التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ} (25)

يجوز أن تكون مقالته هذه سابقة على إلقائه في النار وأن تكون بعد أن أنجاه الله من النار . والأظهر من ترتيب الكلام أنها كانت بعد أن أنجاه الله من النار ، أراد به إعلان مكابرتهم الحق وإصرارهم على عبادة الأوثان بعد وضوح الحجة عليهم بمعجزة سلامته من حرق النار . وتقدم ذكر الأوثان قريباً .

ومحط القصر ب { إنما } هو المفعول لأجله ؛ أما قصر المعبودات من دون الله على كونها أوثاناً فقد سبق في قوله { إنما تعبدون من دون الله أوثاناً } [ العنكبوت : 17 ] أي ما اتخذتم أوثاناً إلا لأجل مودّة بعضكم بعضاً . ووجه الحصر أنه لم تبق لهم شبهة في عبادة الأوثان بعد مشاهدة دلالة صدق الرسول الذي جاء بإبطالها فتمحض أن يكون سبب بقائهم على عبادة الأوثان هو مودة بعضهم بعضاً الداعية لإباية المخالفة . والمودة : المحبة والإلف . ويتعين أن يكون ضمير { بينكم } شاملاً للأوثان .

والمودة : المحبة . فهؤلاء القوم يحب بعضهم بعضاً فلا يخالفه وإن لاح له أنه على ضلال ، ويحبون الأوثان فلا يتركون عبادتها وإن ظهرت لبعضهم دلالة بطلان إلهيتها قال تعالى { ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبّونهم كحب الله } [ البقرة : 165 ] .

قال الفخر : أي مودة بين الأوثان وعبدتها فإن من غلبت عليه اللذات الجسمية لا يلتفت إلى اللذات العقلية كالمجنون إذا احتاج إلى قضاء حاجة من أكل أو شرب أو إراقة ماء وهو بين مجمع من الأكابر لا يلتفت إلى اللذة العقلية من الحياء وحسن السيرة بل يحصِّل ما فيه لذة جسمه . فهم كانوا قليلي العقول فغلبت عليهم اللذات الجسمية فلم يتسع عقلهم لمعبود غير جسماني ورأوا تلك الأصنام مُزينة بألوان وجواهر فأحبوها .

وفعل { اتخذتم } مراد به الاستمرار والبقاء على اتخاذها بعد وضوح حجة بطلان استحقاقها العبادة .

وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر وخلف { مودة } منصوباً منوناً بدون إضافة ، و { بينكم } منصوباً على الظرفية . وقرأ حمزة وحفص عن عاصم وروح عن يعقوب { مودة } منصوباً غير منون بل مضافاً إلى { بينكم } ، و { بينكم } مجرور أو هو من إضافة المظروف إلى الظرف . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب مرفوعاً مضافاً على أن تكون ( ما ) في { إنما } موصولة وحقها أن تكتب مفصولة ، و { مودة } خبر ( إن ) تكون كتابة { إنما } متصلة من قبيل الرسم غير القياسي فيكون الإخبار عنها بأنها مودة إخباراً مجازياً عقلياً باعتبار أن الاتخاذ سبب عن المودة . ولما في المجاز من المبالغة كان فيه تأكيد للخبر بعد تأكيده ب ( إن ) فيقوم التأكيدان مقام الحصر إذ ليس الحصر إلا تأكيداً على تأكيد كما قال السكاكي ، أي لأنه بمنزلة إعادة الخبر حيث يُثبت ثم يؤكد بنفي ما عداه .

والخبر مستعمل في غير إفادة الحكم بل في التنبيه على الخطأ بقرينة قوله عقبه { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً } . ونظيره جملة صلة الموصول في قول عبدة بن الطبيب{[310]} :

إن الذين تَروْنهم إخوانَكم *** يشفي غليل صدورهم أن تُصرعوا

ولما كان في قوله { مودة بينكم } شائبة ثبوت منفعة لهم في عبادة الأوثان إذ يكتسبون بذلك مودة بينهم تلذ لنفوسهم قرنه بقوله { في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض } الخ تنبيهاً لسوء عاقبة هذه المودة وإزالة للغرور والغفلة ، ليعلموا أن اللذات العاجلة لا عِبرة بها إن كانت تَعقِب ندامة آجلة .

ومعنى { يكفر بعضكم ببعض } أن المخاطبين يكفرون بالأصنام التي كانوا يعبدونها إذ يجحدون يوم القيامة أنهم كانوا يعبدونها .

ومعنى { ويلعن بعضكم بعضاً } أن المخاطبين يلعن كل واحد منهم الآخرين ؛ إما لأن الملعونين غرّوا اللاعنين فسوّلوا لهم اتخاذ الأصنام ، وإما لأنهم وافقوهم على ذلك .

وهذه مخاز تلحق بعضهم من بعض ، ثم ذكر ما يعمهم من عذاب الخزي بقوله { ومأواكم النار } .

ثم ذكر ما يعمهم جميعاً من انعدام النصير فقال { وما لكم من ناصرين } فنفى عنهم جنس الناصر . وهو من يزيل عنهم ذلك الخزي . وجيء في نفي الناصر بصيغة الجمع هنا خلافاً لقوله آنفاً { وما لكم من دون الله من وليّ ولا نصير } [ العنكبوت : 22 ] لأنهم لما تألبوا على إبراهيم وتجمعوا لنصرة أصنامهم كان جزاؤهم حرمانهم من النصراء مطابقة بين الجزاء والحالة التي جوزوا عليها . على أن المفرد والجمع في حيّز النفي سواء في إفادة نفي كل فرد من الجنس .


[310]:- الطبيب لقب أبي عبدة واسمه يزيد بن عمرو. وكتب في أكثر النسخ من كتب الأدب ومخطوطها ومطبوعها: الطبيب بموحدتين بينهما تحتية وفي قليل من كتب الأدب بتحتية بعد الطاء ولم أقف على من حقق ضبطه بوجه لا التباس فيه.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ} (25)

قوله تعالى : " وقال " إبراهيم " إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا " وقرأ حفص وحمزة : " مودةَ بينكم " وابن كثير وأبو عمرو والكسائي : " مودةٌ بينِكم " والأعشى عن أبي بكر عن عاصم وابن وثاب والأعمش : " مودةٌ بينَكم " الباقون " مودةُ بينَكم " فأما قراءة ابن كثير ففيها ثلاثة أوجه : ذكر الزجاج منها وجهين : أحدهما : أن المودة ارتفعت على خبر إن وتكون " ما " بمعنى الذي ، والتقدير إن الذي اتخذتموه من دون الله أوثانا مودة بينكم والوجه الآخر أن يكون على إضمار مبتدأ أي وهي مودة أو تلك مودة بينكم والمعنى ألهتكم أو جماعتكم مودة بينكم . قال ابن الأنباري : " أوثانا " وقف حسن لمن رفع المودة بإضمار ذلك مودة بينكم ومن رفع المودة على أنها خبر إن لم يقف . والوجه الثالث الذي لم يذكره أن يكون " مودة " رفعا بالابتداء و " في الحياة الدنيا " خبره . فأما إضافة " مودة " إلى " بينكم " فإنه جعل " بينكم " اسما غير ظرف والنحويون يقولون جعله مفعولا على السعة . وحكى سيبويه : يا سارق الليلة أهل الدار ، ولا يجوز أن يضاف إليه وهو ظرف ؛ لعلةٍ ليس هذا موضع ذكرها . ومن رفع " مودة " ونونها فعلى معنى ما ذكر و " بينكم " بالنصب ظرفا ومن نصب " مودة " ولم ينونها جعلها مفعولة بوقوع الاتخاذ عليها وجعل " إنما " حرفا واحدا ولم يجعلها بمعنى الذي ويجوز نصب المودة على أنه مفعول من أجله كما تقول : جئتك ابتغاء الخير وقصدت فلانا مودة له " بينكم " بالخفض ومن نون " مودة " ونصبها فعلى ما ذكر " بينكم " بالنصب من غير إضافة . قال ابن الأنباري : ومن قرأ : " مودةً بينكم " و " مودة بينكم " لم يقف على الأوثان ووقف على الحياة الدنيا ومعنى الآية جعلتم الأوثان تتحابون عليها وعلى عبادتها في الحياة الدنيا " ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا " تتبرأ الأوثان من عبادها والرؤساء من السفلة كما قال الله عز وجل : " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " [ الزخرف : 67 ] . " ومأواكم النار وما لكم من ناصرين " هو خطاب لعبدة الأوثان الرؤساء منهم والأتباع وقيل : تدخل فيه الأوثان كقوله تعالى : " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " [ الأنبياء : 98 ] .