التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قَالُواْ ٱطَّيَّرۡنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَۚ قَالَ طَـٰٓئِرُكُمۡ عِندَ ٱللَّهِۖ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تُفۡتَنُونَ} (47)

هذا من محاورتهم مع صالح فلذلك لم يُعطف فعلا القول وجاء على سنن حكاية أقوال المحاورات كما بيّناه غير مرة .

وأصل { اطيرنا } تَطيّرنا فقلبت التاء طاء لقرب مخرجيهما وسكنت لتخفيف الإدغام وأدخلت همزة الوصل لابتداء الكلمة بساكن ، والباء للسببية .

ومعنى التطير : التشاؤم . أطلق عليه التطيّر لأن أكثره ينشأ من الاستدلال بحركات الطير من سَانح وبارح . وكان التَطيّر من أوهام العرب وثمود من العرب ، فقولهم المحكي في هذه الآية حُكي به مماثله من كلامهم ولا يريدون التطيّر الحاصل من زجر الطير لأنه يمنع من ذلك قولهم : { بك وبمن معك } وقد تقدم مثله عند قوله تعالى : { وإن تصبهم سيئة يَطَّيَّروا بموسى ومن معه } في سورة الأعراف ( 131 ) . وتقدم معنى الشؤم هنالك .

وأجاب صالح كلامهم بأنه ومَن معه ليسُوا سبب شُؤم ولكن سبب شؤمهم وحلول المضار بهم هو قدرة الله .

واستعير لما حلّ بهم اسمُ الطائر مشاكلَة لقولهم اطيرنا بك وبمن معك } ، ومخاطبةً لهم بما يفهمون لإصلاح اعتقادهم ، بقرينة قولهم { اطيرنا بك } .

و { عند } للمكان المجازي مستعاراً لتحقّق شأن من شؤون الله به يقدر الخير والشر وهو تصرف الله وقدرُه . وقد تقدم نظيره في الأعراف .

وأضرب ب { بل } عن مضمون قولهم : { اطيرنا بك وبمن معك } بأن لا شؤم بسببه هو وسبب من معه ولكن الذين زعموا ذلك قوم فتنهم الشيطان فتنة متجددة بإلقاء الاعتقاد بصحة ذلك في قلوبهم .

وصِيَغ الإخبار عنهم بأنهم مفتونون بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لتقوي الحكم بذلك . وصيغ المسند فعلاً مضارعاً لدلالته على تجدد الفتون واستمراره .

وغلب جانب الخطاب في قوله : { تفتنون } على جانب الغيبة مع أن كليهما مقتضى الظاهر ترجيحاً لجانب الخطاب لأنه أدل من الغيبة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالُواْ ٱطَّيَّرۡنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَۚ قَالَ طَـٰٓئِرُكُمۡ عِندَ ٱللَّهِۖ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تُفۡتَنُونَ} (47)

قوله تعالى : " قالوا اطيرنا بك وبمن معك " أي تشاءمنا . والشؤم النحس . ولا شيء أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة . ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيق غراب يرد قضاء ، أو يدفع مقدورا فقد جهل . وقال الشاعر :

طِيرَةُ الدهرِ لا تَردُّ قضاء *** فاعذر الدهرَ لا تشبه بلَوْمِ

أيُّ يوم يخصه بسعودٍ *** والمنايا ينزلن في كل يومِ

ليس يوم إلا وفيه سعود *** ونحوسٌ تجري لقوم فقومِ

وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة ، وكانت إذا أرادت سفرا نفرت طائرا ، فإذا طار يمنة سارت وتيمنت ، وإن طار شمالا رجعت وتشاءمت ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال : ( أقِروا الطير على وكناتها{[12304]} ) على ما تقدم بيانه في " المائدة " {[12305]} . " قال طائركم عند الله " أي مصائبكم . " بل أنتم قوم تفتنون " أي تمتحنون . وقيل : تعذبون بذنوبكم .


[12304]:الوكنات (بضم الكاف وفتحها وسكونها) جمع وكنة (بالسكون) وهي عش الطائر ووكره. ويروى:" على مكناتها.
[12305]:راجع ج 6 60 طبعة أولى أو ثانية.