هذا تفصيل للحكم المتقدم قُصد به تهديد قادة المشركين وتحميلهم تبعة ضلال الذين أضلوهم . وهو تفريع لتبيين أسباب حلول التعذيب بعد بعثة الرسول أدمج فيه تهديد المضلين . فكان مقتضى الظاهر أن يعطف بالفاء على قوله : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } [ الإسراء : 15 ] ولكنه عطف بالواو للتنبيه على أنه خبر مقصود لذاته باعتبار ما يتضمنه من التحذير من الوقوع في مثل الحالة الموصوفة ، ويظهر معنى التفريع من طبيعة الكلام ، فالعطف بالواو هنا تخريج على خلاف مقتضى الظاهر في الفصل والوصل .
فهذه الآية تهديد للمشركين من أهل مكة وتعليم للمسلمين .
والمعنى أن بعثة الرسول تتضمن أمراً بشرع وأن سبب إهلاك المرسل إليهم بعد أن يبعث إليهم الرسول هو عدم امتثالهم لما يأمرهم الله به على لسان ذلك الرسول .
ومعنى إرادة الله إهلاك قرية التعلق التنجيزي لإرادته . وتلك الإرادة تتوجه إلى المراد عند حصول أسبابه وهي المشار إليها بقوله : { أمرنا مترفيها } إلى آخره .
ومتعلق { أمرنا } محذوف ، أي أمرناهم بما نأمرهم به ، أي بعثنا إليهم الرسول وأمرناهم بما نأمرهم على لسان رسولهم فعصوا الرسول وفسقوا في قريتهم .
واعلم أن تصدير هذه الجملة ب ( إذا ) أوجب استغلاق المعنى في الربط بين جملة شرط ( إذا ) وجملة جوابِه ، لأن شأن ( إذا ) أن تكون ظرفاً للمستقبل وتتضمن معنى الشرط أي الربط بين جملتيها . فاقتضى ظاهر موقع ( إذا ) أن قوله : { أمرنا مترفيها } هو جواب ( إذا ) فيقتضي أن إرادة الله إهلاكها سابقة على حصول أمر المترفين سَبْقَ الشرط لجوابه ، فيقتضي ذلك أن إرادة الله تتعلق بإهلاك القرية ابتداء فيأمر الله مترفي أهل القرية فيفسقوا فيها فيحق عليها القول الذي هو مظهر إرادة الله إهلاكهم ، مع أن مجرى العقل يقتضي أن يكون فسوق أهل القرية وكفرُهم هو سبب وقوع إرادة الله إهلاكهم ، وأن الله لا تتعلق إرادته بإهلاك قوم إلا بعد أن يصدر منهم ما توعدهم عليه لا العكس . وليس من شأن الله أن يريد إهلاكهم قبل أن يأتوا بما يسببه ، ولا من الحكمة أن يسوقهم إلى ما يفضي إلى مؤاخذتهم ليحقق سبباً لإهلاكهم .
وقرينة السياق واضحة في هذا ، فبنا أن نجعل الواو عاطفة فعل { أمرنا مترفيها } على { نبعث رسولاً } فإن الأفعال يعطف بعضها على بعض سواء اتحدت في اللوازم أم اختلفت ، فيكون أصل نظم الكلام هكذا : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ونأمر مترفي قرية بما نأمرهم به على لسان الرسول فيفسقوا عن أمرنا فيحق عليهم الوعيد فنهلكهم إذا أردنا إهلاكهم .
فكانَ { وإذا أردنا أن نهلك قرية } شريطة لحصول الإهلاك ، أي ذلك بمشيئة الله ولا مكره له ، كم دلت عليه آيات كثيرة كقوله : { أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم } [ آل عمران : 127 128 ] وقوله : { أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم } [ الأعراف : 100 ] وقوله : { وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا } [ الإنسان : 28 ] وقوله : { عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } [ الإسراء : 18 ] . فذُكر شريطة المشيئة مرتين .
وإنما عدل عن نظم الكلام بهذا الأسلوب إلى الأسلوب الذي جاءت به الآية لإدماج التعريض بتهديد أهل مكة بأنهم معرضون لمثل هذا مما حل بأهل القرى التي كذبت رسل الله .
وللمفسرين طرائق كثيرة تزيد على ثَمان لتأويل هذه الآية متعسفة أو مدخولة ، وهي متفاوتة ، وأقربُها قول من جعل جملة { أمرنا مترفيها } إلخ صفةً ل { قرية } وجعل جواب ( إذا ) محذوفاً .
والمترَفُ : اسم مفعول من أترفه إذا أعطاه التُرفةَ . بضم التاء وسكون الراء أي النعمة . والمترفون هم أهل النعمة وسعة العيش ، وهم معظم أهل الشرك بمكة . وكان معظم المؤمنين يومئذٍ ضعفاء قال الله تعالى : { وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا } [ المزمّل : 11 ] .
وتعليق الأمر بخصوص المترفين مع أن الرسل يخاطبون جميع الناس ، لأن عصيانهم الأمرَ الموجه إليهم هو سبب فسقهم وفسق بقية قومهم إذ هم قادة العامة وزعماء الكفر فالخطاب في الأكثر يتوجه إليهم ، فإذا فسقوا عن الأمر اتبعهم الدهماء فعم الفسق أو غلب على القرية فاستحقت الهلاك .
وقرأ الجمهور { أمرنا } بهمزة واحدة وتخفيف الميم ، وقرأ يعقوب { آمرنا } بالمد بهمزتين همزة التعدية وهمزة فاء الفعل ، أي جعلناهم آمرين ، أي داعين قومهم إلى الضلالة ، فسكنت الهمزة الثانية فصارت ألفاً تخفيفاً ، أو الألف ألف المفاعلة ، والمفاعلةُ مستعملة في المبالغة ، مثل عافاه الله .
والفسق : الخروج عن المقر وعن الطريق . والمراد به في اصطلاح القرآن الخروج عما أمر الله به ، وتقدم عند قوله تعالى : { وما يضل به إلا الفاسقين } في سورة [ البقرة : 26 ] .
و{ القول } هو ما يبلغه الله إلى الناس من كلام بواسطة الرسل وهو قول الوعيد كما قال : { فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون } [ الصافات : 31 ] .
والتدمير : هدم البناء وإزالة أثره ، وهو مستعار هنا للاستئصال إذ المقصود إهلاك أهلها ولو مع بقاء بنائهم كما في قوله : { واسأل القرية } [ يوسف : 82 ] . وتقدم التدمير عند قوله تعالى : { ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه } في سورة [ الأعراف : 137 ] . وتأكيد دمرناها بالمصدر مقصود منه الدلالة على عظم التدمير لا نفي احتمال المجاز .
الأولى : أخبر الله تعالى في الآية التي قبل أنه لم يهلك القرى قبل ابتعاث الرسل ، لا لأنه يقبح منه ذلك إن فعل ، ولكنه وعد منه ، ولا خلف في وعده . فإذا أراد إهلاك قرية مع تحقيق وعده على ما قاله تعالى أمر مترفيها بالفسق{[10165]} والظلم فيها فحق عليها القول بالتدمير . يعلمك أن من هلك هلك بإرادته ، فهو الذي يسبب الأسباب ويسوقها إلى غاياتها ليحق القول السابق من الله تعالى .
الثانية : قوله تعالى : " أمرنا " قرأ أبو عثمان النهدي وأبو رجاء وأبو العالية ، والربيع ومجاهد والحسن " أمرنا " بالتشديد ، وهي قراءة علي رضي الله عنه ، أي سلطنا شرارها فعصوا فيها ، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم . وقال أبو عثمان النهدي " أمرنا " بتشديد الميم ، جعلناهم أمراء مسلطين ، وقاله ابن عزيز . وتأمر عليهم تسلط عليهم . وقرأ الحسن أيضا وقتادة وأبو حيوة الشامي ويعقوب وخارجة عن نافع وحماد بن سلمة عن ابن كثير وعلى وابن عباس باختلاف عنهما " آمرنا " بالمد والتخفيف ، أي أكثرنا جبابرتها وأمراءها ، قاله الكسائي . وقال أبو عبيدة : آمرته بالمد وأمرته ، لغتان بمعنى كثرته ، ومنه الحديث ( خير المال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة ){[10166]} أي كثيرة النتاج والنسل . وكذلك قال ابن عزيز : آمرنا وأمرنا بمعنى واحد ، أي أكثرنا . وعن الحسن أيضا ويحيى بن يعمر " أمرنا " بالقصر وكسر الميم على فعلنا ، ورويت عن ابن عباس . قال قتادة والحسن : المعنى أكثرنا ، وحكى نحوه أبو زيد وأبو عبيد ، وأنكره الكسائي وقال : لا يقال من الكثرة إلا آمرنا بالمد ؛ قال وأصلها " أأمرنا " فخفف ، حكاه المهدوي . وفي الصحاح : وقال أبو الحسن أمر ماله بالكسر أي كثر . وأمر القوم أي كثروا ، قال الشاعر :
أمِرون لا يرثون سَهْمَ القُعْدُدِ{[10167]}
وآمر الله ماله : بالمد : الثعلبي : ويقال للشيء الكثير أمر ، والفعل منه : أمر القوم يأمرون أمرا إذا كثروا . قال ابن مسعود : كنا نقول في الجاهلية للحي إذا كثروا : أمر أمر بني فلان ، قال لبيد :
كلُّ بنِي حُرَّةٍ مصيرُهم *** قُلٌّ وإن أكثَرتْ من العَدَدِ
إن يُغبَطُوا يَهْبِطُوا وإن أَمِرُوا *** يومًا يصيرُوا للهُلْكِ والنكدِ{[10168]}
قلت : وفي حديث هرقل الحديث الصحيح : ( لقد أمِر أمْرُ ابن أبي كبشة{[10169]} ، إنه ليخافه ملك بني الأصفر ) أي كثر . وكله غير متعد ولذلك أنكره الكسائي ، والله أعلم . قال المهدوي : ومن قرأ " أمر " فهي لغة ، ووجه تعدية " أمر " أنه شبهه بعمر من حيث كانت الكثرة أقرب شيء إلى العمارة ، فعدي كما عدي عمر{[10170]} . الباقون " أمرنا " من الأمر ، أي أمرناهم بالطاعة إعذارا وإنذارا وتخويفا ووعيدا . " ففسقوا فيها " أي فخرجوا عن الطاعة عاصين لنا . " فحق عليها القول " فوجب ، عليها الوعيد ؛ عن ابن عباس . وقيل : " أمرنا " جعلناهم أمراء ؛ لأن العرب تقول : أمير غير مأمور ، أي غير مؤمر . وقيل : معناه بعثنا مستكبريها . قال هارون : وهي قراءة أُبَيّ " بعثنا أكابر مجرميها ففسقوا " ذكره الماوردي . وحكى النحاس : وقال هارون في قراءة أبي " وإذا أردنا أن نهلك قرية بعثنا فيها أكابر مجرميها فمكروا فيها فحق عليها القول " . ويجوز أن يكون " أمرنا " بمعنى أكثرنا ؛ ومنه ( خير المال مهرة مأمورة ) على ما تقدم . وقال قوم : مأمورة اتباع لمأبورة ، كالغدايا والعشايا . وكقوله : ( ارجعن مأزورات غير مأجورات ) . وعلى هذا لا يقال : أمرهم الله ، بمعنى كثرهم ، بل يقال : آمره وأمره . واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة العامة . قال أبو عبيد : وإنما اخترنا " أمرنا " لأن المعاني الثلاثة تجتمع فيها من الأمر والإمارة والكثرة . والمترف : المنعم ، وخصوا بالأمر لأن غيرهم تبع لهم .
الثالثة : قوله تعالى : " فدمرناها " أي استأصلناها بالهلاك . " تدميرا " وذكر المصدر للمبالغة في العذاب الواقع بهم . وفي الصحيح{[10171]} من حديث بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فزعا محمرا وجهه يقول : ( لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ) وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها . قالت : فقلت يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : ( نعم إذا كثر الخبث ) . وقد تقدم الكلام في هذا الباب ، وأن المعاصي إذا ظهرت ولم تغير كانت سببا لهلاك{[10172]} الجميع ، والله أعلم .