أنت وليّنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين} أي أنت المتولي لأمورنا، والقائم علينا بما تكتسب نفوسنا، فاغفر لنا ما تترتب عليه المؤاخذة والعقاب من مخالفة سنتك، أو التقصير فيما يجب من ذكرك وشكرك وعبادتك، بأن تستر ذلك علينا، وتجعله بعفوك كأنه لم يصدر عنا، وارحمنا برحمتك الخاصة، فوق ما شملت به الخلق كلهم من رحمتك العامة، وأنت خير الغافرين حلما وكرما وجودا، فلا يتعاظمك ذنب، ولا يعارض غفرانك ما يعارض غفران سواك من عجز أو ضعف أو هوى نفس- وما ذكر في المغفرة يدل على اعتبار مثله في الرحمة لدلالته عليه- أي وأنت خير الراحمين رحمة وأوسعهم فيها فضلا وإحسانا، فإن رحمة جميع الراحمين من خلقك، نفحة مفاضة على قلوبهم من رحمتك، حذف ذكر الرحمة استغناء عنه بذكر المغفرة فإن ترتيب التذييل في الثناء عليه تعالى على طلب مغفرته ورحمته معا، يقتضي أن يكون هذا الثناء بهما معا، فاكتفى بذكر الأولى لدلالتها على الثانية قطعا، فهو من الإيجاز المسمى في علم البديع بالاكتفاء.
وقد غفل عن هذا من قال من المفسرين أنه اكتفى بذكر المغفرة لأنها الأهم، ولم لم يكتف بذكر الرحمة لأنها أعم، ولأنها قد تستلزم المغفرة دون العكس، فإن معنى المغفرة سلبي وهو عدم المؤاخذة على الذنب، والرحمة فوق ذلك فهي إحسان إلى المذنب لا يستحقه إلا بعد المغفرة ولذلك يقدم ذكر المغفرة على ذكر الرحمة، لأن التخلية كما يقولون مقدمة على التحلية، فلا يليق خلع الحلل النفسية، إلا على الأبدان النظيفة، وقد قال موسى عليه السلام في دعائه لنفسه ولأخيه {رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك} الآية، وقال نوح عند توبته من سؤاله النجاة لولده الكافر {وإلّا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} [هود: 47] وعلمنا تعالى من دعائه في خاتمة سورة البقرة {واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا} [البقرة: 286] وقلما ذكر اسم الله {الغفور} في كتابه العزيز إلا مقرونا باسمه {الرحيم} ومن غير الأكثر قرنه بالشكور وبالحليم وبالودود ويقرب معناهن من معنى الرحيم، وورد قرنه بالعفو وبالعزيز لاقتضاء المقام ذلك.
ودعاء موسى عليه السلام هنا لنفسه مع قومه بضمير الجمع قد اقتضاه مقام المناجاة والمعرفة الكاملة، ومن كان أعرف بالله وأكمل استحضارا لعظمته، كان أشد شعورا بالحاجة إلى مغفرته ورحمته، وإن كان ما يستغفر منه تقصيرا صغيرا بالنسبة إلى ذنوب الغافلين والجاهلين، أو من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين، فإن كان هذا الدعاء عقب طلب الرؤية، فوجه طلبه للمغفرة والرحمة لنفسه أظهر، لأن طلبه ذاك كان ذنبا له، صرح بالتوبة منه، وإن كان عقب طلب السبعين رؤية الله جهرة فالأمر أظهر، لأن الذنب مشترك، وإن كان على أثر حادثة عبادة العجل، فقد علم ما كان من شدته فيها على أخيه هارون عليهما السلام، وأنه طلب لكل من نفسه وأخيه المغفرة على الانفراد، والرحمة بالاشتراك، وإن كان عقب تمرد بني إسرائيل الذي عاقبهم الله تعالى عليه بإهلاك بعضهم وتهديدهم بالاستئصال، فإدخال نفسه معهم من باب الاستعطاف، إذ لم ينقل عنه فيه شيء مما يعد من ذنوب الأنبياء عليهم السلام.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والاختيار: تمييز المرغوب من بين ما هو مخلوط من مرغوب وضده، وهو زنة افتعال من الخير صيغ الفعل من غير دلالة على مطاوعة لفعل (خار). {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} يؤذن بأنه يعني به عبادتهم العجل، وحضورَهم ذلك. وسكوتهم، وهي المعنيُ بقوله: {إن هي إلا فتنتك} وقد خشي موسى أن تلك الرجفة مقدمة عذاب كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يخشى الريح أن يكون مبدأ عذاب. والحاصل أن موضع العبرة في هذه القصة هو التوقي من غضب الله، وخوف بطشه، ومقامُ الرسل من الخشية، ودعاء موسى، إلخ {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} فالسفهاء هم الذين عبدوا العجل وسمي شركهم سفهاً؛ لأنه شرك مشوب بخسة عقل إذ جعلوا صورة صنعوها بأنفسهم إلاهاً لهم.
والخبر في قوله: {إن هي إلا فتنتك} الآية: مستعمل في إنشاء التمجيد بسعة العلم والقدرة، والتعريض بطلب استبقائهم وهدايتهم، وليس مستعملاً في الاعتذار لقومه بقرينة قوله: {تضل بها من تشاء} الذي هو في موضع الحال من {فتنتك} فالإضلال بها حال من أحْوالها.
ثم عرَّض بطلب الهداية لهم بقوله: {وتهدي من تشاء} والمجرور في قوله {بها} متعلق بفعل {تضل} وحده ولا يتنازعه معه فعل {تهدي} لأن الفتنة لا تكون سبب هداية بقرينة تسميتها فتنة، فمن قدر في التفسير: وتهدي بها أو نحوه، فقد غفل.
والباء: إما للملابسة، أي تضل من تشاء ملابساً لها، وإما للسببية، أي تضل بسبب تلك الفتنة، فهي من جهة فتنة، ومن جهة سبب ضلال.
والفتنة ما يقع به اضطراب الأحوال، ومرجها، وتشتت البال، وقد مضى تفسيرها عند قوله تعالى: {وما يعلّمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة} في سورة البقرة (102). وقوله: {وحسبوا أن لا تكون فتنة} في سورة العقود (71) وقوله: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} في سورة الأنعام (23).
والقصد من جملة: {أنت ولينا} الاعتراف بالانقطاع لعبادة الله تعالى، تمهيداً لمطلب المغفرة والرحمة، لأن شأن الولي أن يرحم مولاه وينصره.
والولي: الذي له وَلاية على أحد، والوَلايةِ حلف أو عتق يقتضي النصرة والإعانة، فإن كان من جانبين متكافئين فكلا المتعاقدين يقال له مَولى، وإن كان أحد الجانبين أقوى قيل للقوي (ولي) وللضعيف (مَولى) وإذ قد كانت الولاية غير قابلة للتعدد، لأن المرء لا يتولى غيرَ مواليه، كان قوله: {أنتَ ولينا} مقتضياً عدم الانتصار بغير الله. وفي صريحه صيغة قصر.
والتفريع عن الولاية في قوله: {فاغفر لنا} تفريع كلام على كلام وليس المراد أن الولي يتعين عليه الغفران.
وقدم المغفرة على الرحمة لأن المغفرة سبب لرحمات كثيرة، فإن المغفرة تنهية لغضب الله المترتب على الذنب، فإذا انتهى الغضب تسنى أن يخلفه الرضا. والرضا يقتضي الإحسان.
و {وخيرُ الغافرين} الذي يغفر كثيراً، وقد تقدم قريب منه في قوله تعالى: {بل الله مولاكم وهو خير الناصرين} في سورة آل عمران (150).
وإنما عطف جملة: {وأنت خير الغافرين} لأنه خبر في معنى طلب المغفرة العظيمة، فعطف على الدعاء، كانه قيل: فاغفر لنا وارحمنا واغفر لنا جميع ذنوبنا، لأن الزيادة في المغفرة من آثار الرحمة...