شأن { أو } إذا جاءت في عطف التشبيهات أن تدل على تخيير السامع أن يشبه بما قبلها وبما بعدها . وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { أو كصيب من السماء } في سورة البقرة ( 19 ) ، أي مع اتحاد وجه الشبه . ومنه قول أمرىء القيس :
يُضيء سناه أو مصَابيح راهب *** . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أفتلك أم وحشية مسبوعة *** خذلت وهادية الصوّار قوامها
فإذا كان الكلام هنا جارياً على ذلك الشأن كان المعنى تمثيل الذين كفروا في أعمالهم التي يظنون أنهم يتقربون بها إلى الله بحال ظلمات ليل غشيت ماخراً في بحر شديد الموج قد اقتحم ذلك البحر ليصل إلى غاية مطلوبة ، فحالهم في أعمالهم تشبه حال سابح في ظلمات ليل في بحر عميق يغشاه موج يركب بعضه بعضاً لشدة تعاقبه ، وإنما يكون ذلك عند اشتداد الرياح حتى لا يكاد يرى يده التي هي أقرب شيء إليه وأوضحُه في رؤيته فكيف يرجو النجاة .
وإن كان الكلام جارياً على التخيير في التشبيه مع اختلاف وجه الشبه كان المعنى تمثيل حال الذين كفروا في أعمالهم التي يعملونها وهم غير مؤمنين بحال من ركب البحر يرجو بلوغ غاية فإذا هو في ظلمات لا يهتدي معها طريقاً . فوجه الشبه هو ما حف بأعمالهم من ضلال الكفر الحائل دون حصول مبتغاهم .
ويرجح هذا الوجه تذييل التمثيل بقوله : { ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور } .
وعلى الوجهين فقوله : { كظلمات } عطف على { كسراب } [ النور : 39 ] والتقدير : والذين كفروا أعمالهم كظلمات .
وهذا التمثيل من قبيل تشبيه حالة معقولة بحالة محسوسة كما يقال : شاهدتُ سواد الكفر في وجه فلان .
والظلمات : الظلمة الشديدة . والجمع مستعمل في لازم الكثرة وهو الشدة ، فالجمع كناية لأن شدة الظلمة يحصل من تظاهر عدة ظلمات . ألا ترى أن ظلمة بين العشاءين أشد من ظلمة عقب الغروب وظلمة العشاء أشد مما قبلها .
وقد ذكرنا فيما مضى أن لفظ ظلمة بالإفراد لم يرد في القرآن انظر أول سورة الأنعام . ومعنى كونها { في بحر } أنها انطبع سوادها على ماء بحر فصار كأنها في البحر كقوله تعالى : { أو كصيب من السماء فيه ظلمات } وقد تقدم في سورة البقرة ( 19 ) إذ جعل الظلمات في الصيب .
واللجِّيّ منسوب إلى اللجة ، واللج هو معظم البحر ، أي في بحر عميق ، فالنسب مستعمل في التمكن من الوصف كقول أبي النجم :
أي دوّار ، وكقولهم : رجل مشركي ورجل غلاّبي ، أي قوي الشرك وكثير الغلب .
والموج : اسم جمع موجة والموجة : مقدار يتصاعد من ماء البحر أو النهر عن سطح مائه بسبب اضطراب في سطحه بهبوب ريح من جانبه يدفعه إلى الشاطىء . وأصله مصدر : ماج البحر ، أي اضطرب وسمي به ما ينشأ عنه .
ومعنى : { من فوقه موج } أن الموج لا يتكسر حتى يلحقه موج آخر من فوقه وذلك أبقى لظلمته .
والسحاب تقدم في سورة الرعد ( 12 ) . والسحاب يزيد الظلمة إظلاماً لأنه يحجب ضوء النجم والهلال .
وقوله : { ظلمات بعضها فوق بعض } استئناف . والتقدير : هي ظلمات والمراد بالظلمات التي هنا غير المراد بقوله : { أو كظلمات } لأن الجمع هنا جمع أنواع وهنالك جمع أفراد من نوع واحد .
وقرأ الجمهور : { سحاب ظلمات } بالتنوين فيهما . وقرأ البزي عن ابن كثير { من فوقه سحاب ظلمات } بترك التنوين في { سحاب } وبإضافته إلى { ظلمات } . وقرأه قنبل عن ابن كثير برفع { سحاب } منوناً وبجر { ظلمات } على البدل من قوله : { أو كظلمات } .
وقوله : { لم يكد يراها } هو من قبيل قوله { فذبحوها وما كادوا يفعلون } [ البقرة : 71 ] وقد تقدم وجه هذا الاستعمال في سورة البقرة وما فيه من قصة بيت ذي الرمة .
وجملة : { ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور } تذييل للتمثيل ، أي هم باءوا بالخيبة فيما ابتغوا مما عملوا وقد حفهم الضلال الشديد فيما عملوا حتى عدموا فائدته لأن الله لم يخلق في قلوبهم الهدى حين لم يوفقهم إلى الإيمان ، أي أن الله جبلهم غير قابلين للهدى فلم يجعل لهم قبوله في قلوبهم فلا يحل بها شيء من الهدى .
وفيه تنبيه على أن الله تعالى متصرف بالإعطاء والمنع على حسب إرادته وحكمته وما سبق من نظام تدبيره .
وهذا التمثيل صالح لاعتبار التفريق في تشبيه أجزاء الهيئة المشبهة بأجزاء الهيئة المشبه بها ؛ فالضلالات تشبه الظلمات ، والأعمال التي اقتحمها الكافر لقصد التقرب بها تشبه البحر ، وما يخالط أعماله الحسنة من الأعمال الباطلة كالبحيرة ، والسائبة يشبه الموج في تخليطه العمل الحسن وتخلله فيه وهو الموج الأول . وما يرد على ذلك من أعمال الكفر كالذبح للأصنام يشبه الموج الغامر الآتي على جميع ذلك بالتخلل والإفساد وهو الموج الثاني ، وما يحف اعتقاده من الحيرة في تمييز الحسن من العبث ومن القبيح يشبه السحاب الذي يغشى ما بقي في السماء من بصيص أنوار النجوم ، وتطلّبُه الانتفاع من عمله يشبه إخراج الماخر يده لإصلاح أمر سفينته أو تناول ما يحتاجه فلا يرى يده بله الشيء الذي يريد تناوله .
قوله تعالى : " أو كظلمات في بحر لجي " ضرب تعالى مثلا آخر للكفار أي أعمالهم كسراب بقيعة أو كظلمات . قال الزجاج : إن شئت مثل بالسراب وإن شئت مثل بالظلمات ف " أو " للإباحة حسبما تقدم من القول في " أو كصيب " {[12015]} [ البقرة : 19 ] . وقال الجرجاني : الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار والثانية في ذكر كفرهم ونسق الكفر على أعمالهم لأن الكفر أيضا من أعمالهم وقد قال تعالى : " يخرجهم من الظلمات إلى النور " {[12016]}[ البقرة : 257 ] أي من الكفر إلى الإيمان وقال أبو علي : " أو كظلمات " أو كذي ظلمات ودل على هذا المضاف قوله تعالى : " إذا أخرج يده " فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف . قال القشيري : فعند الزجاج التمثيل وقع لأعمال الكفار ، وعند الجرجاني لكفر الكافر ، وعند أبي علي للكافر . وقال ابن عباس في رواية : هذا مثل قلب الكافر . " في بحر لجي " قيل : هو منسوب اللَّجَّة ، وهو الذي لا يدرك قعره . واللجة معظم الماء ، والجمع لجج . والتَجَّ البحر إذا تلاطمت أمواجه ؛ ومنه ما روي عن النبي أنه قال : ( من ركب البحر إذا الْتَجَّ فقد برئت منه الذمة ) . والتَجَّ الأمر إذا عظم واختلط . وقوله تعالى : " حسبته لجة " {[12017]}[ النمل : 44 ] أي ما له عمق . ولججت السفينة أي خاضت اللجة ( بضم اللام ) . فأما اللجة ( بفتح اللام ) فأصوات الناس يقول : سمعت لجة الناس أي أصواتهم وصخبهم . قال أبو النجم :
في لَجَّةٍ أمْسِكْ فُلاَنًا عن فُلِ
والتجت الأصوات أي اختلطت وعظمت . " يغشاه موج " أي يعلو ذلك البحر اللجي موج . " من فوقه موج " أي من فوق الموج موج ، ومن فوق هذا الموج الثاني سحاب ، فيجتمع خوف الموج وخوف الريح وخوف السحاب . وقيل : المعنى يغشاه موج من بعده موج ، فيكون المعنى : الموج يتبع بعضه بعضا حتى كأن بعضه فوق بعض ، وهو أخوف ما يكون إذا توالى موجه وتقارب ومن فوق هذا الموج سحاب . وهو أعظم للخوف من وجهين : أحدهما : أنه قد غطى النجوم التي يهتدي بها . الثاني : الريح التي تنشأ مع السحاب والمطر الذي ينزل منه . " ظلمات بعضها فوق بعض " قرأ ابن محيصن والبزي عن ابن كثير " سحاب ظلمات " بالإضافة والخفض . قنبل " سحاب " منونا " ظلمات " بالجر والتنوين . الباقون بالرفع والتنوين . قال المهدوي : من قرأ " من فوقه سحاب ظلمات " بالإضافة فلأن السحاب يرتفع وقت هذه الظلمات فأضيف إليها ، كما يقال : سحاب رحمة إذا ارتفع في وقت المطر . ومن قرأ " سحاب ظلمات " جر " ظلمات " على التأكيد ل " ظلمات " الأولى أو البدل منها . و " سحاب " ابتداء و " من فوقه " الخبر . ومن قرأ " سحاب ظلمات " فظلمات خبر ابتداء محذوف التقدير : هي ظلمات أو هذه ظلمات . قال ابن الأنباري : " من فوقه موج " غير تام ؛ لأن قول " من فوقه سحاب " صلة للموج ، والوقف على قول " من فوقه سحاب " حسن ثم تبتدئ " ظلمات بعضها فوق بعض " على معنى هي ظلمات بعضها فوق بعض . وروي عن أهل مكة أنهم قرؤوا " ظلمات " على معنى أو كظلمات ظلمات بعضها فوق بعض فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على السحاب . ثم قيل : المراد بهذه الظلمات ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة الليل وظلمة البحر ، فلا يبصر من كان في هذه الظلمات شيئا ولا كوكبا . وقيل : المراد بالظلمات الشدائد ، أي شدائد بعضها فوق بعض . وقيل : أراد بالظلمات أعمال الكافر ، وبالبحر اللجي قلبه ، وبالموج فوق الموج ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة ، وبالسحاب الرين والختم والطبع على قلبه . روي معناه عن ابن عباس وغيره ، أي لا يبصر بقلبه نور الإيمان ، كما أن صاحب الظلمات في البحر إذا أخرج يده لم يكد يراها . وقال أبيّ ابن كعب : الكافر يتقلب في خمس من الظلمات : كلامه ظلمة ، وعمله ظلمة ، ومدخله ظلمة ، ومخرجه ظلمة ، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات في النار وبئس المصير .
قوله تعالى : " إذا أخرج يده " يعني الناظر . " لم يكد يراها " أي من شدة الظلمات . قال الزجاج وأبو عبيدة : المعنى لم يرها ولم يكد ، وهو معنى قول الحسن . ومعنى " لم يكد " لم يطمع أن يراها . وقال الفراء : كاد صلة ، أي لم يرها ، كما تقول : ما كدت أعرفه . وقال المبرد : يعني لم يرها إلا من بعد الجهد ؛ كما تقول : ما كدت أراك من الظلمة ، وقد رآه بعد يأس وشدة . وقيل : معناه قرب من الرؤية ولم ير كما يقال : كاد العروس يكون أميرا وكاد النعام يطير وكاد المنتعل يكون راكبا . النحاس : وأصح الأقوال في هذا أن المعنى لم يقارب رؤيتها ، فإذا لم يقارب رؤيتها فلم يرها رؤية بعيدة ولا قريبة . " ومن لم يجعل الله له نورا " يهتدي به حين أظلمت عليه الأمور . وقال ابن عباس : أي من لم يجعل الله له دينا فما له من دين ، ومن لم يجعل الله له نورا يمشي به يوم القيامة لم يهتد إلى الجنة ؛ كقوله تعالى : " ويجعل لكم نورا تمشون به " {[12018]} [ الحديد : 28 ] . وقال الزجاج : ذلك في الدنيا والمعنى : من لم يهده الله لم يهتد . وقال مقاتل بن سليمان : نزلت في عتبة بن ربيعة ، كان يلتمس الدين في الجاهلية ، ولبس المسوح ، ثم كفر في الإسلام . الماوردي : في شيبة بن ربيعة ، وكان يترهب في الجاهلية ويلبس الصوف ويطلب الدين ، فكفر في الإسلام .
قلت : وكلاهما مات كافرا ، فلا يبعد أن يكونا هما المراد بالآية وغيرهما . وقد قيل : نزلت في عبد الله بن جحش ، وكان أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة ثم تنصر بعد إسلامه . وذكر الثعلبي : وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى خلقني من نور وخلق أبا بكر من نوري وخلق عمر وعائشة من نور أبي بكر وخلق المؤمنين من أمتي من نور عمر وخلق المؤمنات من أمتي من نور عائشة فمن لم يحبني ويحب أبا بكر وعمر وعائشة فما له من نور ) . فنزلت " ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور " .