روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (17)

ثم إنه تعالى عاد كلامه إلى بيان بقية أحكام الواقعة وأحوالها وتقرير ما سبق حيث قال سبحانه :{ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ } الخطاب للمؤمنين ، والفاء قيل واقعة في جواب شرط مقدر يستدعيه ما مر من ذكر إمداده تعالى وأمر بالتثبيت وغير ذلك ، كأنه قيل : إذا كان الأمر كذلك فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم وقدرتكم { ولكن الله قَتَلَهُمْ } بنصركم وتسليطكم عليهم وإلقاء الرعب في قلوبهم . وجوز أن يكون التقدير إذا علمتم ذلك فلم تقتلوهم على معنى فاعلموا أو فاخبركم أنكم لم تقتلوهم ، وقيل : التقدير إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم لما روى أنهم لما انصرفوا من المعركة غالبين غانمين أقبلوا يتفاخرون يقولون : قتلت وأسرت وفعلت وتركت فنزلت . وقال أبو حيان : ليست هذه الفاء جواب شرط محذوف كما زعموا وإنما هي للربط بين الجمل لأنه قال سبحانه : { فاضربوا فَوْقَ الاعناق واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } [ الأنفال : 12 ] وكان امتثال ما أمر به سبباً للقتل فقيل فلم تقتلوهم أي لستم مستبدين بالقتل لأن الأقدار عليه والخلق له إنما هو لله تعالى ، قال السفاقسي : وهذا أولى من دعوى الحذف . وقال ابن هشام : إن الجواب المنفي لا تدخل عليه الفاء .

ومن هنا مع كون الكلام على نفي الفاعل دون الفعل كما قيل ذهب الزمخشري إلى اسمية الجملة حيث قدر المبتدأ أي فأنتم لم تقتلوهم ، وجعل بعضهم المذكور علة الجزاء أقيمت مقامه وقال : إن الأصل إن افتخرتم بقتلهم فلا تفتخروا به لأنكم لم تقتلوهم ونظائره كثيرة ، ولعل كلام أبي حيان كما قال السفاقسي أولى ، والخطاب في قوله سبحانه : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى } خطاب لنبيه عليه الصلاة والسلام بطريق التلوين وهو إشارة إلى رميه صلى الله عليه وسلم بالحصى . يوم بدر وما كان منه . فقد روى أنه عليه الصلاة والسلام قال : لما طلعت قريش من العقنقل : هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها اللهم إني أسألك ما وعدتني فأتاه جبريل عليه السلام فقال له : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فلما التقى الجمعان قال لعلي كرم الله تعالى وجهه : أعطني قبضة من حصباء الوادي فرمى بها وجوههم فقال : شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم وجاء من عدة طرق ذكرها الحافظ ابن حجر أن هذا الرمي كان يوم بدر ، وزعم الطيبي أنه لم يكن إلا يوم حنين وأن أئمة الحديث لم يذكر أحد منهم أنه كان يوم بدر وهو كما قال الحافظ السيوطي ناشيء من قلة الاطلاع فإنه عليه الرحمة لم يبلغ درجة الحفاظ ومنتهى نظره الكتب الست ومسند أحمد ومسند الدارمي وإلا فقد ذكر المحدثون أن الرمي قد وقع في اليومين فنفى وقوعه في يوم بدر مما لا ينبغي ، وذكر ما في حنين في هذه القصة من غير قرينة بعيد جداً ، وما ذكره في تقريب ذلك ليس بشيء كما لا يخفى على من راجعه وأنصف .

ويرد نحو هذا على ما روى عن الزهري . وسعيد بن المسيب من أن الآية إشارة إلى رميه عليه الصلاة والسلام يوم أحد فإن اللعين أبي بن خلف قصده عليه الصلاة والسلام فاعترض رجال من المسلمين له ليقتلوه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : «استأخروا فاستأخروا فأخذ عليه الصلاة والسلام حربته بيده فرماه بها فكسر ضلعاً من أضلاعه ، وفي رواية خدش ترقوته فرجع إلى أصحابه ثقيلاً وهو يقول : قتلني محمد فطفقوا يقولون : لا بأس عليك فقال : والله لو كانت بالناس لقتلتهم فجعل يخور حتى مات ببعض الطريق .

وما أخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ابن أبي الحقيق وذلك في خيبر دعا بقوس فأتى بقوس طويلة فقال عليه الصلاة والسلام : جيئوني بقوس غيرها فجاءوه بقوس كبداء فرمي صلى الله عليه وسلم الحصن فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق في فراشه فأنزل الله تعالى الآية ، والحق المعول عليه هو الأول ، وتجريد الفعل عن المفعول به لما أن المقصود بيان حال الرمي نفياً وإثباتاً إذ هو الذي ظهر منه ما ظهر وهو المنشأ لتغير المرمي به في نفسه وتكثره إلى حيث أصاب عيني كل واحد من أولئك الجم الغفير شيء من ذلك ، والمنعنى على ما قيل : وما فعلت أنت يا محمد تلك الرمية المستتبعة لتلك الآثار العظيمة حقيقة حين فعلتها صورة ولكن الله تعالى فعلها أي خلقها حين باشرتها على أكمل وجه حيث أوصل بها الحصباء إلى أعينهم جميعاً ، واستدل بالآية على أن أفعال العباد بخلقه تعالى وإنما لهم كسبها ومباشرتها قال الإمام : أثبت سبحانه كونه صلى الله عليه وسلم رامياً ونفي كونه رامياً فوجب حمله على أنه عليه الصلاة والسلام رمى كسباً والله تعالى رمى خلقاً ، وقال ابن المنير : إن علامة المجاز أن يصدق نفيه حيث يصدق ثبوته ألاتراك تقول للبليد حمار ثم تقول ليس بحمار فلما أثبت سبحانه الفعل للخلق ونفاه عنهم دل على أن نفيه على الحقيقة وثبوته على المجاز بلا شبهة ، فالآية تكفح بل تلفح وجوه القدرية بالرد ، فإن قلت : إن أهل المعاني جعلوا ذلك من تنزيل الشيء منزلة عدمه وفسروه بما رميت حقيقة إذ رميت صورة والرومي الصوري موجود والحقيقي لم يوجد فلا تنزيل أُجِيبُ بأن الصوري مع وجود الحقيقي كالعدم وما هو إلا كنور الشمع مع شعشعة الشمس ولذا أتى بنفيه مطلقاً كإبثاته ، وما ذكروه بيان لتصحيح المعنى في نفس الأمر وهو لا ينافي النكتة المبنية على الظاهر ، ولذا قال في «شرح المفتاح » النفي والإثبات واردان على شيء واحد باعتبارين فالمنفي هو الرمي باعتبار الحقيقة كما أن المثبت هو الرمي باعتبار الصورة ، والمشهور حمل الرمي في حيز الاستدراك على الكامل وهو الرمي المؤثر ذلك التأثير العظيم ، واعترض المطلق ينصرف إلى الفرد الكامل لتبادره منه وأما ما جرى على خلاف العادة وخرج عن طوق البشر فلا يتبادر حتى ينصرف إليه بل ذلك ليس من افراده وأجيب بأنا لا ندعي إلا الفرد الكامل من ذاك المطلق حسبما تقتضيه القاعدة ، وكون ذلك الفرد جاريا على خلاف العادة وخارجاً عن طوق البشر إنما جاء من خارج ، ووصف الرمي بما ذكر بيان لكماله ، ولا يستدعي ذلك أن لا يكون من أفراد المطلق ومن ادعاه فقد كابر .

واعترض على التفسير الأول بأنه مشعر بتفسير { رمى } في حيز الاستدراك بخلق الرمي وتفسير { رَمَيْتَ } في حيز النفي بخلقت الرمي ، فحاصل المعنى حينئذ وما خلقت الرمي إذ صدر عنك صورة ولكن الله سبحانه خلقه ، ويلزم منه صحة أن يقال مثلاً : ما قمت إذ قمت ولكن الله سبحانه قام على معنى ما خلقت القيام إذ صدر عنك صورة ولكن الله تبارك وتعالى خلقه ولا أظنك في مرية من عدم صحة ذلك وأجيب بأن القياس يقتضي صحة ذلك إلا أن مدار الأمر على التوقيف . واعترض على ما يستدعيه كلام ابن المنير من أن المعنى وما رميت حقيق إذ رميت مجازاً ولكن الله تعالى رمى حقيقة بأن نفى الرمي حقيقة حين إثباته مجازاً من أجل البديهيات فأي فائدة في الإخبار بذلك ، قيل : ومثل ذلك يرد على كلام الإمام لأن كسب العبد للفعل عندهم على المشهور عبارة عن محلية العبد للفعل من غير تأثير لقدرته في إيجاده ويؤول ذلك إلى مباشرته له من غير خلق ، فيكون المعنى وما خلقت الرمي إذ باشرت ولم تخلق وهو كما ترى وهو كما ترى ، وبالجملة كلام أكثر أهل الحق في تفسير الآية والاستدلال بها وكذا بالآية قبلها على مذهبهم لا يخلو عن مناقشة ما ، ولعل الجواب عنها متيسر لأهله .

وقال بعض المحققين : إنه أثبت له صلى الله عليه وسلم الرمي لصدوره عنه عليه الصلاة والسلام ونفي عنه لأن أثره ليس في طاقة البشر ، ولذا عد ذلك معجزة حتى كأنه صلى الله عليه وسلم لا مدخل له فيه ، فمبنى الكلام على المبالغة ولا يلزم منه عدم مطابقته للواقع لأن معناه الحقيقي غير مقصود ، ولا يصح أن تخرج الآية على الخلق والمباشرة لأن جميع أفعال العباد بمباشرتهم وخلق الله تعالى فلا يكون للتخصيص بهذا الرمي معنى وله وجه وإن قيل عليه ما قيل وأنا أقول : إن للعبد قدرة خلقها الله تعالى له مؤثرة بإذنه فما شاء الله سبحانه كان وما لم يشأ لم يكن لا أنه لا قدرة له أصلاً كما يقول الجبرية ، ولا أن له قدرة غير مؤثرة كماهو المشهور من مذهب الأشاعرة ، ولا أن له قدرة مؤثرة بها يفعل ما لا يشاء الله تعالى فعله كما يقول المعتزلة ، وأدلة ذلك قد بسطت في محلها وألفت فيها رسائل تلقم المخالف حجراً ، وليس إثبات صحة هذا القول وكذا القول المشهور عند الأشاعرة عند من يراه موقوفاً على الاستدلال بهذه الآية حتى إذا لم تقم الآية دليلاً يبقى المطلب بلا دليل .

فإذا كان الأمر كذلك فأنا لا أرى بأساً في أن يكون الرمي المثبت له صلى الله عليه وسلم هو الرمي المخصوص الذي ترتب عليه ما ترتب مما أبهر العقول وحير الألباب ، وإثبات ذلك عليه الصلاة والسلام حقيقة على معنى أنه فعله بقدرة أعطيت له صلى الله عليه وسلم مؤثرة بإذن الله تعالى إلا أنه لما كان ما ذكر خارجاً عن العادة إذ المعروف في القدر الموهوبة للبشر أن لا تؤثر مثل هذا الأثر نفى ذلك عنه وأثبت لله سبحانه مبالغة ، كأنه قيل : إن ذلك الرمي وإن صدر منك حقيقة بالقدرة المؤثرة بإذن الله سبحانه لكنه لعظم أمره وعدم مشابهته لأفعال البشر كأنه لم يصدر منك بل صدر من الله جل شأنه بلا واسطة ، وكذا يجوز أن يكون المعنى وما رميت بالرعب إذ رميت بالحصباء ولكن الله تعالى رمى بالرعب ، فالرمي المنفي أولاً والمثبت أخيراً غير المثبت في الأثناء وعلى الوجهين يظهر بأدنى تأمل وجه تخالف أسلوبي الآيتين حيث لم يقل : وما رميت ولكن الله رمى ليكون على أسلوب فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ولا فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم ولكن الله قتلهم ليكون على أسلوب { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى } ولا يظهر لي نكتة في هذا التخالف على الوجوه التي ذكرها المعظم ، وكونها الإشارة إلى أن الرمي لم يكن في تلك الوقعة كالقتل بل كان في حنين دونه على ما فيه مخالف لما صح من أن كلا الأمرين كان في تلك الوقعة كما علمت فتأمل فلمسلك الذهن اتساع : وقرىء { ولكن الله } بالتخفيف ورفع الاسم الجليل في المحلين { وَلِيُبْلِىَ المؤمنين مِنْهُ بَلاء حَسَنًا } أي ليعظيهم سبحانه من عنده إعطاء جميلاً غير مشوب بالشدائد والمكاره على أن البلاء بمعنى العطاء كما في قول زهير :

جزى الله بالإحساب ما فعلا بكم *** فأبلاهما خير البلاء الذي يبلى

واختار بعضهم تفسيره بالإبلاء في الحرب بدليل ما بعده يقال : أبلى بلاء حسناً أي قاتل قتالاً شديداً وصبر صبراً عظيماً ، سمي به ذلك الفعل لأنه ما يخبر به المرء فتظهر جلادته وحسن أثره ، واللام إما للتعليل متعلق بمحذوف متأخر فالواو إعتراضية أي وللإحسان إليهم بالنصر والغنيمة فعل ما فعل لا لشيء آخر غير ذلك مما لا يجديهم نفعاً ، وإما برمي فالواو للعطف على علة محذوفة أي ولكن الله رمي ليمحق الكافرين وليبلي الخ . وقوله تعالى : { إِنَّ الله سَمِيعٌ } أي لدعائهم واستغائتهم أو لكل مسموع ويدخل فيها ما ذكر { عَلِيمٌ } أي بنياتهم وأحوالهم الداعية للإجابة أو لكل معلوم ويدخل فيه ما ذكر أيضاً تعليل للحكم .

( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ } تأديب منه سبحانه لأهل بدر وهداية لهم إلى فناء الأفعال حيث سلب الفعل عنهم بالكلية ، ويشبه هذا من وجه قوله سبحانه : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى } والفرق أنه لما كان النبي صلى الله عليه وسلم في مقام البقاء بالحق سبحانه نسب إليه الفعل بقوله تعالى : { إِذْ رَمَيْتَ } مع سلبه عنه ب{ مَا رَمَيْتَ } وإثباته لله تعالى في حيز الاستدراك ليفيد معنى التفصيل في عين الجمع فيكون الرامي محمداً عليه الصلاة والسلام لا بنفسه ولعلو مقامه صلى الله عليه وسلم وعدم كونهم في ذلك المقام الأرفع نسب سبحانه إليه صلى الله عليه وسلم ما نسب ولم ينسب إليهم رضي الله تعالى عنهم من الفعل شيئاً ، وهذا أحد أسرار تغيير الأسلوب في الجملتين حيث لم ينسب في الأولى ونسب في الثانية ، بقي سر التبعير بالمضارع المنفي { بلم } في حداهما والماضي المنفي { تَفْرَحُواْ بِمَا } في الأخرى فارجع إلى فكرك . فلعل الله تعالى يفتحه عليك : { وَلِيُبْلِىَ المؤمنين مِنْهُ بَلاء حَسَنًا } ليعطيهم عطاء جميلاً وهو توحيد الأفعال ، والمراد لهذا فعل ذلك { إِنَّ الله سَمِيعٌ } بخطرات نفوسكم بنسبة القتل إليكم { عَلِيمٌ } [ الأنفال : 17 ] بأنه القتل حقيقة وكونكم مظهراً لفعله

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (17)

يقول تعالى - لما انهزم المشركون يوم بدر ، وقتلهم المسلمون - فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ بحولكم وقوتكم وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ حيث أعانكم على ذلك بما تقدم ذكره .

وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت القتال دخل العريش وجعل يدعو اللّه ، ويناشده في نصرته ، ثم خرج منه ، فأخذ حفنة من تراب ، فرماها في وجوه المشركين ، فأوصلها اللّه إلى وجوههم ، فما بقي منهم واحد إلا وقد أصاب وجهه وفمه وعينيه منها ، فحينئذ انكسر حدهم ، وفتر زندهم ، وبان فيهم الفشل والضعف ، فانهزموا .

يقول تعالى لنبيه : لست بقوتك - حين رميت التراب - أوصلته إلى أعينهم ، وإنما أوصلناه إليهم بقوتنا واقتدارنا . وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا أي : إن اللّه تعالى قادر على انتصار المؤمنين من الكافرين ، من دون مباشرة قتال ، ولكن اللّه أراد أن يمتحن المؤمنين ، ويوصلهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات ، وأرفع المقامات ، ويعطيهم أجرا حسنا وثوابا جزيلا .

إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يسمع تعالى ما أسر به العبد وما أعلن ، ويعلم ما في قلبه من النيات الصالحة وضدها ، فيقدر على العباد أقدارا موافقة لعلمه وحكمته ومصلحة عباده ، ويجزي كلا بحسب نيته وعمله .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (17)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله ممن شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل أعداء دينه معه من كفار قريش: فلم تقتلوا المشركين أيها المؤمنون أنتم، ولكن الله قتلهم. وأضاف جلّ ثناؤه قتلهم إلى نفسه، ونفاه عن المؤمنين به الذين قاتلوا المشركين، إذ كان جلّ ثناؤه هو مسبب قتلهم، وعن أمره كان قتال المؤمنين إياهم، ففي ذلك أدلّ الدليل على فساد قول المنكرين أن يكون لله في أفعال خلقه صنع به وصلوا إليها. وكذلك قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام:"وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللّهَ رَمى" فأضاف الرمي إلى نبيّ الله، ثم نفاه عنه، وأخبر عن نفسه أنه هو الرامي، إذ كان جلّ ثناؤه هو الموصل المرميّ به إلى الذين رمُوا من به المشركين، والمسبب الرمية لرسوله، فيقال للمسلمين ما ذكرنا: قد علمتم إضافة الله رمي نبيه صلى الله عليه وسلم المشركين إلى نفسه بعد وصفه نبيه به وإضافته إليه ذلك فعل واحد كان من الله بتسبيبه وتسديده، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحذف والإرسال، فما تنكرون أن يكون كذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة: من الله الإنشاء والإنجاز بالتسبيب، ومن الخلق الاكتساب بالقوى؟ فلن يقولوا في أحدهما قولاً إلاّ ألزموا في الآخر مثله...

عن قتادة: "وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللّهَ رَمى "قال: رماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحصباء يوم بدر...

وأما قوله: "وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنا" فإن معناه: ولينعم على المؤمنين بالله ورسوله بالظفر بأعدائهم، ويغنمهم ما معهم، ويثبت لهم أجور أعمالهم وجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك البلاء الحسن، رَمْيُ الله هؤلاء المشركين. ويعني بالبلاء الحسن: النعمة الحسنة الجميلة، وهي ما وصفت، وما في معناه...

عن ابن إسحاق، قال في قوله: "وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنْهَ بَلاءً حَسَنا": أي ليعرف المؤمنين من نعمه عليهم في إظهارهم على عدوّهم مع كثرة عددهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه وليشكروا بذلك نعمته.

وقوله: "إنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" يعني: إن الله سميع أيها المؤمنون لدعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم ومناشدته ربه ومسألته إياه إهلاك عدوّه وعدوّكم ولقيلكم وقيل جميع خلقه، "عليم" بذلك كله وبما فيه صلاحكم وصلاح عباده، وغير ذلك من الأشياء محيط به، فاتقوه وأطيعوا أمره وأمر رسوله.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قوله تعالى: (فلم تقتلوهم) الآية يخرج على وجوه:

أحدها: أن العبد لا صنع له في القتل واستخراج الروح منه، إنما ذلك فعل الله، وإليه ذلك، وهو المالك لذلك، لأن الضربة والجرح قد يكون، ولا موت هنالك. وكذل الرمي؛ ليس كل من أرسل شيئا من يده، فهو رمي، إنما يصير رميا بالله إنشاء السهم حتى يصل بطبعه المبلغ الذي يبلغ، فكأنه لا صنع له في الرمي. والثاني: قتلوا بمعونة الله ونصره كما يقول الرجل لآخر: إنك لم تقتله، وإنما قتله فلان؛ أي بمعونة فلان قتله...

وقوله تعالى: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) أي ما أصاب رميك المقصد الذي قصدت، ولكن الله بالغ ذلك المقصد الذي قصدت.

والثالث:"فلم تقتلوهم" أي لم تطمعوا بخروجكم إليهم قتلهم؛ لأنهم كانوا بالمحل الذي وصفهم من الضعف وشدة الخوف والذلة (كأنما يساقون إلى الموت) فإذا كانوا بالمحل الذي ذكر، فيقول، والله أعلم: لم تطمعوا بخروجكم إليه وقصدكم إياهم قتلهم لما كان فيكم من الضعف وقوة أولئك، ولكن الله أذلهم، وألقى في قلوبهم الرعب والخوف حتى قتلوهم. وكذلك قوله: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) لا يطمع الإنسان برمي كف من تراب النكبة بأعدائه (ولكن الله رمى) حيث بلغ ذلك، غطى أبصارهم وأعينهم بذلك الكف من التراب على ما ذكر في القصة أنه رمى كفا من تراب، فغشى أبصار المشركين، فانهزموا لذلك. ويحتمل أن تكون نسبة هذه الأفعال إلى نفسه وإضافتها إليه كما نسب، وأضاف كل خير ومعروف إلى نفسه. من ذلك قوله تعالى: (يمنون عليك أن أسلموا) الآية [الحجرات: 17] وقوله تعالى: (ولكن الله يهدي من يشاء) [البقرة: 272] وقوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) [الفاتحة: 6] وغير ذلك من الآيات التي فيها إضافة الأفعال التي خلصت إلى الله وصفت له، فعلى ذلك نسب فعلهم إلى نفسه لخلوصه وصفائه له. وقوله تعالى: (وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا) أي نعمة عظيمة حيث نصرهم على عدوهم مع ضعف أبدانهم وعدتهم، وهو ما ذكر في هلاك فرعون وقومه أنه بلاء من ربكم عظيم بقوله تعالى: (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) [البقرة: 49] فعلى ذلك هذا، والله أعلم. وقوله تعالى: (إن الله سميع) لدعائكم الذي دعوتم وتضرعكم الذي تضرعتم إليه، وأن يقول: (سميع)، أي مجيب لدعائكم (عليم) بأقوالكم وأفعالكم (ما يسرون وما تعلنون) [النحل: 19 و التغابن: 4] والله أعلم.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

الذي نَفَى عنهم من القتل، هو إماتة الروح وإثبات الموت، وهو من خصائص قدرته -سبحانه، والذي يُوصَفُ به الخلق من القتل هو ما يفعلونه في أنفسهم، ويحصل ذهاب الروح عقيبه. وفائدة الآية قطع دعاواهم في قول كل واحد على جهة التفاخر: قتلتُ فلاناً، فقال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} أي لم تكن أفعالكم مما انفردتم بإيجادها بل المنشئ والمبتدئ هو الله عزَّ وجل. وصَانَهم بهذه الآية وصان نَبِيَّه- عليه السلام -عن ملاحظة أفعالهم وأحوالهم. قوله جلّ ذكره: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى}. أي ما رَمَيْتَ بنفسك ولكنك رميْت بنا، فكان منه (صلوات الله عليه) قبضُ التراب وإرساله من يده ولكن من حيث الكسب، وكَسْبُهُ مُوجَدٌ من الله بقدرته، وكان التبليغ والإصابة مِن قِبَل الله خَلْقاً وإبداعاً، وليس الذي أثبت ما نفي ولا نفي ما أثبت إلا هو، والفعلُ فِعْلُ واحدٍ ولكن التغاير في جهة الفعل لا في عينه...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} والفاء جواب شرط محذوف تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم {ولكن الله قَتَلَهُمْ} لأنه هو الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر وقوّى قلوبكم، وأذهب عنها الفزع والجزع {وَمَا رَمَيْتَ} أنت يا محمد {إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى} يعني أنّ الرمية التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنّ صورتها وجدت منه، ونفاها عنه لأنّ أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل الله عزّ وجلّ، فكأن الله هو فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من الرسول عليه الصلاة والسلام أصلاً...

{وَلِيُبْلِىَ المؤمنين} وليعطيهم {بَلاء حَسَنًا} عطاء جميلاً... والمعنى: وللإحسان إلى المؤمنين فعل ما فعل، وما فعله إلا لذلك {إِنَّ الله سَمِيعٌ} لدعائهم {عَلِيمٌ} بأحوالهم.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

هذه مخاطبة للمؤمنين أعلم الله بها أن القتلة من المؤمنين ليسوا هم مستبدين بالقتل، لأن القتل بالإقدار عليه، والخلق والاختراع في جميع حالات القاتل إنما هي لله تعالى ليس للقاتل فيها شيء، وإنما يشاركه بتكسبه وقصده...

{وليبلي} أي ليصيبهم ببلاء حسن، فظاهر وصفه بالحسن يقتضي أنه أراد الغنيمة والظفر والعزة، وقيل أراد الشهادة لمن استشهد يوم بدر وهم أربعة عشر رجلاً، منهم عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ومهجع مولى عمر، ومعاذ وعمرو ابنا عفراء، وغيرهم، {إن الله سميع} لاستغاثتكم، {عليم} بوجه الحكمة في جميع أفعاله لا إله إلا هو..

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

يبين تعالى أنه خالق أفعال العباد، وأنه المحمود على جميع ما صدر عنهم من خير؛ لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم؛ ولهذا قال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} أي: ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم، أي: بل هو الذي أظفركم [بهم ونصركم] عليهم كما قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]} [آل عمران: 123]. وقال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25] يعلم -تبارك وتعالى- أن النصر ليس عن كثرة العدد، ولا بلبس اللأمة والعدد، وإنما النصر من عند الله تعالى كما قال: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249].

ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم أيضا في شأن القبضة من التراب، التي حصب بها وجوه المشركين يوم بدر، حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته، فرماهم بها وقال:"شاهت الوجوه". ثم أمر الصحابة أن يصدقوا الحملة إثرها، ففعلوا، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين، فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله؛ ولهذا قال [تعالى] {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} أي: هو الذي بلغ ذلك إليهم، وكبتهم بها لا أنت.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

وأما قوله {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} فهو وصل للنهي عن التولي بما هو حجة على جدارتهم بالانتهاء، فإن كانت الآية التي قبله قد نزلت بعد انتهاء القتال في غزوة بدر كسائر السورة كما عليه الجمهور فوجه الوصل بالفاء ظاهر جلي، كأنه يقول يا أيها المؤمنون لا تولوا الكفار ظهوركم في القتال أبدا، فأنتم أولى منهم بالثبات والصبر ثم بنصر الله تعالى، فها أنتم أولاء قد انتصرتم عليهم على قلة عددكم وعددكم وكثرتهم واستعدادهم، وإنما ذلك بتأييد الله تعالى لكم، وربطه على قلوبكم وتثبيت أقدامكم، فلم تقتلوهم ذلك القتل الذريع بمحض قوتكم واستعدادكم المادي ولكن الله قتلهم بأيديكم بما كان من تثبيت قلوبكم بمخالطة الملائكة وملابستها لأرواحكم، وبإلقائه الرعب في قلوبهم، فهو قوله عز وجل {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم} [التوبة: 14] الآية، والمؤمن أجدر بالصبر الذي هو الركن الأعظم للنصر من الكافر، لأنه أقل حرصا على متاع الدنيا، وأعظم رجاء بالله والدار الآخرة كما قال تعالى: {ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون} [النساء: 104] وقال حكاية لرد المؤمنين بهذا الرجاء، على الخائفين من كثرة الأعداء {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249].

ثم التفت عن خطاب المؤمنين المقاتلين بأيديهم، والمجندلين لصناديد المشركين بسيوفهم، إلى خطاب قائدهم وهو الرسول المؤيد منه تعالى بالآيات صلى الله عليه وسلم ومنها أنه رمى المشركين يومئذ بقبضة من التراب قائلا (شاهت الوجوه) فأعقبت رميته هزيمتهم، روي عن أبي معشر المدني عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي بالمعنى وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال في استغاثته يوم بدر (يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا) قال له جبريل: خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم – ففعل فما من أحد من المشركين إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين. وروى السدي أنه صلى الله عليه وسلم طلب من علي أن يعطيه حصبا من الأرض فناوله حصبا عليه تراب فرماهم به الخ. وعن عروة ومجاهد وعكرمة وقتادة أيضا أن الآية في رميه صلى الله عليه وسلم في بدر.

فإذا لم تكن رواية من هذه الروايات وصلت إلى درجة الصحيح فمجموعها مع القرينة حجة على ذلك، وروي مثل هذه الرمية في غزوة حنين فحمل الآية بعضهم على ذلك وهو شاذ وحملها بعضهم على رميه صلى الله عليه وسلم لأمية بن خلف بالحربة يوم أحد وهو مقنع بالحديد فقتله وهو شاذ أيضا فالآية بل السورة نزلت في غزوة بدر.

والمعنى {وما رميت إذ رميت...} رميت أيها الرسول أحدا من أولئك المشركين في الوقت الذي رميت به تلك القبضة من التراب بإلقائها في الهواء فأصابت وجوههم فإن ما أوتيته كأمثالك من البشر من استطاعة على الرمي لا يبلغ هذا التأثير الذي هو فوق الأسباب الممنوحة لهم {ولكن الله رمى} وجوههم كلهم بما أوصل التراب الذي ألقيته في الهواء إليها مع قلته، أو بعد تكثيره بمحض قدرته، وحذف مفعول الرمي للدلالة على عمومه في كل من الإثبات والنفي كما قدرنا فيهما وفاقا لما تقرر في علم المعاني- وقد علم من هذا التفسير المتبادر من اللفظ بغير تكلف وجه الفرق بين قتل المؤمنين للكفار الذي هو فعل من أفعالهم المقدورة لهم بحسب سنن الله في الأسباب الدنيوية، وبين رمي النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بالتراب الذي ليس بسبب لشكاية أعينهم وشوهة وجوههم لقلته وبعدهم عن راميه وكونهم غير مستقبلين كلهم له، ولأجل هذا الفرق ذكر مفعول القتل مثبتا ومنفيا- وهو ضمير المشركين- فنفى القتل المحسوس مطلقا وأثبت المعقول مطلقا لعدم تعارضهما فالمراد من كل منهما ظاهر بغير شبهة، ولو أثبت لهم القتل مع نفيه عنهم بأن قال: إذ قتلتموهم –لكان تناقضا ظاهرا يخفى وجه جعل المثبت من غير المنفي. وقتلهم لهم مشاهد لا يحتاج إلى إثبات من حيث كان سببا ناقصا، وإنما الحاجة إلى بيان نقصه وعدم استقلاله بالسببية، ثم بيان ما لولاه لم يكن وهو إعانة الله ونصره.

وأما رمي النبي صلى الله عليه وسلم لوجوه القوم فلم يكن سببا عاديا لإصابتهم وهزيمتهم لا مشاهدا كضرب أصحابه لأعناق المشركين ولا غير مشاهد، والجمع بين نفيه وإثباته لا يوهم التناقض للعلم بعدم السببية. ولم يذكر مفعول الرمي بأن يقال (وما رميت وجوههم) إذ لا شبهة هنا في عدم استطاعة النبي صلى الله عليه وسلم لهذا استقلالا بكسبه العادي، وأما هنالك فالظاهر أن القتل من كسبهم الاستقلالي. والحقيقة أنه لولا تأييد الله تعالى ونصره بما تقدم بيانه لما وصل كسبهم المحض إلى هذا القتل، وقد علمنا ما كان من خوفهم وكراهتهم للقتال ومجادلة النبي صلى الله عليه وسلم فيه {كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون} فلو ظلوا على هذه الحالة المعنوية مع قلتهم وضعفهم لكل مقتضى الأسباب أن يمحقهم المشركون محقا.

وأما الفرق بين فعله تعالى في القتل وفعله في الرمي فالأول عبارة عن تسخيره تعالى لهم أسباب القتل التي تقدم بيانها كما هو الشأن في جميع كسب البشر وأعمالهم الاختيارية من كونها لا تستقل في حصول غاياتها إلا بفعل الله وتسخيره لهم وللأسباب التي لا يصل إليها كسبهم عادة، كقوله تعالى: {أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما} [الواقعة: 63- 65] فالإنسان يحرث الأرض ويلقي فيها البزر ولكنه لا يملك إنزال المطر ولا إنبات الحب وتغذيته بالتراب المختلف العناصر، ولا دفع الجوائح عنه. ولا يستقل إيجاد الزرع وبلوغ ثمرته صلاحها بكسبه وجده. وأما الثاني فهو من فعله تعالى وحده بدون كسب عادي للنبي صلى الله عليه وسلم في تأثيره فالرمي منه كان صوريا لتظهر الآية على يده صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله فمثله في ذلك كمثل أخيه موسى عليه السلام في إلقائه العصا {فإذا هي حية تسعى} [طه: 20] فخاف منها أولا كما ورد في سورتي طه والنمل...

وأما قوله تعالى: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} فهو معطوف على تعليل مستفاد مما قبله، أي أنه فعل ما ذكر لإقامة حجته وتأييد رسوله {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} بالنصر والغنيمة وحسن السمعة. والبلاء الاختبار بالحسن أو بالسيئ كما قال تعالى في بني إسرائيل {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} [الأعراف: 168] وتقدم بيانه بالتفصيل وختم الآية بقوله: {إن الله سميع عليم} وهو تعليل مستأنف للبلاء الحسن والمراد أنه تعالى سميع لما كان من استغاثة المؤمنين مع الرسول ربهم ودعائهم إياه وحده، عليم بصدقهم وإخلاصهم، وبما يترتب على استجابته لهم من تأييد الحق الذي هم عليه وخذلان الشرك، كما أنه سميع لكل نداء وكلام، عليم بالنيات الباعثة عليه، والعواقب التي تنشأ عنه، وبكل شيء.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

..."وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا" أي: إن اللّه تعالى قادر على انتصار المؤمنين من الكافرين، من دون مباشرة قتال، ولكن اللّه أراد أن يمتحن المؤمنين، ويوصلهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات، وأرفع المقامات، ويعطيهم أجرا حسنا وثوابا جزيلا. "إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ": يسمع تعالى ما أسر به العبد وما أعلن، ويعلم ما في قلبه من النيات الصالحة وضدها، فيقدر على العباد أقدارا موافقة لعلمه وحكمته ومصلحة عباده، ويجزي كلا بحسب نيته وعمله.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ثم يمضي السياق بعد هذا التحذير من التولي يوم الزحف؛ ليكشف لهم عن يد الله وهي تدير المعركة من ورائهم؛ وتقتل لهم أعداءهم، وترمي لهم وتصيب... وهم ينالون أجر البلاء لأن الله يريد أن يتفضل عليهم بحسن البلاء، ليثيبهم عليه من فضله وهو الذي وهبهم إياه: (فلم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم، وما رميت -إذ رميت- ولكن الله رمى. وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا. إن الله سميع عليم)..

وتذهب الروايات المأثورة إلى تفسير الرمي هنا بأنه رمية الحصى التي حثاها رسول الله [صلى الله عليه و سلم] في وجوه الكفار، وهو يقول:"شاهت الوجوه. شاهت الوجوه" فأصابت وجوه المشركين ممن كتب عليهم القتل في علم الله.. ولكن دلالة الآية أعم. فهي تمثل تدبير الله للأمر كله من وراء الحركة الظاهرة للنبي [صلى الله عليه و سلم] والعصبة المسلمة معه. ولذلك تلاها قول الله تعالى: (وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا).. أي ليرزقهم من عنده أن يبلوا البلاء الحسن الذي ينالون عليه الأجر، بعد أن يكتب لهم به النصر. فهو الفضل المضاعف أولاً وأخيراً. (إن الله سميع عليم).. يسمع استغاثتكم ويعلم حالكم؛ ويجعلكم ستارا لقدرته، متى علم منكم الخلوص له؛ ويعطيكم النصر والأجر.. كما أعطاكم هذا وذاك في بدر...

.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

دل قوله: {إذ رميت} على أن المراد بالنفي في قوله: {وما رميت} هو الرمي بمعنى أثره وحصول المقصود منه، وليس المراد نفي وقوع الرمي مثل المراد في قوله: {فلم تقتلوهم} لأن الرمي واقع من يد النبي صلى الله عليه وسلم ولكن المراد نفي تأثيره، فإن المقصود من ذلك الرمي إصابة عيون أهل جيش المشركين وما كان ذلك بالذي يحصل برمي اليد، لأن أثر رمي البشر لا يبلغ أثره مبلغ تلك الرمية، فلما ظهر من أثرها ما عم الجيش كلهم، عُلم انتفاء أن تكون تلك الرمية مدفوعة بيد مخلوق، ولكنها مدفوعة بقدرة الخالق الخارجة عن الحد المتعارف، وأن المراد بإثبات الرمي في قوله: {ولكن الله رمى} كالقول في {ولكن الله قتلهم}... {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا، إن الله سميع عليم}... فإن قتلهم المشركين وإصابة أعينهم كانا الغرض هزم المشركين فهو العلة الأصلية، وله علة أخرى وهي أن يبلي الله المؤمنين بلاءً حسناً أي يعطيهم عطاءً حسناً يشكرونه عليه، فيظهر ما يدل عن قيامهم بشكره مما تختبر به طويتهم لمن لا يعرفها، وهذا العطاء هو النصر والغنيمة في الدنيا والجنةُ في الآخرة...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}... وهذا هو خط الإيمان الذي يريد الله من المؤمن أن يعيشه في فكره وشعوره، في كل حالات النصر والنجاح، في حركة الحياة وفي ساحة الصراع، وذلك بأن لا يعتقد في نفسه القوّة الذاتية المستقلّة عن الله، في ما يمدّه به من عناصر القوة، بل يعتقد بأنه يتصرف عن أمره، ويتقلّب في تدبيره، ويتحرك بقوّته، فإذا قتل العدو فإنما يقتله بنصر الله وقوته التي أمده بها، فكأن الله هو الذي قتله؛ وإذا رماه بسهم، فكأن الله رماه، فهو سبحانه الفاعل الحقيقي للأشياء والقوة الحقيقية التي تتحرك بها، لا بمعنى إلغاء الاختيار والإرادة الإنسانية في الفعل، بل بمعنى إلغاء الذاتية المستقلة للإنسان في أعماله، في ما تنطلق به من عوامل القوة. وقد كانت المعركة في بدر مظهراً من مظاهر الإمداد الإلهي الغيبي في ما أثاره الله في أجواء المعركة، وفي مشاعر المسلمين، وفي امتلاء قلوب الكافرين بالرعب، مما جعل من موقف المسلمين فيها موقف قوة، بعد أن كان موقف ضعف في ما كانوا يعانونه من أحوالٍ نفسية أمام قلة العدد والعدة، مما يجعل من اختيارهم ظلاًّ لإرادة الله واختياره بشكل واضحٍ، وهذا ما أراده القرآن في أسلوب التربية القرآنية من ربط الأشياء الصغيرة والكبيرة والسلبية والإيجابية في واقع الكون وفي حركة الحياة والإنسان بالله، لتتأكد من خلال ذلك عقيدة التوحيد الخالص التي لا تتصور شيئاً إلا وتتصور الله معه، لتحس بأن الكون كله هو الظل، وأنّ الله هو النور، وهو الحقيقة، وهو الذي يكفي من كل شيءٍ ولا يكفي منه شيء، وهو على كل شيء قدير... {وَلِيُبْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا}، في ما يمتحنهم به من النصر الكبير الذي أمدّهم به بلطفه وبقوته. وهذا البلاء الحسن هو الذي يوحي لهم بنعمة الإيمان ودوره في بناء شخصيتهم على أساس العزّة والحرّية، بالإضافة إلى الغنائم التي غنموها، والمكاسب التي حصلوا عليها. {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يسمع استغاثتهم ودعواتهم وابتهالاتهم في حالات الشدة، ويعلم ضعفهم وبلواهم وحاجتهم إليه في أوقات الاهتزاز والخوف...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

وهذه الإِشارة لأجل هدف تربوي، وهو إِزالة الغرور وآثاره، إذ يقع ذلك عادة في الأفراد بعد الانتصارات... لقد شاء الله أن يذيق المؤمنين في أوّل مواجهة مسلحة بينهم وبين أعدائهم طعم النصر، وأن يجعلهم متفائلين للمستقبل، وهذه الموهبة الإِلهية كانت اختبارا لهم جميعاً، وإلاّ أنّه لا ينبغي لهم أن يغتروا بهذا الانتصار أبداً، فتكون النتيجة سلبية، وذلك بأن يروا عدوهم حقيراً وينسوا بناء ذواتهم ويغفلوا عن الاعتماد على الله. لهذا فإنّ الآية تختتم بهذه الجملة (إنّ الله سميع عليم). أي أنّ الله سمعَ صوت استغاثة النّبي والمؤمنين، واطلع على صدق نياتهم، فأنزل ألطافه عليهم جميعاً ونصرهم على عدوّهم، وأنّ الله يعامل عباده بهده المعاملة حتى في المستقبل، فيطلع على ميزان صدق نياتهم وإخلاصهم واستقامتهم، فالمؤمنون المخلصون ينتصرون أخيراً، والمراؤون المدعون ينهزمون ويفشلون...