نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ} (85)

فلما رأوا أنه{[42540]} قد فاتهم ما ظنوا أنه يكون بعد ذهاب يوسف من صلاح الحال مع أبيهم بقصر الإقبال عليهم ، ووقع لأبيهم هذا الفادح{[42541]} العظيم ، تشوف السامع إلى قولهم له ، فاستأنف الإخبار عنه بقوله : { قالوا } أي حنقاً من ذلك { تالله } أي الملك الأعظم ، يميناً فيها تعجب{[42542]} { تفتؤا } أي ما تزال { تذكر يوسف } حريصاً على ذكره قوياً عليه حرص الفتى الشاب{[42543]} الجلد الصبور على مراده { حتى } أي إلى أن { تكون حرضاً } أي حاضر الهلاك{[42544]} مشرفاً عليه متهيئاً له بدنف{[42545]} الجسم وخبل{[42546]} العقل - كما مضى بيانه في الأنفال عند { حرض المؤمنين على القتال{[42547]} } { أو تكون } أي كوناً لازماً هو{[42548]} كالجبلة { من الهالكين * } ولما تشوفت النفس إلى ما كان عنه بعد ما رأى من غلظة بنيه{[42540]} ، شفى عيّها{[42541]} بقوله : { قال إنما } أي نعم لا أزال كذلك{[42542]} لأنه من صفات الكمال للإنسان ، لدلالته على الرقة والوفاء ، وإنما يكون مذموماً إذا كان على وجه الشكاية إلى الخلق وأنا لا أشكو إلى مخلوق ، إنما { أشكو بثي } والبث أشد الحزن ، سمي بذلك لأنه من صعوبته لا يطاق{[42543]} حمله فيباح{[42544]} به وينشر{[42545]} { وحزني } مطلقاً وإن كان سببه خفيفاً يقدر الخلق على إزالته { إلى الله } أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة تعرضاً لنفحات كرمه ، لا إلى أحد غيره ، وهذا - الذي سمعتوه مني فقلقتم{[42546]} له - قليل من كثير .

ولما كان يجوز أن يكونوا صادقين في أنهم لم يجدوا إلا قميص يوسف ملطخاً دماً ، وأن يكون قطعهم بأكل الذئب له مستنداً إلى ذلك ، وكان يعقوب عليه السلام يغلب على ظنه أن يوسف عليه السلام حي ويظن في الله أن يجمع شمله به ، قال : { وأعلم من الله } أي الملك الأعلى من اللطف بنا أهل هذا البيت ومن التفريج{[42547]} عن{[42548]} المكروبين والتفريح للمغمومين { ما لا تعلمون * }

ومادة " فتا " يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة بكل ترتيب وهي فتأ ، وفأت{[10]} وتفأ وأفت ، وفتى وفوت وتوف{[11]} وتفو{[12]} تدور على الشباب ، وتلزمه القوة وشدة العزيمة وسلامة الانقياد : ما فتأ يفعل كذا - مثلثة العين{[13]} : ما زال كما أفتا{[14]} ، أي إنه ما زال فاعلاً في ذلك فعل الشاب{[15]} الجلد الماضي العزم ، وما فتىء أن فعل ، ما برح أي أنه بادر إلى ذلك بسهولة{[16]} انقياد وشدة عزيمة ، وحقيقته : ما فتىء{[17]} عن فعل كذا ، أي ما تجاوزه إلى غيره وما نسيه بل قصر فتاءه{[18]} وهمته وجلده عليه ، وعن ابن مالك{[19]} في جمع{[20]} اللغات المشكلة وعزاه{[21]} للفراء - وصححه في القاموس : فتأ - كمنع : كسر وأطفأ ، وهو واضح في القوة ، وفتىء عنه - كسمع : نسيه وانقذع عنه ، أي انكف أو خاص{[22]} بالجحد ، أي بأن يكون قبله حرف نفي ، ومعناه أن قوته{[23]} تجاوزته فلم تخالطه{[24]} ؛ ومن يائيه : الفتاء - كسماء : الشباب ، وكأنه أصل{[25]} المادة ، والفتي - بالقصر ؛ السخي والكريم ، أي الجواد الشريف النفس ، والفتى : السيد الشجاع - لأن ذلك يلزم الشباب ، والفتى : المملوك وإن كان بخيلاً أو شيخاً{[26]} - لأنه غالباً لا يشتري{[27]} إلا الشباب{[28]} ، والفتى : التلميذ ، {[29]} والتابع كذلك{[30]} ، والفتى - كغنى : الشاب{[31]} أيضاً ، والفتوة : الكرم ، وقد تفتى وتفاتى ، وفتوتهم : غلبتهم فيها{[32]} ، وأفتاه في الأمر : أبانه له ، والفتيا - بالضم والفتوى - ويفتح : ما أفتى به الفقيه ، وهو يرجع إلى الجود وحسن الخلق ، والفتيان : الليل والنهار ، ولذلك يسميان الجديدين ، وفتيت البنت{[33]} تفتية : منعت اللعب مع الصبيان ، فهو من سلب الشباب ، أي فعله ومن مقلوبه مهموزاً : افتأت عليّ الباطل : اختلقه{[34]} ، وبرأيه : استبد ، وكلاهما يدل على جرأة وطيش ، وهو بالشاب{[35]} الذي لم يحنكه الدهر أجدر ، وافتئت - على البناء للمفعول : مات فجأة - كأن ذلك أشد الموت ؛ ومن واوية : فات الشيء فوتاً وفواتاً : ذهب فسبق{[36]} فلم يدرك ، وفاته وافتاته : ذهب عنه فسبقه ، وذلك يدل على قوة السابق ، وبينهما فوت ، أي بون - كأن كلاً منهما سابق للآخر ، وتفاوت{[37]} الشيئان وتفوتا{[38]} : تباعد ما بينهما ، ويلزم ذلك الاختلاف والاضطراب ، ويلزمه العيب { فما ترى في خلق الرحمن من تفاوت{[39]} } : من عيب ، يقول{[40]} الناظر : لو كان كذا كان أحسن ، وموت الفوات : الفجأة ، وهو فوت رمحه ويده ، أي حيث يراه ولا يصل إليه ، والفوت{[41]} : الفرجة بين إصبعين ، وافتأت عليه برأيه : سبقه به ، وفاته به وعليه : غلبه ، ولا يفتات عليه{[42]} أي لا يعمل دون أمره ، أي لا أحد أشد منه فيسبقه ، وافتات الكلام : ابتدعه - كما تقدم في المهموز ، وافتات عليه : حكم - لقوته ، والفويت - كزبير : المنفرد برأيه - للمذكر والمؤنث ، وذلك لعده نفسه شديداً ، وتفوت عليه في ماله : فاته به ؛ ومن مقلوبه مهموزاً : تفىء{[43]} كفرح : احتد{[44]} وغضب - وذلك لشدته ، وتفيئة الشيء : حينه وزمانه{[45]} ، وذلك أحسن أحواله ، ودخل على تفيئته{[46]} أي أثره أي لم يسبقه بكثير ، وذلك أشد له ؛ ومن واويه : التفة{[47]} كقفة{[48]} : عناق الأرض{[49]} وهي تصيد ، وفيها خلاف يبين{[50]} إن شاء الله تعالى في قوله : { جزاء موفوراً{[51]} } من سورة سبحان ؛ ومن مقلوبه واوياً : تاف بصره يتوف : تاه - كأنه لسلب الشدة أو المعنى أنه وقع في توقة ، أي شدة ، وما فيه توفة - بالضم - ولا تافة : عيب أو مزيد أو حاجة وأبطأ وكل ذلك يدل على شدته ، وطلب علي توفة بالفتح ، : عثرة{[52]} وذنباً - من ذلك لأن العثرة{[53]} والذنب لا يصيبان شيئاً إلا عن{[54]} شدتهما وضعفه ؛ ومن مقلوبه مهموزاً : الأفت - بالفتح : النافة التي{[55]} عندها من الصبر والبقاء ما ليس عند غيرها ، والسريع الذي يغلب الإبل على السير ، والكريم من الإبل - ويكسر{[56]} - والداهية والعجب ، وكل ذلك واضح في القوة ، والإفت - بالكسر : الأول - لأنه أصل كل معدود ، وأفته عن{[57]} كذا : صرفه{[58]} .


[10]:- في م وظ: اخرجه.
[11]:- ليس في م.
[12]:- ليس في م.
[13]:- في النسخ كلها: لا، وفي البخاري: ما، وقول علي رضي الله عنه نقل من البخاري فأثبتناها.
[14]:- في ظ: فهما، وفي متن البخاري كذلك، وعلى حاشيته: فهم.
[15]:- في ظ ومد: عمرو.
[16]:- من م ومد وظ، وفي الأصل: فابتغوا.
[17]:- من م ومد وظ، وهو الصحيح لما في البخاري: عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، وفي الأصل: بكر.
[18]:- زيد في م: عنى.
[19]:- من م ومد وظ، وفي الأصل: هذا و – كذا.
[20]:- وفي مد: عنهما.
[21]:- في م: فقه.
[22]:- قال الشيخ العارف بالله أبو محمد روزبهان ابن أبي النصر البقلي الشيرازي في تفسيره المسمى بعرائس البيان في حقائق القرآن ما نصه: قال جعفر بن محمد: كتاب الله على أربعة أشياء: العبارة والإشارة واللطائف والحقائق، فالعبارة للعوام والإشارة للخواص واللطائف للأولياء والحقائق للأنبياء. وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ما من آية إلا ولها أربعة معان: ظاهر وباطن وحد ومطلع، فالظاهر التلاوة والباطن الفهم والحد هو احكام الحلال والحرام والمطلع هو مراد الله من العبد به، قيل: القرآن عبارة – الخ؛ لمزيد التفصيل فليراجع ج1 ص4.
[23]:- في م ومد: تعرفه.
[24]:- زيد في م وظ: يعنى علما.
[25]:- ليست هذه العبارة في ظ ولفظ "الدين" فقط ليس في م.
[26]:- من م ومد وظ؛ وفي الأصل: فأمدى.
[27]:- وفي م ومد: مبشر.
[28]:- من ظ، وفي الأصل وم ومد: محمد.
[29]:- زيد في م وظ ومد: الأمي.
[30]:- ليس في ظ.
[31]:- ليس في ظ.
[32]:- زيد في مد: تعالى.
[33]:- ليست في مد؛ وفي م وظ: في تصنيفه.
[34]:- في م: يطالعه.
[35]:- في م وظ: الاعم.
[36]:- زيد من م وظ.
[37]:- من م وظ، وفي الأصل ومد: الجزا.
[38]:- من م وظ، ووقع في الأصل ومد: كلمة – كذا مصحفا.
[39]:- في م وظ: المقال.
[40]:- كرر في الأصل "لما اقتضاه" ثانيا.
[41]:- من م ومد، وفي الأصل: الإجازة، وفي ظ: الإجارة.
[42]:- زيد من ظ ومد.
[43]:- من م ومد، وفي الأصل وظ: الفرع.
[44]:- وفي ظ: اسرار.
[45]:- من ظ، وفي الأصل وم ومد: تكون.
[46]:- كذا في الأصل، وفي م ومد وظ: متسقة.
[47]:- ليس في ظ.
[48]:- من م ومد، وفي الأصل وظ: جملة.
[49]:- في م: الخلائق.
[50]:- في م: حتمنا – بالحاء المهملة.
[51]:- من م ومد وظ، وفي الأصل: أحسن.
[52]:- من م وظ، وفي الأصل ومد: متجه.
[53]:- زيد في م: على.
[54]:- في تفسير القرآن المسمى بتبصير الرحمن للإمام الشيخ العلامة على المهائمي: فأمكنني أن أبرزهن من خدورهن ليرى البرايا جمالهن صور الإعجاز من بديع ربط كلماته وترتيب آياته من بعد ما كان يعد من قبيل الإلغاز فيظهر به أنها جوامع الكلمات ولوامع الآيات لا مبدل لكلماته ولا معدل عن تحقيقاته فكل كلمة سلطان دارها وكل آية برهان جارها، وإن ما توهم فيها من التكرار فمن قصور الأنظار الحاجزة عن الاستكبار، ولابد منه لتوليد الفوائد الجمة من العلوم المهمة وتقرير الأدلة القويمة وكشف الشبه المدلهمة مأخوذة من تلك العبارات من غير تأويل لها ولا تطويل في إضمار المقدمات ولا إبعاد في اعتبار المناسبات – الخ.
[55]:- في الأصل والنسخ كلها: سورة – كذا.
[56]:- زيد في ظ: في.
[57]:- ليس في م.
[58]:- وفي ظ: مكملة.
[42540]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: إنهم.
[42541]:من م، وفي الأصل و ظ: القادح، وفي مد: الفادع- كذا.
[42542]:في م: تعجب.
[42543]:في ظ: الشباب.
[42544]:من مد، وفي الأصل و ظ: الأملاك، وفي م: الملاك.
[42545]:من مد، وفي الأصل: مدثف، وفي ظ و م: مدنف.
[42546]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: الحيل- كذا.
[42547]:آية 84.
[42548]:في ظ: هي.