روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} (50)

{ وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة } عطف إما على المضمر الذي تعلق به قوله تعالى : { بآية } [ آل عمران : 49 ] أي قد جئتكم محتجاً ، أو متلبساً بآية الخ ومصدقاً لما الخ ، وإما على { رَسُولاً } [ آل عمران : 49 ] وفيه معنى النطق مثله ، وجوز أن يكون منصوباً بفعل دل عليه { قَدْ جِئْتُكُم } [ آل عمران : 49 ] أي وجئتكم مصدقاً الخ . وقوله سبحانه : { مِنَ التوراة } في موضع نصب على الحال من الضمير المستتر في الظرف والعامل فيه الاستقرار ، أو الظرف نفسه لقيامه مقام الفعل ، ويجوز أن يكون حالاً من ( ما ) فيكون العامل فيه { مُصَدّقاً } ومعنى تصديقه عليه السلام للتوراة الإيمان بأن جميع ما فيها حكمة وصواب ، وقيل : إن تصديقه لها مجيئه رسولاً طبق ما بشرت به { ولأحل لَكُم } معمول لمقدر بعد الواو أي وجئتكم لأحل فهو من عطف الجملة على الجملة ، أو معطوف على { بآية } من قوله سبحانه : { جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ } [ آل عمران : 49 ] لأنه في معنى لأظهر لكم آية ولأحل فلا يرد أنه لا يصح عطف المفعول له على المفعول به ، أو معطوف على { مُصَدّقاً } ويلتزم التأويل بما يجعلهما من باب واحد ، وإن كان الأول : حالاً ، والثاني : مفعولاً له فكأنه قيل : جئتكم لأصدق ولأحل ، وقيل : لا بد من تقدير جئتكم فيها كلها ؛ إذ لا يعطف نوع من المعمولات على نوع آخر .

{ بَعْضَ الذي حُرّمَ عَلَيْكُمْ } أي في شريعة موسى عليه السلام . أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع أنه قال : كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى عليهما السلام وكان قد حرم عليهما فيما جاء به موسى عليه السلام لحوم الإبل والثروب فأحلها لهم على لسان عيسى وحرمت عليهم شحوم الإبل فأحلت لهم فيما جاء به عيسى ، وفي أشياء من السمك ، وفي أشياء من الطير مما لا صيصية له ، وفي أشياء أخر حرمها عليهم وشدد عليهم فيها فجاء عيسى بالتخفيف منه في «الإنجيل » . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله ، وهذا يدل على أن «الإنجيل » مشتمل على أحكام تغاير ما في «التوراة » وأن شريعة عيسى نسخت بعض شريعة موسى ، ولا يخل ذلك بكونه مصدقاً للتوراة فإن النسخ بيان لانتهاء زمان الحكم الأول لا رفع وإبطال كما تقرر ، وهذا مثل نسخ القرآن بعضه ببعض ، وذهب بعضهم إلى أن «الإنجيل » لم يخص أحكاماً ولا حوى حلالاً وحراماً ولكنه رموز وأمثال ومواعظ وزواجر ، وما سوى ذلك من الشرائع والأحكام فمحالة على «التوراة » ، وإلى أن عيسى عليه السلام لم ينسخ شيئاً مما في «التوراة » ، وكان يسبت ويصلي نحو البيت المقدس ، ويحرم لحم الخنزير ، ويقول بالختان إلا أن النصارى غيروا ذلك بعد رفعه فاتخذوا يوم الأحد بدل يوم السبت لما أنه أول يوم الأسبوع ومبدأ الفيض ، وصلوا نحو المشرق لما تقدم ، وحملوا الختان على ختان القلب وقطعه عن العلائق الدنيوية والعوائق عن الحضرة الإلهية وأحلوا لحم الخنزير مع أن مرقس حكى في «إنجيله » أن المسيح أتلف الخنزير وغرق منه في البحر قطيعاً كبيراً وقال لتلامذته : لا تعطوا القدس الكلاب ولا تلقوا جواهركم قدام الخنازير فقرنها بالكلاب ، وسبب ذلك زعمهم أن بطرس رأى في / النوم صحيفة نزلت من السماء ، وفيها صور الحيوانات وصورة الخنزير وقيل له : يا بطرس كل منها ما أحببت ونسب هذا القول إلى وهب بن منبه ، والذاهبون إليه أولوا الآية بأن المراد ما حرمه علماؤهم تشهياً أو خطأ في الاجتهاد ، واستدلوا على ذلك بأن المسيح عليه السلام قال في «الإنجيل » : ما جئت لأبطل التوراة بل جئت لأكملها ، ولا يخفى أن تأويل الآية بما أولوه به بعيد في نفسه ، ويزيده بعداً أنه قرئ حرم بالبناء للفاعل وهو ضمير ما { بَيْنَ يَدَىِ } أو الله تعالى ، وقرئ أيضاً حرم بوزن كرم ، وأن ما ذكروه من كلام المسيح عليه السلام لا ينافي النسخ لما علمت أنه ليس بإبطال ، وإنما هو بيان لانتهاء الحكم الأول ، ومعنى التكميل ضم السياسة الباطنة التي جاء بها إلى السياسة الظاهرة التي جاء بها موسى عليه السلام على ما قيل أو نسخ بعض أحكام التوراة بأحكام هي أوفق بالحكمة وأولى بالمصلحة وأنسب بالزمان ، وعلى هذا يكون قول المسيح حجة للأولين لا عليهم ، ولعل ما ذهبوا إليه هو المعول عليه كما لا يخفى على ذوي العرفان { وَجِئْتُكُمْ بآية مّن رَبُّكُمْ } الكلام فيه كالكلام في نظيره ، وقرىء بآيات { فاتقوا الله } في عدم قبول ما جئتكم به { وَأَطِيعُونِ } في ما آمركم به وأنهاكم بأمر الله تعالى .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} (50)

{ ومصدقا لما بين يدي من التوراة } أي : أتيت بجنس ما جاءت به التوراة وما جاء به موسى عليه السلام ، وعلامة الصادق أن يكون خبره من جنس خبر الصادقين ، يخبر بالصدق ، ويأمر بالعدل من غير تخالف ولا تناقض ، بخلاف من ادعى دعوى كاذبة ، خصوصا أعظم الدعاوى وهي دعوى النبوة ، فالكاذب فيها لابد أن يظهر لكل أحد كذب صاحبها وتناقضه ومخالفته لأخبار الصادقين وموافقته لأخبار الكاذبين ، هذا موجب السنن الماضية والحكمة الإلهية والرحمة الربانية بعباده ، إذ لا يشتبه الصادق بالكاذب في دعوى النبوة أبدا ، بخلاف بعض الأمور الجزئية ، فإنه قد يشتبه فيها الصادق بالكاذب ، وأما النبوة فإنه يترتب عليها هداية الخلق أو ضلالهم وسعادتهم وشقاؤهم ، ومعلوم أن الصادق فيها من أكمل الخلق ، والكاذب فيها من أخس الخلق وأكذبهم وأظلمهم ، فحكمة الله ورحمته بعباده أن يكون بينهما من الفروق ما يتبين لكل من له عقل ، ثم أخبر عيسى عليه السلام أن شريعة الإنجيل شريعة فيها سهولة ويسرة فقال { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } فدل ذلك على أن أكثر أحكام التوراة لم ينسخها الإنجيل بل كان متمما لها ومقررا { وجئتكم بآية من ربكم } تدل على صدقي ووجوب اتباعي ، وهي ما تقدم من الآيات ، والمقصود من ذلك كله قوله { فاتقوا الله } بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه وأطيعوني فإن طاعة الرسول طاعة لله .