البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَأَنتُمۡ شُهَدَآءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (99)

{ قل يا أهل الكتاب لم تصدُّون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجاً وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون } لمّا أنكر عليهم كفرهم في أنفسهم وضلالهم ، ولم يكتفوا حتى سعوا في إضلال مَنْ آمن ، أنكر عليهم تعالى ذلك ، فجمعوا بين الضلال والإضلال « من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عملها » وصدّ : لازم ومتعد .

يقال : صد عن كذا ، وصد غيره عن كذا .

وقراءة الجمهور : يصدون ثلاثياً ، وهو متعد ومفعوله مَنْ آمن .

وقرأ الحسن : تصدُّون من أصدّ ، عدى صدّ اللازم بالهمز ، وهما لغتان .

وقال ذو الرّمة :

أناس أصدُّوا الناس بالسيف عنهم *** ومعنى صد هنا : صرف .

وسبيل الله : هو دين الله ، وطريق شرعه ، وقد تقدّم أنها تذكر وتؤنث .

ومن التأنيث قوله :

فلا تبعد فكل فتى أناس *** سيصبح سالكاً تلك السبيلا

قال الراغب : وقد جاء { يا أهل الكتاب } دون قل ، وجاء هنا قل .

فبدون قل هو استدعاء منه تعالى لهم إلى الحق ، فجعل خطابهم منه استلانة للقوم ليكونوا أقرب إلى الانقياد .

ولما قصد الغض منهم ذكر قل تنبيهاً على أنهم غير متساهلين أنْ يخاطبهم بنفسه ، وإنْ كان كلا الخطابين وصل على لسان النبي صلى الله عليه وسلم .

وأطلق أهل الكتاب على المدح تارة ، وعلى الذّم أخرى .

وأهل القرآن والسنة لا ينطلق إلا على المدح ، لأن الكتاب قد يراد به ما افتعلوه دون ما أنزل الله نحو : { يكتبون الكتاب بأيديهم } وقد يراد به ما أنزل الله .

وأيضاً فقد يصحُّ أنْ يُقال على سبيل الذمّ والتهكم ، كما لو قيل : يا أهل الكتاب لمن لا يعمل بمقتضاه ، انتهى ما لخص من كلامه .

والهاء في يبغونها عائدة على السبيل .

قال الزجاج والطبري : يطلبون لها اعوجاجاً .

تقول العرب : ابغني كذا بوصل الألف ، أي اطلبه .

أي وأبغني بقطع الألف أعني على طلبه .

قال الزمخشري : ( فإن قلت ) كيف يبغونها عوجاً وهو محال ؟ ( قلت ) فيه معنيان : أحدهما : أنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أنَّ فيها عوجاً بقولكم : إن شريعة موسى لا تنسخ ، وبتغييركم صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وجهها ، ونحو ذلك .

والثاني : أنكم تتعبون أنفسكم في إخفاء الحق ، وابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم انتهى .

وقيل : يبغون هنا من البغي وهو التعدي .

أي يتعدّون عليها ، أو فيها .

ويكون عوجاً على هذا التأويل نصبه على الحال من الضمير في يبغون ، أي عوجاً منكم وعدم استقامة انتهى .

وعلى التأويل الأول يكون عوجاً مفعولاً به ، والجملة من قوله : « يبغونها عوجاً » تحتمل الاستئناف ، وتحتمل أن تكون حالاً من الضمير في يصدُّون أو من سبيل الله ، لأن فيها ضميرين يرجعان إليهما .

{ وأنتم شهداء } أي بالعقل نحو : { وألقى السمع وهو شهيد } أي عارف بعقله ، وتارة بالفعل .

نحو قال : { فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } وتارة بإقامة ذلك ، أي شهدتم بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثه على ما في التوراة من صفته وصدقه .

وقال الزمخشري : وأنتم شهداء أنها سبيل الله التي لا يصدّ عنها إلا ضال مضلٌّ .

أو وأنتم شهداء بين أهل دينكم عدول يثقون بأقوالكم ، ويستشهدون في عظام أمورهم ، وهم الأحبار انتهى .

قيل : وفي قوله : { وأنتم شهداء } دلالة على أن شهادة بعضهم على بعض جائزة ، لأنه تعالى سماهم شهداء ، ولا يصدق هذا الاسم إلا على من يكون له شهادة .

وشهادتهم على المسلمين لا تجوز بإجماع ، فتعين وصفهم بأن تجوز شهادة بعضهم على بعض ، وهو قول أبي حنيفة وجماعة .

والأكثرون على أنَّ شهادتهم لا تقبل بحال ، وأنّهم ليسوا من أهل الشهادة .

وما الله بغافل عما تعملون وعيد شديد لهم ، وتقدم تفسير هذه الجملة فأغنى عن إعادته .

/خ101