التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (271)

استئناف بياني ناشىء عن قوله : { وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه } [ البقرة : 270 ] ، إذ أشعر تعميمُ « مِن نفقة » بحال الصدقات الخفيّة فيتساءل السامع في نفسه هل إبداء الصدقات يُعد رِياءً وقد سمع قبل ذلك قوله : { كالذي ينفق ماله رئاء الناس } [ البقرة : 264 ] ، ولأنّ قوله : { فإن الله يعلمه } [ البقرة : 270 ] قد كان قولاً فصلاً في اعتبار نيَّات المتصدّقين وأحوال ما يظهرونه منها وما يخفونه من صدقاتهم . فهذا الاستئناف يدفع توهّماً من شأنه تعطيل الصدقات والنفقات ، وهو أن يمسك المرء عنها إذا لم يجد بُدّاً من ظهورها فيخشى أن يصيبه الرياء .

والتعريف في قوله : { الصدقات } تعريف الجنس ، ومحمله على العموم فيشمل كل الصدقات فرضِها ونفلها ، وهو المناسب لموقع هذه الآية عقب ذكر أنواع النفقاتِ .

وجاء الشرط بإنْ في الصدقتين لأنّها أصل أدوات الشرط ، ولا مقتضى للعدول عن الأصل ، إذ كلتا الصدقتين مُرض لله تعالى ، وتفضيل صدقة السرّ قد وفى به صريح قوله : { فهو خير لكم } .

وقوله : { فنعما } أصله فنعمَ مَا ، فأدغم المِثلان وكسرت عَيْن نِعْم لأجل التقاء الساكنين ، وما في مثله نكرة تامة أي متوغّلة في الإبهام لا يقصد وصفها بما يخصّصها ، فتمامُها من حيث عدم إتباعها بوصف لا من حيث إنّها واضحة المعنى ، ولذلك تفسّر بشيء . ولما كانت كذلك تعيّن أن تكون في موضع التمييز لضمير نعم المرفوع المستتر ، فالقصد منه التنبيه على القصد إلى عدم التمييز حتى إنّ المتكلم إذا ميّز لا يميّز إلاّ بمثلِ المميَّز .

وقوله { هِي } مخصوص بالمدح ، أي الصدقاتُ ، وقد علم السامع أنّها الصدقات المُبْدَأة ، بقرينة فعل الشرط ، فلذلك كان تفسير المعنى فنعما إبداؤهما .

وقرأ ورش عن نافع وابنُ كثير وحفص ويعقوب فنِعِمَّا بكسر العين وتشديد الميم من نِعم مع ميم ما . وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون وكسر العين . وقرأه قالون عن نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بكسر النون واختلاس حركة العين بين الكسر والسكون . وقرأه أبو جعفر بكسر النون وسكون العين مع بقاء تشديد الميم ، ورويت هذه أيضاً عن قالون وأبي عمرو وأبي بكر .

وقوله : { وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } تفضيل لصدقة السرّ لأنّ فيها إبْقاء على ماءِ وجه الفقير ، حيث لم يطّلع عليه غير المعطي . وفي الحديث الصحيح ، عَد من السبعة الذين يظلّهم الله بظلّه " . . . ورجلٌ تصدّقَ بصدقة فأخفاها حتى لا تَعلمَ شِماله ما أنْفَقَت يَمينه " ( يعني مع شدّة القرب بين اليمين والشمال ؛ لأنّ حساب الدراهم ومناولة الأشياء بتعاونهما ، فلو كانت الشمال من ذوات العلم لما اطلعت على ما أنفقته اليمين ) .

وقد فضّل الله في هذه الآية صدقة السرّ على صدقة العلانية على الإطلاق ، فإن حُملت الصدقات على العموم كما هو الظاهر إجراءً للفظ الصدقات مجرى لفظ الإنفاق في الآي السابقة واللاّحِقة كان إخفاء صدقة الفرض والنفل أفضل ، وهو قول جمهور العلماء ، وعن الكِيَا الطَّبَري أنّ هذا أحد قول الشافعي .

وعن المهدوي : كان الإخفاء أفضل فيهما في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ساءت ظنون الناس بالناس فاستحسن العلماءُ إظهار صدقة الفرض ، قال ابن عطية : وهذا مخالف للآثار أنّ إخفاء الصدقة أفضل . فيكون عموم الصدقات في الآية مخصوصاً بصدقة التطوّع ، ومخصّص العموم الإجماعُ ، وحكى ابن العربي الإجماع عليه . وإن أريد بالصدقات في الآية غير الزكاة كان المراد بها أخصّ من الإنفاق المذكور في الآي قبلها وبعدها ، وكان تفضيل الإخفاء مختصاً بالصدقات المندوبة . وقال ابن عباس والحسن : إظهار الزكاة أفضل ، وإخفاء صدقة التطوّع أفضل من إظهارها وهو قول الشافعي .

وقوله : { وتؤتوها الفقراء } ، توقّف المفسّرون في حكمة ذكره ، مع العلم بأنّ الصدقة لا تكون إلاّ للفقراء ، وأنّ الصدقة المُبْدَاة أيضاً تعطي للفقراء .

فقال العصام : « كأنّ نكتة ذكره هنا أنّ الإبداء لا ينفكّ عن إيتاء الفقراء ؛ لأنّ الفقير يظهر فيه ويمتاز عن غيره إذ يعلمه الناس بحاله ، بخلاف الإخفاء ، فاشترط معه إيتاؤها للفقير حثّاً على الفحص عن حال من يعطيه الصدقة » ( أي لأنّ الحرِيصينَ من غير الفقراء يستحيون أن يتعرّضوا للصدقات الظاهرة ولا يصدّهم شيء عن التعرّض للصدقات الخفيّة ) .

وقال الخفاجي : « لم يذكر الفقراء مع المُبْدَاةِ لأنّه أريد بها الزكاة ومصارفها الفقراءُ وغيرهم ، وأما الصدقة المخفَاةُ فهي صدقة التطوّع ومصارفها الفقراء فقط » . وهو ضعيف لوجهين : أحدهما أنّه لا وجه لقصر الصدقة المبدَاةِ على الفريضة ولا قائل به بل الخلاف في أنّ تفضيل الإخفاء هل يعمّ الفريضة أولاً ، الثاني أنّ الصدقة المتطوّع بها لا يمتنع صرفها لغير الفقراء كتجهيز الجيوش .

وقال الشيخ ابن عاشور جدّي في تعليق له على حديث فضل إخفاء الصدقة من « صحيح مسلم » : " عطف إيتاء الفقراء على الإخفاء المجعول شرطاً للخيرية في الآية مع العلم بأنّ الصدقة للفقراء يؤذن بأنّ الخيرية لإخْفَاءِ حال الفقير وعدم إظهار اليد العليا عليه " أي فهو إيماء إلى العلة وأنّها الإبقاء على ماء وجه الفقير ، وهو القول الفصل لانتفاء شائبة الرياء .

وقوله : { ويكفر عنكم من سيئاتكم } قرأه نافع والكسائي وأبو بكر وأبو جعفر وخلف بنون العظمة ، وبجزم الراء عطفاءً على موضع جملة الجواب وهي جملة فهو خير لكم ، فيكون التكفير معلّقاً على الإخفاء . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو بالنون أيضاً وبرفع الراء على أنّه وعد على إعطاء الصدقات ظاهرةَ أو خفية وقرأه ابن عامر وحفص بالتحتية على أنّ ضميره عائد إلى الله وبالرفع .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (271)

ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع ؛ لأن الإخفاء فيها أفضل من الإظهار ، وكذلك سائر العبادات الإخفاء أفضل في تطوعها لانتفاء الرياء عنها ، وليس كذلك الواجبات . قال الحسن : إظهار الزكاة أحسن ، وإخفاء التطوع أفضل ؛ لأنه أدل على أنه يراد الله عز وجل به وحده . قال ابن عباس : جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها يقال بسبعين ضعفا ، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفا . قال : وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها . قلت : مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف ، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ){[2547]} وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك . وروى النسائي عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة والذي يسر بالقرآن كالذي يسر بالصدقة ) . وفي الحديث : ( صدقة السر تطفئ غضب الرب ) . قال ابن العربي : وليس في تفضيل صدقة العلانية على السر ، ولا تفضيل صدقة السر على العلانية حديث صحيح ولكنه الإجماع الثابت ، فأما صدقة النفل فالقرآن ورد مصرحا بأنها في السر أفضل منها في الجهر ، بيد أن علماءنا قالوا : إن هذا على الغالب مخرجه ، والتحقيق فيه أن الحال في الصدقة{[2548]} تختلف بحال المعطي لها{[2549]} والمعطى إياها والناس الشاهدين لها{[2550]} . أما المعطي فله فيها فائدة إظهار السنة وثواب القدوة . قلت : هذا لمن قويت حاله وحسنت نيته وأمن على نفسه الرياء ، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أفضل . وأما المعطى إياها فإن السر له أسلم من احتقار الناس له ، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف ، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم ، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطي لها بالرياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء ، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة ، لكن هذا اليوم قليل . وقال يزيد بن أبي حبيب : إنما نزلت هذه الآية في الصدقة على اليهود والنصارى ، فكان يأمر بقسم الزكاة في السر . قال ابن عطية : وهذا مردود ، لا سيما عند السلف الصالح ، فقد قال الطبري : أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل . قلت : ذكر الكيا الطبري أن في هذه الآية دلالة على قول إخفاء الصدقات مطلقا أولى ، وأنها حق الفقير وأنه يجوز لرب المال تفريقها بنفسه ، على ما هو أحد قولي الشافعي . وعلى القول الآخر ذكروا أن المراد بالصدقات ههنا التطوع دون الفرض الذي إظهاره أولى لئلا يلحقه تهمة ، ولأجل ذلك قيل : صلاة النفل فرادى أفضل ، والجماعة في الفرض أبعد عن التهمة . وقال المهدوي : المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به ، فكان الإخفاء أفضل في مدة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك ، فاستحسن العلماء{[2551]} إظهار الفرائض لئلا يظن بأحد المنع . قال ابن عطية : وهذا القول مخالف للآثار ، ويشبه في زماننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض ، فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء . وقال ابن خويز منداد : وقد يجوز أن يراد بالآية الواجبات من الزكاة والتطوع ؛ لأنه ذكر الإخفاء ومدحه والإظهار ومدحه ، فيجوز أن يتوجه إليهما جميعا . وقال النقاش : إن هذه الآية نسخها قوله تعالى : " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية " [ البقرة : 274 ] الآية .

قوله تعالى : " فنعما هي " ثناء على إبداء الصدقة ، ثم حكم على أن الإخفاء خير من ذلك . ولذلك قال بعض الحكماء : إذا اصطنعت المعروف فاستره ، وإذا اصطنع إليك فانشره . قال دعبل الخزاعي :

إذا انتقموا أعلنُوا أمرهم *** وإن أنْعَمُوا باكْتِتَامِ

وقال سهل بن هارون :

خلٌّ إذا جئتَه يوما لتسأله *** أعطاك ما ملكت كفَّاهُ واعتذرا

يُخْفِي صنائعه والله يظهرها *** إن الجميل إذا أخفيتَه ظَهَرا

وقال العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه : لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال : تعجيله وتصغيره وستره ، فإذا أعجلته هنَّيته ، وإذا صغرته عظمته ، وإذا سترته أتممته . وقال بعض الشعراء فأحسن :

زاد معروفك عندي عِظَماً *** أنه عندك مستورٌ حقيرْ

تتناساه كأن لم تأته *** وهو عند الناس مشهور خطيرْ

واختلف القراء في قول " فنعما هي " فقرأ أبو عمرو ونافع في رواية ورش وعاصم في رواية حفص وابن كثير " فنعما هي " بكسر النون والعين . وقرأ أبو عمرو أيضا ونافع في غير رواية ورش وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل " فنعما " بكسر النون وسكون العين . وقرأ الأعمش وابن عامر وحمزة والكسائي " فنعما " بفتح النون وكسر العين ، وكلهم سكن الميم . ويجوز في غير القرآن فنعم ما هي . قال النحاس : ولكنه في السواد متصل فلزم الإدغام . وحكى النحويون في " نعم " أربع لغات : نعم الرجل زيد ، هذا الأصل . ونِعِم الرجل ، بكسر النون لكسر العين . ونَعْم الرجل ، بفتح النون وسكون العين ، والأصل نَعِم حذفت الكسرة لأنها ثقيلة . ونِعْمَ الرجل ، وهذا أفضل اللغات ، والأصل فيها نَعِم . وهي تقع في كل مدح ، فخففت وقلبت كسرة العين على النون وأسكنت العين .

فمن قرأ " فنعما هي " فله تقديران : أحدهما : أن يكون جاء به على لغة من يقول نِعِم . والتقدير الآخر أن يكون على اللغة الجيدة ، فيكون الأصل نِعْمَ ، ثم كسرت العين لالتقاء الساكنين . قال النحاس : فأما الذي حكي عن أبي عمرو ونافع من إسكان العين فمحال . حكي عن محمد بن يزيد أنه قال : أما إسكان العين والميم مشددة فلا يقدر أحد أن ينطق به ، وإنما يروم الجمع بين ساكنين ويحرك ولا يأبه{[2552]} . وقال أبو علي : من قرأ بسكون العين لم يستقم قوله ؛ لأنه جمع بين ساكنين الأول منهما ليس بحرف مد ولين وإنما يجوز ذلك عند النحويين إذا كان الأول حرف مد ، إذ المد يصير عوضا من الحركة ، وهذا نحو دابة وضوال ونحوه . ولعل أبا عمرو أخفى الحركة واختلسها كأخذه بالإخفاء في " بارئكم - و - يأمركم " فظن السامع الإخفاء إسكانا للطف ذلك في السمع وخفائه . قال أبو علي : وأما من قرأ " نعما " بفتح النون وكسر العين فإنما جاء بالكلمة على أصلها ومنه قول الشاعر :

ما أقلَّت قدماي{[2553]} إنهم *** نَعِمَ الساعون في الأمر المُبِرْ

قال أبو علي : و " ما " من قوله تعالى : " نعما " في موضع نصب ، وقوله " هي " تفسير للفاعل المضمر قبل الذكر ، والتقدير نعم شيئا إبداؤها ، والإبداء هو المخصوص بالمدح إلا أن المضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه . ويدلك على هذا قوله " فهو خير لكم " أي الإخفاء خير . فكما أن الضمير هنا للإخفاء لا للصدقات فكذلك ، أولا الفاعل هو الإبداء وهو الذي اتصل به الضمير ، فحذف الإبداء وأقيم ضمير الصدقات مثله . " وإن تخفوها " شرط ، فلذلك حذفت النون . " وتؤتوها " عطف عليه . والجواب " فهو خير لكم " . " ويكفر " اختلف القراء في قراءته ، فقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر وقتادة وابن أبي إسحاق " ونكفر " بالنون ورفع الراء . وقرأ نافع{[2554]} وحمزة والكسائي بالنون والجزم في الراء ، وروي مثل ذلك أيضا عن عاصم . وروى الحسين بن علي الجعفي عن الأعمش " يكفر " بنصب الراء . وقرأ ابن عامر بالياء ورفع الراء ، ورواه حفص عن عاصم ، وكذلك روي عن الحسن ، وروي عنه بالياء والجزم . وقرأ ابن عباس " وتكفر " بالتاء وكسر الفاء وجزم الراء . وقرأ عكرمة " وتكفر " بالتاء وفتح الفاء وجزم الراء . وحكى المهدوي عن ابن هرمز أنه قرأ " وتكفر " بالتاء ورفع الراء . وحكي عن عكرمة وشهر بن حوشب أنهما قرآ بتاء ونصب الراء .

فهذه تسع قراءات أبينها " ونكفر " بالنون والرفع . هذا قول الخليل وسيبويه . قال النحاس : قال سيبويه : والرفع ههنا الوجه وهو الجيد ، لأن الكلام الذي بعد الفاء يجري مجراه في غير الجزاء . وأجاز الجزم بحمله على المعنى ؛ لأن المعنى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء يكن خيرا لكم ونكفر عنكم . وقال أبو حاتم : قرأ الأعمش " يكفر " بالياء دون واو قبلها . قال النحاس : والذي حكاه أبو حاتم عن الأعمش بغير واو جزما يكون على البدل كأنه في موضع الفاء . والذي روي عن عاصم " ويكفر " بالياء والرفع يكون معناه ويكفر الله ، هذا قول أبي عبيد . وقال أبو حاتم : معناه يكفر الإعطاء . وقرأ ابن عباس " وتكفر " يكون معناه وتكفر الصدقات . وبالجملة فما كان من هذه القراءات بالنون فهي نون العظمة ، وما كان منها بالتاء فهي الصدقة فاعلمه ، إلا ما روي عن عكرمة من فتح الفاء فإن التاء في تلك القراءة إنما هي للسيئات ، وما كان منها بالياء فالله تعالى هو المكفر ، والإعطاء في خفاء مكفر أيضا كما ذكرنا ، وحكاه مكي . وأما رفع الراء فهو على وجهين : أحدهما : أن يكون الفعل خبر ابتداء تقديره ونحن نكفر أو وهي تكفر ، أعني الصدقة ، أو والله يكفر . والثاني : القطع والاستئناف لا تكون الواو العاطفة للاشتراك لكن تعطف جملة كلام على جملة . وقد ذكرنا معنى قراءة الجزم . فأما نصب " ونكفر " فضعيف وهو على إضمار أن ، وجاز على بُعْد . قال المهدوي : وهو مشبه بالنصب في جواب الاستفهام ، إذ الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره كالاستفهام . والجزم في الراء أفصح هذه القراءات ، لأنها تؤذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطا إن وقع الإخفاء . وأما الرفع فليس فيه هذا المعنى .

قلت : هذا خلاف ما اختاره الخليل وسيبويه . و " من " في قوله " من سيئاتكم " للتبعيض المحض . وحكى الطبري عن فرقة أنها زائدة . قال ابن عطية : وذلك منهم خطأ . " والله بما تعملون خبير " وعد ووعيد .


[2547]:- عبارة مسلم كما في صحيحه: "...فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة".
[2548]:- الزيادة عن ابن العربي.
[2549]:- الزيادة عن ابن العربي.
[2550]:- الزيادة عن ابن العربي.
[2551]:- في ب: الناس.
[2552]:- كذا في النحاس، والذي في نسخ الأصل: ولا يأتيه.
[2553]:- ويروى: قدمي. بالإفراد راجع جـ4 خزانة ص 101.
[2554]:- في الأصول: الأعمش، والصواب ما أثبتناه من البحر وابن عطية وغيرهما.