التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ} (85)

جملة { قالوا تالله } محاورة بنيه إياه عندما سمعوا قوله : { يا أسفى على يوسف } وقد قالها في خلوته فسمعوها .

والتاء حرف قسم ، وهي عوض عن واو القسم . قال في « الكشاف » في سورة الأنبياء : « التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب » . وسلمه في « مغني اللبيب » ، وفسره الطيبي بأن المقسم عليه بالتاء يكون نادر الوقوع لأن الشيء المتعجب منه لا يكثر وقوعه ومن ثم قل استعمال التاء إلا مع اسم الجلالة لأن القسم باسم الجلالة أقوى القسم .

وجواب القسم هو { تفتأ تذكر يوسف } باعتبار ما بعده من الغاية ، لأن المقصود من هذا اليمين الإشفاق عليه بأنه صائر إلى الهلاك بسبب عدم تناسيه مصيبة يوسف عليه السلام وليس المقصود تحقيق أنه لا ينقطع عن تذكر يوسف . وجواب القسم هنا فيه حرف النفي مقدر بقرينة عدم قرنه بنون التوكيد لأنه لو كان مثبتاً لوجب قرنه بنون التوكيد فحذف حرف النفي هنا .

ومعنى { تفتأ } تفتر . يقال : فتىء من باب علم ، إذا فتر عن الشيء . والمعنى : لا تفتر في حال كونك تذكر يوسف . ولملازمة النفي لهذا الفعل ولزوم حال يعقب فاعله صار شبيهاً بالأفعال الناقصة .

و { حرضاً } مصدر هو شِدة المرض المشفي على الهلاك ، وهو وصف بالمصدر ، أي حتى تكون حرضاً ، أي بالِياً لا شعور لك . ومقصودهم الإنكار عليه صداً له عن مداومة ذكر يوسف عليه السلام على لسانه لأن ذكره باللسان يفضي إلى دوام حضوره في ذهنه .

وفي جعلهم الغاية الحرض أو الهلاك تعريض بأنه يذكر أمراً لا طمع في تداركه ، فأجابهم بأن ذكره يوسف عليه السلام موجه إلى الله دْعاءً بأن يردّه عليه . فقوله : { يا أسفى على يوسف } تعريض بدعاء الله أن يزيل أسفه بردّ يوسف عليه السلام إليه لأنه كان يعلم أن يوسف لم يهلك ولكنه بأرض غربة مجهولة ، وعلم ذلك بوحي أو بفراسة صادقة وهي المسماة بالإلهام عند الصوفية .

فجملة { إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله } مفيدة قصر شكواه على التعلّق باسم الله ، أي يشكو إلى الله لا إلى نفسه ليجدد الحزن ، فصارت الشكوى بهذا القصد ضراعة وهي عبادة لأن الدعاء عبادة ، وصار ابييضاض عينيه الناشىء عن التذكر الناشىء عن الشكوى أثراً جسدياً ناشئاً عن عبادة مثل تفطّر أقدام النبي صلى الله عليه وسلم من قيام الليل .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ} (85)

قوله تعالى : " قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف " أي قال له ولده : " تالله تفتا تذكر يوسف " قال الكسائي : فتأت وفتئت أفعل ذلك أي ما زلت . وزعم الغراء أن " لا " مضمرة ، أي لا تفتأ ، وأنشد{[9242]} :

فقلت يمينَ الله أبرحَ قاعدا *** ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي

أي لا أبرح ، قال النحاس : والذي قال حسن صحيح . وزعم الخليل وسيبويه أن " لا " تضمر في القسم ، لأنه ليس فيه إشكال ، ولو كان واجبا{[9243]} لكان باللام والنون ، وإنما قالوا له لأنهم علموا باليقين أنه يداوم على ذلك ، يقال : ما زال يفعل كذا ، وما فتئ وفتأ فهما لغتان ، ولا يستعملان إلا مع الجحد قال الشاعر{[9244]} :

فما فَتِئَتْ حتى كأن غبارَها{[9245]} *** سرادقُ يوم ذي رياحٍ تُرَفَّعُ

أي ما برحت فتفتأ تبرح . وقال ابن عباس : تزال . " حتى تكون حرضا " أي تالفا . وقال ابن عباس ومجاهد : دنفا من المرض ، وهو ما دون الموت ، قال الشاعر :

سَرَى هَمِّي فأمْرَضَنِي *** وقِدْمًا زادَنِي مَرَضَا

كذا الحبُّ قبل اليو *** م مما يُورِث الحَرَضَا

وقال قتادة : هرما . الضحاك : باليا دائرا . محمد بن إسحاق : فاسدا لا عقل لك . الفراء : الحارض الفاسد الجسم والعقل ، وكذا الحرض . ابن زيد : الحرض الذي قد رد إلى أرذل العمر . الربيع بن أنس : يابس الجلد على العظم . المؤرج : ذائبا من الهم . وقال الأخفش : ذاهبا . ابن الأنباري : هالكا ، وكلها متقاربة . وأصل الحرض الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو العشق أو الهرم ، عن أبي عبيدة وغيره ، وقال العرجي :

إني امرؤٌ لجَّ بي حُبٌّ فأحرضنِي *** حتى بَلِيتُ وحتى شَفَّنِي السَّقَمُ

قال النحاس : يقال حَرَضَ حَرَضًا وحَرُضَ حُرُوضًا وحُرُوضَة إذا بليي وسقم ، ورجل حارض وحَرَض ، إلا أن حرضا لا يثني ولا يجمع ، ومثله قَمِن وحَرِي لا يثنيان ولا يجمعان . الثعلبي : ومن العرب من يقول حارض للمذكر ، والمؤنثة حارضة ، فإذا وصف بهذا اللفظ ثنى وجمع وأنث . ويقال : حَرِض يَحْرِض حَرَاضَةً فهو حريض وحرض . ويقال : رجل محرض ، وينشد :

طلبتْهُ الخيل يوما كاملا *** وَلَو الْفَتْهُ لأضحى مُحْرَضَا

وقال امرؤ القيس :

أرى المرءَ ذا الأذوادُ يُصْبِحُ مُحْرَضَا*** كإحراضِ بِكْرٍ في الديار مريضِ{[9246]}

قال النحاس : وحكى أهل اللغة أحرضه الهم إذا أسقمه ، ورجل حارض أي أحمق . وقرأ أنس : " حُرْضا " بضم الحاء وسكون الراء ، أي مثل عود الأشنان . وقرأ الحسن بضم الحاء والراء . قال الجوهري : الحَرَض والحُرُض الأشنان . " أو تكون من الهالكين " أي الميتين ، وهو قول الجميع ، وغرضهم منع يعقوب من البكاء والحزن شفقة عليه ، وإن كانوا السبب في ذلك .


[9242]:البيت لامرئ القيس و "يمين" بالرفع على الابتداء وإضمار الخبر، والتقدير: يمين الله لازمني، وبالنصب على إضمار فعل، وهو كثير في كلام العرب كقولهم: أمانة الله. وقد وصف أنه طرق محبوبته فخوفته الرقباء. وأمرته بالانصراف، فقال لها هذا، وأراد: لا أبرح فحذف "لا" والأوصال (جمع وصل) وهي المفاصل.
[9243]:في ع: موجبا.
[9244]:هو أوس بن حجر التميمي الجاهلي.
[9245]:الضمير للنحيل.
[9246]:الأذواد: جمع ذود، وهو القطيع من الإبل الثلاث إلى التسع. والبكر: الفتى من الإبل، يقول: أرى المرء ذا المال يدركه الهرم والمرض، والفناء بعد ذلك فلا تغني كثرة ماله، كما أن البكر يدركه ذلك.