هذا الجواب عن قولهم : { لولا أنزل عليه آية من ربه } لأن الجواب السابق بقوله : { قل إن الله يضل من يشاء } جواب بالإعراض عن جهالتهم والتعجب من ضلالهم وما هنا هو الجواب الرادُّ لقولهم . فيجوز جعل هذه الجملة من مقول القول ، ويجوز جعله مقطوعة عن جملة { قل إن الله يضل من يشاء } . وأيّا ما كان فهي بمنزلة البيان لجملة القول كلها ، أو البيان لجملة المقول وهو التعجب .
وفي افتتاحها بقوله : { كذلك } الذي هو اسم إشارة تأكيد للمشار إليه وهو التعجب من ضلالتهم إذ عموا عن صفة الرسالة .
والمشارُ إليه : الإرسال المأخوذ من فعل { أرسلناك } ، أي مثل الإرسال البين أرسلناكَ ، فالمشبه به عين المشبّه ، إشارة إلى أنه لوضوحه لا يبين ما وضح من نفسه . وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } في سورة البقرة ( 143 ) .
ولما كان الإرسال قد علق بقوله : { في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك } صارت الإشارة أيضاً متحملة لمعنى إرسال الرسل من قبله إلى أمم يقتضي مرسَلين ، أي ما كانت رسالتك إلاّ مثل رسالة الرسل من قبلك . كقوله : { قل ما كنت بدعا من الرسل } [ سورة الأحقاف : 9 ] وقوله : { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق } [ سورة الفرقان : 20 ] لإبطال توهم المشركين أن النبي لما لم يأتهم بما سألوه فهو غير مرسل من الله . وفي هذا الاستدلال تمهيد لقوله : { ولو أن قرآناً سيرت به الجبال } [ سورة الرعد : 31 ] الآيات . ولذلك أردفت الجملة بقوله : { لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك } .
والأمّة : هي أمة الدعوة { فمنهم من آمن ومنهم من كفر } .
وتقدم معنى { قد خلت من قبلها أمم } في سورة آل عمران عند قوله : { قد خلت من قبلكم سُنن } [ سورة آل عمران : 137 ] . ويتضمن قوله : { قد خلت من قبلها أمم } التعريض بالوعيد بمثل مصير الأمم الخالية التي كذبت رسلها .
وتضمن لام التعليل في قوله : { لتتلوا عليهم } أن الإرسال لأجل الإرشاد والهداية بما أمر الله لا لأجل الانتصاب لخوارق العادات .
والتلاوة : القراءة . فالمقصود لتقرأ عليهم القرآن ، كقوله : { وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } [ سورة النمل : 92 ] الآية .
وفيه إيماء إلى أن القرآن هو معجزته لأنه ذكره في مقابلة إرسال الرسل الأولين ومقابلة قوله : { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه } [ سورة الرعد : 7 ] . وقد جاء ذلك صريحاً في قوله : { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } [ سورة العنكبوت : 51 ] . وقال النبي : ما من الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيتُ وحياً أوحاه الله إلي .
وجملة { وهم يكفرون بالرحمن } عطف على جملة { كذلك أرسلناك } ، أي أرسلناك بأوضح الهداية وهم مستمرون على الكفر لم تدخل الهداية قلوبهم ، فالضمير عائد إلى المشركين المفهومين من المقام لا إلى { أمة } لأن الأمة منها مؤمنون .
والتعبير بالمضارع في { يكفرون } للدلالة على تجدد ذلك واستمراره . ومعنى كفرهم بالله إشراكهم معه غيره في الإلهية ، فقد أبطلوا حقيقة الإلهية فكفروا به .
واختيار اسم ( الرحمن ) من بين أسمائه تعالى لأن كفرهم بهذا الاسم أشد لأنهم أنكروا أن يكون اللّهُ رحمان . قال تعالى : { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمان } في سورة الفرقان ( 60 ) ، فأشارت الآية إلى كفرين من كفرهم : جحدِ الوحدانية ، وجحدِ اسم الرحمان ؛ ولأن لهذه الصفة مزيد اختصاص بتكذيبهم الرسول عليه الصلاة والسلام وتأييده بالقرآن لأن القرآن هُدًى ورحمة للناس . وقد أرادوا تعويضه بالخوارق التي لا تكسب هدْياً بذاتها ولكنها دالة على صدق من جاء بها .
قال مقاتل وابن جريج : نزلت هذه الآية في صلح الحديبية حين أرادوا أن يكتبوا كتاب الصلح فقال النبي للكاتب اكتب بِسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عَمرو : ما نعرف الرحمان إلا صاحب اليمامة ، يعني مسيلمة ، فقال النبي اكتب باسمك اللّهم . ويبعده أن السورة مكية كما تقدم .
وعن ابن عباس نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن فنزلت .
وقد لقن النبي بإبطال كفرهم المحكي إبطالاً جامعاً بأن يقول : { هو ربي } ، فضمير { هو } عائد إلى ( الرحمان ) باعتبار المسمى بهذا الاسم ، أي المسمى هو ربي وأن الرحمان اسمه .
وقوله : { لا إله إلا هو } إبطال لإشراكهم معه في الإلهية غيره . وهذا مما أمر الله نبيه أن يقوله ، فهو احتراس لرد قولهم : إن محمداً صلى الله عليه وسلم يدعو إلى رب واحد وهو يقول : إن ربه الله وإن ربه الرحمان ، فكان قوله : { لا إله إلا هو } دالاً على أن المدعو بالرحمان هو المدعو بالله إذ لا إله إلا إله واحد ، فليس قوله : { لا إله إلا هو } إخباراً من جانب الله على طريقة الاعتراض .
وجملة { عليه توكلت وإليه متاب } هي نتيجة لكونه رباً واحداً . ولكنها كالنتيجة لذلك فصلت عن التي قبلها لما بينهما من الاتصال .
وتقديم المجرورين وهما { عليه } و { إليه } لإفادة اختصاص التوكل والمتاب بالكون عليه ، أي لا على غيره ، لأنه لما توحد بالربوبية كان التوكل عليه ، ولما اتّصف بالرحمانية كان المتاب إليه ، لأن رحمانيته مظنة لقبوله توبة عبده .
والمتاب : مصدر ميمي على وزن مفعل ، أي التوبة ، يفيد المبالغة لأن الأصل في المصادر الميمية أنها أسماء زمان جعلت كناية عن المصدر ، ثم شاع استعمالها حتى صارت كالصريح .
ولما كان المتاب متضمناً معنى الرجوع إلى ما يأمر الله به عدّي المتاب بحرف { إلى } .
وأصلُ { مَتَاب } متابي بإضافة إلى ياء المتكلم فحذفت الياء تخفيفاً وأبقيت الكسرة دليلاً على المحذوف كما حذف في النادى المضاف إلى الياء .
قوله تعالى : " كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم " أي أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء من قبلك ، قاله الحسن . وقيل : شبه الإنعام على من أرسل إليه محمد عليه السلام بالإنعام على من أرسل إليه الأنبياء قبله . " لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك " يعني القرآن . " وهم يكفرون بالرحمن " قال مقاتل وابن جريج : نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا أن يكتبوا كتاب الصلح ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : ( اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ) فقال سهيل بن عمرو والمشركون : ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذاب ، اكتب باسمك اللهم ، وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : ( اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ) فقال مشركو قريش : لئن كنت رسول الله ثم قاتلناك وصددناك لقد ظلمناك ، ولكن اكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : دعنا نقاتلهم ، فقال : ( لا ولكن اكتب ما يريدون ) فنزلت . وقال ابن عباس : نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( اسجدوا للرحمن ){[9395]} [ الفرقان : 60 ] " قالوا وما الرحمن " فنزلت . " قل " لهم يا محمد : الذي أنكرتم . " هو ربي لا إله إلا هو " ولا معبود سواه ، هو واحد بذاته ، وإن اختلفت أسماء صفاته . " عليه توكلت " واعتمدت ووثقت . " وإليه متاب " أي مرجعي غدا ، واليوم أيضا عليه توكلت ووثقت ، رضا بقضائه ، وتسليما لأمره . وقيل : سمع أبو جهل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في الحجر ويقول : ( يا الله يا رحمن ) فقال : كان محمد ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين ، فنزلت هذه الآية ، ونزل . " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن{[9396]} " [ الإسراء : 110 ] .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.