التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَـٰٓفَّـٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ} (41)

أُعقِب تمثيل ضلال أهل الضلالة وكيف حرمهم الله الهدى في قوله : { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة } إلى قوله : { ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور } [ النور : 39 ، 40 ] بطلب النظر والاعتبار كيف هدى الله تعالى كثيراً من أهل السماوات والأرض إلى تنزيه الله المقتضي الإيمان به وحده ، وبما ألهم الطير إلى أصواتها المعربة عن بهجتها بنعمة وجودها ورزقها الناشئَين عن إمداد الله إياها بهما فكانت أصواتها دلائل حال على تسبيح الله وتنزيهه عن الشريك ، فأصواتها تسبيح بلسان الحال .

والجملة استئناف ابتدائي ومناسبته ما علمت .

وجملة : { كل قد علم صلاته وتسبيحه } استئناف ثاننٍ وهو من تمام العبرة إذ أودع الله في جميع أولئك ما به ملازمتهم لما فُطروا عليه من تعظيم الله وتنزيهه .

فتسبيح العقلاء حقيقة ، وتسبيح الطير مجاز مرسل في الدلالة على التنزيه . وفيه استعمال لفظ التسبيح في حقيقته ومجازه ، ولذلك خولف بينهما في الجملة الثانية فعبر بالصلاة والتسبيح مراعاة لاختلاف حال الفريقين : فريق العقلاء . وفريق الطير وإن جمعتهما كلمة { كل } فأطلق على تسبيح العقلاء اسم الصلاة لأنه تسبيح حقيقي . فالمراد بالصلاة الدعاء وهو من خصائص العقلاء ، وليس في أحوال الطير ما يستقيم إطلاق الدعاء عليه على وجه المجاز وأبقي لدلالة أصوات الطير اسم التسبيح لأنه يطلق مجازاً على الدلالة بالصوت بعلاقة الإطلاق وذلك على التوزيع ؛ ولولا إرادة ذلك لقيل : كل قد علم تسبيحه ، أو كل قد علم صلاته .

والخطاب في قوله : { ألم تر } للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد من يَبلُغ إليه ، أو الخطاب لغير معيّن فيعم كل مخاطب كما هو الشأن في أمثاله .

والاستفهام مستعمل كناية عن التعجيب من حال فريق المشركين الذين هم من أصحاب العقول ومع ذلك قد حرموا الهدى لما لم يجعله الله فيهم . وقد جعل الهدى في العجماوات إذ جبلها على إدراك أثر نعمة الوجود والرزق . وهذا في معنى قوله تعالى : { إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً } [ الفرقان : 44 ] .

والصافّات من صفات الطير يراد به صفهن أجنحتهن في الهواء حين الطيران . وتخصيص الطير بالذكر من بين المخلوقات للمقابلة بين مخلوقات الأرض والسماء بذكر مخلوقات في الجو بين السماء والأرض ولذلك قيّدت ب { صافات } .

وفعل { علم } مراد به المعرفة لظهور الفرق بين علم العقلاء بصلاتهم وعلم الطير بتسبيحها فإن الثاني مجرد شعور وقصد للعمل .

وضمائر { علم صلاته وتسبيحه } راجعة إلى { كل } لا محالة .

ولو كان المراد بها التوزيع على من في السماوات والأرض والطير من جهة وعلى اسم الجلالة من جهة لوقع ضمير فصل بعد { علم } فلكان راجعاً إلى الله تعالى .

والرؤية هنا بصرية لأن تسبيح العقلاء مشاهد لكل ذي بصر ، وتسبيح الطير مشاهد باعتبار مسماه فما على الناظر إلا أن يعلم أن ذلك المسمى جدير باسم التسبيح .

وعلى هذا الاعتبار كان الاستفهام الإنكاري مكين الوقع .

وإن شئت قلت : إن جملة { ألم تر } جارية مجرى الأمثال في كلام البلغاء فلا التفات فيها إلى معنى الرؤية .

وقيل : الرؤية هنا قلبية . وأغنى المصدر عن المفعولين .

وجملة : { والله عليم بما يفعلون } تذييل وهو إعلام بسعة علم الله تعالى الشامل للتسبيح وغيره من الأحوال .

والإتيان بضمير جمع العقلاء تغليب . وقد تقدم في قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } في سورة البقرة ( 243 ) وقوله : { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } في سورة الأنعام ( 6 ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَـٰٓفَّـٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ} (41)

قوله تعالى : " ألم تر أن الله " لما ذكر وضوح الآيات زاد في الحجة والبينات ، وبين أن مصنوعاته تدل بتغييرها على أن لها صانعا قادرا على الكمال ، فله بعثة الرسل ، وقد بعثهم وأيدهم بالمعجزات ، وأخبروا بالجنة والنار . والخطاب في " ألم تر " للنبي صلى الله عليه وسلم ، ومعناه : ألم تعلم ، والمراد الكل . " أن الله يسبح له من في السماوات " من الملائكة . " والأرض " من الجن والإنس . " والطير صافات " قال مجاهد وغيره : الصلاة للإنسان والتسبيح لما سواه من الخلق . وقال سفيان : للطير صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود . وقيل : إن ضربها بأجنحتها صلاة ، وإن أصواتها تسبيح ، حكاه النقاش . وقيل : التسبيح ها هنا ما يرى في المخلوق من أثر الصنعة . ومعنى " صافات " مصطفات الأجنحة في الهواء . وقرأ الجماعة " والطير " بالرفع عطفا على " من " . وقال الزجاج : ويجوز " والطير " بمعنى مع الطير . قال النحاس : وسمعته يخبر - قمتُ وزيدا - بمعنى مع زيد . قال : وهو أجود من الرفع . قال : فإن قلت قمت أنا وزيد ، كان الأجود الرفع ، ويجوز النصب . " كل قد علم صلاته وتسبيحه " يجوز أن يكون المعنى : كل قد علم الله صلاته وتسبيحه ؛ أي علم صلاة المصلي وتسبيح المسبح . ولهذا قال : " والله عليم بما يفعلون " أي لا يخفي عليه طاعتهم ولا تسبيحهم . ومن هذه الجهة يجوز نصب " كل " عند البصريين والكوفيين بإضمار فعل يفسره ما بعده . وقد قيل : المعنى قد علم كل مصل ومسبح صلاة نفسه وتسبيحه الذي كلفه . وقرأ بعض الناس " كل قد عُلِم صلاته وتسبيحه " غير مسمى الفاعل . وذكر بعض النحويين أن بعضهم قرأ " كل قد عَلَّم صلاته وتسبيحه " ، فيجوز أن يكون تقديره : كل قد علمه الله صلاته وتسبيحه . ويجوز أن يكون المعنى : كل قد علم غيره صلاته وتسبيحه أي صلاة نفسه ؛ فيكون التعليم الذي هو الإفهام والمراد الخصوص ؛ لأن من الناس من لم يعلم . ويجوز أن يكون المعنى كل قد استدل منه المستدل ، فعبر عن الاستدلال بالتعليم قاله المهدوي . والصلاة هنا بمعنى التسبيح ، وكرر تأكيدا ، كقول " يعلم السر والنجوى " . والصلاة قد تسمى تسبيحا ، قاله القشيري .