التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَأَنتُمۡ شُهَدَآءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (99)

وقوله : { قل يا أهل الكتاب لم تصدون } توبيخ ثان وإنكار على مجادلتهم لإضلالهم المؤمنين بعد أن أنكر عليهم ضلالهم في نفوسهم ، وفُصِل بلا عطف للدلالة على استقلاله بالقصد ، ولو عطف لصحّ العطف .

والصدّ يستعمل قاصراً ومتعدّياً : يقال صدّه عن كذا فصدّ عنه . وقاصرُه بمعنى الإعراض . فمتعدّيه بمعنى جعل المصدود مُعرضاً أي صَرْفُه ، ويقال : أصدّه عن كذا ، وهو ظاهر .

وسبيل الله مجاز في الأقوال والأدلّة الموصلة إلى الدّين الحقّ . والمراد بالصدّ عن سبيل الله إمّا محاولة إرجاع المؤمنين إلى الكفر بإلقاء التشكيك عليهم . وهذا المعنى يلاقي معنى الكفر في قوله : { لم تكفرون بآيات الله } على وجهيه الراجعين للمعنى الشَّرعي . وإمّا صدّ النّاس عن الحجّ أي صدّ أتباعهم عن حجّ الكعبة ، وترغيبهم في حجّ بيت المقدس ، بتفضيله على الكعبة ، وهذا يلاقي الكفر بمعناه اللُّغوي المتقدّم ، ويجوز أن يكون إشارة إلى إنكراهم القبلة في قولهم { وما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } [ البقرة : 142 ] لأنّ المقصود به صدّ المؤمنين عن استقبال الكعبة .

وقوله : { تبغونها عوجاً } أي تبغون السبيل فأنّث ضميره لأنّ السّبيل يذكّر ويؤنث : قال تعالى : { قل هذه سبيلي } [ يوسف : 108 ] . والبغي الطلب أي تطلبون . والعوج بكسر العين وفتح الواو ضدّ الاستقامة وهو اسم مصدر عَوِج كفَرح ، ومصدره العَوَج كالفرح . وقد خصّ الاستعمال غالباً المصدر بالاعوجاج في الأشياء المحسوسة ، كالحائط والقناة . وخصّ إطلاق اسم المصدر بالاعوجاج الّذي لا يشاهد كاعْوجاج الأرض والسطح ، وبالمعنويات كالدِّين .

ومعنى { تبغونها عوجاً } يجوز أن يكون عوجاً باقياً على معنى المصدرية ، فيكون { عوجاً } مفعول { تبغونها } ، ويكون ضمير النصب في تبغونها على نزع الخافض كما قالوا : شكرتك وبعتُك كذا : أي شكرت لك وبعتُ لك ، والتقدير : وتبغون لها عوجاً ، أي تتطلبون نسبة العوج إليها ، وتصوّرونها باطلة زائغة .

ويجوز أن يكون عوجاً ، وصفاً للسبيل على طريقة الوصف بالمصدر للمبالغة ، أي تبْغونها عوجاء شديدة العوج فيكون ضمير النصب في { تبغونها } مفعول { تبغون } ، ويكون عوجاً حالاً من ضمير النَّصب أي ترومُونها معوجَّة أي تبغون سبيلاً معوجّة وهي سبيل الشرك .

والمعنى : تصدّون عن السَّبيل المستقيم وتريدون السَّبيل المعوجّ ففي ضمير { تبغونها } استخدام لأنّ سبيل الله المصدود عنها هي الإسلام ، والسّبيل الَّتي يريدونها هي ما هم عليه من الدّين بعد نسخه وتحريفه .

وقوله : { وأنتم شهداء } حال أيضاً توازن الحال في قوله قبلها { والله شهيد على ما تعملون } ومعناه وأنتم عالمون أنّها سبيل الله . وقد أحالهم في هذا الكلام على ما في ضمائرهم مِمَّا لا يعلمه إلاّ الله لأنّ ذلك هو المقصود من وخز قلوبهم ، وانثنائهم باللائمة على أنفسهم ، ولذلك عقّبه بقوله : { وما الله بغافل عما تعملون } وهو وعيد وتهديد وتذكير لأنَّهم يعلمون أنّ الله يعلم ما تخفي الصدور وهو بمعنى قوله في موعظتهم السابقة { والله شهيد على ما تعملون } إلاّ أنّ هذا أغلظ في التَّوبيخ لما فيه من إبطال اعتقاد غفلته سبحانه ، لأنّ حالهم كانت بمنزلة حال من يعتقد ذلك .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَأَنتُمۡ شُهَدَآءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (99)

قوله تعالى : " قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله " أي تصرفون عن دين الله " من آمن " . وقرأ الحسن " تُصِدون " بضم التاء وكسر الصاد وهما لغتان : صَدّ وأصَدّ ؛ مثل صل اللحم وأصَلَّ إذا أنتن ، وخَمّ وأّخَمّ أيضا إذا تغير . " تبغونها عوجا " تطلبون لها ، فحذف اللام ؛ مثل " وإذا كالوهم " {[3281]} [ المطففين : 3 ] . يقال : بغيت له كذا أي طلبته . وأبغيته كذا أي أعنته . والعوج : الميل والزيغ ( بكسر العين ) في الدِّين والقول والعمل وما خرج عن طريق الاستواء . و( بالفتح ) في الحائط والجدار وكل شخص قائم ، عن أبي عبيدة وغيره . ومعنى قوله تعالى : " يتبعون الداعي لا عوج له " {[3282]} [ طه : 108 ] أي لا يقدرون أن يعوجوا{[3283]} عن دعائه . وعاج بالمكان وعوج أقام ووقف . والعائج الواقف ، قال الشاعر :

هل أنتم عائجون بنا لَعَنّا{[3284]} *** نرى العَرَصاتِ{[3285]} أو أثر الخيام

والرجل الأعوج : السيء الخلق ، وهو بيِّن العَوَج . والعُوج من الخيل التي في أرجلها تحنيب{[3286]} . والأعوجية من الخيل تنسب إلى فرس كان في الجاهلية سابقا . ويقال : فرس مُحَنَّب إذا كان بعيد ما بين الرجلين بغير فَحَج ، وهو مدح . ويقال : الحَنَب اعوجاج في الساقين . قال الخليل : التحنيب يوصف في الشدة ، وليس ذلك باعوجاج .

قوله تعالى : " وأنتم شهداء " أي عقلاء . وقيل : شهداء أن في التوراة مكتوبا أن دين الله الذي لا يقبل غيره الإسلام ، إذ فيه{[3287]} نعت محمد صلى الله عليه وسلم .


[3281]:- راجع جـ9 ص 248.
[3282]:- راجع جـ11 ص 246.
[3283]:- في حـ و ا: لا يقدرون بألا يعوجوا عن مكانه.
[3284]:- لعنا: لغة في لعل.
[3285]:- العرصة: كل بقعة بين الدور ليس فيها بناء. وعرصة الدار: وسطها.
[3286]:- التحنيب: احديداب في وظيفي الفرس أيضا.
[3287]:- في د و ب: وأن فيه.