التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (29)

{ أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر }

وجملة { أينكم لتأتون الرجال } الخ بدل اشتمال من مضمون جملة { لتأتون الفاحشة } ، باعتبار ما عطف

على جملة { أئنكم لتأتون الرجال } من قوله { وتقطعون السبيل } الخ لأن قطع السبيل وإتيان المنكر في ناديهم مما يشتمل عليه إتيان الفاحشة .

وأدخل استفهام الإنكار على جميع التفصيل وأعيد حرف التأكيد لتتطابق جملة البدل مع الجملة المبدل منها لأنها الجزء الأول من هذه الجملة المبدلة عند قطع النظر عما عطف عليها تكون من الجملة المبدل منها بمنزلة البدل المطابق .

وقطع السبيل : قطع الطريق ، أي التصدي للمارين فيه بأخذ أموالهم أو قتل أنفسهم أو إكراههم على الفاحشة . وكان قوم لوط يقعدون بالطرق ليأخذوا من المارة من يختارونه .

فقطع السبيل فساد في ذاته وهو أفسد في هذا المقصد . وأما إتيان المنكر في ناديهم فإنهم جعلوا ناديهم للحديث في ذكر هذه الفاحشة والاستعداد لها ومقدماتها كالتغازل برمي الحصى اقتراعاً بينهم على من يرومونه ، والتظاهر بتزيين الفاحشة زيادة في فسادها وقبحها لأنه معين على نبذ التستر منها ومعين على شيوعها في الناس .

وفي قوله { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } تشديد في الإنكار عليهم في أنهم الذين سنوا هذه الفاحشة السيئة للناس وكانت لا تخطر لأحد ببال ، وإن كثيراً من المفاسد تكون الناس في غفلة عن ارتكابها لعدم الاعتياد بها حتى إذا أقدم أحد على فعلها وشوهد ذلك منه تنبهت الأذهان إليها وتعلقت الشهوات بها .

والنادي : المكان الذي ينتدي فيه الناس ، أي يجتمعون نهاراً للمحادثة والمشاورة وهو مشتق من النَدْو بوزن العفو وهو الاجتماع نهاراً . وأما مكان الاجتماع ليلاً فهو السامر ، ولا يقال للمجلس ناد إلا ما دام فيه أهله فإذا قاموا عنه لم يسم نادياً .

{ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ من الصادقين }

الكلام فيه كالقول في نظيره المتقدم آنفاً في قوله { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه } [ العنكبوت : 24 ] الآية ، والأمر في { ائتنا بعذاب الله } للتعجيز وهو يقتضي أنه أنذرهم العذاب في أثناء دعوته . ولم يتقدم ذكر ذلك في قصة لوط فيما مضى لكن الإنذار من شؤون دعوة الرسل .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (29)

" وتقطعون السبيل " قيل : كانوا قطاع الطريق . قاله ابن زيد وقيل : كانوا يأخذون الناس من الطرق لقضاء الفاحشة . حكاه ابن شجرة . وقيل : إنه قطع النسل بالعدول عن النساء إلى الرجال . قال وهب بن منبه : أي استغنوا بالرجال عن النساء .

قلت : ولعل الجميع كان فيهم فكانوا يقطعون الطريق لأخذ الأموال والفاحشة ويستغنون عن النساء بذلك .

قوله تعالى : " وتأتون في ناديكم المنكر " النادي المجلس واختلف في المنكر الذي كانوا يأتونه فيه ، فقالت فرقة : كانوا يخذفون النساء بالحصى ويستخفون بالغريب والخاطر عليهم ، وروته أم هانئ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت أم هانئ : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل : " وتأتون في ناديكم المنكر " قال : ( كانوا يخذفون من يمر بهم ويسخرون منه فذلك المنكر الذي كانوا يأتونه ) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده ، وذكره النحاس والثعلبي والمهدوي والماوردي . وذكر الثعلبي قال معاوية قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل قصعة فيها الحصى للخذف ، فإذا مر بهم عابر قذفوه ، فأيهم أصابه كان أولى به ) يعني يذهب به للفاحشة ، فذلك قوله : " وتأتون في ناديكم المنكر " وقالت عائشة وابن عباس والقاسم بن أبي بزة{[12406]} والقاسم بن محمد : إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم ، وقال منصور{[12407]} عن مجاهد كانوا يأتون الرجال في مجالسهم ، وبعضهم يرى بعضا وعن مجاهد : كان من أمرهم لعب الحمام وتطريف الأصابع بالحناء والصفير والخذف ونبذ الحياء في جميع أمورهم . قال ابن عطية : وقد توجد هذه الأمور في بعض عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فالتناهي واجب . قال مكحول : في هذه الأمة عشرة من أخلاق قوم لوط : مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء وحل الإزار وتنقيض{[12408]} الأصابع والعمامة التي تلف حول الرأس والتشابك ورمي الجلاهق{[12409]} والصفير والخذف واللوطية . وعن ابن عباس قال : إن قوم لوط كانت فيهم ذنوب غير الفاحشة منها أنهم يتظالمون فيما بينهم ويشم بعضهم بعضا ويتضارطون في مجالسهم ويخذفون ويلعبون بالنرد والشطرنج ويلبسون المصبغات ويتناقرون بالديكة ويتناطحون بالكباش ويطرفون أصابعهم بالحناء وتتشبه الرجال بلباس النساء والنساء بلباس الرجال ويضربون المكوس على كل عابر ، ومع هذا كله كانوا يشركون بالله ، وهم أول من ظهر على أيديهم اللوطية والسحاق ، فلما وقفهم لوط عليه السلام على هذه القبائح رجعوا إلى التكذيب واللجاج ، فقالوا : " ائتنا بعذاب الله " أي إن ذلك لا يكون ولا يقدر عليه وهم لم يقولوا هذا إلا وهم مصممون على اعتقاد كذبه ، وليس يصح في الفطرة أن يكون معاند يقول هذا .


[12406]:بفتح الموحدة وتشديد الزاي كما في التقريب.
[12407]:في كل النسخ: مجاهد ومنصور. والتصويب عن تفسير الطبري وغيره.
[12408]:تنقيض الأصابع: فرقعتها.
[12409]:الجلاهق كعلابط البندق الذي رمى به. والخذف بالخاء المعجمة: الحذف به.