عطف مثل الذين ينفقون أموالهم في مرضاة الله على مَثَل الذي ينفق ماله رئاء الناس ، لزيادة بيان ما بين المرتبتين مِن البَوْن وتأكيداً للثناء على المنفقين بإخلاص ، وتفنّناً في التمثيل . فإنّه قد مثَّله فيما سلف بحبَّة أنبتت سبع سنابل ، ومثّله فيما سلف تمثيلاً غير كثيرِ التركيب لتحصل السرعة بتخيّل مضاعفة الثواب ، فلما مَثَّل حال المنفق رِئاءً بالتمثيل الذي مضى أعيد تمثيل حال المنفق ابتغاء مرضاة الله بما هو أعجب في حسن التخيُّل ؛ فإنّ الأمثال تبهج السامع كلّما كانت أكثر تركيباً وضمّنت الهيأة المشبّه بها أحوالاً حسنة تكسبها حُسناً ليسري ذلك التحسين إلى المشبَّه ، وهذا من جملة مقاصد التشبيه .
وانتصب { ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً } على الحال بتأويل المصدر بالوصف ، أي مبتغين مرضاة الله ومثَبِّتين من أنفسهم . ولا يحسن نصبهما على المفعول له ، أما قوله « ابتغاء » فلأن مفاد الابتغاء هو مفاد اللام التي ينتصب المفعول لأجله بإضمارها ، لأنّ يؤول إلى معنى لأجل طلبهم مرضاة الله ، وأما قوله « وتثبيتاً » فلأنّ حكمَهُ حكم ما عطف هو عليه .
والتثبيت تحقيق الشيء وترسيخه ، وهو تمثيل يجوز أن يكون لكبح النفس عن التشكّك والتردّد ، أي أنّهم يمنعون أنفسهم من التردّد في الإنفاق في وجوه البر ولا يتْركون مجالاً لخواطر الشحّ ، وهذا من قولهم ثبت قدمه أي لم يتردّد ولم ينكص ، فإنّ إراضة النفس على فعل ما يشُق عليها لها أثر في رسوخ الأعمال حتى تعتاد الفضائل وتصير لها ديدناً .
وإنفاق المال من أعظم ما ترسخ به الطاعة في النفس لأنّ المال ليس أمراً هيناً على النفس ، وتكون « من » على هذا الوجه للتبعيض ، لكنه تبعيض مجازي باعتبار الأحوال ، أي تثبيتاً لبعض أحوال النفس .
وموقع ( من ) هذه في الكلام يدل على الاستنزال والاقتصاد في تعلّق الفعل ، بحَيْث لا يطلب تسلّط الفعل على جميع ذات المفعول بل يُكتفى ببعض المفعول ، والمقصود الترغيب في تحصيل الفعل والاستدراج إلى تحصيله ، وظاهر كلام « الكشاف » يقتضي أنّه جعل التبعيض فيها حقيقياً .
ويجوز أن يكون تثبيتاً تمثيلاً للتصديق أي تصديقاً لوعد الله وإخلاصاً في الدين ليخالف حال المنافقين ؛ فإنّ امتثال الأحكام الشاقة لا يكون إلاّ عن تصديق للآمر بها ، أي يدُلُّون على تثبيت من أنفسهم .
و ( مِنْ ) على هذا الوجه ابتدائية ، أي تصديقاً صادراً من أنفسهم .
ويجيء على الوجه الأول في تفسير التثبيت معنى أخلاقي جليل أشار إليه الفخر ، وهو ما تقرر في الحكمة الخُلُقية أن تكرّر الأفعال هو الذي يوجب حصول الملكة الفاضلة في النفس ، بحيث تنساق عقب حصولها إلى الكمالات باختيارها ، وبلا كلفة ولا ضجر . فالإيمان يأمر بالصدقة وأفعال البر ، والذي يأتي تلك المأمورات يثبِّت نفسه بأخلاق الإيمان ، وعلى هذا الوجه تصير الآية تحْريضاً على تكرير الإنفاق .
ومُثِّل هذا الإنفاق بجنّة بربوة إلخ ، ووجه الشبه هو الهيأة الحاصلة من مجموع أشياء تكامل بها تضعيف المنفعة ، فالهيأة المشبّهة هي النفقة التي حفّ بها طلب رضي الله والتصديقُ بوعده فضوعفت أضعافاً كثيرة أو دونها في الكثرة ، والهيأة المشبّهة بها هي هيأة الجنّة الطيّبة المكان التي جاءها التهتَان فزكا ثمرُها وتزايد فأكملت الثمرة ، أو أصابها طلّ فكانت دون ذلك .
والجنّة مكان من الأرض ذو شجر كثير بحيث يجِنّ أي يستر الكائن فيه فاسمها مشتقّ من جنَّ إذا ستر ، وأكثر ما تطلق الجنّة في كلامهم على ذات الشجر المثمر المختَلف الأصناف ، فأما ما كان مغروساً نخيلاً بحتاً فإنّما يسمى حائطاً . والمشتهر في بلاد العرب من الشجر المثمر غير النخيل هو الكرم وثمره العنب أشهر الثمار في بلادهم بعد التمر ، فقد كان الغالبَ على بلاد اليمن والطائف . ومن ثمارهم الرمّان ، فإن كان النخل معها قيل لها جنّة أيضاً كما في الآية التي بعد هذه . ومما يدل على أنّ الجنّة لا يراد بها حائطُ النخل قوله تعالى في [ سورة الأنعام : 141 ] { وهوَ الذي أنشأ جناتٍ معْروشات وغير معْروشات والنّخل والزرع } فعطف النخل على الجنّات ، وذكر العريش وهو مما يجعل للكرم ، هذا ما يستخلص من كلام علماء اللغة .
وقد حصل من تمثيل حال الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله بحبّة ثم بجنّة جناس مصحَّف .
والربوة بضم الراء وفتحها مكان من الأرض مرتفع دون الجُبيل . وقرأ جمهور العشرة بربوة بضم الراء وقرأه ابن عامر وعاصم بفتح الراء . وتخصيص الجنة بأنّها في ربوة لأنّ أشجار الربى تكون أحسن منظراً وأزكى ثمراً فكان لهذا القيد فائدتان إحداهما قوة وجه الشبه كما أفاده قول { ضعفين } ، والثانية تحسين المشبّه به الراجع إلى تحسين المشبّه في تخيّل السامع .
والأكل بضم الهمزة وسكون الكاف وبضم الكاف أيضاً ، وقد قيل إن كل فُعْل في كلام العرب فهو مخفف فُعُل كعُنْق وفُلْك وحُمْق ، وهو في الأصل ما يؤكل وشاع في ثمار الشجر قال تعالى : { بجناتهم جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ } [ سبإ : 16 ] وقال : { تؤتى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } [ إبراهيم : 25 ] ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب « أُكْلها » بسكون الكاف ، وقرأه ابن عامر وحمزة وعاصم والكسائي وخلف بضم الكاف .
وقوله : « ضِعفين » التثنية فيه لمجرد التكرير مثل لَبَّيْك أي آتت أكلها مضاعفاً على تفاوتها .
وقوله : { فإن لم يُصبها وابل فطل } ، أي فإن لم يصبها مطر غزير كفاها مطر قليل فآتت أكلها دون الضعفين . والمعنى أن الإنفاق لابتغاء مرضاة الله له ثواب عظيم ، وهو مع ذلك متفاوت على تفاوت مقدار الإخلاص في الابتغاء والتثبيت كما تتفاوت أحوال الجنات الزكية في مقدار زكائها ولكنها لا تخيب صاحبها .
قوله تعالى : " ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم " " ابتغاء " مفعول من أجله . " وتثبيتا من أنفسهم " عطف عليه . وقال مكي في المشكل : كلاهما مفعول من أجله . قال ابن عطية : وهو مردود ، ولا يصح في " تثبيتا " أنه مفعول من أجله ، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت . و " ابتغاء " نصب على المصدر في موضع الحال ، وكان يتوجه فيه النصب على المفعول من أجله ، لكن النصب على المصدر هو الصواب من جهة عطف المصدر الذي هو " تثبيتا " عليه . ولما ذكر الله تعالى صفة صدقات القوم الذين لا خلاق لصدقاتهم ، ونهى المؤمنين عن مواقعة ما يشبه ذلك بوجه ما ، عقب في هذه الآية بذكر نفقات القوم الذين تزكو صدقاتهم إذ كانت على وفق الشرع ووجهه . و " ابتغاء " معناه طلب . و " مرضات " مصدر من رضي يرضى . " وتثبيتا " معناه أنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم ، قاله مجاهد والحسن . قال الحسن : كان الرجل إذا هم بصدقه تثبت ، فإن كان ذلك لله أمضاه وإن خالطه شك أمسك . وقيل : معناه تصديقا ويقينا ، قاله ابن عباس . وقال ابن عباس أيضا وقتادة : معناه واحتسابا من أنفسهم . وقال الشعبي والسدي وقتادة أيضا وابن زيد وأبو صالح وغيرهم : " وتثبيتا " معناه وتيقنا أي : أن نفوسهم لها بصائر فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تعالى تثبيتا . وهذه الأقوال الثلاث أصوب من قول الحسن ومجاهد ؛ لأن المعنى الذي ذهبا إليه إنما عبارته " وتثبيتا " مصدر على غير المصدر . قال ابن عطية : وهذا لا يسوغ إلا مع ذكر المصدر والإفصاح بالفعل المتقدم ، كقوله تعالى : " والله أنبتكم من الأرض{[2505]} نباتا " [ نوح : 17 ] ، " وتبتل إليه تبتيلا " {[2506]} [ المزمل : 8 ] . وأما إذا لم يقع إفصاح بفعل فليس لك أن تأتي بمصدر في غير معناه ثم تقول : أحمله على معنى كذا وكذا ، لفعل لم يتقدم له ذكر . قال ابن عطية : هذا مهْيَعُ كلام العرب فيما علمته . وقال النحاس : لو كان كما قال مجاهد لكان وتثبتا من تثبت كتكرمت تكرما ، وقول قتادة : احتسابا ، لا يعرف إلا أن يراد به أن أنفسهم تثبتهم محتسبة ، وهذا بعيد . وقول الشعبي حسن ، أي تثبيتا من أنفسهم لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله عز وجل ، يقال : ثبت فلانا في هذا الأمر ، أي صححت عزمه ، وقويت فيه رأيه ، أثبته تثبيتا ، أي أنفسهم موقنة بوعد الله على تثبيتهم في ذلك . وقيل : " وتثبيتا من أنفسهم " أي يقرون بأن الله تعالى يثبت عليها ، أي وتثبيتا من أنفسهم لثوابها ، بخلاف المنافق الذي لا يحتسب الثواب .
قوله تعالى : " كمثل جنة بربوة " الجنة البستان ، وهي قطعة أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها ، فهي مأخوذة من لفظ الجن والجنين لاستتارهم . وقد تقدم . والربوة : المكان المرتفع ارتفاعا يسيرا ، معه في الأغلب كثافة تراب ، وما كان كذلك فنباته أحسن ، ولذلك خص الربوة بالذكر . قال ابن عطية : ورياض الحزن ليست من هذا كما زعم الطبري ، بل تلك هي الرياض المنسوبة إلى نجد ؛ لأنها خير من رياض تهامة ، ونبات نجد أعطر ، ونسيمه أبرد وأرق ، ونجد يقال لها حزن . وقلما يصلح هواء تهامة إلا بالليل ، ولذلك قالت الأعرابية : " زوجي كليل تهامة " . وقال السدي : " بربوة " أي برباوة ، وهو ما انخفض من الأرض . قال ابن عطية : وهذه عبارة قِلقة ، ولفظ الربوة هو مأخوذ من ربا يربو إذا زاد .
قلت : عبارة السدي ليست بشيء ؛ لأن بناء " رَبَ و " معناه الزيادة في كلام العرب ، ومنه الربو للنفس العالي . ربا يربو إذا أخذه الربو . وربا الفرس إذا أخذه الربو من عدو أو فزع . وقال الفراء في قوله تعالى : " أخذهم أخذة رابية " {[2507]} [ الحاقة : 10 ] أي زائدة ، كقولك : أربيت إذا أخذت أكثر مما أعطيت . وربوت في بني فلان وربيت أي نشأت فيهم . وقال الخليل : الربوة أرض مرتفعة طيبة وخص الله تعالى بالذكر التي لا يجري فيها ماء من حيث العرف في بلاد العرب ، فمثل لهم ما يحسونه ويدركونه . وقال ابن عباس : الربوة المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار ، لأن قوله تعالى : " أصابها وابل " إلى آخر الآية يدل على أنها ليس فيها ماء جار ، ولم يرد جنس التي تجري فيها الأنهار ؛ لأن الله تعالى قد ذكر ربوة ذات قرار ومعين . والمعروف من كلام العرب أن الربوة ما ارتفع عما جاوره سواء جرى فيها ماء أو لم يجر . وفيها خمس لغات " ربوة " بضم الراء ، وبها قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ونافع وأبو عمرو . و " ربوة " بفتح الراء ، وبها قرأ عاصم وابن عامر والحسن . " وربوة " بكسر الراء ، وبها قرأ ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي . و " رباوة " بالفتح ، وبها قرأ أبو جعفر وأبو عبدالرحمن ، وقال الشاعر :
من مُنزلِي في روضة بِرَباوة *** بين النخيل إلى بقيعِ الغَرْقَدِ ؟
و " رِباوة " بالكسر ، وبها قرأ الأشهب العقيلي . قال الفراء : ويقال بِرَباوة وبرِباوة ، وكله من الرابية ، وفعله ربا يربو .
قوله تعالى : " أصابها " يعني الربوة . " وابل " أي مطر شديد قال الشاعر{[2508]} :
ما روضة من رياض الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ *** خضراء جاد عليها وابلٌ هَطِلُ
قوله تعالى : " فآتت " أي أعطت . " أكلها " بضم الهمزة : الثمر الذي يؤكل ، ومنه قوله تعالى : " تؤتي أكلها كل حين " {[2509]} [ إبراهيم : 25 ] . والشيء المأكول من كل شيء يقال له أكل . والأكلة : اللقمة ، ومنه الحديث : ( فإن كان الطعام مشفوها{[2510]} قليلا فليضع{[2511]} في يده منه أكلة أو أكلتين ) يعني لقمة أو لقمتين ، خرجه مسلم . وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص ، كسرج الفرس وباب الدار . وإلا فليس الثمر مما تأكله الجنة . وقرأ نافع ، وابن كثير وأبو عمرو " أكلها " بضم الهمزة وسكون الكاف ، وكذلك كل مضاف إلى{[2512]} مؤنث ، وفارقهما أبو عمرو فيما أضيف إلى مذكر مثل أُكُلَه ، أو كان غير مضاف إلى شيء مثل " أكل خمط " {[2513]} فثقل أبو عمرو ذلك وخففاه . وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي في جميع ما ذكرناه بالتثقيل . ويقال : أَكْل وأُكُل بمعنى . " ضعفين " أي أعطت ضعفي ثمر غيرها من الأرضين . وقال بعض أهل العلم : حملت مرتين في السنة ، والأول أكثر ، أي أخرجت من الزرع ما يخرج غيرها في سنتين .
قوله تعالى : " فإن لم يصبها وابل فطل " تأكيد منه تعالى لمدح هذه الربوة بأنها إن لم يصبها وابل فإن الطل يكفيها وينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين ، وذلك لكرم الأرض وطيبها . قال المبرد وغيره : تقديره فطل يكفيها . وقال الزجاج : فالذي يصيبها طل . والطل : المطر الضعيف المستدق من القطر الخفيف ، قاله ابن عباس وغيره ، وهو مشهور اللغة . وقال قوم منهم مجاهد : الطل : الندى . قال ابن عطية : وهو تجوز وتشبيه . قال النحاس : وحكى أهل اللغة وَبَلَت وأوْبَلَت ، وطَلّت وأَطَلّت . وفي الصحاح : الطل أضعف المطر والجمع الطلال ، تقول منه : طلت الأرض وأطلها الندى فهي مطلولة . قال الماوردي : وزرع الطل أضعف من زرع المطر وأقل ريعا ، وفيه - وإن قل - تماسك ونفع . قال بعضهم الآية تقديم وتأخير ، ومعناه كمثل جنة بربوة أصابها وابل فإن لم يصبها وابل فطل فآتت أكلها ضعفين . يعني اخضرت أوراق البستان وخرجت ثمرتها ضعفين .
قلت : التأويل الأول أصوب ولا حاجة إلى التقديم والتأخير . فشبه تعالى نمو نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربي الله صدقاتهم كتربية الفُلُوّ{[2514]} والفصيل بنمو نبات الجنة بالربوة الموصوفة ، بخلاف الصفوان الذي انكشف عنه ترابه فبقي صلدا . وخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم فَلُوَّه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل أو أعظم ) خرجه الموطأ أيضا .
قوله تعالى : " والله بما تعملون بصير " وعد ووعيد . وقرأ الزهري " يعملون " بالياء كأنه يريد به الناس أجمع ، أو يريد المنفقين فقط ، فهو وعد محض .