التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{۞وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (233)

انتقال من أحكام الطلاق والبينونة ؛ فإنه لما نهى عن العضل ، وكانت بعض المطلقات لهن أولاد في الرضاعة ويتعذر عليهن التزوج وهن مرضعات ؛ لأن ذلك قد يضر بالأولاد ، ويقلل رغبة الأزواج فيهن ، كانت تلك الحالة مثار خلاف بين الآباء والأمهات ، فلذلك ناسب التعرض لوجه الفصل بينهم في ذلك ، فإن أمر الإرضاع مهم ، لأن به حياة النسل ، ولأن تنظيم أمره من أهم شؤون أحكام العائلة .

وأعلم أن استخلاص معاني هذه الآية من أعقد ما عرض للمفسرين . فجملة { والوالدات يرضعن } معطوفة على جملة { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن } [ البقرة : 232 ] والمناسبة غير خفية .

والوالدت عام لأنه جمع معرف باللام ، وهو هنا مراد به خصوص الوالدات من المطلقات بقرينة سياق الآي التي قبلها من قوله : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } [ البقرة : 228 ] ولذلك وصلت هذه الجملة بالعطف للدلالة على اتحاد السياق ، فقوله : { والوالدات } معناه : والوالدات منهن ، أي من المطلقات المتقدم الإخبار عنهن في الآي الماضية ، أي المطلقات اللائي لهن أولاد في سن الرضاعة ، ودليل التخصيص أن الخلاف في مدة الإرضاع لا يقع بين الأب والأم إلاّ بعد الفراق ، ولا يقع في حالة العصمة ؛ إذ من العادة المعروفة عند العرب ومعظم الأمم أن الأمهات يرضعن أولادهن في مدة العصمة ، وأنهن لا تمتنع منه من تمتنع إلاّ لسبب طلب التزوج بزوج جديد بعد فراق والد الرضيع ؛ فإن المرأة المرضع لا يرغب الأزواج منها ؛ لأنها تشتغل برضيعها عن زوجها في أحوال كثيرة .

وجملة { يرضعن } خبر مراد به التشريع ، وإثبات حق الاستحقاق ، وليس بمعنى الأمر للوالدات والإيجاب عليهن ؛ لأنه قد ذكر بعد أحكام المطلقات ، ولأنه عقب بقوله { وإن أردتم أن تسترضعوا } فإن الضمير شامل للآباء والأمهات على وجه التغليب كما يأتي ، فلا دلالة في الآية على إيجاب إرضاع الولد على أمه ، ولكن تدل على أن ذلك حق لها ، وقد صرح بذلك في سورة الطلاق بقوله { وإن تعاسرتم فسترضع له أُخرى } [ الطلاق : 6 ] ولأنه عقب بقوله : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } وذلك أجر الرضاعة ، والزوجة في العصمة ليس لها نفقة وكسوة لأجل الرضاعة ، بل لأجل العصمة .

وقوله : { أولادهن } صرح بالمفعول مع كونه معلوماً ، إيماء إلى أحقية الوالدات بذلك وإلى ترغيبهن فيه ؛ لأن في قوله : { أولادهن } تذكيراً لهن بداعي الحنان والشفقة ، فعلى هذا التفسير وهو الظاهر من الآية والذي عليه جمهور السلف ليست الآية واردة إلاّ لبيان إرضاع المطلقات أولادهن ، فإذا رامت المطلقة إرضاع ولدها فهي أولى به ، سواء كانت بغير أجر أم طلبت أجر مثلها ، ولذلك كان المشهور عن مالك : أن الأب إذا وجد من ترضع له غير الأم بدون أجر وبأقل من أجر المثل ، لم يُجب إلى ذلك ، كما سنبينه .

ومن العلماء من تأول الوالدات على العموم ، سواء كن في العصمة أو بعد الطلاق كما في القرطبي والبيضاوي ، ويظهر من كلام ابن الفرس في « أحكام القرآن » أنّ هذا قول مالك . وقال ابن رشد في « البيان والتحصيل » : إن قوله تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن } ومحمول على عمومه في ذات الزوج وفي المطلقة مع عسر الأب ، ولم ينسبه إلى مالك ، ولذلك قال ابن عطية : قوله : { يرضعن } خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات ، والأمر على الندب والتخيير لبعضهن وتبعه البيضاوي ، وفي هذا استعمال صيغة الأمر في القدر المشترك وهو مطلق الطلب ولا داعي إليه . والظاهر أن حكم إرضاع الأم ولدها في العصمة يستدل له بغير هذه الآية ، ومما يدل على أنه ليس المراد الوالدات اللائي في العصمة قوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهن } الآية ، فإن اللائي في العصمة لهن النفقة والكسوة بالأصالة .

والحول في كلام العرب : العام ، وهو مشتق من تحول دورة القمر أو الشمس في فلكه من مبدأ مصطلح عليه ، إلى أن يرجع إلى السمت الذي ابتدأ منه ، فتلك المدة التي ما بين المبدأ والمرجع تسمى حولاً .

وحول العرب قمري وكذلك أقره الإسلام .

ووصف الحولين بكاملين تأكيد لرفع توهم أن يكون المراد حولاً وبعض الثاني ؛ لأن إطلاق التثنية والجمع في الأزمان والأسنان ، على بعض المدلول ، إطلاق شائع عند العرب ، فيقولون : هو ابن سنتين ويريدون سنة وبعض الثانية ، كما مر في قوله : { الحج أشهر معلومات } [ البقرة : 197 ] .

وقوله : { لمن أراد أن يتم الرضاعة } ، قال في « الكشاف » : « بيان لمن توجه إليه الحكم كقوله : { هيت لك } [ يوسف : 23 ] ، فلك بيان للمُهَيَّت له أي هذا الحكم لمن أراد أن يتم الإرضاع » أي فهو خبر مبتدأ محذوف ، كما أشار إليه ، بتقدير هذا الحكمُ لمِن أراد . قال التفتازاني : « وقد يصرح بهذا المبتدأ في بعض التراكيب كقوله تعالى : { ذلك لمن خشى العنت منكم } [ النساء : 25 ] ومَا صْدَقُ ( مَنْ ) هنا من يهمه ذلك : وهو الأب والأم ومن يقوم مقامهما من ولي الرضيع وحاضنه . والمعنى : أن هذا الحكم يستحقه من أراد إتمام الرضاعة ، وأباه الآخر ، فإن أرادا معاً عدم إتمام الرضاعة فذلك معلوم من قوله : { فإن أرادا فصالاً } الآية .

وقد جعل الله الرضاع حولين رعياً لكونهما أقصى مدة يحتاج فيها الطفل للرضاع إذا عرض له ما اقتضى زيادة إرضاعه ، فأما بعد الحولين فليس في نمائه ما يصلح له الرضاع بعدُ ، ولما كان خلاف الأبوين في مدة الرضاع لا ينشأ إلاّ عن اختلاف النظر في حاجة مزاج الطفل إلى زيادة الرضاع ، جعل الله القول لمن دعا إلى الزيادة ، احتياطاً لحفظ الطفل . وقد كانت الأمم في عصور قلة التجربة وانعدام الأطباء ، لا يهتدون إلى ما يقوم للطفل مقام الرضاع ؛ لأنهم كانوا إذا فطموه أعطوه الطعام ، فكانت أمزجة بعض الأطفال بحاجة إلى تطويل الرضاع ، لعدم القدرة على هضم الطعام وهذه عوارض تختلف .

وفي عصرنا أصبح الأطباء يعتاضون لبعض الصبيان بالإرضاع الصناعي ، وهم مع ذلك مجمعون على أنه لا أصلح للصبي من لبن أمه ، ما لم تكن بها عاهة أو كان اللبن غير مستوف الأجزاء التي بها تمام تغذية أجزاء بدن الطفل ، ولأن الإرضاع الصناعي يحتاج إلى فرط حذر في سلامة اللبن من العفونة : في قوامه وإنائه . وبلاد العرب شديدة الحرارة في غالب السنة ؛ ولم يكونوا يحسنون حفظ أطعمتهم من التعفن بالمكث ، فربما كان فطام الأبناء في العام أو ما يقرب منه يجر مضار للرضعاء ، وللأمزجة في ذلك تأثير أيضاً .

وعن ابن عباس أن التقدير بالحولين للولد الذي يمكث في بطن أمه ستة أشهر ، فإن مكث سبعة أشهر ، فرضاعه ثلاثة وعشرون شهراً ، وهكذا بزيادة كل شهر في البطن ينقص شهر من مدة الرضاعة حتى يكون لمدة الحمل والرضاع ثلاثون شهراً ؛ لقوله تعالى : { وحمله وفصله ثلاثون شهراً } [ الأحقاف : 15 ] ، وفي هذا القول منزع إلى تحكيم أحوال الأمزجة ؛ لأنه بمقدار ما تنقص مدة مكثه في البطن ، تنقص مدة نضج مزاجه . والجمهور على خلاف هذا وأن الحولين غاية لإرضاع كل مولود . وأخذوا من الآية أن الرضاع المعتبر هو ما كان في الحولين ، وأن ما بعدهما لا حاجة إليه ، فلذلك لا يجاب إليه طالبه .

وعبر عن الوالد بالمولود له ، إيماء إلى أنه الحقيق بهذا الحكم ؛ لأن منافع الولد منجرة إليه ، وهو لاحق به ومعتز به في القبيلة حسب مصطلح الأمم ، فهو الأجدر بإعاشته ، وتقويم وسائلها .

والرزق : النفقة ، والكسوة : اللباس ، والمعروف : ما تعارفه أمثالهم وما لا يجحف بالأب . والمراد بالرزق والكسوة هنا ما تأخذه المرضع أجراً عن إرضاعها ، من طعام ولباس لأنهم كانوا يجعلون للمراضع كسوة ونفقة ، وكذلك غالب إجاراتهم ؛ إذ لم يكن أكثر قبائل العرب أهل ذهب وفضة ، بل كانوا يتعاملون بالأشياء ، وكان الأجراء لا يرغبون في الدرهم والدينار ، وإنما يطلبون كفاية ضروراتهم ، وهي الطعام والكسوة ، ولذلك أحال الله تقديرهما على المعروف عندهم من مراتب الناس وسعتهم ، وعقبه بقوله : { لا تكلف نفس إلا وسعها } .

وجمل : { لا تكلف نفس إلا وسعها } إلى قول : { ولا مولود له بولده } معترضات بين جملة { وعلى المولود } وجملة { وعلى الوارث } فموقع جملة لا تكلف نفس إلا وسعها تعليل لقوله { بالمعروف } ، وموقع جملة { لا تضار وَالدة } إلى آخرها موقع التعليل أيضاً ، وهو اعتراض يفيد أصولاً عظيمة للتشريع ونظام الاجتماع .

والتكليف تفعيل بمعنى جعله ذا كلفة ، والكلفة : المشقة ، والتكلف : التعرض لما فيه مشقة ، ويطلق التكليف على الأمر بفعل فيه كلفة ، وهو اصطلاح شرعي جديد .

والوسع ، بتثليث الواو : الطاقة ، وأصله من وسع الإناء الشيء إذا حواه ولم يبق منه شيء ، وهو ضد ضاق عنه ، والوسع هو ما يسعه الشيء فهو بمعنى المفعول ، وأصله استعارة ؛ لأن الزمخشري في « الأساس » ذكر هذا المعنى في المجاز ، فكأنهم شبهوا تحمل النفس عملاً ذا مشقة باتساع الظرف للمحوي ، لأنهم ما احتاجوا لإفادة ذلك إلاّ عند ما يتوهم الناظر أنه لا يسعه ، فمن هنا استعير للشاق البالغ حد الطاقة .

فالوسع إن كان بكسر الواو فهو فعل بمعنى مفعول كذبح ، وإن كان بضمها فهو مصدر كالصلح والبرء صار بمعنى المفعول ، وإن كان بفتحها فهو مصدر كذلك بمعنى المفعول كالخلق والدرس والتكليف بما فوق الطاقة منفي في الشريعة . وبني فعل تكلف للنائب ليحذف الفاعل ، فيفيد حذفه عموم الفاعلين ، كما يفيد وقوع نفس ، وهو نكرة في سياق النفس ، عموم المفعول الأول لفعل تكلف : وهو الأنفس المكلفة ، وكما يفيد حذف المستثنى في قوله : { إلا وسعها } عموم المفعول الثاني لفعل تكلف ، وهو الأحكام المكلف بها ، أي لا يكلف أحد نفساً إلاّ وسعها ، وذلك تشريع من الله للأمة بأن ليس لأحد أن يكلف أحداً إلاّ بما يستطيعه ، وذلك أيضاً وعد من الله بأنه لا يكلف في التشريع الإسلامي إلاّ بما يستطاع : في العامة والخاصة ، فقد قال في آيات ختام هذه السورة { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } [ البقرة : 286 ] .

والآية تدل على عدم وقوع التكليف بما لا يطاق في شريعة الإسلام ، وسيأتي تفصيل هذه المسألة عند قوله تعالى : { لا يكلفو الله نفساً إلا وسعها } في آخر السورة .

وجملة { لا تضار والدة بولدها } اعتراض ثان ، ولم تعطف على التي قبلها تنبيهاً على أنها مقصودة لذاتها ، فإنها تشريع مستقل ، وليس فيها معنى التعليل الذي في الجملة قبلها بل هي كالتفريع على جملة { لا تكلف نفس إلا وسعها } ؛ لأن إدخال الضر على أحد بسبب ما هو بضعة منه ، يكاد يخرج عن طاقة الإنسان ؛ لأن الضرار تضيق عنه الطاقة ، وكونه بسبب من يترقب منه أن يكون سبب نفع أشد ألماً على النفس ، فكان ضره أشد . ولذلك اختير لفظ الوالدة هنا دون الأم كما تقدم في قوله : { يرضعن أولادهن } وكذلك القول في { ولا مولود له بولده } وهذا الحكم عام في جميع الأحوال من فراق أو دوام عصمة ، فهو كالتذييل ، وهو نهي لهما عن أن يكلف أحدهما الآخر ما هو فوق طاقته ، ويستغل ما يعلمه من شفقة الآخر على ولده فيفترص ذلك لإحراجه ، والإشفاق عليه .

وفي « المدونة » : عن ابن وهب عن الليث عن خالد بن يزيد عن زيد بن أسلم في قوله تعالى : { لا تضار والدة بولدها } الآية « يقول ليس لها أن تلقي ولدها عليه ولا يجد من يرضعه ، وليس له أن ينتزع منها ولدها ، وهي تحب أن ترضعه » وهو يؤيد ما ذكرناه .

وقيل : الباء في قوله : { بولدها وبولده } باء الإلصاق وهي لتعدية { تضار } فيكون مدخول الباء مفعولاً في المعنى لفعل { تضار } وهو مسلوب المفاعلة مراد منه أصل الضر ، فيصير المعنى : لا تضر الوالدة ولدها ولا المولود له ولده أي لا يكن أحد الأبويين بتعنته وتحريجه سبباً في إلحاق الضر بولده أي سبباً في إلجاء الآخر إلى الامتناع مما يعين على إرضاع الأم ولدها فيكون في استرضاع غير الأم تعريض المولود إلى الضر ونحو هذا من أنواع التفريط .

وقرأ الجمهور : ( لا تضار ) بفتح الراء مشددة على أن ( لا ) حرف نهي و ( تضار ) مجزوم بلا الناهية والفتحة للتخلص من التقاء الساكنين الذي نشأ عن تسكين الراء الأولى ليتأتى الإدغام وتسكين الراء الثانية للجزم وحرك بالفتحة لأنها أخف الحركات . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع الراء على أن ( لا ) حرف نفي والكلام خبر في معنى النهي ، وكلتا القراءتين يجوز أن تكون على نية بناء الفعل للفاعل بتقدير : لا ( تضارر ) بكسر الراء الأولى وبنائه للنائب بتقدير فتح الراء الأولى ، وقرأه أبو جعفر بسكون الراء مخففة مع إشباع المد كذا نقل عنه في كتاب « القراءات » والظاهر أنه جعله من ضار يضير لا من ضار المضاعف . ووقع في « الكشاف » أنه قرأ بالسكون مع التشديد على نية الوقف أي إجراء للوصل مجرى الوقف ولذلك اغتفر التقاء الساكنين .

وقوله : { وعلى الوارث مثل ذلك } معطوف على قوله : { وعلى المولود له رزقهن } وليس معطوفاً على جملة { لا تضار والدة } لأن جملة { لا تضار } معترضة ، فإنها جاءت على الأسلوب الذي جاءت عليه جملة { لا تكلف نفس إلا وسعها } التي هي معترضة بين الأحكام لا محالة لوقوعها موقع الاستئناف من قوله { بالمعروف } ، ولما جاءت جملة { لا تضار } بدون عطف علمنا أنها استئناف ثان مما قبله ثم وقع الرجوع إلى بيان الأحكام بطريق العطف ، ولو كان المراد العطف على المستأنفات المعترضات لجيء بالجملة الثالثة بطريق الاستئناف .

وحقيقة الوارث هو من يصير إليه مال الميت بعد الموت بحق الإرث . والإشارة بقوله { ذلك } إلى الحكم المتقدم وهو الرزق والكسوة بقرينة دخول على عليه الدالة على أنه عديل لقوله : { وعلى المولود له رزقهن } وجوز أن يكون { ذلك } إشارة إلى النهي عن الإضرار المستفاد من قوله : { لا تضار والدة بولدها } كما سيأتي ، وهو بعيد عن الاستعمال ؛ لأنه لما كان الفاعل محذوفاً وحكم الفعل في سياق النهي كما هو في سياق النفي علم أن جميع الإضرار منهي عنه أياً ما كان فاعله ، على أن الإضرار منهي عنه فلا يحسن التعبير عنه بلفظ على الذي هو من صيغ الإلزام والإيجاب ، على أن ظاهر المِثل إنما ينصرف لمماثلة الذوات وهي النفقة والكسوة لا لمماثلة الحكم وهو التحريم .

وقد علم من تسمية المفروض عليه الإنفاق والكسوة وارثاً أن الذي كان ذلك عليه مات ، وهذا إيجاز .

والمعنى : فإن مات المولود له فعلى وارثه مثل ما كان عليه فإن على الواقعة بعد حرف العطف هنا ظاهرة في أنها مثل على التي في المعطوف عليه .

فالظاهر أن المراد وارث الأب وتكون أل عوضاً عن المضاف إليه كما هو الشأن في دخول أل على اسم غير معهود ولا مقصود جنسه وكان ذلك الاسم مذكوراً بعد اسم يصلح لأن يضاف إليه كما قال تعالى : { لئن لم ينته لنسفعا بالناصية } [ العلق : 15 ] وكما قال : { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى } [ النازعات : 40 ,41 ] أي نهى نفسه ؛ فإن الجنة هي مأواه ، وقول إحدى نساء حديث أم زرع : « زوجي المَسُّ مَسُّ أَرْنَب والرِّيح رِيح زَرْنَب » وما سماه الله تعالى وارثاً إلاّ لأنه وارث بالفعل لا من يصلح لأن يكون وارثاً على تقدير موت غيره ؛ لأن اسم الفاعل إنما يطلق على الحال ما لم تقم قرينة على خلافه فما قال : { وعلى الوارث } إلاّ لأن الكلام على الحق تعليق بهذا الشخص في تركة الميت وإلاّ لقال : وعلى الأقارب أو الأولياء مثل ذلك على أنه يكون كلاماً تأكيداً حينئذٍ ؛ لأن تحريم الإضرار المذكور قبله لم يذكر له متعلق خاص ؛ فإن فاعل { تضار } محذوف . والنهي دال على منع كل إضرار يحصل للوالدة فما فائدة إعادة تحريم ذلك على الوارث كما قدمناه آنفاً .

واتفق علماء الإسلام على أن ظاهر الآية غير مراد ؛ إذ لا قائل بوجوب نفقة المرضع على وارث الأب ، سواء كان إيجابها على الوارث في المال الموروث بأن تكون مبدأة على المواريث للإجماع على أنه لا يبدأ إلاّ بالتجهيز ثم الدين ثم الوصية ، ولأن الرضيع له حظه في المال المرورث وهو إذا صار ذا مال لم تجب نفقته على غيره أم كان إيجابها على الوارث لو لم يسعها المال الموروث فيكمِّل من يده ، ولذلك طرقوا في هذا باب التأويل إما تأويل معنى الوارث وإما تأويل مرجع الإشارة وإما كليهما .

فقال الجمهور : المراد وارث الطفل أي من لو مات الطفل لورثه هو ، روي عن عمر بن الخطاب وقتادة والسدي والحسن ومجاهد وعطاء وإسحاق وابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل فيتقرر بالآية ، أن النفقة واجبة على قرابة الرضيع وهم بالضرورة قرابة أبيه أي إذا مات أبوه ولم يترك مالاً : تجب نفقة الرضيع على الأقارب . على حسب قربهم في الإرث ويجري ذلك على الخلاف في توريث ذي الرحم المَحْرَم فهؤلاء يرون حقاً على القرابة إنفاق العاجز في مالهم كما أنهم يرثونه إذا ترك مالاً فهو من المواساة الواجبة مثل الدية .

وقال الضحاك وقبيصة بن ذؤيب وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز : المراد وارث الأب وأريد به نفس الرضيع .

فالمعنى : أنه إذا مات أبوه وترك مالاً فنفقته من إرثه . ويتجه على هذا أن يقال : ما وجه العدول عن التعبير بالولد إلى التعبير بالوارث ؟ فتجيب بأنه للإيماء إلى أن الأب إنما وجبت عليه نفقة الرضيع لعدم مال للرضيع ، فلهذا لما اكتسب مالاً وجب عليه في ماله ؛ لأن غالب أحوال الصغار ألا تكون لهم أموال مكتسبة سوى الميراث ، وهذا تأويل بعيد ؛ لأن الآية تكون قد تركت حكم من لا مال له .

وقيل : أريد بالوارث المعنى المجازي وهو الذي يبقى بعد انعدام غيره كما في قوله تعالى : { ونحن الوارثون } [ الحجر : 23 ] يعني به أم الرضيع قاله سفيان فتكون النفقة على الأم قال التفتازاني في « شرح الكشاف » « وهذا قَلق في هذا المقام إذ ليس لقولنا : فالنفقة على الأب وعلى من بقي من الأب والأم معنى يعتد به » يعني أن إرادة الباقي تشمل صورة ما إذا كان الباقي الأب ولا معنى لِعطفه على نفسه بهذا الاعتبار . وفي « المدونة » عن زيد بن أسلم وربيعة أن الوارث هو ولي الرضيع عليه مثل ما على الأب من عدم المضارة .

هذا كله على أن الآية محكمة لا منسوخة وأن المشار إليه بقوله : { مثل ذلك } هو الرزق والكسوة . وقال جماعة : الإشارة بقوله : { مثل ذلك } راجعة إلى النهي عن المشارة . قال ابن عطية : وهو لمالك وجميع أصحابه والشعبي والزهري والضحاك اهـ .

وفي « المدونة » في ترجمة ما جاء فيمن تلزم النفقة من كتاب إرخاء الستور عن ابن القاسم قال مالك { وعلى الوارث مثل ذلك } أي ألا يضار . واختاره ابن العربي بأنه الأصل فقال القرطبي : يعني في الرجوع إلى أقرب مذكور ، ورجحه ابن عطية بأن الأمة أجمعت على ألا يضار الوارث . واختلفوا : هل عليه رزق وكسوة اهـ يعني مورد الآية بما هو مجمع على حكمه ويترك ما فيه الخلاف .

وهنالك تأويل بأنها منسوخة ، رواه أسد بن الفرات عن ابن القاسم عن مالك قال : « وقول الله عز وجل : { وعلى الوارث مثل ذلك } هو منسوخ فقال النحاس : « ما علمت أحداً من أصحاب مالك بين ما الناسخ ، والذي يبينه أن يكون الناسخ لها عند مالك أنه لما أوجب الله للمتوفى عنها زوجها نفقةَ حول ، والسكنى من مال المتوفى ، ثم نسخ ذلك نسخ أيضاً عن الوارث » يريد أن الله لما نسخ وجوب ذلك في تركة الميت نسخ كل حق في التركة بعد الميراث ، فيكون الناسخ هو الميراث ، فإنه نسخ كل حق في المال على أولياء الميت .

وعندي أن التأويل الذي في « مدونة سحنون » بعيد لما تقدم آنفاً ، وأن ما نحاه مالك في رواية أسد بن الفرات عن ابن القاسم هو التأويل الصحيح ، وأن النسخ على ظاهر المراد منه ، والناسخ لهذا الحكم هو إجماع الأمة على أنه لاحق في مال الميت ، بعد جهازه وقضاء دينه ، وتنفيذ وصيته ، إلاّ الميراث فنُسخ بذلك كل ما كان مأموراً به أن يدفع من مال الميت مثل الوصية في قوله تعالى : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين } [ البقرة : 180 ] الآية ، ومثل الوصية بسكنى الزوجة وإنفاقها في قوله تعالى : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم يتربصن بأنفسهن } [ البقرة : 240 ] ونسخ منه حكم هذه الآية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث » هذا إذا حمل الوارث في الآية على وارث الميت أي إن ذلك حق على جميع الورثة أيّاً كانوا بمعنى أنه مبدأ المواريث . وإذا حمل الوارث على من هو بحيث يرث الميت لو ترك الميت مالاً ، أعني قريبه ، بمعنى أن عليه إنفاق ابن قريبه ، فذلك منسوخ بوضع بيت المال وذلك أن هذه الآية شرعت هذا الحكم في وقت ضعف المسلمين ، لإقامة أود نظامهم بتربية أطفال فقرائهم ، وكان أولى المسلمين بذلك أقربهم من الطفل فكما كان يرث قريبه ، لو ترك مالاً ولم يترك ولداً فكذلك عليه أن يقام ببينة ، كما كان حكم القبيلة في الجاهلية في ضم أيتامهم ودفع دياتهم ، فلما اعتز الإسلام صار لجامعة المسلمين مال ، كان حقاً على جماعة المسلمين القيام بتربية أبناء فقرائهم ، وفي الحديث الصحيح « من ترك كَّلاً ، أو ضياعاً ، فعليَّ ، ومن ترك مالاً فلوارثه » ولا فرق بين إطعام الفقير وبين إرضاعه ، وما هو إلاّ نفقة ، ولمثله وضع بيت المال .

وقوله : { فإنأراد فصالاً } عطف على قوله { يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } لأنه متفرع عنه ، والضمير عائد على الوالدة والمولود له الواقعين في الجمل قبْل هذه .

والفصال : الفطام عن الإرضاع ، لأنه فصل عن ثدي مرضعه . وعن في قوله : { عن تراض } متعلقة بأرادا أي إرادة ناشئة عن التراضي ، إذ قد تكون إرادتهما صورية أو يكون أحدهما في نفس الأمر مرغماً على الإرادة ، بخوف أو اضطرار .

وقوله : { وتشاور } هو مصدر شاور إذا طلب المشورة . والمشورة قيل مشتقة من الإشارة لأن كل واحد من المتشاورين يشير بما يراه نافعاً فلذلك يقول المستشير لمن يستشيره : بماذا تشير عليَّ كأنَّ أصله أنه يشير للأمر الذي فيه النفع ، مشتق من الإشارة باليد ، لأن الناصح المدبر كالذي يشير إلى الصواب ويعينه له من لم يهتد إليه ، ثم عدي بعلى لما ضمن معنى التدبير ، وقال الراغب : إنها مشتقة من شار العسل إذا استخرجه ، وأياً ما كان اشتقاقها فمعناها إبداء الرأي في عمل يريد أن يعمله من يشاور وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الأرض خليفة } [ البقرة : 30 ] وسيجيء الكلام عليها عند قوله تعالى : { وشاورهم في الأمر } في سورة آل عمران ( 159 ) ، وعطف التشاور على التراضي تعليماً للزوجين شؤون تدبير العائلة ، فإن التشاور يظهر الصواب ويحصل به التراضي .

وأفاد بقوله : { فلا جناح عليهما } أن ذلك مباح ، وأن حق إرضاع الحولين مراعى فيه حق الأبوين وحق الرضيع ، ولما كان ذلك يختلف باختلاف أمزجة الرضعاء جعل اختلاف الأبوين دليلاً على توقع حاجة الطفل إلى زيادة الرضاع ، فأعمل قول طالب الزيادة منهما ، كما تقدم ، فإذا تشاور الأبوان وتراضيا بعد ذلك على الفصال كان تراضيهما دليلاً على أنهما رأيا من حال الرضيع ما يغنيه عن الزيادة ، إذ لا يظن بهما التمالؤ على ضر الولد ، ولا يظن إخفاء المصلحة عليهما بعد تشاورهما ، إذ لا يخفى عليهما حال ولدهما .

وقوله : { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم } انتقال إلى حالة إرضاع الطفل غيرَ والدته إذا تعذر على الوالدة إرضاعه ، لمرضها ، أو تزوجها أو إن أبت ذلك حيث يجوز لها الإباء ، كما تقدم في الآية السابقة ، أي إن أردتم أن تطلبوا الإرضاع لأولادكم فلا إثم في ذلك .

والمخاطب بأردتم : الأبوان باعتبار تعدد الأبوين في الأمة وليس المخاطب خصوص الرجال ، لقوله تعالى فيما سبق { والوالدات يرضعن أولادهن } فعلم السامع أن هذا الحكم خاص بحالة تراضي الأبوين على ذلك لعذر الأم ، وبحالة فقد الأم . وقد علم من قوله : { فلا جناح عليكم } أن حالة التراضي هي المقصودة أولاً ، لأن نفي الجناح مؤذن بتوقعه ، وإنما يتوقع ذلك إذا كانت الأم موجودة وأريد صرف الابن عنها إلى مرضع أخرى ، لسبب مصطلح عليه ، وهما لا يريدان ذلك إلاّ حيث يتحقق عدم الضر للابن ، فلو علم ضر الولد لم يجز ، وقد كانت العرب تسترضع لأولادها ، لا سيما أهل الشرف . وفي الحديث " واسْتُرضِعْت في بني سعد " .

والاسترضاع أصله طلب إرضاع الطفل ، أي طلب أن ترضع الطفل غير أمه ، فالسين والتاء في ( تسترضعوا ) للطلب ومفعوله محذوف ، وأصله أن تسترضعوا مراضع لأولادكم ، لأن الفعل يعدَّى بالسين والتاء الدالين على الطلب إلى المفعول المطلوب منه الفعل فلا يتعدى إلاّ إلى مفعول واحد ، وما بعده يعدى إليه بالحرف وقد يحذف الحرف لكثرة الاستعمال ، كما حذف في استرضع واستنجح ، فعدي الفعل إلى المجرور على الحذف والإيصال ، وفي الحديث " واسترضعت في بني سعد " ووقع في « الكشاف » ما يقتضي أن السين والتاء دخلتا على الفعل المهموز المتعدي إلى واحد فزادتاه تعدية لثان ، وأصله أرضعت المرأة الولد ، فإذا قلت : استرضعتُها صار متعدياً إلى مفعولين ، وكأنَّ وجهه أننا ننظر إلى الحدث المراد طلبه ، فإن كان حدثاً قاصراً ، فدخلت عليه السين والتاء ، عدي إلى مفعول واحد ، نحو استنهضته فنهض ، وإن كان متعدياً فدخلت عليه السين والتاء عدي إلى مفعولين ، نحو استرضعتها فأرضعت ، والتعويل على القرينة ، إذ لا يطلب أصل الرضاع لا من الولد ولا من الأم ، وكذا : استنجحت الله سعيي ، إذ لا يطلب من الله إلاّ إنجاح السعي ، ولا معنى لطلب نجاح الله ، فبقطع النظر عن كون الفعل تعدى إلى مفعولين ، أو إلى الثاني بحذف الحرف ، نرى أنه لا معنى لتسلط الطلب على الفعل هنا أصلاً ، على أنه لولا هذا الاعتبار ، لتعذر طلب وقوع الفعل المتعدي بالسين والتاء ، وهو قد يطلب حصوله فما أوردوه على « الكشاف » : من أن حروف الزيادة إنما تدخل على المجرد لا المزيد مدفوع بأن حروف الزيادة إذا تكررت ، وكانت لمعان مختلفة جاز اعتبار بعضها داخلاً بعد بعض ، وإن كان مدخولها كلِّها هو الفعل المجرد .

وقد دل قوله : { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم } على أنه ليس المراد بقوله { يرضعن } تشريع وجوب الإرضاع على الأمهات ، بل المقصود تحديد مدة الإرضاع وواجبات المرضع على الأب ، وأما إرضاع الأمهات فموكول إلى ما تعارفه الناس ، فالمرأة التي في العصمة ، إذا كان مثلها يُرضع ، يعتبر إرضاعها أولادها من حقوق الزوج عليها في العصمة ، إذ العرف كالشرط ، والمرأة المطلقة لا حق لزوجها عليها ، فلا ترضع له إلاّ باختيارها . ما لم يعرض في الحالين مانع أو موجب ، مثل عجز المرأة في العصمة عن الإرضاع لمرض ، ومثل امتناع الصبي من رضاع غيرها ، إذا كانت مطلقة بحيث يخشى عليه ، والمرأة التي لا يرضع مثلها وهي ذات القدر ، قد علم الزوج حينما تزوجها أن مثلها لا يرضع ، فلم يكن له عليها حق الإرضاع . هذا قول مالك ، إذ العرف كالشرط ، وقد كان ذلك عرفاً من قبل الإسلام وتقرر في الإسلام ، وقد جرى في كلام المالكية في كتب الأصول : أن مالكاً خصص عموم الوالدات بغير ذوات القدر ، وأن المخصص هو العرف ، وكنا نتابعهم على ذلك ولكني الآن لا أرى ذلك متجهاً ولا أرى مالكاً عمد إلى التخصيص أصلاً ، لأن الآية غير مسوقة لإيجاب الإرضاع ، كما تقدم .

وقوله : { إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف } أي إذا سلمتم إلى المراضع أجورهن . فالمراد بما آتيتم : الأجر ، ومعنى آتى في الأصل دفع ؛ لأنه معدى أتى بمعنى وصل ، ولما كان أصل إذا أن يكون ظرفاً للمستقبل مضمناً معنى الشرط ، لم يلتئم أن يكون مع فعل { آتيتم } الماضي .

وتأول في « الكشاف » { آتيتم } بمعنى : أردتم إيتاءه ، كقوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة } [ المائدة : 6 ] تبعاً لقوله : { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم } ، والمعنى : إذا سلمتم أجور المراضع بالمعروف ، دون إجحاف ولا مطل .

وقرأ ابن كثير { أتيتم } بترك همزة التعدية . فالمعنى عليه : إذا سلمتم ما جئتم ، أي ما قصدتم ، فالإتيان حينئذٍ مجاز عن القصد ، كقوله تعالى : { إذ جاء ربه بقلب سليم } [ الصافات : 84 ] وقال زهير :

وما كان من خير أَتوه فإنما *** توارثَه آباءُ آبائِهم قَبْلُ

وقوله : { واتقوا الله } تذييل للتخويف ، والحث على مراقبة ما شرع الله ، من غير محاولة ولا مكابدة ، وقوله : { واعلموا أن الله } تذكير لهم بذلك ، وإلاّ فقد علموه . وقد تقدم نظيره آنفاً .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (233)

فيه ثمان عشرة مسألة :

الأولى : قوله تعالى : " والوالدات " ابتداء . " يرضعن أولادهن " في موضع الخبر . " حولين كاملين " ظرف زمان . ولما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق ذكر الولد ، لأن الزوجين قد يفترقان وثم ولد ، فالآية إذا في المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن ، قاله السدي والضحاك وغيرهما ، أي هن أحق برضاع أولادهن من الأجنبيات لأنهن أحنى وأرق ، وانتزاع الولد الصغير إضرار به وبها ، وهذا يدل على أن الولد وإن فطم فالأم أحق بحضانته لفضل حنوها وشفقتها ، وإنما تكون أحق بالحضانة إذا لم تتزوج على ما يأتي . وعلى هذا يشكل قوله : " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " لأن المطلقة لا تستحق الكسوة إذا لم تكن رجعية بل تستحق الأجرة إلا أن يحمل على مكارم الأخلاق فيقال : الأولى ألا تنقص الأجرة عما يكفيها لقوتها وكسوتها . وقيل : الآية عامة في المطلقات اللواتي لهن أولاد وفي الزوجات . والأظهر أنها في الزوجات في حال بقاء النكاح ، لأنهن المستحقات للنفقة والكسوة ، والزوجة تستحق النفقة والكسوة أرضعت أو لم ترضع ، والنفقة والكسوة مقابلة التمكين ، فإذا اشتغلت بالإرضاع لم يكمل التمكين ، فقد يتوهم أن النفقة تسقط فأزال ذلك الوهم بقوله تعالى : " وعلى المولود له " أي الزوج " رزقهن وكسوتهن ، في حال الرضاع لأنه اشتغال في مصالح الزوج ، فصارت كما لو سافرت لحاجة الزوج بإذنه فإن النفقة لا تسقط .

الثانية : قوله تعالى : " يرضعن " خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات ، وعلى جهة الندب لبعضهن على ما يأتي . وقيل : هو خبر عن المشروعية كما تقدم .

الثالثة : واختلف الناس في الرضاع هل هو حق للأم أو هو حق عليها ، واللفظ محتمل لأنه لو أراد التصريح بكونه عليها لقال : وعلى الوالدات رضاع أولادهن كما قال تعالى : " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن " ولكن هو عليها في حال{[2144]} الزوجية ، وهو عرف يلزم إذ قد صار كالشرط ، إلا أن تكون شريفة ذات ترفه{[2145]} فعرفها ألا ترضع وذلك كالشرط . وعليها إن لم يقبل الولد غيرها واجب . وهو عليها إذا عدم لاختصاصها به . فإن مات الأب ولا مال للصبي فمذهب مالك في المدونة أن الرضاع لازم للأم بخلاف النفقة . وفي كتاب ابن الجلاب : رضاعه في بيت المال . وقال عبد الوهاب : هو فقير من فقراء المسلمين . وأما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع عليها ، والرضاع على الزوج إلا أن تشاء هي ، فهي أحق بأجرة المثل ، هذا مع يسر الزوج فإن كان معدما لم يلزمها الرضاع إلا أن يكون المولود لا يقبل غيرها فتجبر حينئذ على الإرضاع . وكل من يلزمها الإرضاع فإن أصابها عذر يمنعها منه عاد الإرضاع على الأب . وروي عن مالك أن الأب إذا كان معدما ولا مال للصبي أن الرضاع على الأم ، فإن لم يكن لها لبن ولها مال فالإرضاع عليها في مالها . قال الشافعي : لا يلزم الرضاع إلا والدا أو جدا وإن علا ، وسيأتي ما للعلماء في هذا عند قوله تعالى : " وعلى الوارث مثل ذلك " . يقال : رضع يرضع رضاعة ورضاعا ، ورضع يرضع رضاعا ورضاعة ( بكسر الراء في الأول وفتحها في الثاني ) واسم الفاعل راضع فيهما . والرضاعة : اللؤم ( مفتوح الراء لا غير ) .

الرابعة : قوله تعالى : " حولين " أي سنتين ، من حال الشيء إذا انقلب ، فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني . وقيل : سمي العام حولا لاستحالة الأمور فيه في الأغلب . " كاملين " قيد بالكمال لأن القائل قد يقول : أقمت عند فلان حولين وهو يريد حولا{[2146]} وبعض حول آخر ، قال الله تعالى : " فمن تعجل في يومين " [ البقرة :203 ] وإنما يتعجل في يوم وبعض الثاني . وقوله تعالى : " لمن أراد أن يتم الرضاعة " دليل على أن إرضاع الحولين ليس حتما فإنه يجوز الفطام قبل الحولين ، ولكنه تحديد لقطع{[2147]} التنازع بين الزوجين في مدة الرضاع ، فلا يجب على الزوج إعطاء الأجرة لأكثر من حولين . وإن أراد الأب الفطم قبل هذه المدة ولم ترض الأم لم يكن له ذلك . والزيادة على الحولين أو النقصان إنما يكون{[2148]} عند عدم الإضرار بالمولود وعند رضا الوالدين . وقرأ مجاهد وابن محيصن " لمن أراد أن تتم الرضاعة " بفتح التاء ورفع " الرضاعة " على إسناد الفعل إليها . وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة والجارود بن أبي سبرة بكسر الراء من " الرضاعة " وهي لغة كالحضارة والحضارة . وروي عن مجاهد أنه قرأ " الرضعة " على وزن الفعلة . وروي عن ابن عباس أنه قرأ " أن يكمل الرضاعة " . النحاس : لا يعرف البصريون " الرضاعة " إلا بفتح الراء ، ولا " الرضاع " إلا بكسر الراء ، مثل القتال . وحكى الكوفيون كسر الراء مع الهاء وفتحها بغير هاء .

الخامسة : انتزع مالك رحمه الله تعالى ومن تابعه وجماعة من العلماء من هذه الآية أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب إنما هي ما كان في الحولين ؛ لأنه بانقضاء الحولين تمت الرضاعة ، ولا رضاعة بعد الحولين معتبرة . هذا قوله في موطئه ، وهي رواية محمد بن عبدالحكم عنه ، وهو قول عمر وابن عباس ، وروي عن ابن مسعود ، وبه قال الزهري وقتادة والشعبي وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور . وروى ابن عبدالحكم عنه الحولين وزيادة أيام يسيرة . عبدالملك : كالشهر ونحوه . وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال : الرضاع الحولين والشهرين بعد الحولين ، وحكى عنه الوليد بن مسلم أنه قال : ما كان بعد الحولين من رضاع بشهر أو شهرين أو ثلاثة فهو من الحولين ، وما كان بعد ذلك فهو عبث . وحكي عن النعمان أنه قال : وما كان بعد الحولين إلى ستة أشهر فهو رضاع ، والصحيح الأول لقوله تعالى : " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين " وهذا يدل على ألا حكم لما ارتضع المولود بعد الحولين . وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا رضاع إلا ما كان في الحولين ){[2149]} . قال الدارقطني : لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل ، وهو ثقة حافظ . قلت : وهذا الخبر مع الآية والمعنى ، ينفي رضاعة الكبير وأنه لا حرمة له . وقد روي عن عائشة القول به . وبه يقول الليث بن سعد من بين العلماء . وروي عن أبي موسى الأشعري أنه كان يرى رضاع الكبير . وروي عنه الرجوع عنه . وسيأتي في سورة " النساء " مبينا إن شاء الله تعالى{[2150]} .

السادسة : قال جمهور المفسرين : إن هذين الحولين لكل ولد . وروي عن ابن عباس أنه قال : هي في الولد يمكث في البطن ستة أشهر ، فإن مكث سبعة أشهر فرضاعه ثلاثة وعشرون شهرا ، فإن مكث ثمانية أشهر فرضاعه اثنان وعشرون شهرا ، فان مكث تسعة أشهر فرضاعه أحد وعشرون شهرا ، لقوله تعالى : " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " [ الأحقاف : 15 ] . وعلى هذا تتداخل مدة الحمل ومدة الرضاع ويأخذ الواحد من الآخر .

السابعة : قوله تعالى : " وعلى المولود له " أي وعلى الأب . ويجوز في العربية " وعلى المولود لهم " كقوله تعالى : " ومنهم من يستمعون إليك " {[2151]} [ يونس : 42 ] لأن المعنى وعلى الذي ولد له و " الذي " يعبر به عن الواحد والجمع كما تقدم .

الثامنة : قوله تعالى : " رزقهن وكسوتهن " الرزق في هذا الحكم الطعام الكافي ، وفي هذا دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد{[2152]} لضعفه وعجزه . وسماه الله سبحانه للأم ، لأن الغذاء يصل إليه بواسطتها في الرضاع كما قال : " وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن " {[2153]} [ الطلاق : 6 ] لأن الغذاء لا يصل إلا بسببها .

وأجمع العلماء على أن على المرء نفقة ولده الأطفال الذين لا مال لهم . وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة وقد قالت له : إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من مال بغير علمه فهل علي في ذلك جناح ؟ فقال : ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) . والكسوة : اللباس . وقوله : " بالمعروف " أي بالمتعارف في عرف الشرع من غير تفريط ولا إفراط . ثم بين تعالى أن الإنفاق على قدر غنى الزوج ومنصبها من غير تقدير مد ولا غيره بقوله تعالى : " لا تكلف نفس إلا وسعها " على ما يأتي بيانه في الطلاق إن شاء الله تعالى{[2154]} . وقيل المعنى : أي لا تكلف المرأة الصبر على التقتير في الأجرة ، ولا يكلف الزوج ما هو إسراف بل يراعى القصد .

التاسعة : في هذه الآية دليل لمالك على أن الحضانة للأم ، فهي في الغلام إلى البلوغ ، وفي الجارية إلى النكاح ، وذلك حق لها ، وبه قال أبو حنيفة . وقال الشافعي : إذا بلغ الولد ثماني سنين وهو سن التمييز ، خير بين أبويه ، فإنه في تلك الحالة تتحرك همته لتعلم القرآن والأدب ووظائف العبادات ، وذلك يستوي فيه الغلام والجارية . وروى النسائي وغيره عن أبي هريرة أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له : زوجي يريد أن يذهب بابني ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( هذا أبوك وهذه أمك فخذ أيهما شئت ) فأخذ بيد أمه . وفي كتاب أبي داود عن أبي هريرة قال : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قاعد عنده فقالت : يا رسول الله ، إن زوجي يريد أن يذهب بابني ، وقد سقاني من بئر أبي عِنَبَة{[2155]} ، وقد نفعني ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( استهما عليه ) فقال زوجها : من يحاقّنِي في ولدي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أحدهما شئت ) فأخذ بيد أمه فانطلقت به . ودليلنا ما رواه أبو داود عن الأوزاعي قال : حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبدالله بن عمرو أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن ابني هذا كان بطني له وعاء ، وثديي له سقاء ، وحجري له حواء ، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنت أحق به ما لم تنكحي ) . قال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد أن الأم أحق به ما لم تنكح . وكذا قال أبو عمر : لا أعلم خلافا بين السلف من العلماء في المرأة المطلقة إذا لم تتزوج أنها أحق بولدها من أبيه ما دام طفلا صغيرا لا يميز شيئا إذا كان عندها في حرز وكفاية ولم يثبت فيها فسق ولا تبرج . ثم اختلفوا بعد ذلك في تخييره إذا ميز وعقل بين أبيه وأمه وفيمن هو أولى به ، قال ابن المنذر : وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في ابنة حمزة للخالة من غير تخيير . روى أبو داود عن علي قال : خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدم بابنة حمزة ، فقال جعفر : أنا آخذها أنا أحق بها ، ابنة عمي وخالتها عندي والخالة أم . فقال علي : أنا أحق بها : ابنة عمي وعندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي أحق بها . فقال زيد : أنا أحق بها ، أنا خرجت إليها وسافرت وقدمت بها . فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا قال : ( وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أم ) .

العاشرة : قال ابن المنذر : وقد أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على ألا حق للأم في الولد إذا تزوجت .

قلت : كذا قال في كتاب الأشراف له . وذكر القاضي عبدالوهاب في شرح الرسالة له عن الحسن أنه لا يسقط حقها من الحضانة بالتزوج . وأجمع مالك والشافعي والنعمان وأبو ثور على أن الجدة أم الأم أحق بحضانة الولد . واختلفوا إذا لم يكن لها أم وكان لها جدة هي أم الأب ، فقال مالك : أم الأب أحق إذا لم يكن للصبي خالة . وقال ابن القاسم : قال مالك : وبلغني ذلك عنه أنه قال : الخالة أولى من الجدة أم الأب . وفي قول الشافعي والنعمان : أم الأب أحق من الخالة . وقد قيل : إن الأب أولى بابنه من الجدة أم الأب . قال أبو عمر : وهذا عندي إذا لم يكن له زوجة أجنبية . ثم الأخت بعد الأب ثم العمة . وهذا إذا كان كل واحد من هؤلاء مأمونا على الولد ، وكان عنده في حرز وكفاية ، فإذا لم يكن كذلك لم يكن له حق في الحضانة ، وإنما ينظر في ذلك إلى من يحوط الصبي ومن يحسن إليه في حفظه وتعلمه الخير . وهذا على قول من قال إن الحضانة حق الولد ، وقد روى ذلك عن مالك وقال به طائفة من أصحابه ، وكذلك لا يرون حضانة لفاجرة ولا لضعيفة عاجزة عن القيام بحق الصبي لمرض أو زمانة . وذكر ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون عن مالك أن الحضانة للأم ثم الجدة للأم ثم الخالة ثم الجدة للأب ثم أخت الصبي ثم عمة الصبي ثم ابنة أخي الصبي ثم الأب . والجدة للأب أولى من الأخت والأخت أولى من العمة والعمة أولى ممن بعدها ، وأولى من جميع الرجال الأولياء . وليس لابنة الخالة ولا لابنة العمة ولا لبنات أخوات الصبي من حضانته شيء . فإذا كان الحاضن لا يخاف منه على الطفل تضييع أو دخول فساد كان حاضنا له أبدا حتى يبلغ الحلم . وقد قيل : حتى يُثْغِرَ{[2156]} ، وحتى تتزوج الجارية ، إلا أن يريد الأب نقلة سفر وإيطان فيكون حينئذ أحق بولده من أمه وغيرها إن لم ترد الانتقال . وإن أراد الخروج لتجارة لم يكن له ذلك . وكذلك أولياء الصبي الذين يكون مآله{[2157]} إذا انتقلوا للاستيطان . وليس للأم أن تنقل ولدها عن موضع سكنى الأب إلا فيما يقرب نحو المسافة التي لا تقصر فيها الصلاة . ولو شرط عليها في حين انتقاله عن بلدها أنه لا يترك ولده عندها إلا أن تلتزم نفقته ومؤونته سنين معلومة فإن التزمت ذلك لزمها : فإن ماتت لم تتبع بذلك ورثتها في تركتها . وقد قيل : ذلك دين يؤخذ من تركتها ، والأول أصح إن شاء الله تعالى ، كما لو مات الوالد أو كما لو صالحها على نفقة الحمل والرضاع فأسقطت لم تتبع بشيء من ذلك .

الحادية عشرة : إذا تزوجت الأم لم ينزع منها ولدها حتى يدخل بها زوجها عند مالك . وقال الشافعي : إذا نكحت فقد انقطع حقها . فإن طلقها لم يكن لها الرجوع فيه عند مالك في الأشهر عندنا من مذهبه . وقد ذكر القاضي إسماعيل وذكره ابن خويز منداد أيضا عن مالك أنه اختلف قوله في ذلك ، فقال مرة : يرد إليها . وقال مرة : لا يرد . قال ابن المنذر : فإذا خرجت الأم عن البلد الذي به ولدها ثم رجعت إليه فهي أحق بولدها في قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي . وكذلك لو تزوجت ثم طلقت أو توفى عنها زوجها رجعت في حقها من الولد .

قلت : وكذلك قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ، فإن طلقها الزوج أو مات عنها كان لها أخذه لزوال العذر الذي جاز له تركه .

الثانية عشرة : فإن تركت المرأة حضانة ولدها ولم ترد أخذه وهي فارغة غير مشغولة بزوج ثم أرادت بعد ذلك أخذه نظر لها ، فإن كان تركها له من عذر كان لها أخذه ، وإن كانت تركته رفضا له ومقتا لم يكن لها بعد ذلك أخذه .

واختلفوا في الزوجين يفترقان بطلاق والزوجة ذمية ، فقالت طائفة : لا فرق بين الذمية والمسلمة وهي أحق بولدها ، هذا قول أبي ثور وأصحاب الرأي وابن القاسم صاحب مالك . قال ابن المنذر : وقد روينا حديثا مرفوعا موافقا لهذا القول ، وفي إسناده مقال . وفيه قول ثان أن الولد مع المسلم منهما ، هذا قول مالك وسوار وعبدالله{[2158]} بن الحسن ، وحكي ذلك عن الشافعي . وكذلك اختلفوا في الزوجين يفترقان ، أحدهما حر والآخر مملوك ، فقالت طائفة : الحر أولى ، هذا قول عطاء والثوري والشافعي وأصحاب الرأي . وقال مالك : في الأب إذا كان حرا وله ولد حر والأم مملوكة : إن الأم أحق به إلا أن تباع فتنتقل فيكون الأب أحق به .

الرابعة عشرة : قوله تعالى : " لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده " المعنى : لا تأبى الأم أن ترضعه إضرارا بأبيه أو تطلب أكثر من أجر مثلها ، ولا يحل للأب أن يمنع الأم من ذلك مع رغبتها في الإرضاع ، هذا قول جمهور المفسرين .

وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي " تضار " بفتح الراء المشددة وموضعه جزم على النهي ، وأصله لا تضارر على الأصل ، فأدغمت الراء الأولى في الثانية وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين ، وهكذا يفعل في المضاعف إذا كان قبله فتح أو ألف ، تقول : عض يا رجل ، وضار فلانا يا رجل . أي لا ينزع الولد منها إذا رضيت بالإرضاع وألفها الصبي . وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبان بن عاصم وجماعة " تضار " بالرفع عطفا على قوله : " تكلف نفس " وهو خبر والمراد به الأمر . وروى يونس عن الحسن قال يقول : لا تضار زوجها ، تقول : لا أرضعه ، ولا يضارها فينزعه منها وهي تقول : أنا أرضعه . ويحتمل أن يكون الأصل " تضارر " بكسر الراء الأولى ، ورواها أبان عن عاصم ، وهي لغة أهل الحجاز . ف " والدة " فاعله ، ويحتمل أن يكون " تضارر " ف " والدة " مفعول ما لم يسم فاعله . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ " لا تضارر " براءين الأولى مفتوحة . وقرأ أبو جعفر بن القعقاع " تضار " بإسكان الراء وتخفيفها . وكذلك " لا يضار كاتب " وهذا بعيد لأن المثلين إذا اجتمعا وهما أصليان لم يجز حذف أحدهما للتخفيف ، فإما الإدغام وإما الإظهار . وروي عنه الإسكان والتشديد . وروي عن ابن عباس والحسن " لا تضارر " بكسر الراء الأولى .

الخامسة عشرة : قوله تعالى : " وعلى الوارث مثل ذلك " هو معطوف على قوله : " وعلى المولود " واختلفوا في تأويل قوله : " وعلى الوارث مثل ذلك " فقال قتادة والسدي والحسن وعمر بن الخطاب رضي الله عنه : هو وارث الصبي أن لو مات . قال بعضهم : وارثه من الرجال خاصة يلزمه الإرضاع ، كما كان يلزم أبا الصبي لو كان حيا ، وقاله مجاهد وعطاء . وقال قتادة وغيره : هو وارث الصبي من كان من الرجال والنساء ، ويلزمهم إرضاعه على قدر مواريثهم منه ، وبه قال أحمد وإسحاق . وقال القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق في كتاب " معاني القرآن " له : فأما أبو حنيفة فإنه قال : تجب نفقة الصغير ورضاعه على كل ذي رحم محرم ، مثل أن يكون رجل له ابن أخت صغير محتاج وابن عم صغير محتاج وهو وارثه ، فإن النفقة تجب على الخال لابن أخته الذي لا يرثه ، وتسقط عن ابن العم لابن عمه الوارث . قال أبو إسحاق : فقالوا قولا ليس في كتاب الله ولا نعلم أحدا قاله . وحكى الطبري عن أبي حنيفة وصاحبيه أنهم قالوا : الوارث الذي يلزمه الإرضاع هو وارثه إذا كان ذا رحم محرم منه ، فإن كان ابن عم وغيره ليس بذي رحم محرم فلا يلزمه شيء . وقيل : المراد عصبة الأب عليهم النفقة والكسوة . قال الضحاك : إن مات أبو الصبي وللصبي مال أخذ رضاعه من المال ، وإن لم يكن له مال أخذ من العصبة ، وإن لم يكن للعصبة مال أجبرت الأم على إرضاعه . وقال قبيصة بن ذؤيب والضحاك وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز : الوارث هو الصبي نفسه ، وتأولوا قوله : " وعلى الوارث " المولود ، مثل ما على المولود له ، أي عليه في ماله إذا ورث أباه إرضاع نفسه . وقال سفيان : الوارث هنا هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر منهما فإن مات الأب فعلى الأم كفاية الطفل إذا لم يكن له مال ، ويشاركها العاصب في إرضاع المولود على قدر حظه من الميراث . وقال ابن خويز منداد : ولو كان اليتيم فقيرا لا مال له ، وجب على الإمام القيام به من بيت المال ، فإن لم يفعل الإمام وجب ذلك على المسلمين ، الأخص به فالأخص ، والأم أخص به فيجب عليها إرضاعه والقيام به ، ولا ترجع عليه ولا على أحد . والرضاع واجب والنفقة استحباب : ووجه الاستحباب قوله تعالى : " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين " وواجب على الأزواج القيام بهن ، فإذا تعذر استيفاء الحق لهن بموت الزوج أو إعساره لم يسقط الحق عنهن ، ألا ترى أن العدة واجبة عليهن والنفقة والسكنى على أزواجهن ، وإذا تعذرت النفقة لهن لم تسقط العدة عنهن . {[2159]}وروى عبدالرحمن بن القاسم في الأسدية عن مالك بن أنس رحمه الله أنه قال : لا يلزم الرجل نفقة أخ ولا ذي قرابة ولا ذي رحم منه . قال : وقول الله عز وجل : " وعلى الوارث مثل ذلك " هو منسوخ . قال النحاس : هذا لفظ مالك ، ولم يبين ما الناسخ لها ولا عبدالرحمن بن القاسم ، ولا علمت أن أحدا من أصحابهم بين ذلك ، والذي يشبه أن يكون الناسخ لها عنده والله أعلم ، أنه لما أوجب الله تعالى للمتوفى عنها زوجها من مال المتوفى نفقة حول والسكنى ثم نسخ ذلك ورفعه ، نسخ ذلك أيضا عن الوارث .

قلت : فعلى هذا تكون النفقة على الصبي نفسه من ماله ، لا يكون على الوارث منها شيء على ما يأتي . قال ابن العربي : قوله " وعلى الوارث مثل ذلك " قال ابن القاسم عن مالك هي منسوخة ، وهذا كلام تشمئز منه قلوب الغافلين ، وتحتار فيه ألباب الشاذِّين ، والأمر فيه قريب ، وذلك أن العلماء المتقدمين من الفقهاء والمفسرين كانوا يسمون التخصيص نسخا ، لأنه رفع لبعض ما يتناوله العموم مسامحة ، وجرى ذلك في ألسنتهم حتى أشكل ذلك على من بعدهم ، وتحقيق القول فيه : أن قوله تعالى " وعلى الوارث مثل ذلك " إشارة إلى ما تقدم ، فمن الناس من رده إلى جميعه من إيجاب النفقة وتحريم الإضرار ، منهم أبو حنيفة من الفقهاء ، ومن السلف قتادة والحسن ويسند إلى عمر . وقالت طائفة من العلماء : إن معنى قوله تعالى : " وعلى الوارث مثل ذلك " لا يرجع إلى جميع ما تقدم ، وإنما يرجع إلى تحريم الإضرار ، والمعنى : وعلى الوارث من تحريم الإضرار بالأم ما على الأب ، وهذا هو الأصل ، فمن ادعى أنه يرجع العطف فيه إلى جميع ما تقدم فعليه الدليل . قلت : قوله : " وهذا هو الأصل " يريد في رجوع الضمير إلى أقرب مذكور ، وهو صحيح ، إذ لو أراد الجميع الذي هو الإرضاع والإنفاق وعدم الضرر لقال : وعلى الوارث مثل هؤلاء ، فدل على أنه معطوف على المنع من المضارة ، وعلى ذلك تأوله كافة المفسرين فيما حكى القاضي عبدالوهاب ، وهو أن المراد به أن الوالدة لا تضار ولدها في أن الأب إذا بذل لها أجرة المثل ألا ترضعه ، " ولا مولود له بولده " في أن الأم إذا بذلت أن ترضعه بأجرة المثل كان لها ذلك ؛ لأن الأم أرفق وأحن عليه ، ولبنها خير له من لبن الأجنبية . قال ابن عطية : وقال مالك رحمه الله وجميع أصحابه والشعبي أيضا والزهري والضحاك وجماعة من العلماء : المراد بقوله " مثل ذلك " ألا تضار ، وأما الرزق والكسوة فلا يجب شيء منه . وروى ابن القاسم عن مالك أن الآية تضمنت أن الرزق والكسوة على الوارث ، ثم نسخ ذلك بالإجماع من الأمة في ألا يضار الوارث ، والخلاف هل عليه رزق وكسوة أم لا . وقرأ يحيى بن يعمر " وعلى الورثة " بالجمع ، وذلك يقتضي العموم ، فإن استدلوا بقوله عليه السلام : ( لا يقبل الله صدقة وذو رحم محتاج ) قيل لهم الرحم عموم في كل ذي رحم ، محرما كان أو غير محرم ، ولا خلاف أن صرف الصدقة إلى ذي الرحم أولى لقوله عليه السلام : ( اجعلها في الأقربين ) فحمل الحديث على هذا ، ولا حجة فيه على ما راموه ، والله أعلم . وقال النحاس : وأما قول من قال " وعلى الوارث مثل ذلك " ألا يضار فقول حسن ؛ لأن أموال الناس محظورة فلا يخرج شيء منها إلا بدليل قاطع . وأما قول من قال على ورثة الأب فالحجة أن النفقة كانت على الأب ، فورثته أولى من ورثة الابن وأما حجة من قال على ورثة الابن فيقول : كما يرثونه يقومون به . قال النحاس : وكان محمد بن جرير يختار قول من قال : الوارث هنا الابن ، وهو وإن كان قولا غريبا فالاستدلال به صحيح والحجة به ظاهرة ؛ لأن ماله أولى به . وقد أجمع الفقهاء إلا من شذ منهم أن رجلا لو كان له ولد طفل وللولد مال ، والأب موسر أنه لا يجب على الأب نفقة ولا رضاع ، وأن ذلك من مال الصبي . فإن قيل : قد قال الله عز وجل " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " ، قيل : هذا الضمير للمؤنث ، ومع هذا فإن الإجماع حد للآية مبين لها ، لا يسع مسلما الخروج عنه . وأما من قال : ذلك على من بقي من الأبوين ، فحجته أنه لا يجوز للأم تضييع ولدها ، وقد مات من كان ينفق عليه وعليها . وقد ترجم البخاري على رد هذا القول [ باب - وعلى الوارث مثل ذلك ، وهل على المرأة منه شيء ] وساق حديث أم سلمة وهند . والمعنى فيه : أن أم سلمة كان لها أبناء من أبي سلمة ولم يكن لهم مال ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرها أن لها في ذلك أجرا . فدل هذا الحديث على أن نفقة بنيها لا تجب عليها ، ولو وجبت عليها لم تقل للنبي صلى الله عليه وسلم : ولست بتاركتهم . وأما حديث هند فإن النبي صلى الله عليه وسلم أطلقها على أخذ نفقتها ونفقة بنيها من مال الأب ، ولم يوجبها عليها كما أوجبها على الأب . فاستدل البخاري من هذا على أنه لما لم يلزم الأمهات نفقات الأبناء في حياة الآباء فكذلك لا يلزمهن بموت الآباء . وأما قول من قال إن النفقة والكسوة على كل ذي رحم محرم فحجته أن على الرجل أن ينفق على كل ذي رحم محرم إذا كان فقيرا . قال النحاس : وقد عورض هذا القول بأنه لم يؤخذ من كتاب الله تعالى ولا من إجماع ولا من سنة صحيحة ، بل لا يعرف من قول سوى ما ذكرناه . فأما القرآن فقد قال الله عز وجل : " وعلى الوارث مثل ذلك " فإن كان على الوارث النفقة والكسوة فقد خالفوا ذلك فقالوا : إذا ترك خاله وابن عمه فالنفقة على خاله وليس على ابن عمه شيء ، فهذا مخالف نص القرآن ؛ لأن الخال لا يرث مع ابن العم في قول أحد ، ولا يرث وحده في قول كثير من العلماء ، والذي احتجوا به من النفقة على كل ذي رحم محرم ، أكثر أهل العلم على خلافه .

السادسة عشرة : قوله تعالى : " فإن أرادا فصالا " الضمير في " أرادا " للوالدين . و " فصالا " معناه فطاما عن الرضاع ، أي عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات . والفصال والفصل : الفطام ، وأصله التفريق ، فهو تفريق بين الصبي والثدي ، ومنه سمي الفصيل ؛ لأنه مفصول عن أمه . " عن تراض منهما " أي قبل الحولين . " فلا جناح عليهما " أي في فصله ، وذلك أن الله سبحانه لما جعل مدة الرضاع حولين بين أن فطامهما ، هو الفطام ، وفصالهما هو الفصال ليس لأحد عنه منزع ، إلا أن يتفق الأبوان على أقل من ذلك العدد من غير مضارة بالولد ، فذلك جائز بهذا البيان . وقال قتادة : كان الرضاع واجبا في الحولين وكان يحرم الفطام قبله ، ثم خفف وأبيح الرضاع أقل من الحولين بقوله : " فإن أرادا فصالا " الآية . وفي هذا دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام بإباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما يؤدي إلى صلاح الصغير ، وذلك موقوف على غالب ظنونهما لا على الحقيقة واليقين ، والتشاور : استحراج الرأي ، وكذلك المشاورة ، والمشورة كالمعونة ، وشرت العسل : استخرجته ، وشرت الدابة وشورتها أي أجريتها لاستخراج جريها ، والشوار : متاع البيت ، لأنه يظهر للناظر ، والشارة : هيئة الرجل ، والإشارة : إخراج ما في نفسك وإظهاره .

السابعة عشرة : قوله تعالى : " وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم " أي لأولادكم غير الوالدة ، قاله الزجاج . قال النحاس : التقدير في العربية أن تسترضعوا أجنبية لأولادكم ، مثل " كالوهم أو وزنوهم " {[2160]} [ المطففين : 3 ] أي كالوا لهم أو وزنوا لهم ، وحذفت اللام لأنه يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف ، وأنشد سيبوبه :

أمرتك الخير فافعل ما أمرت به *** فقد تركتك ذا مال وذا نَشَبِ

ولا يجوز : دعوت زيدا ، أي دعوت لزيد ، لأنه يؤدي إلى التلبيس ، فيعتبر في هذا النوع السماع .

قلت : وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز اتخاذ الظئر إذا اتفق الآباء والأمهات على ذلك . وقد قال عكرمة في قوله تعالى : " لا تضار والدة " معناه الظئر ، حكاه ابن عطية . والأصل أن كل أم يلزمها رضاع ولدها كما أخبر الله عز وجل ، فأمر الزوجات بإرضاع أولادهن ، وأوجب لهن على الأزواج النفقة والكسوة والزوجية قائمة ، فلو كان الرضاع على الأب لذكره مع ما ذكره من رزقهن وكسوتهن ، إلا أن مالكا رحمه الله دون فقهاء الأمصار استثنى الحسيبة فقال : لا يلزمها رضاعه . فأخرجها من الآية وخصصها بأصل من أصول الفقه وهو العمل بالعادة . وهذا أصل لم يتفطن له إلا مالك . والأصل البديع فيه أن ، هذا أمر كان في الجاهلية في ذوي الحسب وجاء الإسلام فلم يغيره ، وتمادى ذوو الثروة والأحساب على تفريغ الأمهات للمتعة بدفع الرضعاء للمراضع إلى زمانه فقال به ، وإلى زماننا فتحققناه شرعا .

الثامنة عشرة : قوله تعالى : " إذا سلمتم " يعني الآباء ، أي سلمتم الأجرة إلى المرضعة الظئر ، قاله سفيان . مجاهد : سلمتم إلى الأمهات أجرهن بحساب ما أرضعن إلى وقت إرادة الاسترضاع . وقرأ الستة من السبعة " ما آتيتم " بمعنى ما أعطيتم . وقرأ ابن كثير " أتيتم " بمعنى ما جئتم وفعلتم ، كما قال زهير :

وما كان من خير أَتَوْه فإنما *** توارثَهُ آباءُ آبائِهم قَبْلُ

قال قتادة والزهري : المعنى سلمتم ما أتيتم من إرادة الاسترضاع ، أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي ، وكان ذلك على اتفاق منهما وقصد خير وإرادة معروف من الأمر . وعلى هذا الاحتمال فيدخل في الخطاب " سلمتم " {[2161]} الرجال والنساء ، وعلى القولين المتقدمين الخطاب للرجال . قال أبو علي : المعنى إذا سلمتم ما آتيتم نقده أو إعطاءه ، فحذف المضاف وأقيم الضمير مقامه ، فكان التقدير : ما آتيتموه ، ثم حذف الضمير من الصلة ، وعلى هذا التأويل فالخطاب للرجال ، لأنهم الذين يعطون أجر الرضاع . قال أبو علي : ويحتمل أن تكون " ما " مصدرية ، أي إذا سلمتم الإتيان ، والمعنى كالأول ، لكن يستغني عن الصفة{[2162]} من حذف المضاف ثم حذف الضمير .


[2144]:- في ب، و ز و هـ: في حق الزوجة.
[2145]:- في ب: ذات محل. أي ذات مكانة.
[2146]:- في ب، وهي: يعنى.
[2147]:- ب: يقطع.
[2148]:- في ب، و ز و هـ: إنما يجوز.
[2149]:- يؤيد هذا ما رواه ابن ماجه عنه عليه الصلاة والسلام "لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء".
[2150]:- راجع جـ5 ص 109.
[2151]:- راجع جـ8 ص 346.
[2152]:- في ب: الوالد على الولد، والذي هو مثبت هو ما في سائر الأصول والبحر والأحكام لابن العربي.
[2153]:- راجع جـ18 ص 168.
[2154]:- راجع جـ18 ص 172.
[2155]:- بئر أبي عنبة، بئر بالمدينة عندها عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه حين سار إلى بدر. النهاية.
[2156]:- الإثغار: سقوط سن الصبي وثباتها، وفي حـ: "يميز".
[2157]:- كذا في الأصول، ولعله مآله إليهم.
[2158]:- في ب: عبيد الله.
[2159]:- في ب وهـ: وحكى.
[2160]:- راجع جـ19 ص 250.
[2161]:- كذا في الأصول، وفي ابن عطية: فيدخل في الخطاب بسلمتم الخ، بهذا يستقيم المعنى.
[2162]:- في جـ وابن عطية: يستغني عن الصنعة.