التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} (1)

مقدمة السورة:

سميت في كثير من المصاحف سورة الإسراء . وصرح الآلوسي بأنها سميت بذلك ، إذ قد ذكر في أولها الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم واختصت بذكره .

وتسمى في عهد الصحابة سورة بني إسرائيل . ففي جامع الترمذي في أبواب الدعاء عن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل .

وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود أنه قال في بني إسرائيل والكهف ومريم : إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي . وبذلك ترجم لها البخاري في كتاب التفسير ، والترمذي في أبواب التفسير . ووجه ذلك أنها ذكر فيها من أحوال بني إسرائيل ما لم يذكر في غيرها . وهو استيلاء قوم أولى بأس الآشوريين عليهم ثم استيلاء قوم آخرين وهم الروم عليهم .

وتسمى أيضا سورة { سبحان } ، لأنها افتتحت بهذه الكلمة . قال في بصائر ذوي التمييز .

وهي مكية عند الجمهور . قيل : إلا آتين منها ، وهما { وإن كادوا ليفتنونك إلى قوله قليلا } . وقيل : إلا أربعا ، هاتين الآيتين ، وقوله { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } ، وقوله { وقل رب أدخلني مدخل صدق } الآية . وقيل : إلا خمسا ، هاته الأربع ، وقوله { إن الذين أوتوا العلم من قبله } إلى آخر السورة . وقيل : إلا خمس آيات غير ما تقدم ، وهي المبتدأة بقوله { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } الآية ، وقوله { ولا تقربوا الزنى } الآية ، وقوله { أولئك الذين يدعون } الآية ، وقوله { أقم الصلاة } الآية ، وقوله { وآت ذا القربى حقه } الآية . وقيل إلا ثمانيا من قوله { وإن كادوا ليفتنونك } إلى قوله { سلطانا نصيرا } .

وأحسب أن منشأ هاته الأقوال أن ظاهر الأحكام التي اشتملت عليها تلك الأقوال يقتضي أن تلك الآي لا تناسب حالة المسلمين فيما قبل الهجرة فغلبت على ظن أصحاب تلك الأقوال مدنية . وسيأتي بيان أن ذلك غير متجه عند التعرض لتفسيرها .

ويظهر أنها نزلت في زمن فيه جماعة المسلمين بمكة ، وأخذ التشريع المتعلق بمعاملات جماعتهم يتطرق إلى نفوسهم ، فقد ذكرت فيها أحكام متتالية لم تذكر أمثال عددها في سورة مكية غيرها عدا سورة الأنعام ، وذلك من قوله { وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه } إلى قوله { كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها } .

وقد اختلف في وقت الإسراء . والأصح أنه كان قبل الهجرة بنحو سنة وخمسة أشهر ، فإذا كانت قد نزلت عقب وقوع الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم تكون قد نزلت في حدود سنة اثنتي عشرة بعد البعثة ، وهي سنة اثنتين قبل الهجرة في منتصف السنة .

وليس افتتاحها بذكر الإسراء مقتضيا أنها نزلت عقب وقوع الإسراء . بل يجوز أنها نزلت بعد الإسراء بمدة .

وذكر فيها الإسراء إلى المسجد الأقصى تنويها بالمسجد الأقصى وتذكيرا بحرمته .

نزلت هذه السورة بعد سورة القصص وقبل سورة يونس .

وعدت السورة الخمسين في تعداد نزول سورة القرآن .

وعدد آيها مائة وعشر في عد أهل المدينة ، ومكة ، والشام ، والبصرة . ومائة وإحدى عشرة في عد أهل الكوفة .

أغراضها

العماد الذي أقيمت عليه أغراض هذه السورة إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإثبات أن القرآن وحي من الله .

وإثبات فضله وفضل من أنزله .

وذكر أنه معجز .

ورد مطاعن المشركين فيه وفيمن جاء به ، وأنهم لم يفقهوه فلذلك أعرضوا عنه .

وإبطال إحالتهم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسري به إلى المسجد الأقصى . فافتتحت بمعجزة الإسراء توطئة للتنظير بين شريعة الإسلام وشريعة موسى عليه السلام على عادة القرآن في ذكر المثل والنظائر الدينية ، ورمزا إلهيا إلى أن الله أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم من الفضائل أفضل مما أعطى من قبله .

وأنه أكمل له الفضائل فلم يفته منها فائت ، فمن أجل ذلك أحله بالمكان المقدس الذي تداولته الرسل من قبل ، فلم يستأثرهم بالحلول بذلك المكان هو مهبط الشريعة الموسوية ، ورمز أطوار تأريخ بني إسرائيل وأسلافهم ، والذي هو نظير المسجد الحرام في أن أصل تأسيسه في عهد إبراهيم كما سننبه عليه عند تفسير قوله تعالى { إلى المسجد الأقصى } ، فأحل الله به محمدا عليه الصلاة والسلام بعد أن هجر وخرب إيماء إلى أن أمته تجدد مجده .

وأن الله مكنه من حرمي النبوة والشريعة ، فالمسجد الأقصى لم يكن معمورا حين نزول هذه السورة وإنما عمرت كنائس حوله ، وأن بني إسرائيل لم يحفظوا حرمة المسجد الأقصى ، فكان إفسادهم سببا في تسلط أعدائهم عليهم وخراب المسجد الأقصى . وفي ذلك رمز إلى أن إعادة المسجد الأقصى ستكون على يد أمة هذا الرسول الذي أنكروا رسالته .

ثم إثبات دلائل تفرد الله بالإلهية ، والاستدلال بآية الليل والنهار وما فيهما من المنن على إثبات الوحدانية .

والتذكير بالنعم التي سخرها الله للناس ، وما فيها من الدلائل على تفرده بتدبير الخلق ، وما تقتضيه من شكر المنعم وترك شكر غيره ، وتنزيهه عن اتخاذ بنات له .

وإظهار فضائل من شريعة الإسلام وحكمته ، وما علمه الله المسلمين من آداب المعاملة نحو ربهم سبحانه ، ومعاملة بعضهم مع بعض ، والحكمة في سيرتهم وأقوالهم ، ومراقبة الله في ظاهرهم وباطنهم .

وعن ابن عباس أنه قال : التوراة كلها في خمس عشرة آية من سورة بني إسرائيل . وفي رواية عنه : ثمان عشرة آية منها كانت في ألواح موسى ، أي من قوله تعالى { لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا } إلى قوله { ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا } .

ويعني بالتوراة الألواح المشتملة على الوصايا العشر ، وليس مراده أن القرآن حكى ما في التوراة ولكنها أحكام قرآنية موافقة لما في التوراة .

على أن كلام ابن عباس معناه : أن ما في الألواح مذكور في تلك الآي ، ولا يريد أنهما سواء ، لأن تلك الآيات تزيد بأحكام ، منها قوله { ربكم أعلم بما في نفوسكم } إلى قوله { لربه كفورا } ، وقوله { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } ، وقوله { ولا تقربوا مال اليتيم } إلى قوله { ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة } ، مع ما تخلل ذلك كله من تفصيل وتبيين عريت عنه الوصايا العشر التي كتبت في الألواح .

وإثبات البعث والجزاء .

والحث على إقامة الصلوات في أوقاتها .

والتحذير من نزغ الشيطان وعداوته لآدم وذريته ، وقصة إبايته من السجود .

والإنذار بعذاب الآخرة .

وذكر ما عرض للأمم من أسباب الاستئصال والهلاك .

وتهديد المشركين بأن الله يوشك أن ينصر الإسلام على باطلهم .

وما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين واستعانتهم باليهود . واقتراحهم الآيات ، وتحميقهم في جهلهم بآية القرآن وأنه الحق .

وتخلل ذلك من المستطردات والنذر والعظات ما فيه شفاء ورحمة ، ومن الأمثال ما هو علم وحكمة .

الافتتاح بكلمة التسبيح من دون سبق كلام مُتضمّنٍ ما يَجب تنزيه الله عنه يؤذن بأن خبراً عجيباً يستقبله السامعون دالاً على عظيم القدرة من المتكلم ورفيع منزلة المتحدث عنه .

فإن جملة التسبيح في الكلام الذي لم يقع فيه ما يوهم تشبيهاً أو تنقيصاً لا يليقان بجلال الله تعالى مثل { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } [ الصافّات : 180 ] يتعين أن تكون مستعملة في أكثر من التنزيه ، وذلك هو التعجيب من الخبر المتحدث به كقوله { قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم } [ النور : 16 ] ، وقول الأعشى :

قد قلتُ لما جاءني فخرُه *** سُبْحَان من علقمَةَ الفاخِرِ

ولما كان هذا الكلام من جانب الله تعالى والتسبيح صادراً منه كان المعنى تعجيب السامعين ، لأن التعجب مستحيلة حقيقته على الله لا لأن ذلك لا يلتفت إليه في محامل الكلام البليغ لإمكان الرجوع إلى التمثيل ، مثل مجيء الرجاء في كلامه تعالى نحو { لعلكم تفلحون } [ البقرة : 189 ] ، بل لأنه لا يستقيم تعجب المتكلم من فعل نفسه ، فيكون معنى التعجيب فيه من قبيل قولهم أتعجب من قول فلان كيْت وكيْت .

ووجه هذا الاستعمال أن الأصل أن يكون التسبيح عند ظهور ما يدل على إبطال ما لا يليق بالله تعالى . ولما كان ظهور ما يدل على عظيم القدرة مزيلاً للشك في قدرة الله وللإشراك به كان من شأنه أن يُنطق المتأمل بتسبيح الله تعالى ، أي تنزيهه عن العجز .

وأصل صيغ التسبيح هو كلمة { سبحان الله } التي نُحت منها السبحلة . ووقع التصرف في صيغها بالإضمار نحو سبحانَك وسبحانه ، وبالموصول نحو { سبحان الذي خلق الأزواج كلها } [ يس : 36 ] ومنه هذه الآية .

والتعبير عن الذات العلية بطريق الموصول دون الاسم العلم للتنبيه على ما تفيده صلة الموصول من الإيماء إلى وجه هذا التعجيب والتنويه وسببه ، وهو ذلك الحادث العظيم والعناية الكبرى . ويفيد أن حديث الإسراء أمر فَشا بين القوم ، فقد آمن به المسلمون وأكبَره المشركون .

وفي ذلك إدماج لرفعة قدر محمد وإثباتُ أنه رسول من الله ، وأنه أوتي من دلائل صدق دعوته ما لا قِبل لهم بإنكاره ، فقد كان إسراؤه إطلاعاً له على غائب من الأرض ، وهو أفضل مكان بعد المسجد الحرام .

و{ أسرى } لغة في سَرَى ، بمعنى سار في الليل ، فالهمزة هنا ليست للتعدية لأن التعدية حاصلة بالباء ، بل أسرى فعل مفتح بالهمزة مرادف سَرى ، وهو مثل أبان المرادف بَان ، ومثل أنهج الثوبُ بمعنى نَهَجَ أي بلِيَ ، ف { أسرى بعبده } بمنزلة { ذهب الله بنورهم } [ البقرة : 17 ] .

وللمبرد والسهيلي نكتة في التفرقة بين التعدية بالهمزة والتعدية بالباء بأن الثانية أبلغ لأنها في أصل الوضع تقتضي مشاركة الفاعل المفعولَ في الفعل ، فأصل ( ذهب به ) أنه استصحبه ، كما قال تعالى : { وسار بأهله } [ القصص : 29 ] . وقالت العرب أشبعهم شتماً ، ورَاحوا بالإبل . وفي هذا لطيفة تناسب المقام هنا إذ قال { أسرى بعبده } دون سرّى بعبْدَه ، وهي التلويح إلى أن الله تعالى كان مع رسوله في إسرائه بعنايتهِ وتوفيقه ، كما قال تعالى { فإنك بأعيننا } [ الطور : 48 ] ، وقال : إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا [ التوبة : 40 ] .

فالمعنى : الذي جعل عبده مُسرياً ، أي سارياً ، وهو كقوله تعالى : { فأسر بأهلك بقطع من الليل } [ هود : 81 ] .

وإذ قد كان السُرى خاصاً بسير الليل كان قوله : { ليلاً } إشارة إلى أن السير به إلى المسجد الأقصى كان في جُزء ليلة ، وإلا لم يَكن ذكره إلا تأكيداً ، على أن الإفادة كما يقولون خير من الإعادة .

وفي ذلك إيماء إلى أنه أسراء خارق للعادة لقطع المسافة التي بين مبدأ السير ونهايته في بعض ليلة ، وأيضاً ليتوسل بذكر الليل إلى تنكيره المفيد للتعظيم .

فتنكير { ليلاً } للتعظيم ، بقرينة الاعتناء بذكره مع علمه من فعل { أسرى } ، وبقرينة عدم تعريفه ، أي هو ليل عظيم باعتبار جعله زمناً لذلك السرى العظيم ، فقام التنكير هنا مقام ما يدل على التعظيم . ألا ترى كيف احْتيج إلى الدلالة على التعظيم بصيغة خاصة في قوله تعالى : { إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر } [ القدر : 1 2 ] إذ وقعت ليلة القدر غير منكرة{[263]} .

و ( عَبْد ) المضاف إلى ضمير الجلالة هنا هو محمد كما هو مصطلح القرآن ، فإنه لم يقع فيه لفظ العبد مضافاً إلى ضمير الغيبة الراجع إلى الله تعالى إلا مراداً به النبي ؛ ولأن خبر الإسراء به إلى بيت المقدس قد شاع بين المسلمين وشاع إنكاره بين المشركين ، فصار المراد { بعبده } معلوماً .

والإضافة إضافة تشريف لا إضافة تعريف لأن وصف العبودية لله متحقق لسائر المخلوقات فلا تفيد إضافته تعريفاً .

والمسجد الحرام هو الكعبة والفِناء المحيط بالكعبة بمكة المتخذ للعبادة المتعلقة بالكعبة من طواف بها واعتكاف عندها وصلاة .

وأصل المسجد : أنه اسم مكان السجود . وأصل الحرام : الأمر الممنوع ، لأنه مشتق من الحَرْم بفتح فسكون وهو المنع ، وهو يرادف الحرم . فوصف الشيء بالحرام يكون بمعنى أنه ممنوع استعماله استعمالاً يناسبه ، نحو { حرمت عليكم الميتة } [ المائدة : 3 ] أي أكل الميتة ، وقول عنترة :

حُرمت علي وليتها لم تَحرم

أي ممنوع قربانها لأنها زوجة أبيه وذلك مذموم بينهم .

ويكون بمعنى الممنوع من أن يعمل فيه عمل ما . ويبين بذكر المتعلق الذي يتعلق به . وقد لا يذكر متعلّقة إذا دل عليه العرف ، ومنه قولهم : { الشهر الحرام } [ البقرة : 194 ] أي الحرام فيه القتال في عرفهم . وقد يحذف المتعلق لقصد التكثير ، فهو من الحذف للتعميم فيَرجع إلى العموم العرفي ، ففي نحو { البيت الحرام } [ المائدة : 2 ] يراد الممنوع من عُدوان المعتدين ، وغزوِ الملوك والفاتحين ، وعملِ الظلم والسوءِ فيه .

والحرام : فَعال بمعنى مفعول ، كقولهم : امرأة حَصان ، أي ممنوعة بعفافها عن الناس .

فالمسجد الحرام هو المكان المعد للسجود ، أي للصلاة ، وهو الكعبة والفناء المجعول حرماً لها . وهو يختلف سعة وضيقاً باختلاف العصور من كثرة الناس فيه للطواف والاعتكاف والصلاة .

وقد بنى قريش في زمن الجاهلية بيوتهم حول المسجد الحرام . وجعل قُصي بقربه دارَ الندوة لقريش وكانوا يجلسون فيها حول الكعبة ، فانحصر لما أحاطت به بيوت عشائر قريش . وكانت كل عشيرة تتخذ بيوتها متجاورة . ومجموع البيوت يسمى شِعباً بكسر الشين . وكانت كل عشيرة تسلك إلى المسجد الحرام من منفذ دُورها ، ولم يكن للمسجد الحرام جدار يُحفظ به . وكانت المسالك التي بين دُور العشائر تسمى أبواباً لأنها يسلك منها إلى المسجد الحرام ، مثل باب بني شيبة ، وباب بني هاشم ، وباب بني مخزوم وهو باب الصفا ، وباب بني سهم ، وباب بني تيم . وربما عُرِف بعض الأبواب بجهة تقرب منه مثل بَاب الصفا ويسمى باب بني مخزوم . وباب الحزورة سمي بمكان كانت به سوق لأهل مكة تسمى الحَزْورة . ولا أدري هل كانت أبواباً تغلق أم كانت منافذ في الفضاء فإن الباب يطلق على ما بين حاجزين .

وأول من جعل للمسجد الحرام جداراً يُحفظ به هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة سبعَ عشرة من الهجرة .

ولُقب بالمسجد لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام جعله لإقامة الصلاة في الكعبة كما حكى الله عنه { ربنا ليقيموا الصلاة } [ إبراهيم : 37 ] . ولما انقرضت الحنيفية وترك أهل الجاهلية الصلاة تناسوا وصفهُ بالمسجد الحرام فصاروا يقولون : البيت الحرام . وأما قول عمر : إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ، فإنه عبر عنه باسمه في الإسلام .

فغلبَ عليه هذا التعريف التوصيفي فصار له علماً بالغلبة في اصطلاح القرآن . ولا أعرف أنه كان يعرف في الجاهلية بهذا الاسم ، ولا على مسجد بيت المقدس في عصر تحريمه عند بَني إسرائيل . وقد تقدم وجه ذلك عند قوله تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } في [ البقرة : 144 ] ، وعند قوله تعالى : { أن صدوكم عن المسجد الحرام } في أول العقود [ المائدة : 2 ] .

وعلميته بمجموع الوصف والموصوف وكلاهما معَرّف باللام . فالجزء الأول مثل النجم والجزء الثاني مثل الصعِق ، فحصل التعريف بمجموعهما ، ولم يعد النحاةُ هذا النوع في أقسام العلم بالغلبة . ولعلهم اعتبروه راجعاً إلى المعرف باللام . ولا بد من عده لأن علميته صارت بالأمرين .

والمسجد الأقصى هو المسجد المعروف ببيتِ المقدِس الكائن بإيلياء ، وهو المسجد الذي بناه سليمان عليه الصلاة والسلام .

والأقصى ، أي الأبعد . والمراد بعده عن مكة ، بقرينة جعله نهاية الإسراء من المسجد الحرام ، وهو وصف كاشف اقتضاه هنا زيادة التنبيه على معجزة هذا الإسراء وكونه خارقاً للعادة لكونه قطْعَ مسافة طويلة في بعض ليلة .

وبهذا الوصف الوارد له في القرآن صار مجموع الوصف والموصوف علماً بالغلبة على مسجد بيت المقدس كما كان المسجد الحرام علماً بالغلبة على مسجد مكة . وأحسب أن هذا العلم له من مبتكرات القرآن فلم يكن العرب يصفونه بهذا الوصف ولكنهم لما سمعوا هذه الآية فهموا المراد منه أنه مسجد إيلياء . ولم يكن مسجد لدين إلهي غيرهما يومئذٍ .

وفي هذا الوصف بصيغة التفضيل باعتبار أصل وضعها معجزةٌ خفية من معجزات القرآن إيماء إلى أنه سيكون بين المسجدين مسجد عظيم هو مسجد طيبة الذي هو قَصِيٌ عن المسجد الحرام ، فيكون مسجد بيت المقدس أقصى منه حينئذٍ .

فتكون الآية مشيرة إلى جميع المساجد الثلاثة المفضلة في الإسلام على جميع المساجد الإسلامية ، والتي بينها قول النبي : " لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجد الحرام ، ومسجد الأقصى ، ومسجدي " .

وفائدة ذكر مبدأ الإسراء ونهايته بقوله : { من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا } أمران :

أحدهما : التنصيص على قطع المسافة العظمية في جزء ليلة ، لأن كلا من الظرف وهو { ليلاً } ومن المجرورين { من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا } قد تعلق بفعل { أسرى } ، فهو تعلق يقتضي المقارنة ، ليعلم أنه من قبيل المعجزات .

وثانيهما : الإيماء إلى أن الله تعالى يجعل هذا الإسراء رمزاً إلى أن الإسلام جمع ما جاءت به شرائع التوحيد والحنيفية من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام الصادر من المسجد الحرام إلى ما تفرع عنه من الشرائع التي كان مقرها بيت المقدس ثم إلى خاتمتها التي ظهرت من مكة أيضاً ؛ فقد صدرت الحنيفية من المسجد الحرام وتفرعت في المسجد الأقصى . ثم عادت إلى المسجد الحرام كما عاد الإسراء إلى مكة لأن كل سُرى يعقبه تأويب . وبذلك حصل رد العجز على الصدر .

ومن هنا يظهر مناسبة نزول التشريع الاجماعي في هذه السورة في الآيات المفتتحة بقوله تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } ، ففيها : { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } ، { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } ، { وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم } [ الإسراء : 23 35 ] إيماء إلى أن هذا الدين سيكون ديناً يحكم في الناس وتنفذ أحكامه .

والمسجد الأقصى هو ثاني مسجد بناه إبراهيم عليه السلام كما ورد ذلك عن النبي . ففي « الصحيحين » عن أبي ذر قال : قلتُ يا رسول الله أي مسجد وُضع في الأرض أولُ ؟ قال المسجدُ الحرام . قلت : ثم أي ؟ قال : المسجد الأقصى . قلت كمْ بينهما ؟ قال أربعون سنة » .

فهذا الخبر قد بين أن المسجد الأقصى من بناء إبراهيم لأنه حُدد بمدة هي من مدة حياة إبراهيم عليه السلام . وقد قُرن ذكره بذكر المسجد الحرام .

وهذا مما أهملَ أهل الكتاب ذكره .

وهو مما خَصّ الله نبيئه بمعرفته . والتوراة تشهد له ، فقد جاء في سفر التكوين في الإصحاح الثاني عشر : أن إبراهيم لما دخل أرض كنعان ( وهي بلاد فلسطين ) نصب خيمته في الجبل شرقي بيت إيل ( بيت إيل مدينة على بعد أحد عشر ميلاً من أورشليم إلى الشمال وهو بلد كان اسمه عند الفلسطينيين ( لوزا ) فسماه يعقوب : بيت إيل ، كما في الإصحاح الثامن والعشرين من سفر التكوين ) وغربي بلاد عاي ( مدينة عبرانية تعرف الآن « الطيبة » ) وبنى هنالك مذبحاً للرب .

وهم يطلقون المذبح على المسجد لأنهم يذبحون القرابين في مساجدهم . قال عمر بن أبي ربيعة :

دُميةٌ عند راهب قسيس *** صوروها في مذبح المحراب

أي مَكانَ المذبح من المسجد ، لأن المحراب هو محل التعبد ، قال تعالى : { وهو قائم يصلي في المحراب } [ آل عمران : 39 ] .

ولا شك أن مسجد إبراهيم هو الموضع الذي توخى داود عليه السلام أن يضع عليه الخيمة وأن يبني عليه محرابه أو أوحى الله إليه بذلك ، وهو الذي أوصى ابنَه سليمان عليه السلام أن يبني عليه المسجدَ ، أي الهيكل . وقد ذكر مؤرخو العبرانيين ومنهم ( يوسيفوس ) أن الجبل الذي سكنه إبراهيم بأرض كنعان اسمه ( نَابو ) وأنه هو الجبل الذي ابتنى عليه سليمان الهيكل وهو المسجد الذي به الصخرة .

وقصة بناء سليمان إياه مفصلة في سفر الملوك الأول من أسفار التوراة .

وقد انتابه التخريب ثلاث مرات :

أولاها : حين خربه بختَنَصّر ملكُ بابل سنة 578 قبل المسيح ثم جدده اليهود تحت حكم الفُرس .

الثانية : خربه الرومان في مدة طيطوس بعد حروب طويلة بينه وبين اليهود وأعيد بناؤه ، فأكمل تخريبَه أدريانوس سنة 135 للمسيح وعفى آثاره فلم تبق منه إلا أطلال .

الثالثة لما تنصرت الملكة هيلانة أم الأنبراطور قسطنطين ملكِ الروم ( بيزنطة ) وصارت متصلبة في النصرانية ، وأشرب قلبُها بُغْض اليهود بما تعتقده من قتلهم المسيح كان مما اعتدت عليه حين زارت أورشليم أن أمرت بتعفية أطلال هيكل سليمان وأن ينقل ما بقي من الأساطين ونحوها فتبني بها كنيسة على قبر المسيح المزعوم عندهم في موضع توسموا أن يكون هو موضع القبر ( والمؤرخون من النصارى يشكون في كون ذلك المكان هو المكان الذي يُدَّعَى أن المسيح دفن فيه ) وأن تسميها كنيسة القيامة ، وأمَرَت بأن يجعل موضعُ المسجد الأقصى مرمَى أزبال البلد وقُماماته فصار موضعُ الصخرة مَزْبلة تراكمت عليها الأزبال فغطتها وانحدرت على درجها .

ولما فتح المسلمون بقية أرض الشام في زمن عمر وجاء عمر بن الخطاب ليشهد فتح مدينة إيلياء{[264]} وهي المعروفة من قبلُ ( أورشليم ) وصارت تسمى إيلياء بكسر الهمزة وكسر اللام وكذلك كان اسمها المعروف عند العرب عندما فتح المسلمون فلسطين . وإيلياء اسم نبيء من بني إسرائيل كان في أوائل القرن التاسع قبل المسيح .

قال الفرزدق :

وبيتان بيتُ الله نحن ولاته *** وبيتٌ بأعلى إيلياء مشرَّف

وانعقد الصلح بين عُمر وأهل تلك المدينة وهم نصارى . قال عمر لبطريق لهم اسمه ( صفرونيوس ) « دُلني على مسجد داوود » ، فانطلق به حتى انتهى إلى مكان الباب وقد انحدر الزبل على دَرَج الباب فتجشم عمر حتى دخَل ونظر فقال : الله أكبر ، هذا والذي نفسي بيده مسجدُ داوود الذي أخبرنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أُسري به إليه » . ثم أخذ عمر والمسلمون يكنسون الزبل عن الصخرة حتى ظهرت كلها ، ومضى عمر إلى جهة محراب داوود فصلى فيه ، ثم ارتحل من بلد القدس إلى فلسطين .

ولم يَبن هنالك مسجداً إلى أن كان في زمن عبد الملك بن مروان أمر بابتداء بناء القبة على الصخرة وعمارة المسجد الأقصى . ووكل على بنائها رَجاء بن حَيْوَة الكِندي أحد علماء الإسلام ، فابتدأ ذلك سنة ست وستين وكان الفراغ من ذلك في سنة ثلاث وسبعين .

كان عمر أول من صلى فيه من المسلمين وجعل له حرمة المساجد .

ولهذا فتسمية ذلك المكان بالمسجد الأقصى في القرآن تسمية قرآنية اعتبر فيها ما كان عليه من قبل لأن ، حكم المسجدية لا ينقطع عن أرض المسجد . فالتسمية باعتبار ما كان ، وهي إشارة خفية إلى أنه سيكون مسجداً بأكمل حقيقة المساجد .

واستقبله المسلمون في الصلاة من وقت وجوبها المقارن ليلة الإسراء إلى ما بعد الهجرة بستة عشر شهراً . ثم نسخ استقباله وصارت الكعبة هي القبلة الإسلامية .

وقد رأيت أن سائحاً نصرانياً اسمه ( اركولف ) زار القدس سنة 670 م ، أي بعد خلافة عمر بأربع وثلاثين سنة ، وزعم أنه رأى مسجداً بناه عمر على شكل مربع من ألواح وجذوع أشجار ضخمة وأنه يسع نحو ثلاثة آلاف{[265]} .

والظاهر أن نسبة المسجد الأقصى إلى عمر بن الخطاب وهَم من أوهام النصارى اختلط عليهم كشف عمر موضع المسجد فظنوه بناءً . وإذا صدق اركولف فيما ذكر من أنه رأى مكاناً مربعاً من ألواح وعمد أشجار كان ذلك شيئاً أحدثه مسلمو البلاد لصيانة ذلك المكان عن الامتهان .

وقوله { الذي باركنا حوله } صفة للمسجد الأقصى . وجيء في الصفة بالموصولية لقصد تشهير الموصوف بمضمون الصلة حتى كأن الموصوف مشتهر بالصلة عند السامعين . والمقصود إفادة أنه مبارك حوله .

وصيغة المفاعلة هنا للمبالغة في تكثير الفعل ، مثل عافاك الله .

والبركة : نماء الخير والفضل في الدنيا والآخرة بوفرة الثواب للمصلين فيه وبإجابة دعاء الداعين فيه . وقد تقدم ذكر البركة عند قوله تعالى : { مباركاً وهدى للعالمين } في [ آل عمران : 96 ] .

وقد وصف المسجد الحرام بمثل هذا في قوله تعالى : { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين } [ آل عمران : 96 ] .

ووجه الاقتصار على وصف المسجد الأقصى في هذه الآية بذكر هذا التبريك أن شهرة المسجد الحرام بالبركة وبكونه مقام إبراهيم معلومة للعرب ؛ وأما المسجد الأقصى فقد تناسى الناس ذلك كله ، فالعرب لا علم لهم به والنصارى عفوا أثره من كراهيتهم لليهود ، واليهود قد ابتعدوا عنه وأيسوا من عوده إليهم ، فاحتيج إلى الإعلام ببركته .

و حولَ يدل على مكان قريب من مكان اسم ما أضيف ( حولَ ) إليه .

وكونُ البركة حولَه كنايةٌ عن حصول البركة فيه بالأوْلى ، لأنها إذا حصلت حوله فقد تجاوزت ما فيه ؛ ففيه لطيفة التلازم ، ولطيفة فحوَى الخطاب ، ولطيفة المبالغة بالتكثير . وقريب منه قول زياد الأعجم :

إنّ السماحةَ والمروءة والندى *** في قبةٍ ضُربت على ابن الحشرج

ولكلمة { حوله } في هذه الآية من حسن الموقع ما ليس لكلمة ( في ) في بيت زياد ، ذلك أن ظرفية ( في ) أعم . فقوله : ( في قبة ) كناية عن كونها في ساكن القبة لكن لا تفيد انتشارها وتجاوزها منه إلى ما حوله .

وأسباب بركة المسجد الأقصى كثيرة كما أشارت إليه كلمة { حوله } . منها أن واضعه إبراهيم عليه السلام ، ومنها ما لحقه من البركة بمن صلى به من الأنبياء من داوود وسليمان ومن بعدهما من أنبياء بني إسرائيل ، ثم بحلول الرسول عيسى عليه السلام وإعلانه الدعوة إلى الله فيه وفيما حوله ، ومنها بركة من دُفن حوله من الأنبياء ، فقد ثبت أن قبري داوود وسليمان حول المسجد الأقصى . وأعظم تلك البركات حلول النبي صلى الله عليه وسلم فيه ذلك الحلول الخارق للعادة ، وصلاته فيه بالأنبياء كلهم .

وقوله : { لنريه من آياتنا } تعليل الإسراء بإرادة إراءة الآيات الربانية ، تعليلٌ ببعض الحِكَم التي لأجلها منح الله نبيئه منحة الإسراء ، فإن للإسراء حِكماً جمة تتضح من حديث الإسراء المروي في « الصحيح » . وأهمها وأجمعها إراءته من آيات الله تعالى ودلائل قدرته ورحمته ، أي لنريه من الآيات فيخبرهم بما سألوه عن وصف المسجد الأقصى .

ولام التعليل لا تفيد حصر الغرض من متعلقها في مدخولها .

وإنما اقتُصر في التعليل على إراءة الآيات لأن تلك العلة أعلق بتكريم المُسرَى به والعناية بشأنه ، لأن إراءة الآيات تزيد يقين الرائي بوجودها الحاصل من قبل الرؤية . قال تعالى : { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } [ الأنعام : 75 ] .

فإن فطرة الله جعلت إدراك المحسوسات أثبت من إدراك المدلولات البرهانية . قال تعالى : { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } [ البقرة : 260 ] ، ولذلك لم يقل الله بعد هذا التعليل أو لم يطمئن قلبك ، لأن اطمئنان القلب مُتَّسِعُ المدى لا حد له فقد أنطق الله إبراهيم عن حكمة نبوءة ، وقد بادر محمداً بإراءة الآيات قبل أن يسأله إياها توفيراً في الفضل .

قال علي بن حزم الظاهري وأجاد :

ولكن للعيان لطيفُ معنى *** له سأل المعايَنة الكليمُ

واعلم أن تقوية يقين الأنبياء من الحكم الإلهية لأنهم بمقدار قوة اليقين يزيدون ارتقاء على درجة مستوى البشر والتحاقاً بعلوم عالم الحقائق ومساواة في هذا المضمار لمراتب الملائكة .

وفي تغيير الأسلوب من الغيبة التي في اسم الموصول وضميريه إلى التكلم في قوله : باركنا . . . ولنُريه من آياتنا سلوكٌ لطريقة الالتفات المتبعة كثيراً في كلام البلغاء . وقد مضى الكلام على ذلك في قوله تعالى : { إياك نعبد } في [ الفاتحة : 5 ] .

والالتفات هنا امتاز بلطائف :

منها : أنه لما استُحضرت الذات العلية بجملة التسبيح وجملة الموصولية صار مقام الغيبة مقام مشاهدة فناسب أن يغير الإضمار إلى ضمائر المشاهدة وهو مقام التكلم .

ومنها : الإيماء إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام عند حلوله بالمسجد الأقصى قد انتقل من مقام الاستدلال على عالم الغيب إلى مقام مصيره في عالم المشاهدة .

ومنها : التوطئة والتمهيد إلى محمل معاد الضمير في قوله : { إنه هو السميع البصير } ، فيتبادر عود ذلك الضمير إلى غير من عاد إليه ضمير { نريه } لأن الشأن تناسق الضمائر ، ولأن العود إلى الالتفات بالقرب ليس من الأحسن .

فقوله : { إنه هو السميع البصير } الأظهرُ أن الضميرين عائدان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقاله بعض المفسرين ، واستقرَبَه الطيبي ، ولكن جمهرة المفسرين على أنه عائد إلى الله تعالى . ولعل احتماله للمعنيين مقصود .

وقد تجيء الآيات محتملة عدّةَ معانٍ . واحتمالها مقصود تكثيراً لمعاني القرآن ، ليأخذ كل منه على مقدار فهمه كما ذكرنا في المقدمة التاسعة . وأياما كان فموقع ( إنّ ) التوكيد والتعليل كما يؤذن به فصل الجملة عما قبلها .

وهي إما تعليل لإسناد فعل { نريه إلى فاعله ؛ وإما تعليل لتعليقه بمفعوله ، فيفيد أن تلك الإراءة من باب الحكمة ، وهي إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي ، فهو من إيتاء الحكمة من هو أهلها .

والتعليل على اعتبار مرجع الضمير إلى النبي أوقع ، إذ لا حاجة إلى تعليل إسناد فعل الله تعالى لأنه محقق معلوم . وإنما المحتاج للتعليل هو إعطاء تلك الإراءة العجيبة لمن شك المشركون في حصولها له ومن يحسبون أنه لا يطيقها مثله .

على أن الجملة مشتملة على صيغة قصر بتعريف المسند باللام وبضمير الفصل قصراً مؤكداً ، وهو قصر موصوف على صفة قصراً إضافياً للقلب ، أي هو المدرك لما سمعه وأبصرهُ لا الكاذِبُ ولا المتوهمُ كما زعم المشركون . وهذا القصر يؤيد عود الضمير إلى النبي لأنه المناسب للرد . ولا ينازع المشركون في أن الله سميع وبصير إلا على تأويل ذلك بأنه المُسمع والمبصِر لرسوله الذي كذبتموه ، فيؤول إلى تنزيه الرسول عن الكذب والتوهم .

ثم إن الصفتين على تقدير كونهما للنبيء هما على أصل اشتقاقهما للمبالغة في قوة سمعه وبصره وقبولهما لتلقي تلك المشاهدات المدهشة ، على حد قوله تعالى : { ما زاغ البصر وما طغى }

[ النجم : 17 ] ، وقوله : { أفتمارونه على ما يرى } [ النجم : 12 ] .

وأما على تقدير كونهما صفتين لله تعالى فالمناسب أن تؤولا بمعنى المسمع المبصر ، أي القادر على إسماع عبده وإبصاره ، كما في قول عمرو بن معد يكرب :

أمن ريحانة الداعي السميع

أي المُسمع .

وقد اختلف السلف في الإسراء أكان بجسد رسول الله من مكة إلى بيت المقدس أم كان بروحه في رؤيا هي مشاهدة رُوحانية كاملة ورؤيا الأنبياء حق . والجمهور قالوا : هو إسراء بالجسد في اليقظة ، وقالت عائشة ومعاوية والحسن البصري وابن إسحاق رضي الله عنهم أنه إسراء بروحه في المنام ورؤيا الأنبياء وحي .

واستدل الجمهور بأن الامتنان في الآية وتكذيبَ قريش بذلك دليلان على أنه ما كان الإخبار به إلا على أنه بالجسد . واتفق الجميع على أن قريشاً استوصفوا من النبي علامات في بيت المقدس وفي طريقه فوصفها لهم كما هي ، ووصف لهم عيراً لقريش قافلة في طريق معين ويوم معين فوجدوه كما وصف لهم .

ففي « صحيح البخاري » أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بينما أنا في المسجد الحرام بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل . . . " إلى آخر الحديث . وهذا أصح وأوضح مما روي في حديث آخر أن الإسراء كان من بيته أو كان من بيت أم هاني بنت أبي طالب أو من شعب أبي طالب .

والتحقيق حمل ذلك على أنه إسراء آخر ، وهو الوارد في حديث المعراج إلى السماوات وهو غير المراد في هذه الآية . فللنبيء صلى الله عليه وسلم كرامتان : أولاهما الإسراء وهو المذكور هنا ، والأخرى المعراج وهو المذكور في حديث « الصحيحين » مطولاً وأحاديث غيرِه . وقد قيل : إنه هو المشار إليه في سورة النجم .


[263]:- وأما قوله { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم} فذلك توكيد لأن المتحدث عنهم ينكرونه ولا يعبأون بما أعد لهم فيه من الأهوال.
[264]:- انظر « الإنس الجليل في تاريخ القدس والخليل» في ذكر خراب المسجد الأقصى ولم أقف على وجه تسمية أورشليم باسم إيلياء المذكور، ولعله هو، سمى باسم المدينة المقدسة عندهم.
[265]:- مقال حرره عارف في الجملة المسماة رسالة العلم بالمملكة الأردنية في عدد 2 من السنة 12 كانون الأول سنة 1968.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} (1)

مقدمة السورة:

هذه السورة مكية ، إلا ثلاث آيات : قوله عز وجل ( وإن كادوا ليستفزونك ){[1]} [ الإسراء : 76 ] ، حين جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وفدُ ثقيف ، وحين قالت اليهود : ليست هذه بأرض الأنبياء . وقوله عز وجل : ( وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ) [ الإسراء : 80 ] ، وقوله تعالى : ( إن ربك أحاط بالناس ) [ الإسراء : 60 ] الآية . وقال مقاتل : وقوله عز وجل : ( إن الذين أوتوا العلم من قبله ) [ الإسراء : 107 ] الآية . وقال ابن مسعود رضي الله عنه في بني إسرائيل والكهف ومريم : إنهن من العِتاق الأُوَل ، وهن من تِلادي ، يريد : من قديم كسبه .

فيه ثمان{[10107]} مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " سبحان " ( سبحان ) اسم موضوع موضع المصدر ، وهو غير متمكن ؛ لأنه لا يجرى بوجوه الإعراب ، ولا تدخل عليه الألف واللام ، ولم يجر منه فعل ، ولم ينصرف ؛ لأن في آخره زائدتين ، تقول : سبحت تسبيحا وسبحانا ، مثل كفرت اليمين تكفيرا وكفرانا . ومعناه التنزيه والبراءة لله عز وجل من كل نقص . فهو ذكر عظيم لله تعالى لا يصلح لغيره ، فأما قول ا لشاعر :

أقولُ لما جاءني فخرُه *** سبحان مِنْ علقَمَةَ الفاخِرِ{[10108]}

فإنما ذكره على طريق النادر . وقد روى طلحة بن عبيد الله الفياض أحد العشرة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما معنى سبحان الله ؟ فقال : ( تنزيه الله من كل سوء ) . والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه لا من لفظه ، إذ لم يجر من لفظه فعل ، وذلك مثل قعد القرفصاء ، واشتمل الصماء{[10109]} ، فالتقدير عنده : أنزه الله تنزيها ، فوقع ( سبحان الله ) مكان قولك تنزيها .

الثانية : قوله تعالى : " أسرى بعبده " " أسرى " فيه لغتان : سرى وأسرى ، كسقى وأسقى ، كما تقدم{[10110]} . قال :

أَسْرَتْ عليه من الجوزاء سَارِيةٌ *** تُزْجِي الشَّمال عليه جَامِدَ البَرد{[10111]}

وقال آخر :

حَيِّ النضيرةَ ربَّةَ الخِدر*** أَسْرَتْ إليّ ولم تكن تَسْرِي{[10112]}

فجمع بين اللغتين في البيتين . والإسراء : سير الليل ، يقال : سريت مسرى وسرى ، وأسريت إسراء ، قال الشاعر :

وليلة ذات ندىً سريتُ*** ولم يَلِتْنِي من سُراها لَيْتُ

وقيل : أسرى سار من أول الليل ، وسرى سار من آخره ، والأول أعرف .

الثالثة : قوله تعالى : " بعبده " قال العلماء : لو كان للنبي صلى الله عليه وسلم اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية . وفي معناه أنشدوا :

يا قومِ قلبي عند زهراءِ *** يعرفه السامع والرائي

لا تدعُنِي إلا بيا عبدها *** فإنه أشرف أسمائي

وقد تقدم{[10113]} . قال القشيري : لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية ، وأرقاه فوق الكواكب العلوية{[10114]} ، ألزمه اسم العبودية تواضعا للأمة .

الرابعة : ثبت الإسراء في جميع مصنفات الحديث ، وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه . وذكر النقاش : ممن رواه عشرين صحابيا . روى الصحيح عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه - قال - فركبته حتى أتيت بيت المقدس - قال - فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء - قال - ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل اخترت الفطرة - قال - ثم عرج بنا إلى السماء . . . ) وذكر الحديث . ومما ليس في الصحيحين ما خرجه الآجري والسمرقندي ، قال الآجري عن أبي سعيد الخدري في قوله تعالى " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله " قال أبو سعيد : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أتيت بدابة هي أشبه الدواب بالبغل له أذنان يضطربان{[10115]} ، وهو البراق الذي كانت الأنبياء تركبه قبل فركبته فانطلق تقع يداه عند منتهى بصره ، فسمعت نداء عن يميني يا محمد على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج عليه ثم سمعت نداء عن يساري يا محمد على رسلك ، فمضيت ولم أعرج عليه ، ثم استقبلتني امرأة عليها من كل زينة الدنيا رافعة يديها تقول على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج ، ثم أتيت بيت المقدس الأقصى فنزلت عن الدابة فأوثقته في الحلقة التي كانت الأنبياء توثق بها ، ثم دخلت المسجد وصليت فيه ، فقال لي جبريل عليه السلام : ما سمعت يا محمد ، فقلت نداء عن يميني يا محمد على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج فقال : ذلك داعي اليهود ولو وقفت لتهودت أمتك - قال - ثم سمعت نداء عن يساري على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج عليه فقال : ذلك داعي النصارى أما إنك لو وقفت لتنصرت أمتك - قال - ثم استقبلتني امرأة عليها من كل زينة الدنيا رافعة يديها تقول على رسلك فمضيت ولم أعرج عليها فقال : تلك الدنيا لو وقفت لاخترت الدنيا على الآخرة - قال - ثم أتيت بإناءين أحدهما فيه لبن والآخر فيه خمر فقيل لي : خذ فاشرب أيهما شئت ؟ فأخذت اللبن فشربته فقال لي جبريل : أصبت الفطرة ولو أنك أخذت الخمر غوت أمتك ، ثم جاء بالمعراج الذي تعرج فيه أرواح بني آدم فإذا هو أحسن ما رأيت أو لم تروا إلى الميت كيف يحد بصره إليه ، فعرج بنا حتى أتينا باب السماء الدنيا ، فاستفتح جبريل فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل قالوا : ومن معك ؟ قال : محمد ، قالوا : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم ففتحوا لي وسلموا علي وإذا ملك يحرس السماء يقال له : إسماعيل معه سبعون ألف ملك مع كل ملك مائة ألف - قال - وما يعلم جنود ربك إلا هو . . . ) وذكر الحديث إلى أن قال : ( ثم مضينا إلى السماء الخامسة وإذا أنا بهارون بن عمران المحب في قومه وحوله تبع كثير من أمته ، فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : طويل اللحية تكاد لحيته تضرب في سرته ثم مضينا إلى السماء السادسة ، فإذا أنا بموسى فسلم علي ورحب بي - فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم فقال - رجل كثير الشعر ولو كان عليه قميصان خرج شعره منهما . . . ) الحديث .

وروى البزار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بفرس فحمل عليه ، كل خطوة منه أقصى بصره . . . وذكر الحديث . وقد جاء في صفة البراق من حديث ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بينا أنا نائم في الحجر إذ أتاني آت فحركني برجله فاتبعت الشخص فإذا هو جبريل عليه السلام قائم على باب المسجد معه دابة دون البغل وفوق الحمار وجهها وجه إنسان وخفها خف حافر وذنبها ذنب ثور وعرفها عرف الفرس ، فلما أدناها مني جبريل عليه السلام نفرت ونفشت عرفها فمسحها جبريل عليه السلام وقال : يا برقة لا تنفري من محمد ، فوالله ما ركبك ملك مقرب ولا نبي مرسل أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم ولا أكرم على الله منه قالت : قد علمت أنه كذلك وأنه صاحب الشفاعة وإني أحب أن أكون في شفاعته فقلت : أنت في شفاعتي إن شاء الله تعالى . . . ) الحديث . وذكر أبو سعيد عبدالملك بن محمد النيسابوري عن أبي سعيد الخدري قال : لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بإدريس عليه السلام في السماء الرابعة قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح الذي وعدنا أن نراه فلم نره إلا الليلة قال : فإذا فيها مريم بنت عمران لها سبعون قصرا من لؤلؤ ولأم موسى بن عمران سبعون قصرا من مرجانة حمراء مكللة باللؤلؤ أبوابها وأسرتها من عرق واحد فلما عرج المعراج إلى السماء الخامسة وتسبيح أهلها سبحان من جمع بين الثلج والنار من قالها مرة واحدة كان له مثل ثوابهم ، استفتح الباب جبريل عليه السلام ففتح له فإذا هو بكهل لم يُرَ قَطُّ كهلٌ أجمل منه عظيم العينين تضرب لحيته قريبا من سرته قد كان أن تكون شَمْطَة{[10116]} وحوله قوم جلوس يقص عليهم فقلت : يا جبريل من هذا ؟ قال هارون المحب في قومه . . ) وذكر الحديث .

فهذه نبذة مختصرة من أحاديث الإسراء خارجة عن الصحيحين ، ذكرها أبو الربيع سليمان ابن سبع بكمالها في كتاب ( شفاء الصدور ) له . ولا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السير أن الصلاة إنما فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في حين الإسراء حين عرج به إلى السماء . واختلفوا في تاريخ الإسراء وهيئة الصلاة ، وهل كان إسراء بروحه أو جسده ، فهذه ثلاث مسائل تتعلق بالآية ، وهي مما ينبغي الوقوف عليها والبحث عنها ، وهي أهم من سرد تلك الأحاديث ، وأنا أذكر ما وقفت عليه فيها من أقاويل العلماء واختلاف الفقهاء بعون الله تعالى .

فأما المسألة الأولى : وهي هل كان إسراء بروحه أو جسده ، اختلف في ذلك السلف والخلف ، فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح ، ولم يفارق شخصه مضجعه ، وأنها كانت رؤيا رأى فيها الحقائق ، ورؤيا الأنبياء حق . ذهب إلى هذا معاوية وعائشة ، وحكي عن الحسن وابن إسحاق . وقالت طائفة : كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس ، وإلى السماء بالروح ؛ واحتجوا بقوله تعالى : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى " فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء . قالوا : ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى لذكره ، فإنه كان يكون أبلغ في المدح . وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه كان إسراء بالجسد وفي اليقظة ، وأنه ركب البراق بمكة ، ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه ثم أسري بجسده . وعلى هذا تدل الأخبار التي أشرنا إليها والآية . وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة ، ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة ، ولو كان مناما لقال : بروح عبده ولم يقل بعبده . وقوله " ما زاغ البصر وما طغى{[10117]} " [ النجم : 17 ] يدل على ذلك . ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة ، ولما قالت له أم هانئ : لا تحدث الناس فيكذبوك ، والأفضل أبو بكر بالتصديق ، ولما أمكن قريشا التشنيع والتكذيب ، وقد كذبه قريش فيما أخبر به حتى ارتد أقوام كانوا آمنوا ، فلو كان بالرؤيا لم يستنكر ، وقد قال له المشركون : إن كنت صادقا فخبرنا عن عيرنا أين لقيتها ؟ قال : ( بمكان كذا وكذا مررت عليها ففزع فلان ) فقيل له : ما رأيت يا فلان ، قال : ما رأيت شيئا ! غير أن الإبل قد نفرت . قالوا : فأخبرنا متى تأتينا العير ؟ قال : ( تأتيكم يوم كذا وكذا ) . قالوا : أية ساعة ؟ قال : ( ما أدري ، طلوع الشمس من ها هنا أسرع أم طلوع العير من ها هنا ) . فقال رجل : ذلك اليوم ؟ هذه الشمس قد طلعت . وقال رجل : هذه عيركم قد طلعت ، واستخبروا النبي صلى الله عليه وسلم عن صفة بيت المقدس فوصفه لهم ولم يكن رآه قبل ذلك . روى الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أَثْبِتْها{[10118]} فكربت كربا ما كربت مثله قط - قال - فرفعه الله لي أنظر إليه فما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به . . . ) الحديث . وقد اعترض قول عائشة ومعاوية ( إنما أسري بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بأنها كانت صغيرة لم تشاهد ، ولا حدثت عن النبي صلى الله عليه وسلم . وأما معاوية فكان كافرا في ذلك الوقت غير مستشهد للحال ، ولم يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم . ومن أراد الزيادة على ما ذكرنا فليقف على ( كتاب الشفاء ) للقاضي عياض يجد من ذلك الشفاء . وقد احتج لعائشة بقوله تعالى : " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس " {[10119]} [ الإسراء : 60 ] فسماها رؤيا . وهذا يرده قوله تعالى : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا " ولا يقال في النوم أسرى . وأيضا فقد يقال لرؤية العين : رؤيا ، على ما يأتي بيانه في هذه السورة . وفي نصوص الأخبار الثابتة دلالة واضحة على أن الإسراء كان بالبدن ، وإذا ورد الخبر بشيء هو مجوز في العقل في قدرة الله تعالى فلا طريق إلى الإنكار ، لا سيما في زمن خرق العوائد ، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم معارج ، فلا يبعد أن يكون البعض بالرؤيا ، وعليه يحمل قوله عليه السلام في الصحيح : ( بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان . . . ) الحديث . ويحتمل أن يرد من الإسراء إلى نوم . والله أعلم .

المسألة{[10120]} الثانية : في تاريخ الإسراء ، وقد اختلف العلماء في ذلك أيضا ، واختلف في ذلك على ابن شهاب ، فروى عنه موسى بن عقبة أنه أسري به إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة . وروى عنه يونس عن عروة عن عائشة قالت : توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة . قال ابن شهاب : وذلك بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بسبعة أعوام . وروي عن الوقاصي قال : أسري به بعد مبعثه بخمس سنين . قال ابن شهاب : وفرض الصيام بالمدينة قبل بدر ، وفرضت الزكاة والحج بالمدينة ، وحرمت الخمر بعد أحد . وقال ابن إسحاق : أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس ، وقد فشا الإسلام بمكة في القبائل . وروى عنه يونس بن بكير قال : صلت خديجة مع النبي صلى الله عليه وسلم . وسيأتي . قال أبو عمر : وهذا يدلك على أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام ؛ لأن خديجة قد توفيت قبل الهجرة بخمس سنين وقيل بثلاث وقيل بأربع . وقول ابن إسحاق مخالف لقول ابن شهاب ، على أن ابن شهاب قد اختلف عنه كما تقدم . وقال الحربي : أسري به ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة . وقال أبو بكر محمد بن علي ابن القاسم الذهبي في تاريخه : أسري به من مكة إلى بيت المقدس ، وعرج به إلى السماء بعد مبعثه بثمانية عشر شهرا . قال أبو عمر : لا أعلم أحدا من أهل السير قال ما حكاه الذهبي ، ولم يسند قول إلى أحد ممن يضاف إليه هذا العلم منهم ، ولا رفعه إلى من يحتج به عليهم .

المسألة الثالثة{[10121]} : وأما فرض الصلاة وهيئتها حين فرضت ، فلا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السير أن الصلاة إنما فرضت بمكة ليلة الإسراء حين عرج به إلى السماء ، وذلك منصوص في الصحيح وغيره . وإنما اختلفوا في هيئتها حين فرضت ، فروي عن عائشة رضي الله عنها أنها فرضت ركعتين ركعتين ، ثم زيد في صلاة الحضر فأكملت أربعا ، وأقرت صلاة السفر على ركعتين . وبذلك قال الشعبي وميمون بن مهران ومحمد بن إسحاق . قال الشعبي : إلا المغرب . قال يونس بن بكير : وقال ابن إسحاق ثم إن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم حين فرضت عليه الصلاة يعني في الإسراء فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت عين ماء فتوضأ جبريل ومحمد ينظر عليهما السلام فوضَّأ وجهه واستنشق وتمضمض ومسح برأسه وأذنيه ورجليه إلى الكعبين ونضح فرجه ، ثم قام يصلي ركعتين بأربع سجدات ، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقر الله عينه وطابت نفسه وجاءه ما يحب من أمر الله تعالى ، فأخذ بيد خديجة ثم أتى بها العين فتوضأ كما توضأ جبريل ثم ركع ركعتين وأربع سجدات هو وخديجة ، ثم كان هو وخديجة يصليان سواء . وروي عن ابن عباس أنها فرضت في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين . وكذلك قال نافع بن جبير والحسن بن أبي الحسن البصري ، وهو قول ابن جريج ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يوافق ذلك . ولم يختلفوا في أن جبريل عليه السلام هبط صبيحة ليلة الإسراء عند الزوال ، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ومواقيتها . وروى يونس بن بكير عن سالم مولى أبي المهاجر قال : سمعت ميمون بن مهران يقول : كان أول الصلاة مثنى ، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا فصارت سنه ، وأقرت الصلاة للمسافر وهي تمام . قال أبو عمر : وهذا إسناد لا يحتج بمثله ، وقوله ( فصارت سنة ) قول منكر ، وكذلك استثناء الشعبي المغرب وحدها ولم يذكر الصبح قول لا معنى له . وقد أجمع المسلمون أن فرض الصلاة في الحضر أربع إلا المغرب والصبح ولا يعرفون غير ذلك عملا ونقلا مستفيضا ، ولا يضرهم الاختلاف فيما كان أصل فرضها .

الخامسة{[10122]} : قد مضى الكلام في الأذان في " المائدة{[10123]} " والحمد لله . ومضى في " آل عمران{[10124]} " أن أول مسجد وضع في الأرض المسجد الحرام ، ثم المسجد الأقصى . وأن بينهما أربعين عاما من حديث أبي ذر ، وبناء سليمان عليه السلام المسجد الأقصى ودعاؤه له من حديث عبدالله بن عمرو ووجه الجمع في ذلك ، فتأمله هناك فلا معنى للإعادة . ونذكر هنا قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام وإلى مسجدي هذا وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس ) . خرجه مالك من حديث أبي هريرة . وفيه ما يدل على فضل هذه المساجد الثلاثة على سائر المساجد ؛ لهذا قال العلماء : من نذر صلاة في مسجد لا يصل إليه إلا برحلة وراحلة فلا يفعل ، ويصلي في مسجده ، إلا في الثلاثة المساجد المذكورة فإنه من نذر صلاة فيها خرج إليها . وقد قال مالك وجماعة من أهل العلم فيمن نذر رباطا في ثغر يسده : فإنه يلزمه الوفاء حيث كان الرباط ؛ لأنه طاعة الله عز وجل . وقد زاد أبو البختري في هذا الحديث مسجد الجند ، ولا يصح وهو موضوع ، وقد تقدم في مقدمة الكتاب .

السادسة{[10125]} : قوله تعالى : " إلى المسجد الأقصى " سمي الأقصى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام ، وكان أبعد مسجد عن أهل مكة في الأرض يعظم بالزيارة ، ثم قال : " الذي باركنا حوله " قيل : بالثمار وبمجاري الأنهار . وقيل : بمن دفن حوله من الأنبياء والصالحين ، وبهذا جعله مقدسا . وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يقول الله تعالى يا شام أنت صفوتي من بلادي وأنا سائق إليك صفوتي من عبادي ) .

" لنريه من آياتنا " هذا من باب تلوين الخطاب . والآيات التي أراه الله من العجائب التي أخبر بها الناس ، وإسراؤه من مكة إلى المسجد الأقصى في ليلة وهو مسيرة شهر ، وعروجه إلى السماء ووصفه الأنبياء واحدا واحدا ، حسبما ثبت في صحيح مسلم وغيره . " إنه هو السميع البصير " تقدم{[10126]} .


[1]:لعله عمرو بن مرة المذكور في سند الحديث (انظر ابن ماجه ج 1 ص 139 وسنن أبي داود ج 1 ص 77 طبع مصر).
[10107]:كذا في جميع الأصول، ويلاحظ أن المسائل ست.
[10108]:البيت للأعشى. يقول هذا لعلقمة بن علاثة الجعفري في منافرته لعامر بن طفيل، وكان الأعشى قد فضل عامرا وتبرأ من علقمة وفخره على عامر (عن الشنتمري).
[10109]:القرفصاء: جلسة المحتبي بيديه. والصماء، ضرب من اشتمال. واشتمال الصماء: أن تجلل جسدك بثوبك نحو شملة الأعراب بأكسيتهم. وهو أن يرد الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعا.
[10110]:راجع ج 1 ص 417.
[10111]:البيت للنابغة الذبياني، من قصيدته التي مطلعها: يا دار مية بالعليا
[10112]:البيت لحسان بن ثابت.
[10113]:راجع ج 1 ص 232.
[10114]:في و: اسمه عبد الله.
[10115]:في الأصول: "يخطرفان" والتصويب عن الدر المنثور.
[10116]:الشمط في الشعر: اختلافه بلونين من سواد وبياض.
[10117]:راجع ج 17 ص 92.
[10118]:أي لم أعرفها حق؛ يقال: أثبت الشيء وثابته إذا عرفه حق المعرفة.
[10119]:راجع ص 282 من هذا الجزء.
[10120]:في ج: المسألة الخامسة، والمسألة السادسة بدل المسألة الثانية والثالثة. فيكون الترقيم على ما قال المصنف أولا: ثمان مسائل.
[10121]:في ج: المسألة الخامسة، والمسألة السادسة بدل المسألة الثانية والثالثة. فيكون الترقيم على ما قال المصنف أولا: ثمان مسائل.
[10122]:في ج هذه المسألة السابعة.
[10123]:راجع ج 6 ص 224.
[10124]:ج 4 ص 137.
[10125]:في ج: المسألة الثامنة.
[10126]:راجع ج 5 ص 258.