غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَأَنتُمۡ شُهَدَآءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (99)

92

ثم إنه تعالى لما أنكر عليهم في ضلالهم وبخهم على إضلالهم فقال : { لم تصدون عن سبيل الله من آمن } قال المفسرون : وكان صدّهم عن سبيل الله إلقاء الشكوك والشبهات في قلوب ضعفة المسلمين ، وإنكار أن نعت محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم ، ومنع من أراد الدخول في الإسلام بجهدهم وكدهم ، أو بتذكير ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروب ليعودوا لمثله . ومحل { تبغونها عوجاً } أو اعوجاجاً نصب على الحال أو بدل وهو بكسر العين الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى كالدين والقول . وأما الشيء الذي يرى فيقال فيه " عوج " بالفتح كالحائط والقناة ، ولهذا قال الزجاج : العوج بالكسر في المعاني وبالفتح في الأعيان . وتبغون بمعنى تطلبون ويقتصر على مفعول واحد إذا لم يكن معها اللام مثل " بغيت المال والأجر " فإن أريد تعديته إلى مفعولين زيدت اللام . فالتقدير تبغون لها عوجاً كما تقول : صدتك ظبياً أي صدت لك ظبياً . والضمير عائد إلى السبيل فإنها تذكر وتؤنث . والمعنى إنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أن فيها زيفاً كقولكم : إن النسخ يدل على البداء وإن شريعة موسى باقية إلى الأبد وإن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس بذلك المنعوت في كتابنا أو المراد أنكم تتبعون أنفسكم في إخفاء الحق وابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم .

ويحتمل أن يكون { عوجاً } حالاً بمعنى ذا عوج . وذلك أنهم كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله فقيل لهم : إنكم تبغون سبيل الله ضالين { وأنتم شهداء } أنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلا ضال مضل قاله ابن عباس . أو أنتم تشهدون ظهور المعجزات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، أو أنتم شهداء بين أهل دينكم عدول يصغون لأقوالكم ويستشهدونكم في عظائم الأمور يعني الأحبار . وفيه أن من كان كذلك لا يليق بحاله الإصرار على الباطل والكذب والضلال والإضلال . ثم أوعدهم بقوله : { وما الله بغافل عاما تعملون } كقول السيد لعبده وقد أنكر طريقته . لا يخفى عليّ سيرتك ولست بغافل عنك . وإنما ختم الآية الأولى بقوله : { والله شهيد } وهذه بقوله : { وما الله بغافل } لأن ذلك فيما أظهروه من الكفر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا فيما أضمروه وهو الصد بالاحتيال وإلقاء الشبهة . وفي تكرير الخطاب في الآيتين بقوله : { يا أهل الكتاب } توبيخ لهم على توبيخ بألطف الوجوه وألين المقال لعلهم يتفكرون فينصرفون عن سلوك سبيل الضلال والإضلال .

/خ101